ملتقى الحوار العربي
شبكة حضرموت العربية

 

مساحة إعلانية مدفوعة

    
 


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > ساحة القصص والروايات

الإهداءات
إضافة إهداء

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 22-02-2008, 01:47 AM   #1
الجهازالاداري
 
الصورة الرمزية العاشق المجروح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2002
الدولة: مصر القاهرة
المشاركات: 10,689
عدد الاستياءات التي ضربها: 48
الاستياءات: 116
التحيات التي قدمها : 11,200
التحيات: 7,533
افتراضي قصص متنوعه للشيخ على الطنطاوي رحمه الله



القصة الاولى

بسم الله الرحمن الرحيم
الخَادِمَة

قال: لدي قصة أحب أن أقصها عليك، وإنك لتعلم أني لست ممن يؤلف القصص، ولست ممن يحسن الاستعارة والتشبيه وسائر أبواب المجاز التي تعلمنا أسماءها في المدرسة، فلا تأمل أن تسمع مني قصة أدبية معقودة من وسطها بعقدة فنية، مردودة الأول على الآخر، فيها الصورة النادرة، والفكرة المبتكرة، والأسلوب البارع، فليس عندي من ذلك شيء، وإنما هي واقعة أرويها كما رأيتها وسمعتها، وإن فيها لدرسا نافعا لمن يرى الحياة مدرسة، فهو يدأب على الاستفادة منها والانتفاع بها، فهل تحب أن تسمعها؟ِ

قلت: نعم

قال: لا أدري من أين أبدأ القصة لتجيء محكمة الوضع يرضى عنها أهل الأدب، فدعني أبدأها من نصفها، فما لك في أولها كبير نفع، وإن أولها ليلخص مع ذلك في كلمة، هي أن لي أقرباء إخوة ثلاثة شبابا أعزابا يقيمون مع أمهم العجوز التي ربتهم وقامت عليهم منذ تركهم لها أبوهم أيتاما صغارا، حتى إذا كلّت وهرمت، وعجزت عن خدمة الدار، ذهبوا يفتشون لها عن خادم تعينها، ولو فتشوا عن ثلاث زوجات لهم لكان ذلك أهون عليهم وأدنى إليهم، فلما طال التفتيش وزادت الحاجة، وجدوا بنتا من (التواني) فقنعوا بها، وأنت تعلم أن (التواني) قرية منزوية ضائعة بين الأدوية المقفرة والجبال، وأن أهلها من أقذر القرويين وأجفاهم وأبعدهم عن المدنية، على صحة فيهم وجمال. وكانت بنتا –كما يقولون- ذكية، فسرعان ما ألفتهم وألفوها، وأقامت فيهم مدة طويلة ما أنكروا منها شيئا، ولم أرها أبدا على كثرة ما كنت أتردد على الدار، حتى كان اليوم الذي جعلته مبدأ قصتي هذه....ِ

وكنت أزور أقربائي هؤلاء، فدعوني إلى الشاي، فإذا هي تدخل فتقدمه إليّ، وإذا فتاة في نحو السادسة عشرة، قد تخمرت بخمار أبيض لفّته من فوق رأسها إلى ما تحت ذقنها، فعل القائمة إلى الصلاة، فسترت به شعرها وجيدها، وبدا منه وجهها مدوّرا أبيض مورّدا يطفح بالصحة والصبوة، ويشع منه السحر والدلال، وكانت تلبس ثوبا قصيرا لا يكاد ينزل علن الركبتين، يكشف عن ساقين بضّتين غضّتين ممتلئتين في غير سمن، ممشوقتين في غير هزال، مصبوبتين صب التمثال، وفوق الثوب صدار من وشي رقيق كالذي تتخذه أنيقات الخادمات، قد شدّ شدّا، فهو يبرز من ورائه نهدين راسخين، يلقيان عليه ظلا لهما خفيفا لا يعرف موقعه من النفس إلا من قرأ سطور النهود في صدور العذارى.... وكانت تحمل الشاي بأكف كأنها خلقت بلا عظام، وكان جسمها ينبض بالعاطفة التي تلين أقسى الرجال، وتستخرج الصبوة من قرارات النفوس فتظهرها، ولو قيدتها قيود من الخلق المتين، ولو غطّتها ستور من الهمّ الدفين، ولو أنساها صاحبها علم يشتغل به، أو مال يسعى وراءه، ولو أن الصبوة قد ماتت، لردّها هذا الجمال المطبوع حيّة.... أما عيناها، فدعني بالله من وصفهما، فما أدري ما لونهما وما شكلهما، فإن لهما سرا يشغلك عن التفكير في وصفهما.... إنهما تروعانك فتبقى معلقا بهما، فإذا حاولت أن تضبط نفسك وتعود إلى ما كنت فيه، لم تشعر إلا وأنت قد عدت إليهما.... إن فيهما مغناطيس يجذب الأبصار والقلوب....ِ

فلما خرجت، قلت: أهذه هي الخادمة القروية التي جئتم بها من (التواني) ؟ِ

قالوا: نعم

قلت: فأخرجوها من هذه الدار، فإنها أخطر من البارود! فضحكوا وعدوها نكتة

*********

وعدت مرة أخرى، فإذا هي بلا خمار، فسألتها عنه، فقالت –وياليتها لم تقل، فما كنت أدري أن لها مع جمالها هذا الصوت الذي يرنّ كأجراس الفضة في مواكب الأحلام.. أو كرنّات العيدان في خيال متذكر ليلة غرام- قالت: إني قد استثقلته فألقيته أمام الأقرباء، وأنت منهم (مُشْ هيك) ؟ِ

وشفعتها ببسمة من فيها، وغمزة من مقلتيها، وهزة من كتفيها…. فما هذه البنت؟! ومن أين لها هذا كله؟! صدقني لو أنها ربيت في مسارح (مونمارتر) في باريس لكان هذا كثيرا منها، فكيف تعلمته في مزابل (التواني) ؟!ِ

وعبست فما أحببت أن أوغل معها في هذا الطريق، فولّت ترقص رقصا لا تمشي مشيا، وشعرها الذهبي حقا لا تشبيها، المنشور على كتفيها وظهرها، البالغ حقويها يرقص معها!ِ

وعدت بعد ذلك، فإذا هي قد جزّت شعرها على (الموضة)، وأمرّت يد الزينة على وجه ما يحتاج إلى زينة، وطرحت صدارها، ولبست ثياب فتاة غنية مدللة، لا ثياب خادم، فانفردت بأكبر الإخوة من أقربائي فقلت له: إنك أنت وإخوتك من أمتن الناس خلقا وأقومهم سيرة، ولكن هذه البنت تفتن والله العابد، وتستزل الزاهد، وتحرك الشيخ الفاني.... وإنها لتسحر بكل نظرة وكل حركة، ويكاد جسمها يتفجر إغراء بالمعصية، وإذا أنتم بقيتموها في هذه الدار فما أظن الأمر ينتهي بسلام!ِ

واستجاب لما قلته له، ورآه حقا، فأخرجها وأدخل مكانها زوجة صالحة

*********

قال: ودخلت البنت دارا أخرى، دار قوم مترفين منعّمين لا يسألون عن المال أين ذهب، وكانوا كلهم ثلاثة أبا تاجرا جاهلا، همه عمله في النهار، وسهراته في الليل، وأما شغلها ثيابها وزياراتها واستقبالاتها، وولدا شابا في العشرين طالبا في الجامعة صاحب جد ودراسة وخلق ودين، غير أنه كان –ككل الصالحين من لداته- يطوي صدره على مثل البارود المحبوس في القنبلة إذا طار منها مسمار الأمان، أو صدمتها فرجّتها تمزقت ومزقت من حولها! وكانت الصدمة لها هذه الخادمة اللعوب!ِ

