ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > الساحة السياسية

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 12-02-2007, 04:53 PM   #1
ابو ملاك
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 185
ابو ملاك is an unknown quantity at this point
Post كتاب (( اليمن الجنوبي )) للدكتور / محمد عمر الحبشي

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخوة الأفاضل / أعضاء ملتقى الحوار العربي ، تحية طيبة و بعد ،

يُعتبر كتاب ( اليمن الجنوبي ) للدكتور / محمد عمر الحبشي ، وثيقة سياسية و اقتصادية و اجتماعية في غاية الأهمية لكل مهتم بتاريخ هذه المنطقة ، خصوصاً عن الفترة منذ 1937 و حتى قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية كما يحددها عنوان الكتاب ، و بمناسبة حلول الذكرى الأربعين لاستقلال اليمن الجنوبي نهاية هذا العام ، يشرفني أن أقوم بطبع و نقل أجزاء من ذلك الكتاب المهم إلى هذا الملتقى ، و أنوي إن شاء الله تعالى الاستمرار في نشر بقية أجزاء الكتاب على الانترنت لجعله متاحاً للجميع ، و لكن ، و حرصاً على حقوق الملكية الفكرية ، أتمنى أن يقوم المشرفين على هذا الملتقى الفاضل بالعمل على الحصول على تصريح من الجهات المعنية بالأمر . كما أتمنى من أعضاء الملتقى التفاعل عن طريق التعليق و النقد أو التصحيح لبعض الأسماء و المصطلحات الواردة في هذا الكتاب ، لأن الكتاب صدر أصلاً باللغة الإنجليزية و هذه هي الترجمة العربية له .


الكتاب بعنوان :

( اليمن الجنوبي )

سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً

منذ 1937 و حتى قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية


المؤلف : الدكتور / محمد عمر الحبشي

ترجمة :
الدكتور إلياس فرح
الدكتور خليل احمد خليل


دار الطليعة للطباعة و النشر
بيروت

حقوق الطبع محفوظة*

الطبعة الأولى

آذار ( مارس ) 1968م


.........................


كلمة الناشر :

هذا الكتاب ( اليمن الجنوبي : سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً ) هو الأول من نوعه ، و هو يلقي أضواء كاشفة على جميع نواحي الحياة في هذه الجمهورية الجديدة التي قامت حديثاً . و لا يمتاز هذا الكتاب بوفرة معلوماته فحسب ، بل يمتاز أيضا بدقة المعلومات و شمولها . إنه كتاب هام عن منطقة عربية بدأت تحتل دوراً هاماً في الحياة السياسية العربية .

......................


مقدمة


لمحة تاريخية موجزة منذ الاكتشافات البحرية الكبرى


لقد كان الموقع التجاري الممتاز لليمن الجنوبي معروفا منذ عهد مبكر ، و سيّر البحارة اليونان تتحدث عنه و الرومان بدورهم كانوا يعرفون المنطقة و يطلقون عليها ( العربية السعيدة ) ، و قد كان هذا الموقع على الطريق التجارية للبهارات و العطور مصدر رخاء للمالك الأسطورية لليمن الجنوبي التي سطعت طيلة القرون العشرين التي سبقت العصر المسيحي كمملكة المعينيين و السبئيين و حضرموت و حمير التي سددت عوامل عدم الاستقرار السياسي و الكوارث ( تصدع سد مأرب عام 447 قبل الميلاد ) (1) و الغزوات ضربة قاصمة لحضارتها الساطعة . و قد كان لغزوات الأحباش بوجه خاص نتائج سلبية خطيرة على الصعيدين الاقتصادي و الثقافي ، فمنذ ذلك الحين لم تنهض البلاد من عثارها . و عندما جاء الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي كانت ما تزال تعيش في ظلام الانحطاط ، و قد بدل الإسلام الوضع السياسي بقضائه ـ و لو بشكل مؤقت ـ على التجزئة الداخلية لمصلحة السلطة المركزية ، إلا أن انتشار الإسلام لم يحدث أي تغيير من شأنه أن يبدل الشروط الاقتصادية السلبية التي كان عليها اليمن الجنوبي .

و قد استمر هذا الوضع حتى القرن الثاني عشر ، فمنذ القرن الحادي عشر نلحظ بعض الانتعاش في التجارة يستمر حتى الاكتشافات البحرية الكبرى ، فعندما مر الرحالة ماركو بولو بعدن عام 1285 ، لاحظ النشاط الكبير لمرفئها ، و قد كان تعداد سكانها في ذلك العصر 80 ألفاً (2) .


أ ـ من الاكتشافات الكبرى حتى الاحتلال البريطاني


بعد ظهور الإسلام و انتشاره الواسع أصبحت أسواق البهارات تحت إشراف العرب ثم الأتراك ، و كان تجار البحر في الغرب بعيدين عن الاتصال المباشر بمصادر هذه السوق و كان عليهم أن يدفعوا أسعارا مرتفعة للحصول عليها من المراكز الكبرى للتوزيع في آسيا الصغرى حيث كانت تحط البضائع الواردة من الشرق الأقصى ، و كان الجنوب العربي المنقسم إلى عدة ولايات مستقلة و الخاضع للسيطرة الاسمية لممثلي الخلافة يشارك في تلك المبادلات إلا أنه لم يكن يحتكرها كما كان الأمر في القديم .