وبدأت من اليوم الأول تولي اهتمامها صاحبنا الذي أسميه (الشاب) كراهة أن أصرح باسمه، وتنسج حوله خيوطها.... فإذا ناداها لحاجة له –ولم يكن له بدٌّ من أن يناديها- قفزت قفزة الغزال وأقبلت تحف بها شياطين الشهوة.... فتراه منصرفا عنها، فتبسم له، وتساله عما يريده، بصوت يقطر فتونا، وتسلط عليه من عينيها مغناطيس مكهربا يذيب القلوب، ولو كانت من صفا الجلمود، وإن أعانته في رفع نضد أو تسوية كرسي أو ناولته شيئا، دنت الملعونة منه حتى لامست بهذا الجسم اللدن الدافئ المكهرب، جسمه القوي القرم إلى (اللحم) ! أو قرّبت وجهها الفاتن من وجهه حتى ليحس لسع أنفاسها، ويشم رائحة جسمها، وإنها لأفتن من كل عطور الدنيا وطيبها، وأين العطر من ريح جسم المرأة؟ أو تتعمد حركة تزيح ثوبها القصير لحظة عن بياض فخذيها. وكان المسكين بشرا، اجتمعت عليه صبوة الحب في نفسه، وإغراء الجمال في خادمته…. وحماقة أبويه اللذين جاءاه بها وغفلا عنه وعنها، وصارا يتركانه معها وحيدين في الدار طول النهار، حتى لقد بعثاها مرة تناوله الصابون في الحمام…. وثار في أول الأمر عليها، وأعرض عنها، ثم أحس أن سمّها سرى في جسده وروحه، فاستنفر آخر قوى الفضيلة في نفسه وألح على أبويه في إخراجها من المنزل، فأبيا، وكيف يفرطان فيها وقد وجداها بعد طول البحث، وكبير العناء؟ وهل تدع (السّت) زياراتها وسينماها، وتشتغل هي: بالطبخ والكنس لمجرد أن البنت الخادمة جميلة و (دلّوعة) ويخشى منها؟ كلام فارغ!ِ

هكذا كان يفكر الأبوان المحترمان…. وضربا بالعمى عن حقيقة لا تخفى على عاقل، هي أن الرجل والمرأة حيثما التقيا وكيفما اجتمعا: معلما وتلميذة، وطبيبا وممرضة، ومديرا وسكرتيرة، وشيخا ومريدة، وشيخا ومريدة، فإنهما يبقيان رجلا وامرأة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلا رجل بامرأة (هكذا، على الإطلاق) إلا كان الشيطان ثالثهما"ِ

ومرض الشاب، وعجز عن الاحتمال.... فكانت الخادمة هي التي تقوم على خدمته، وتصرم الليل كله ساهرة عليه، وتبدل ثيابه فتراه كما هو وتستبيح بالنظر واللمس كل إصبع في جسده، وهو لا يحس بها، حتى إ‘ذا تماثل للشفاء، ومرّ في طريق النقاهة رآها إلى جانبه، وكان المرض قد أضعف عزمه وأوهن إرادته، فانكسر السد وطغى الحب.... وفي ليلة كان النعاس قد نال منها، حلف عليها إلا أن تستريح وتنام، وكان في الغرفة سرير آخر فاستلقت عليه أمامه.... وكان هذا أكثر من أن تتحمله أعصاب رجل في الدنيا، فطار النعاس، وكانت النتيجة المحتومة لهذه المقدمات! ودخلت (الست) في الصباح، فرأت الخادمة بين ذراعي ابنها!!ِ

صحت البنت من سكرتها، وصحا الأهلون وأرادوا إصلاح ما فسد، وهيهات! إن الماء قد انسفح على الرمل فمن يردّ الماء المسفوح؟ وعود الكبريت قد احترق فمن يعيد العود المحروق؟ وعرض البنت قد مزق فمن يرتق العرض الممزق؟ لا أحد!ِ

ووثبوا يفتشون كالمجانين عن طريق الخلاص، وأقبل الشيطان مرة ثانية، وكانت المؤامرة، وانجلت عن ستر هذه الجناية بجناية أخرى، هي أن ترد البنت إلى أبيها الذي يطلبها ليزوجها من ابن عمها، وقبلت، وماذا تصنع إذا هي لم تقبل؟ِ

وكان الفصل الآخر من المأساة وإني سأختصره اختصارا:ِ

دبّر الأمر على عجل، وعقد العقد، وسيقت العروس (الشامية....) إلى الشاب القروي، وحسب المسكين كأنما رأى ليلة القدر فدعا فهبطت عليه حوراء من حور الجنان.... وكان الدخول، واحتوى بين ذراعيه الخشنتين ذلك الجسم الذي تتقطع عليه نفوس أبناء الأمراء حسرات و.... فإذا الثمرة مقطوفة!ِ

قلت: ثم ماذا؟ِ

قال: ماذا؟ صار ابن العم في السجن، والبنت في القبر! وأسدل الستار على فصل جديد من هذه المأساة التي تتكرر فصولها دائما في بيوت الشام.


 

التوقيع




موغريبة يضمد اجراحك غريب

 

العاشق المجروح متواجد حالياً  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
التحيات لـ العاشق المجروح :
قديم 22-02-2008, 01:48 AM   #2
الجهازالاداري
 
الصورة الرمزية العاشق المجروح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2002
الدولة: مصر القاهرة
المشاركات: 10,689
عدد الاستياءات التي ضربها: 48
الاستياءات: 116
التحيات التي قدمها : 11,200
التحيات: 7,533
افتراضي رد: قصص متنوعه للشيخ على الطنطاوي رحمه الله

القصة الثانية



بسم الله الرحمن الرحيم
قِصَّةُ أبْ

دخل عليّ أمس بعدما انصرف كتّاب المحكمة ولبست معطفي رجل كبير في السن يسحب رجليه سحباً لا يستطيع أن يمشي من الضعف والكبر.فسلّم ووقف مستنداً إلى المكتب وقال

إني داخل على الله ثم عليك أريد أن تسمع قصتي وتحكم لي على من ظلمني

قلت: تفضل، قل أسمع

قال: على أن تأذن لي أن أقعد فوالله ما أطيق الوقوف

قلت: اقعد وهل منعك أحد من أن تقعد؟ اقعد يا أخي فإن الحكومة ما وضعت في دواوينها هذه الكراسي وهذه الأرائك الفخمة إلا ليستريح عليها أمثالك من المراجعين الذين لا يستطيعون الوقوف. ما وضعتها لتجعل من الديوان(قهوة)يؤمها الفارغون ليشتغل الموظف بحديثهم عن أصحاب المعاملات ويضاحكهم ويساقيهم الشاي والمرطبات والناس قيام ينتظرون لفتة أو نظرة من الـ(بك)!

لا. لسنا نريدها(فارسية)كسروية في المحكمة الشرعية فاقعد مستريحا فإنه كرسي الدولة ليس كرسي أبي ولا جدي، وقل ماتريد

قال: أحب أن أقص القصة من أولها فأرجو أن يسعني صبرك ولا يضيق بي صدرك وأنا رجل لا أحسن الكلام من أيام شبابي فكيف بي الآن وقد بلغت هذه السن ونزلت علي المصائب وركبتني الأمراض ولكني أحسن الصدق ولا أقول إلا حقاً

كنت في شبابي رجلاً مستوراً أغدو من بيتي في حارة(كذا)على دكاني التي أبيع فيها الفجل والباذنجان والعنب وما يكون من(خُضر)الموسم وثمراته فأربح قروشاً معدودات أشتري بها خبزي ولحمي وآخذ ما فضل عندي من الخُضر فيطبخه(أهل البيت)ونأكله وننام حامدين ربنا على نعائمه لا نحمل هماً ولا نفكر في غد ولا صلة لنا بالناس ولا بالحكومة ولا نطالب أحداً بشيء ولا يطلب منا شيئاً ولم أكن متعلماً ولا قعدت في مدرسة ولكني كنت أعرف كيف أصلي فرضي وأحسب دراهمي...ولقد عشت هذا العمر كله ولم أغش ولم أسرق ولم أربح إلا الربح الحلال وما كان ينغّص حياتي إلا أنه ليس لي ولد فجرّبنا الوسائل وسألنا القابلات ولم يكن في حارتنا طبيب ولم نحتج إليه فقد كان لنا في طب(برو العطار)وزهوراته وحشائشه ما يغنينا عن الطبيب والصيدلي.وإذا احتجنا إلى خلع ضرس فعندنا الحلاق أما أمراض النساء فمردّ أمرها إلى القابلة ورحم الله أم عبد النافع قابلة الحارة فقد لبثت أربعين سنة تولّد الحاملات ولم تكن تقرأ ولا تكتب