فمن أجل التخلص من هذه الوطأة راح التجار البرتغاليين و الأسبان يفتشون عن طرق جديدة للوصول إلى الشرق فكانت بداية عصر الاكتشافات البحرية الكبرى ( الطريق إلى البهارات ) ، و من ثم بداية الغزوات الاستعمارية .


1 ـ اكتشاف طريق الهند :

كان لرحلة الرحالة الإيطالي ماركو بولو إلى الشرق مفعول سحري في إثارة اهتمام الأمراء و البحارة الأوربيين ، فلم يعد تجار لشبونة و بورتو الذين كانوا منذ زمن بعيد يقومون بدور الوساطة بين المسلمين و بين الأوربيين و بتوزيع المحاصيل الخارجية في أوروبا راغبين في الاكتفاء بهذا الدور الثانوي ، و هم بعزمهم على المغامرة سوف يفتتحون عصر المشاريع الاستعمارية ، فقد وضعوا نصب أعينهم كهدف أساسي الحصول على مصادر الثروات و امتلاكها ، و كان اهتمامهم بأصناف العالم العربي عن طريق انتزاع طريق البهارات منه و تحويلها عنه بواسطة البحر الأحمر و المحيط الهندي عاملاً يضاف إلى الدوافع الأخرى
الأمر الذي سوف يعطي للاكتشافات طابعاً ( صليبياً ) جديداً (3) .

إن اكتشاف البرتغاليين للطريق البحرية للهند بالطواف حول رأس الرجاء الصالح ( كيب تاون ) في القرن الخامس عشر قد سمح لهم بالسيطرة على مياه المحيط الهندي ، و سريعاً ما عززوا احتكارهم لتجارة الشرق إلى الغرب عن طريق الاعتماد على سلسلة من الأسواق المحصنة استولوا عليها على امتداد شواطئ أفريقيا و آسيا و منذ ذلك الحين تمت لهم السيطرة على مخرج البحر الأحمر و على الخليج العربي لكن دون أن ينجحوا في النزول على شاطئ اليمن الجنوبي فقد كانوا يصطدمون حتى ذلك الحين بعداء الأتراك .



2 ـ المشاحنات بين الأتراك و الأوربيين :

حاول البرتغاليون بقيادة ( الفونس البوكريك ) احتلال عدن تحت إمارة بني طاهر فهاجموها مرتين : عام 1513 و عام 1516 إلا أنهم ردوا عنها تباعاً (4) ، أخيرا احتلها الأتراك عام 1538 و كانت تحت سيطرة سليمان الملقب ( البديع ) و كانت في ذلك الوقت تضم 60 ألف نسمة و كانت قد بدأت مرحلة الانحطاط .

كانت السلطة العثمانية طيلة الاحتلال التركي لشاطئ اليمن الجنوبي الذي دام نحوا من قرن في حالة نزاع مع الأوربيين الذين كانوا يرغبون في الاتجار مع المنطقة و رغم ذلك فقد استطاع الأتراك ان يصمدوا و لو بصورة متأرجحة و لم يتمكن الغربيون من توطيد أقدامهم بصورة نهائية ، صحيح ان البرتغاليين قد وضعوا قدماً في جزيرة سوقطرة إلا انهم لم يمكثوا طويلاً ، و على الرغم من فشلهم في التمركز في اليمن الجنوبي فإن التجار الاوربيين كانوا يؤمون موانئه حيث كانوا يقومون بمزاحمة كبرى للآخرين ، و هكذا فإن اسطولاً صغيرا عائدا الى شركة جزر الهند الشرقية ( البريطانية ) قد قام لأول مرة بزيارة قصيرة الى عدن عام 1609 و بعد ثلاث سنوات رست بعض قطع البحرية التابعة للشركة الشرقية ( الهولندية ) فيها و حاول قبطانها أن يعقد معاهدة تجارية مع السلطات التركية فلم يفلح ، و يجدر أن نذكر أن الهولنديين كانوا يتعاطون التجارة مع المنطقة منذ خمسين سنة لذلك فإن الانجليز لم يتمكنوا في البداية من اجلائهم عن المنطقة كل ما هنالك انهم نجحوا عام 1618 في إقامة مركز تجاري لهم في ( المخا ) و يجدر ان نشير أيضاً الى ان انكلترا ـ البلد التجاري ـ لم تكن تشكل حينذاك سوى قوة صغيرة و ان المنطقة لم تكن بعد قد دخلت في نطاق اهتماماتها الأساسية .


خلال هذه الفترة كان الاتراك قد هجروا الساحل و كان اليمن قد أعاد سيطرته على عدن عام 1640 و تحت ظل هذه السيطرة قام وفد فرنسي برئاسة شخص يدعى لاروك بزيارة عدن عام 1709 محاولاً إجراء مفاوضات لعقد اتفاق تجاري مع سادة الميناء الجدد بيد ان هذه المحاولة باءت بالفشل .