أقول إنّا سألنا القابلات والعجائز فوصفن لنا الوصفات فاتخذناها وقصدنا المشايخ فكتبوا لنا التمائم فعلقناها فلم نستفد شيئا، فلم يبق إلا أن ننظر أول جمعة في رجب لنقصد(جامع الحنابلة)فلما جاءت بعثت(أهل البيت)فقرعت حلقة الباب وطلبت حاجتها فنالت طلبها-خرافة دمشقية وثنية من آمن لها أو بأمثالها من الخرزة الزرقاء لرد العين والسحر والشعوذات واعتقد أن لغير الله نفعاً أو ضرراً فيما وراء الأسباب الظاهر فقد خالف الإسلام-فنالت طلبها وحملت

وصرت أقوم عنها بالثقيل من أعمال المنزل لأريحها خشية أن تسقط حملها وأجرمها وأدللها وصرنا نعدّ الأيام والساعات حتى كانت ليلة المخاض فسهرت الليل كله أرقب الوليد فلما انبلج الفجر سمعت الضجة وقالت(أم عبد النافع):البشارة يا أبا ابراهيم!جاء الصبي

ولم أكن أملك إلا ريالاً مجيدياً واحداً فدفعته إليها

وقلّبنا الصبي في فرش الدلال، إن ضحك ضحكت لنا الحياة وإن بكى تزلزلت لبكائه الدار وإن مرض اسودّت أيامنا وتنغّص عيشنا وكلما نما أصبعاً كان لنا عيد وكلما نطق بكلمة جدّت لنا الفرحة وصار إن طلب شيئاً بذلنا في إجابة مطلبه الروح...وبلغ سن المدرسة فقالت أمه:إن الولد قد كبر فماذا نصنع به

قلت: آخذه إلى دكاني فيتسلى ويتعلم الصنعة

قالت: أيكون خضرياً

قلت: ولم لا؟ أيترفع عن مهنة أبيه

قالت: لا والله العظيم! لابد أن ندخله المدرسة مثل عصمة ابن جارنا سموحي بك.أريد أن يصير(مأموراً)في الحكومة فيلبس(البدلة)والطربوش مثل الأفندية

وأصرّت إصراراً عجيباً فسايرتها وأدخلته المدرسة وصرت أقطع عن فمي وأقدم له ثمن كتبه فكان الأول في صفه فأحبه معلموه وقدروه وقدّموه

ونجح في الامتحان ونال الشهادة الابتدائية فقلت لها:يا امرأة!لقد نال ابراهيم الشهادة فحسبنا ذلك وحسبه ليدخل الدكان

قالت: يوهْ! ويلي على الدكان...أضيّع مستقبله ودراسته؟!لابد من إدخاله المدرسة الثانوية

قلت: يا امرأة من علّمك هذه الكلمات؟ما مستقبله ودراسته؟أيترفع عن مهنة أبيه وجده؟قالت:أما سمعت جارتنا أم عصمة كيف تريد أن تحافظ على مستقبل ابنها ودراسته؟قلت:يا امرأة اتركي البكوات…نحن جماعة عوام مستورون بالبركة فما لنا وتقليد من ليسوا أمثالنا

فولولت وصاحت.ودخل الولد الثانوية وازدادت التكاليف فكنت أقدمها راضياً...ونال البكالوريا

قلت: وهل بقي شيء

قال الولد: نعم يا بابا.أريد أن أذهب إلى أوربا

قلت: أوربا؟ وما أوربا هذه

قال: إلى باريس

قلت: أعوذ بالله تذهب إلى بلاد الكفار والله العظيم إن هذا لا يكون

وأصر وأصررت وناصرته أمه فلما رأتني لا ألين باعت سواري عرسها وقرطيها وذلك كل مالها من حلي اتخذتها عدة على الدهر ودفعت ثمنها إليه فسافر على الرغم مني

وغضبت عليه وقاطعته مدة فلم أردّ على كتبه ثم رق قلبي وأنت تعلم ما قلب الوالد وصرت أكاتبه وأساله عما يريد...فكان يطلب دائما

أرسل لي عشرين ليرة...أرسل لي ثلاثين...فكنت ابقى أنا وأمه ليالي بطولها على الخبز القفار وأرسل إليه ما يطلب

وكان رفاقه يجيئون في الصيف وهو لا يجيء معهم فأدعوه فيعتذر لكثرة الدروس وأنه لا يحب أن يقطع وقته بالاسفار

ثم ارتقى فصار يطلب مئة ليرة...وزاد به الأمر آخر مرة فطلب ثلاثمئة

تصور يا سيدي ما ثلاثمائة ليرة بالنسبة لخضري تجارته كلها لا يساوي ثمنها عشرين ليرة وربحه في اليوم دون الليرة الواحدة؟وياليته كان يصل إليها في تلك الأيام التي رخت فيها الأسعار وقل العمل وفشت البطالة ثم إنه إذا مرض أو اعتل علة بات هو وزوجته على الطوى…فكتبت إليه بعجزي ونصحته ألا يحاول تقليد رفاقه فإن أهلهم موسرون ونحن فقراء فكان جوابه برقيّة مستعجلة بطلب المال حالاً

وإنك لتعجب يا سيدي إذا قلت لك أني لم أتلق قبلها رقية في عمري فلما قرع موزع البريد الباب ودفعها إلي وأخذ إبهام يدي فطبع بها في دفتره انخرطت كبدي في الخوف وحسبتها دعوة من المحكمة وتوسلت إليه وبكيت فضحك الملعون مني وانصرف عني،وبتنا بشر ليلة ما ندري ماذا نصنع ولا نعرف القراءة فنقرأ ما في هذه الورقة الصفراء حتى أصبح الله بالصباح ولم يغمض لنا جفن وخرجت لصلاة الغداة فدفعتها لجارنا عبده أفندي فقرأها وأخبرني الخبر ونصحني أن أرسل المبلغ فلعل الولد في ورطة وهو محتاج إليه

فبعت داري بنصف ثمنها أتسمع يا سيدي؟بعت الدار بمئتي ليرة وهي كل ما أملك في هذه الدنيا واستدنت الباقي من مرابٍ يهودي دلوني عليه بربا تسعة قروش على مل ليرة في الشهر أي أن المئة تصير في آخر السنة مئتين وثمانية!وبعثت إليه وخبرته أني قد افلست

وانقطعت عني كتبه بعد ذلك ثلاث سنوات ولم يجب على السيل من الرسائل التي بعثت بها إليه

ومر على سفره سبع سنين كوامل لم أر وجهه فيها وبقيت بلا دار ولاحقني المرابي بالدين فعجزت عن قضائه فأقام علي الدعوى وناصرته الحكومة عليّ لأنه أبرز أوراقاً لم أدر ما هي فسألوني:أأنت وضعت بصمة أصبعك في هذه الأوراق

قلت: نعم. فحكموا علي بان أعطيه ما يريد وإلا فالحبس.وحبست يا سيدي.نعم حبست وبقيت(المرأة)وليس لها إلا الله فاشتغلت غسّالة للناس وخادمة في البيوت وشربت كأس الذل حتى الثمالة

ولما خرجت من السجن قال لي رجل من جيراننا:أرأيت ولدك؟قلت:ولدي؟!بشّرك الله بالخير.أين هو؟قال:ألا تدري يا رجل أم أنت تتجاهل؟هو موظف كبير في الحكومة ويسكن مع زوجته الفرنسية داراً فخمة في الحي الجديد

وحملت نفسي وأخذت أمه وذهبنا إليه وما لنا في العيش إلا أن نعانقه كما كنا نعانقه صغيراً ونضمه إلى صدورنا ونشبع قلوبنا منه بعد هذا الغياب الطويل.فلما قرعنا الباب فتحت الخادمة فلما رأتنا اشمأزت من هيئتنا وقالت:ماذا تريدون؟قلنا نريد إبراهيم.قالت:إن البك لا يقابل الغرباء في داره اذهبا إلى الديوان.قلت:غرباء يا قليلة الأدب؟أنا أبوه وهذه أمه

وسمع ضجتنا فخرج وقال:ما هذا؟وخرجت من وراءه امرأة فرنسية جميلة

فلما رأته أمه بكت وقالت:إبراهيم حبيبي؟ومدّت يديها وهمّت بإلقاء نفسها عليه.فتخلى عنها ونفض ما مسته من ثوبه وقال لزوجته كلمة بالفرنساوي،سألنا بعد عن معناها فعلمنا أن معناها(مجانين)

ودخل وأمر الخادم أن تطردنا…فطردتنا يا سيدي من دار ولدنا

وما زلت أتبعه حتى علقت به مرة فهددني بالقتل إذا ذكرت لأحد أني أبوه وقال لي:ماذا تريد أيها الرجل؟دراهم؟أنا أعمل لك راتباً بشرط ألا تزورني ولا تقول أنك أبي

ورفضت يا سيدي وعدت أستجدي الناس وعادت أمه تغسل وتخدم حتى عجزنا وأقعدنا الكبر فجئت أشكو إليك فماذا أصنع

فقلت للرجل: خبرني أولا ما اسم ابنك هذا وما هي وظيفته

فنظر إليّ عاتباً وقال: أتحب أن يقتلني

قلت: إن الحكم لا يكون إلا بعد دعوى والدعوى لا تكون إلا بذكر اسمه

قال: إذن أشكو شكاتي إلى الله

وقام يجرّ رجله يائساً...حتى خرج ولم يعد




 

التوقيع




موغريبة يضمد اجراحك غريب

 

العاشق المجروح متواجد حالياً  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
التحيات لـ العاشق المجروح :
قديم 22-02-2008, 01:50 AM   #3
الجهازالاداري
 
الصورة الرمزية العاشق المجروح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2002
الدولة: مصر القاهرة
المشاركات: 10,689
عدد الاستياءات التي ضربها: 48
الاستياءات: 116
التحيات التي قدمها : 11,200
التحيات: 7,533
افتراضي رد: قصص متنوعه للشيخ على الطنطاوي رحمه الله

القصة الثالثه


المُوْسِيْقِي العَاشِقْ قال لي أمس صديقي حسني: إني لأعلم شغفك بالموسيقى، وحبك الفن القديم، فهل لك في سماع رجل وهو أحد أعمدة هذا الفن في دمشق ومن أساطينه، وهو هامة اليوم أو غذ، فإذا انهار أوشك ألا يقوم مثله أبدا؟

قلت ما أحوجني إلى ذلك، فمن هو هذا الموسيقي الذي لا أعرفه إلى اليوم؟

قال: هو شوقي بك رجل تركي، كان من موسيقيي القسطنطينية أيام السلطان عبد الحميد، وانتهت إليه رياسة (العود) فيها، وله أسطوانات هي عند الموسيقيين، كرسائل الجاحظ عند جماعة الأدباء، واسمع فعندي واحدة منها

وقام إلى (الحاكي) فأداره، ووضع أسطوانة عتيقة، فسمعت شيئا ما حسبت مثله يكون، وبدا لي كل ما سمعت إلى اليوم من ضرب الموسيقيين كأنه إلى جانبه لعب أطفال، وخربشة مبتدئين

قلت: ويحك قم بنا إليه الآن

فقمنا وأخذنا معنا شيخ الموشحات في دمشق الشيخ صبحي واثنين من مجودي المغنين، وذهبنا إليه

**********

ضربنا في الجبل حتى جاوزنا الدور الفخمة والقصور العامرة، ووصلنا إلى طائفة من المساكن هي أشبه بأكواخ، قد بنيت من الطين وقامت دوين الصخر، فوقفنا عند واحد منها، وقرع الباب دليلنا الأستاذ حسني كنعان، ففتح لنا رجل طويل، عريض الألواح، حليق الوجه محمره، ولكن الكبر ظاهر عليه، قد جعد وجهه وإن لم يحن ظهره، ولم يهصر عوده، ورحب بنا على الطريقة التركية، وبالغ في الترحيب بنا ودعانا إلى الدخول فدخلنا، فإذا رحبة نظيفة خالية من الأثاث، ما فيها إلا أشباه كراسي، وسدة من الخشب مفروشة ببساط هي السرير وهي المجلس، وإذا الفقر باد، ولكن مع الفقر ذوقا ونظافة… فقعدنا، وحلفنا عليه أن لا يصنع لنا شيئا، فما نريد إكراما منه إلا بإسماعنا ضربه

أخذ قيثارته (كمانه) وقسم (تقاسيم) هزت حبة قلبي، فأحسست بلذة ما عرفتها من قبل، ومع اللذة شيء من السحر، يجعلك تتطلع إلى المجهول، وتسمو إلى عالم الروح، ويوقظ فيك ذكرياتك وآمالك كلها دفعة واحدة

فلما انتهى، عرض عليه حسني العود، فابى واعتذر وقال: إنه لا يضرب عليه

قال حسني: كيف وأنت إمام الضاربين

قال: إنني لا أستطيع

فلما ألحفنا عليه وألححنا قال: إن لذلك قصة ما قصصتها على أحد، فاسمعوها، ولو أني وجدت ما أكرمكم به لما قصصتها عليكم، ولكني لا أملك شيئا، ولن اجمع عليكم حرمان السماع وكتمان السبب

**********

وهذه هي القصة مترجمة إلى لغة القلم:

قال: كان ذلك منذ أمد بعيد نسيه الناس وأدخلوه في منطقة التاريخ المظلمة، فلا يرون منه إلا نقطا مضيئة مثلما يرى راكب الطيارة من مدينة يمر بها ليلا. أما أنا فلا أزال أحس به بجوارحي كلها، ولا يزال حيا في نفسي، بل أنا لا أزال أحيا فيه، وما عشت بعده قد إلا بذكراه. ولقد مر على قصتي زمن طويل عندكم لأنكم تقدرونه بعدد السنين، نصف قرن… أما أنا فأقدره بذكراه الحية في نفسي فأجده ساعة واحدة… لحظة… إني أنظر الآن إلى عينيها، وأشم عطرها، وأجلس في مجلسها. إن ما أراه حولي ظلال، وتلك المشاهد هي الحقيقية. أفعلمتم من قبل أن ذكرى قد تضح وتظهر حتى تطمس المرئيات، وتغطي على الحقائق، هذه هي ذكرياتي

كان أبي من الباشوات الكبار المقربين من السلطان، فلما علم أني اشتغلت

بالموسيقى، كره ذلك مني، وصرفني عنه، وعاقبني عليه، فلما أصررت عليه، أهملني واطرحني، وطردني من داره، فلبثت أتنقل في بيوت أقربائي وأصدقاء أبي، أمارس تعليم الموسيقى لأبناء الأسر الكبيرة، وكان (فلان) باشا من الآخذين بأسباب الحياة الجديدة، يحب أن يقبس عن أوروبا طرائقها في معيشتها ويقلدها في السير عليها لا يدري أنه لا يأخذ عاداتها لحياته، بل سمومها لدينه وخلقه، فدعاني لأعلم ابنته، وكنت يومئذ في الثلاثين، ولكنهم كانوا يقولون عني: ((إنه أجمل شاب في حاضرة الخلافة))… وأحسب أني كنت كذلك، ولكني –ولست أكذبكم- ما عرفت طريق الحرام، والحلال ما استطعت سلوك طريقه

قابلت الباشا، فأدخلني على ابنته لأعلمها، فنظرت إليها، فإذا هي ملتفة بـ (يمشق) من الحرير الأبيض، لا يبدو منه إلا وجهها، وإنه لأشد بياضا ولينا من هذا الحرير، لا البياض الذي تعرفونه من النساء، بل بياض النور، لا، لم أستطع الإبانة عما في نفسي، إنه ليس كذلك، هو شيء ثمين عذب مقدس، يملأ نفسك عاطفة لا شهوة، وإكبارا لا ميلا، وتقديسا لا رغبة، وكانت عيناها مسبلتين حياء وخفرا، تظهر على خديها ظلال أهدابها الطويلة فلم أر لونها، وكانت في نحو السادسة عشرة من عمرها، مثل الفلة الأرجة إبان تفتحها

وانصرف أبوها بعدما عرفني بها وعرفها بي، وبدأ الدرس على استحياء مني ومنها. ورفعت عينيها مرة، فمشى بي منهما مثل الكهرباء إن لمست سلكتها… عينين واسعتين، فيهما شيء لا يوصف أبدا، ولكنك تنسى إن رأيتهما أن وراءك دنيا… إنها تصغر دنياك حتى تنحصر فيهما، فلا تأمل إن رأيتهما في شيء بعدهما… العفو يا سادة‍ أنا لست أديبا، ولا أحسن رصف الكلام، ففسروا أنتم كلامي، وترجموه إلى لسان الأدب، وأين الأديب الذي يملك من الكلام ما يحيط بأسرار العيون؟ إنه العلم أوسع وأعمق من الفلسفة والكيمياء والفلك… أعندكم في وصفها إلا أن تقولوا: عينان سوداوان أو زرقاوان، واسعتان أو ضيقتان، حوراوان دعجاوان، وتخلطوا ذلك بشيء من تشبيهاتكم؟ اعرضوا عيون الفتيات تروا أنكم لم تصفوا شيئا، هاتان عينان متشابهتان في سعتهما ولونهما وأهدابهما، ولكن في هذه، الجمال الوادع الحالم، وفي تلك الجمال الشرس الأخاذ، وفي أخرى العمق والرهبة، وفي هذه الأمل، وعين فيها فتنة، وعين فيها خشوع، وعيون فيها شيء لا تعرف ما هو على التحقيق، ولكنه يبدل حياتك، ويقلب عليك دنياك باللمحة الخاطفة

ولا تكلمت سمعت صوتها كأنما هو… مالي وللتشبيهات التي لا أحسنها؟ وأين ما يشبه به صوتها، وفيه الخفر وفيه الرقة وفيه فتنة وفيه رفاهية؟ لا تعجبوا فإن من الأصوات الصوت المهذب والصوت الوقح، والصوت المرفه، والصوت البائس، وصوتا خليعا وآخر صينا. إن الصوت لينطلق من غير حروف. ورب ناطقة بلا إله إلا الله، وصوتها يدعو إلى الفحشاء‍، وقائلة كلمة الفجور وصوتها ينهى عنه‍، وإنك لتستطيع أن تتخيل المرأة من صوتها. ولم يكن في زماننا هذا الهاتف (التلفون) ولكني أعذر من أسمع عنهم أنهم يعشقون بالتلفون. فالأذن تعشق قبل العين أحيانا

لم أجاوز الدرس ولم أقل فوقه كلمة واحدة. وكنت أشد منها حياء وخجلا، ولم يكن أبناء زماننا أولي وقاحة وجرأة كهذه الجرأة التي نراها اليوم، وندر فيهم من كان مثل (الباشا) يسمح لابنته الناهد أن تتلقى العلم عن الرجال –وهو يعلم أن الشاب والشابة في الطريق أو المدرسة يتخاطبان بلغة العيون خطاب الرجل والمرأة، قبل أن يتحرك اللسانان بحديث المعلم والتلميذة. وانقضى الدرس بسلام، ولكني لما فارقتها رأيت كل شيء قد تبدل، فقد تعلقت بالحياة وكنت بها زاهدا، ورأيت ضوء الشمس اشد نورا وأحسست بالوجود من حولي وقد كنت أنظر إليه غافلا، وكان لي أصحاب لم أكن أعدل بمجلسهم وصحبتهم شيئا ففارقتهم تلك الليلة وهربت منهم، وذهبت إلى غرفتي لم أطق فيها قرارا، ولا اشتهيت طعاما ولا شرابا، ووجدتني أخرج على الرغم مني، فأؤم دارها، فيردني بابها فاهيم حولها، أوغل السير في التلال الشجراء عند (بيوغلي) لا أستطيع النأي عن دارها.

صارت هي كوني ودنياي، قد تبدلت قيم الأشياء في نظري، فعز ما كان منها يمت بصلة إليها، وهان كل شيء سواه، وانطويت على نفسي أفكر فيها وأتصور أدق حركة أو سكنة منها. وكلما ذكرتها يهز شيء قلب فيخفق كجناح طائر علقت رجله بالفخ، ثم يندفع الشيء إلى عيني فيفيضان بالدمع. ولا أدري كيف أمضيت ليلتي، حتى أزف موعد الدرس الثاني شعرت كأني عدت إلى جنتي التي خرجت منها، وعشت ساعة في لذة لو جمعت لذاذات الأرض كلها ما بلغت نقطة من بحرها. وعندما ودعتها نظرت إلي نظرة شكت كبدي وزلزلتني زلزالا، وكدت من سروري بها أطير فوق رؤوس الناس خفة وفرحا، فقد علمت أن لي عندها مثل الذي لها عندي، على أني ما كلمتها في غير موضوع الدرس كلمة ولا لمست لها طرف ثوبها، وما هي إلا نظرة واحدة ولكنها قالت فأبلغت، وحدثت فأفهمت

**********

وسكت الموسيقي وجال الدمع في عينيه، ثم قال وهو يكاد يشرق بدمعه وقد ضاع في رنة البكاء صوته:ِ

أتدرون ما عمري اليوم؟ أنا فوق الثمانين، وقد مر على هذا الحب دهر، ولكني أراه كأنه كان أمس، وكأني لا أزال شابا ينطوي صدره على قلب صبي. ولقد حسبت أني أستطيع أن أتحدث عنه كما يتحدث الشيوخ عن ماضيات لياليهم فوجدتني لا أستطيع، لا أستطيع فاعذروني. إن هذه الذكرى قد خالطت شغاف قلبي، ومازجت لحمي وعظمي، وإني لأحس وأنا أحدثكم أني أمزق جسدي لأستل منه هذه الذكريات

قلت: فأخبرنا ماذا كان بعد ذلك؟ِ

قال: كان ما أخشى التحدث عنه، إني لا أحب أن أهيج الذكرى وأثيرها، إنكم لا تدرون ماذا تصنع بي؟ إنها تحرقني، تنتزع روحي

كان يا سادة، أني تدلهت بحبها، وهمت بها، وجعلتها هي كل شيء لين إن كنت معها لم أذكر غيرها، وإن فارقتها ذكرتها وفكرت فيها. فهي ماضي وحاضري ومستقبلي، وهي ذكرياتي كلها وآمالي، أراها طالعة علي من كل طريق أسير فيه، وأرى صورتها في صفحة البدر إن طلع علي البدر، وفي صحيفة (النوطة) إن جلست إلى (البيان)، ومن سطور الكتاب إن عمدت إلى القراءة في كتاب، فإذا جلست إليها والعود في حجري، وعيناها في عيني، وأذناها إلى عودي، تخيلت أني معانقها هي، لا العود، وغبت عني، وسمت روحي إلى عالم أعرفه ولا أعرف ما اسمه، فرجعت منه بالسحر فجرت به يدي على العود، فمن هناك تلك (الأسطوانات) التي كنتم تعرفونها لي

لا، لا تلحفوا علي (سألتكم بالله)، لن أذكر لكم هذه التفاصيل، إنني انتزعتها من لحمي ودمي، فدعوها لي، إنها حظي من حياتي أتعلل بها وحدي. لا أحب أن تلوكها الأفواه ويلتهي بها قراء المجلات. لقد كانت الخاتمة أن أصدقاء أبي عطفوا علي، فخطبوها لي وكان العقد وصارت زوجتي، ولكن الله لم يشأ أن تتم سعادتي فمرضت ثم …ِ

وغلب عليه البكاء، فلم يستطع أن يخرج الكلمة، فأداها بإشارة مبتلة بالدمع، محروقة بأنفاس الألم

وسكتنا –فقال بعد هنية:ِ

وقد ذهبت أودعها، فأخذت يدها بيدي، كأني أنازع الموت إياها، وأسحبها منه، فقالت لي:ِ

َ- إنك غذا، تحب غيري، وتضرب لها على عودك

قلت: لك علي عهد الحب، لا نظرت بعدك إلى امرأة، ولا أجريت يدي على عود



وسكت، ونظر إلى العود كأنه يريد أن يعتنقه لينطقه بالمعجزات، ويترجم به لواعجه، ثم غلبه البكاء مرة ثانية فقام، وانسللنا واحدا بعد واحد، وأغلقنا الباب ونحن نسمع نشيجه

 

التوقيع




موغريبة يضمد اجراحك غريب

 

العاشق المجروح متواجد حالياً  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
التحيات لـ العاشق المجروح :
قديم 22-02-2008, 01:53 AM   #4
الجهازالاداري
 
الصورة الرمزية العاشق المجروح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2002
الدولة: مصر القاهرة
المشاركات: 10,689
عدد الاستياءات التي ضربها: 48
الاستياءات: 116
التحيات التي قدمها : 11,200
التحيات: 7,533
افتراضي رد: قصص متنوعه للشيخ على الطنطاوي رحمه الله

القصة الرابعه

في حَديقَةِ الأُزْبَكِيّة

كنت أمس عند الأستاذ الزيات فدخل علينا شاب في نحو الثامنة عشرة عراقي،فسلم وقعد صامتاً لا ينبس،وجعل ينظر إليّ كان في فيه كلاماً يريد أن يقوله،ولكنه لا يحب أن يظهرني عليه،فهو يتبرّم بمجلسي،ويرقب قيامي،فلما طال منه ذلك،قال له الأستاذ:"تفضل!".فقال متردداً:"كنت أريد أن أقص عليكم قصتي...علّها...تكتب في الرسالة...ولكن...سأجيء في وقت آخر".وألقى عليّ نظرة لا أقول من نار،ولكن من حروف وكلمات تقول:"لولا هذا الرجل!"

فقال الأستاذ معرّفاً بي:"إنه فلان،وهو من أسرة الرسالة فقصّ القصة أمامه،لعله إذا سمعها منك كتبها هو".فلما عرفني أشرق وجهه واظمأن وانطلق يقول

*********

وصلت مصر للدراسة في مدارسها في أكتوبر الماضي وكانت تلك أول مرة أقدم فيها القاهرة،وأرى فيها الدنيا،أمضيت عمري قبلها في قرية لا تعرف إلا الجد،ولا تقبل غير الحرث والدرس،ما فيها إلا الحلقة والحقل،ما فيها سينما ولا ملهى،ولا تلقى في طرقها امرأة سافرة،ولا تصادف في حقولها فتاة،لم أخرج منها إلا مرة واحدة وأنا صغير زرت فيها النجف مع لِدَات لي فرأيتها مدينة عظيمة فيها كل ما يبهج ويهيج،وسعدت فيها أياماً،ثم عدنا إلى القرية،وإلى حلقة الشيخ،فقرأنا عليه كتب الدين والنحو والصرف والبلاغة،ثم أقبلنا على الأدب،نعبّ الشعر الغزل،كما يعبّ من النبع العذب الصادي الظمآن،ونحفظه في صورنا كما يحفظ الشحيح الموسر ماله في صندوقه،فيكون لقلوبنا الفتية المشتعلة بالعاطفة حطباً يابساً يزيدها اشتعالاً،ولكنه يكون لقرائحنا مدداً،ولألسنتنا ثقافاً،ولنفوسنا صقالاً،وكانت لنا صبوات يحركها سواد المرأة وهي تخطر في سوق القرية بعباءتها السوداء السابغة،وظلها من خلف زجاج النافذة،وصوتها من وراء الباب،لا نرى منها اكثر من ذلك،فكان يثير سواكن هذه القلوب التي ما عرفت طريق الإثم...وإن لم تخل القرية من آثمين(من الشباب)ومن آثمات

قلت: فما فائدة الحجاب

قال: إن الخير المطلق ليس من طبيعة هذه الدنيا،والعبرة بالغالب،فالحجاب خير فيه شر قليل،ولكن السفور شر قد يكون في خير قليل،وما الإثم في العاطفة يفيض بها القلوب،أو الشهوة تضطرم بنارها الأعصاب،ولكن الإثم في عمل الجوارح

وعاد إلى قصته،فقال

وكنت قد سمعت عن القاهرة أنها، لا تؤاخذوني،أنها كباريس،بلد لذة وانطلاق،وأنها عالم فيه من كل شيء،فيه العلم والجهل،والغنى والفقر،والتقى والفجور،والعفاف والفسوق،يصنع كل فيها ما يريد،لا يسأل أحد أحداً ماذا يصنع؟ولا يقول له:دع ذا،فإنه حرام.وكفّ عن ذا فإنه عيب،وإن…إني لأستحي والله أن أتكلم

قلنا له: قل يا أخي،إنك تقول الصدق ابتغاء الإصلاح،ولا حياء في الإصلاح

فتردد قليلا،وغض بصره،ثم قال

وأن النساء في مصر،أستغفر الله،ما هذا أعني،أعني أن في مصر نساء كثيرات...الحاصل أن الصورة التي كانت لمصر في مخايلنا لم تكن صورة الأزهر بحلقاته،ولا الجامعة بأبهائها،ولا الجمعيات الإسلامية،ولا النوادي الأدبية،كلا.بل صورة(البلاج)ومشاهده.والسفور والاختلاط،وأن الصوت الذي يصل إلى قريتنا عالياً ليس صوت الرسالة والثقافة والكتاب،فإنه صوت خافت فينا،ولكن صوت الإثنين وأخبار المسامرات،منها تكوّنت للقاهرة هذه الصورة،فتخيلناها فتاة عابثة مستهترة،لا شخاً وقوراً صالحاً

وأنا أقول لكم الحق،فأرجو أن يتسع لسماعه صدركم،ولا يضيق به حلمكم

ولما تقرر سفري إلى مصر،أرقت ليالي بطولها،لا أستطيع الرقاد من فرط الانفعال،ثم سافرت وكلما نقصت من الطريق مرحلة زاد شوقي مراحل،وكلما اقتربت منها ابتعدت عن الصبر،ولست أطيل عليكم،فقد دلتها ليلاً،فنزلت في فندق في العتبة الخضراء بلديّ،كانوا دلوني عليه قبل أن أسافر،اسمه(فندق البرلمان)،فنمت نوماً متقطعاً تتخلله ثائرات الأحلام،يؤرقني ما أرقب من لذائذ هذه الجنة التي دخلتها بعد طول تشوقي إليها فأنهض ساعة،ثم يسحقني السهر والسفر فأهجع أخرى، حتى طلع الصباح

ونزلت الساعة العاشرة،فمشيت خطوات،فوجدت في وجهي حديقة الأزبكية،وكنت قد قرأت في(النظرات)للمنفلوطي رحمه الله،أن الأزبكية،ولا مؤاخذة،هي المكان الذي تميل إليه نفس كل شاب،لأنه أوسخ معابد الشيطان،السوق الذي تباع فيه اللذائذ،فاقتربت منها وقلبي يجِفُ كأني مقبل على جريمة قتل،وهل الزنا إلا أخو القتل؟وتمثّل لي ماضيّ وأخلاقي،وطلعة الشيخ،فارتددت وتلفت أنظر هل رآني من أحد-لا تضحكوا أرجوكم فإني أصف لكم ما وقع لي،ومرّ رجال،خيل إليّ أن واحداً منهم يحدّق فيّ،ويحدّ النظر إليّ ويتبسّم فشعرت أن دمي كله قد صعد إلى رأسي، وأن أذنيّ قد صارتا جمرتين ملتهبتين،وتصبب العرق من جبيني،لما وقع في نفسي من أن الرجل يعرفني،ويعلم ما أسعى إليه،فأسرعت في مشيتي حتى بهت الناس إليّ بإسراعي،فجعلوا ينظرون إليّ متعجبين من عجلتي،وكلما رأيت ذلك منهم ازددت عجلة،كأني الجواد الأصيل يقرع بالمقاريع ليقف،وكلما أحسّ وقعها طار طرياً،حتى إذا ابتعدت وقفت،ووجدت راحة الخلاص من الإثم،كما يجد الغريق راحة الوصول إلى الهواء،ومشيت لا أعرف لي وجهة،فعاد الشيطان يوسوس إليّ،فثارت الرغبة في نفسي كرة أخرى،وندمت على أن أضعت هذه الفرصة التي انتظرتها دهراً مديداً،وفكرت فيها مسهداً ليالي طوالاً،وقطعت من أجلها قفراً وقطعت بحراً،ومشيت من مشرق الشمس إلى مغربها،فعدت وجعلت أدور حول سور الحديقة،وقلبي يكاد يمزّق بوجيبه جدار صدري،وكان اليوم يوم أحد،فرأيت غوانيها من خلال السور قاعدات باديات المفاتن أو مضطجعات أو منبطحات على الكلأ ساحرات بالمقل النواعس،وبالسوق والأفخاذ،فكدت اجنّ،ولا تنسوا أني لا أزال أعتقد أن الحديقة هي(أزبكية المنفلوطي)

وشددنا أشداقنا كيلا يفلت الضحك منا،ومضى في قصته

قال: ورأيت على مقعد شاباً وفتاة،وهما يتناجيان،وعلى وجهيهما من ظلال الحديث،مثل ما يكون على وجه البحيرة الساكنة من شعاع القمر،وقد تدانى الرأسان،والتفّت الأيادي بالمناكب،وتعارضت الساقان،وأحاطهما بجناحيه إبليس الهوى،فجن جنوني،ودفعتني موجة الانفعال التي ماجت في نفسي، فأقدمت حتى إذا ضعفت الموجة وماتت،كما تموت أمواج البحر وسط اللجّة،ألفيتني عند الباب،فوقفت لا أدري ماذا أعمل،كأني قد أقمت على عمود في رحبة القرية والناس كلهم ينظرون إليّ يقولون:هذا الذي دخل الأزبكية التي لم يعرف(المنفلوطي)من تحديدها إلا أنها فوق الغبراء وتحت السماء،وتمنيت من الخجل أن أغوص في الأرض وأحسست أن الدنيا تدور من حولي،ولم ينقذني إلا رجل دخل فتوسط الباب الدوار،فدفع(قرش تعريفة)فأداره له البواب حتى صار في الحديقة،فصنعت صنيعه وأنا لا أعقل ما أصنع

جُلْت في الحديقة فوجدت نساء من كل لون وجنس،ولكني كنت كمن ألقي في الماء قبل أن يتعلم السباحة،فلم أدر كيف السبيل إليهن،وحاولت أن أتذكر ما قرأت في القصص وماذا يعمل أبطالها في مثل هذا الموقف،وما حفظت من أشعار الغزل،فلم يخطر على بالي إلا أبيات(سألت الله أن يجمعني بسلمى)فقد كانت حالي كحال هذا الشاعر،أرقب أن تجيء إحداهن فتأخذني هي بيدي وتجرّني إليها،ولكني لم أر غرفاً ولا مخادع،ثم وجدت بناءً في الحديقة فعلمت أن المخادع والغرفات فيه،وبقيت إلى المساء،أدور لا أفكر في طعام،ولا أشكو التعب،حتى إذا قيل اخرجوا ستغلق الحديقة،خرجت وما أظن أن على ظهر الأرض إنساناً أخيب مني

وجعلت أعود إليها كل يوم،فلما كان بعد ثلاثة أيام،وكنت قاعداً على مقعد وأمامي امرأة قصيرة الثوب،عارية الساق قد رفعت رجلاً على رجل،فأبدت ما أحسست به كالبارود في أعصابي،وجعلت أنظر إليها،علّها تلقي بصرها عليّ،فأغمزها بعيني-وقد فكرت في ذلك الليلة البارحة كلها،ورأيته هو الطريق إليها،بعد ما أعياني الوصول،وجربته أمام المرآة حتى حَسِبْتُني أتقنته-والتفتت إليّ فغمزت بعيني،فإذا بها تشمخ بأنفها،وتقوم فتمضي وعلى وجهها مثل أمارات الاشمئزاز...وسمعت ضحكاً من ورائي فتلفت مذعوراً،فإذا أنا بشاب على رأسه كمّة بيضاء يلبس(قفطاناً)يبدو عليه أنه فلاح،تلوح عليه سيمياء الفقر،ورأى ذعري فقال:"ازّيك".قلت:"كلّش زين"ففهم أني غريب،وأني عراقي،فقال:"عجبتك؟"فاستحييت أن أجيب.فقال الخبيث:"ليه؟انت مكسوف؟ما تتكسفشي!تعال أودّيك واحدة أحلى منها"

إنكم لا تستطيعون أن تتصوروا ماذا صنعت بي هذه الكلمة وأنا الذي عاش عمره يشتهي أن يشم ريح امرأة من مسافة فرسخ وتشجعت فقلت له بصوت مخنوق:"شْلونْ؟".قال:"شلون يعني إيه؟تعال معايا.تعال"وأخذ بيدي وأخرجني من الحديقة،وقال:"تحب ناخد تاكسي ولا نركب الترام؟"وكنت نافذ الصبر،مجنون الرغبة،فقلت:"تاكسي".ولو كانت طيّارة لركبت إلى ما يأخذني إليه طيارة.ولم أسأله إلى أين،حتى نزلنا من السيارة،فسألت السائق:"كم تريد"؟قال:"ثلاثين قرشاً"فارتعدت لحظة ولكني لم أبال،ونقدته الأجرة ونظرت فإذا الذي بقي في جيبي اثنان وعشرون قرشاً،وسائر فلوسي عند الفندقي.نفقة الشهر كلها خمسة عشر جنيهاً

قال الشاب:"ايدك على جنيه بأه".قلت:"جنيه؟"قال:"أمّال؟دي بنت تمانطاشر،زيّ الأمَر".فنظرت هنا وهناك أبغي مهرباً ولا أعرف الطريق.فقال:"ما لكشي مزاج ولا إيه؟".فقلت:"في وقت ثاني".قال الخبيث:"على خاطرك.هات تعبتي بأه!"فأعطيته خمسة قروش،ولم يحب أن يفلتني قبل أن ينتف ريشي فعاد يحدثني حديث الرجس،وقال لي إن عنده بنات أخر،ولكن لكل ثمن،فبنت مصرية سمراء كأن عينيها عينا غزال شارد،وبنت شامية من صفتها كذا،وبنت عراقية من بلادنا من نعتها كذا،وبنت رومية كأن جسمها العاج المشرب بعصير الورد،وكان شعرها أسلاك الذهب،تسقي من فكها خمراً،ومن مقلتها سحراً ورآني أرتجف من الانفعال،ورأى وجهي شاحباً فقال:هي بنت بيت"مش من دول"لا تأخذ فلوساً،لأن أباها من كبار أصحاب المصارف،ولكن للبواب جنيهان ليغضّ النظر،وله هو جنيه،واثنان لوصيفتها لتكتم الأمر وتحفظ الباب

وسحرني الملعون.فقلت:"لا بد لي من الذهاب إلى الفندق لآتي بالفلوس"قال:"هيا بنا"

وتسلم الجنيهات الخمسة،وأدخلني عمارة فخمة في شارع الملكة نازلي،فأصعدني إلى الطبقة السابعة،وأشار إلى باب فقال:إنها هنا.ولكنه لا يستطيع أن يدخل معي،فهو ينتظرني عند البواب،ونزل بـ"المصعد"الذي صعدنا به،وأقدمت مضطرباً فقرعت الباب بيد ترتجف،ففتحه لي خادم أسود مسن،ووقف ينظر ما أقول له،ووقفت مبهوتاً فقال:"ايه؟عاوز مين؟"فسكتّ.قال:"الله!انت عاوز مين؟"قلت:"سنيّة"،وكان هذا هو الاسم الذي خطر على لساني.قال:"سنيّة؟!دي شركة"وأغلق الباب في وجهي،ولم أجد المصعد فنزلت على الدرج،من الطبقة السابعة،فلما بلغت الباب لم أجد الشاب ولا البواب.

 

التوقيع




موغريبة يضمد اجراحك غريب

 

العاشق المجروح متواجد حالياً  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
التحيات لـ العاشق المجروح :
قديم 22-02-2008, 01:54 AM   #5
الجهازالاداري
 
الصورة الرمزية العاشق المجروح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2002
الدولة: مصر القاهرة
المشاركات: 10,689
عدد الاستياءات التي ضربها: 48
الاستياءات: 116
التحيات التي قدمها : 11,200
التحيات: 7,533
افتراضي رد: قصص متنوعه للشيخ على الطنطاوي رحمه الله

القصة الخامسة
هَذَيانُ مَجْنُونْ

ذهبت منذ أيام أوزر المستشفى الإسلامي الكبير،الذي تعاونت على إنشائه الجمعيات الإسلامية الأربع في دمشق .فوجدت شيئاً عظيماً يرفع الرأس، بناء ضخماً يطل على الربوة من هنا ويشرف على سهل المزة من هناك، قد قام حيث كانت تقوم تلك(القلاع العادية، فكان من تمام نعمة الله علينا به أن تخير له هذا المكان، فأبدلنا بعمارات الموت،وبنايات البلاء، تلك القلاع، هذا المستشفى، بيت الصحة، ودار الشفاء وجعل المدير، وهو شاب مسلم رضي الخلق، واسع الخبرة، يدور بي في المستشفى، ويمر بي على شعبه، حتى إذا وصلنا إلى جناح الأمراض العقلية قال لي إن هاهنا مريضاً يلح علينا أن ندعوك إليه، وهو لا يفتأ ينادي باسمك ويرجو أن يراك

قلت ومن هو؟ وما شأنه بي

قال : هو شاب مصاب بنوع من الهستريا الجنسية ،وهو يزعم انه تلميذك، وأنه وثيق المعرفة بك

فلم أحب أن أخيب رجاءه، وإن كنت لا أدري ما أصنع له، وانطلقت مع المدير حتى دخلت عليه، فإذا هو شاب حديث السن، شاحب اللون، بادي الضعف، شارد النظرات مسجّى، لا يبدو منه إلا وجهه، فتأملته ...فإذا هو قد كان تلميذاً لي .وإذا أنا أعرفه فسلمت عليه فرد السلام .وابتدرني فقال لي أنت أستاذي، وإني أترقب مجيئك ..إن لي حاجة إليك

قلت : مقضية إن كنت أقدر عليها

فظهر على وجهه خيال البشر، ولاحت على شفتيه ظلال ابتسامة... وقال لقد نعشتني وبشرتني، إن الذي أريده منك هو أن تعي حديثي وتنشره في الناس أف تقدر على ذلك

قلت : بلى أقدر إن شاء الله

* * * * * * * * *

قال : إنه خبر لا يكاد يصدقه أحد، ولكني أحلف لك أنه واقع، وإذا شككت فاسأل القرية، أتعرف قرية الجمالية ؟

قلت : ما سمعت بها إلا الآن

قال : لقد أردت أن ابتعد عن مرابع المصطافين ومواطن الازدحام إلى بلد أطلق فيه نفسي على سجيتها، لا أقيدها بقيد عادة ولا واجب مجاملة، فأممت بحيرة العتيبة، ثم صعدت جبل عيرام، حتى بلغت هذه القرية المختبئة في كنف واد عميق لا يصل البصر إلى قرارته، يري في بطنه نهر العامون متحدراً هائجاً يقفز من صخرة إلى صخرة، فيكون له دوي وخرير، ويعلوه الزبد فتراه من خلال الأشجار، وأنت في القرية كأنه البلور المذاب، وإذا كنت قد رأيت في زمانك بلوراً مذاباً، يحمي هذا الوادي المسحور جبلان عاليان تنطح ذراهما النجم، وقد لبست سفوحهما وحدور هما ثوباً من الشجر الأخضر، توارت خلاله هذه القرية واتخذت فيها داراً سلخت فيها شهراً من شهور الصيف، لم أعرف السعادة إلا فيه، ولم أدر حتى عشته ما لذة العيش وما الاطمئنان، فلقد كنت أغدو مع النور فأصعد في الجبل أحيي الشمس البازغة حين تشرق على الدنيا، وأهبط الضحى إلى بطن الوادي فأتخذ لي مكاناً على صخرة عالية، أو أقعد على حافة النهر الفياض، وكنت في أكثر الأيام أضع طعامي في سلّة وأرتاد المرابع، فحيثما استطبت المكان أقمت، وكنت أحمل معي كتاباً أقرأ فيه مرة، وفي مصحف الكون أخرى، فأمتع النظر بأعجب المشاهد وأبهى المرائي، ثم أروح العشية إلى داري، وقد طفحت نفسي بصور الجمال، وفاض جسمي بالعافية… حتى جاء ذلك اليوم الذي صبّ في كأس حياتي العلقم

* * * * * * * * *

لقد صعدت الجبل على عادتي حتى جاوزت حدود القرية وقاربت ينبوع البارة، وبلغت الغابة المهجورة التي تطيف به، فما راعني إلا الحجارة تتساقط من حولي كأنها المنجنيق، تنزل دراكاً نزول رصاص الرشاشات، فحرت لحظة ثم وليت هارباً أعدو ما أطقت العدو حتى وصلت إلى صخرة فاحتميت بها وجعلت أنظر: ما خبر الحجارة! فأسمع قهقهة مرعبة... فأحسب أن الجن تروعني ...ثم أرى امرأة تخرج من بين أشجار الغابة وتسير حذرة تتلفت فلما صارت قريبة مني رأيتها وهي لا تراني فإذا هي سمراء محلولة الشعر ذات جمال يروع الناظر ويأسر القلب، لها عينان سوداوان واسعتان ...إذا نظرت بهما إليك أحسست بهما في الفؤاد، وجسم ممشوق قد لوحته الشمس، وما عليها إلا أسمال بالية لا تكاد تستر إلا الأقل منها، فكأنما جسمها فيها البدر قد حجبته قطع من المزن الرقراق

* * * * * * * * *

وقد وقفت كالغزال المذعور، لا أقولها كما يقولها الأدباء المقلدون، بل أعني ما أقول، ولا أجد صفة هي أدنى إليها وأعلق بها ...وجعلت تنظر حواليها ..فلما اطمأنت ألقت حجارتها التي كانت تحملها وقعدت على الأرض، ونظرت إليها، فإذا ذلك الغضب الفاتن يسقط برقعه عن وجهها ويسدل عليه نقاب من الألم، الألم الحزين قد افتنّت فيه يدا عبقريّ وعقله ...فخرجت من مكاني وسرت إليها متلصصاً أسارق الخطو حتى إذا كدت أصل إليها وأضمها، أحسّت بي فوثبت وثبة ابتعد بها عني، ثم عدت تلقاء الغابة… وجعلت أرتاد هذا المكان كل يوم أفتش عنها وأطلبها حتى أنست بي واتصل بيننا الحديث... فسمعت لهجة فتاة ليست من بنات القرى ولا الجاهلات ولكن حديثها حديث المجانين

* * * * * * * * *

سألتها ما شأنها وأحببت أن أعرف خبرها فكانت تجيبني بكلام لا يعقل

قالت : إني أفتش عليه لقد دخلت المدن وولجت المدارس وبحثت في القصور وطفت الملاهي وتهت البراري وضربت الجبال وجست خلال الخرائب وسريت وحيدة حيث لا تجرؤ النسور أن تطير... كل ذلك أملا بلقائه

قلت : بلقاء من

قالت : بلقائه ...إني أحس بصوته أبداً يرن في أذني وأرى حيثما سرت عينيه وألمس أبداً جلده الدافئ فأشعر كان الكهرباء تسيل في عروقي ويطفر شيء إلى عينيّ ولكنه يحتبس فلا أستطيع أن أبكي

قلت : منذ كم فارقته ؟ وهل مات أو سافر

قالت : أنت مجنون… ما فارقته قط ولا اتصلت به، هو معي إذا قمت ومعي إذا نمت، أبكي لآلامه ويبتسم هو للذيذ أحلامي، ويغضب فيخفق قلبي ويأكل فتذهب جوعتي ولكني لا أقدر أن أضمه إليّ ولا أستطيع أن ألمسه بشفتي ولو لم تكن أعمى لرأيته، إن ريّاه في عبق كل وردة، وصوته في كل أغنية، وصورته في صفحة البدر وصفاء الينبوع وخضرة الروض

قلت : فمتى عرفته

قالت : مذ كان لي قلب،لقد همت به منذ وجدته في فكري، وقد ملأ عليّ نفسي، ولكني لا أدري أين يقيم، إني أراه في اليوم على ألف شكل، أرى في الرجل يمر بي عينيه، وأرى في آخر قامته، وربما استحال معنى من المعاني أحسّ به ولا املك التعبير عنه

قلت : فمن يلك عليه

قالت : قلبي يدلني عليه خفقانه، ألا تفهم، أليس لك قلب؟ هو الجمال كله فكل ما أرى من الجمال جماله ثم سكتت وأرخت أهداب عينيها وغابت في ذهلة عميقة فدنوت منها وضممتها إليّ فاستجابت لي وتعلقت بي ووضعت قلبها في شفتيها ووضعت قلبي على شفتي ثم ذقت منها قبلة ما أظن أن إنساناً ذاق مثلها ولكنها انتفضت فجأة وألقت برأسي على صخرة فشجّته وانطلقت لا تلوي على شيء ثم لم أرها ...وإن لم تغب خيالتها عن عيني

* * * * * * * * *

ولما خرجنا من حضرة المريض قال لي مدير المستشفى لا تصدق كلمة مما قال، إنه هذيان مجنون لم يقع منه شيء

قلت : إن آخر ما يهتم به الأديب أن يقع الحادث أو لا يقع، إني أكتب قصة لا تاريخاً، وحسبي في قصته من جمال الوصف وإن لم يكن لها مغزى، وإن كانت هذيان مجانين

قال : شأنك ...أنت أدرى به

 

التوقيع




موغريبة يضمد اجراحك غريب

 

العاشق المجروح متواجد حالياً  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
التحيات لـ العاشق المجروح :
قديم 22-02-2008, 01:55 AM   #6
الجهازالاداري