لقد شهدت عدن في ظل السيطرة اليمنية نهضة تجارية جديدة بفضل تجارة القهوة ، و قد دامت هذه السيطرة حتى عام 1729 و هو تاريخ ثورة حاكم لحج على سيده في صنعاء و ضمه لها ثم إعلان نفسه سلطاناً على لحج و عدن ( تأسيس سلطنة العبادل ) .


و الخلاصة ، فإن رحيل الاتراك من جهة و تلاشي سيطرة اليمن على المنطقة من جهة أخرى جعل أمر الدفاع عن المنطقة متعذرا إلى حد بعيد ، و ما لبثت السياسة المتعارضة مع المصالح التجارية التي انتهجها السلطان و كذلك الإدارة السيئة للميناء أن أدت الى انهيار عدن .



ب ـ البريطانيون يحتلون عدن


من قبيل الصدفة ، كانت تلك الظروف ترافق موجة النشاط التجاري الذي بلغ الأوج بين أوروبا و الشرق الاقصى ، فإنكلترا غدت خلال تلك الفترة قوة بحرية كبرى و دعمت مركزها في الهند بإقامة مستعمرة و قاعدة حربية ، و بمقدار ما كان الاستعمار يزيد من كمية الثروات التي كان يحملها الى المرافئ الانجليزية بمقدار ما كانت التجارة تتطور بقوة و تزدهر ، و بكل ما يتضمنه مثل هذا الازدهار من نمو في الرساميل و تذوق للمنتجات الشرقية و انتشار للمشروعات ... الأمر الذي اتاح لانجلترا ليس حماية مصالحها فحسب بل و بسط سيطرتها أيضا ، و هكذا بدأت تعطي أهمية للقواعد الممتدة على طرق المحيطات (5) .

و بصورة أدق ، فان شركة الهند الشرقية التي كانت تفتش عن قاعدة لتجارة الفحم لم يكن يهمها شيء أكثر من اهتبال الفرصة الملائمة للاستيلاء على عدن التي كانت تبدي اهتماما بها منذ زمن طويل ، و قد سجلت بعثة نابليون الى مصر المنعطف الحاسم .



1 ـ بعثة نابليون الى مصر و نتائجها على الصعيد المحلي :

لقد أدخلت هذه الحملة التي كانت تستهدف الهند الذعر في القيادة البريطانية و في شركة الهند الشرقية لانها نظرت اليها على انها تهديد جدي للإمبراطورية السعيدة ، و الخلاصة ، فإنها صممت على ان تعمل بسرعة على قطع طريق الجيوش الفرنسية نحو البحر الاحمر حيث كانت تتجمع قواها البحرية في البحر الابيض المتوسط و المحيط الهندي ، و في طريقهم احتل الإنجليز جزيرة ( بريم ) عام 1799 و حصلوا من اليمن على إذن بإنشاء مستشفى في المخا لإسعاف بحارتهم .

و قد شجع هذا النجاح بالاضافة الى وجود الاسطول في عرض الشاطئ حكومة الهند على الاقتناع بطلب الإمام تعيين مقيم بريطاني عام 1801 و الذي أصبح بعد فترة أول سفير لانجلترا في اليمن ، و بناء على التعليمات الملحة ( للجنة السرية ) (6) التابعة للشركة اقترح السفير على عاهل اليمن عقد معاهدة تجارية ، بيد أن هذا الأخير رفض هذا المسعى بيد انه وعد بتحريم استخدام المرافئ اليمنية من قبل السفن الفرنسية .

إن استياء الممثل البريطاني من رفض اقتراحه دفعه الى التفكير بالاتجاه الى سلطان لحج للحصول على موافقته ، بيد ان هذا الاخير رفض بادئ الأمر العرض الانجليزي إلا انه ما لبث ان انتهى الى القبول تحت الضغط و الوعيد ، و هكذا وجد نفسه مرغما على توقيع معاهدة عام 1802 التي اعلنت مرفأ عدن ( ميناء حر ) لدخول البضائع ذات المصدر البريطاني ، يضاف الى ذلك ان الاتفاق ينص على توفير حماية خاصة لرعايا صاحبة الجلالة و ضمان مصالحهم كما يسمح لشركة الهند الشرقية بأن تقيم فيها سوقاً و يمنح لها امتيازات كانت بمثابة الخطوة الاولى نحو الاحتلال .


2 ـ الاستيلاء بالقوة على عدن :

في مطلع القرن التاسع عشر غزا الوهابيون القادمون من اواسط الجزيرة العربية اليمن و لم يرحلوا عنها إلا في عام 1818 عندما احتلتها الحملة المصرية بقيادة ابراهيم باشا ( ابن محمد علي ) ، فأعيدت الإمامة الزيدية ، إلا ان السلطة بقيت بين أيدي ممثلي السلطان العثماني ، و كانت قطاعات من الجيش المصري متمركزة في المرافئ اليمنية الرئيسية خاصة في الحديدة و المخا . و إلى ذلك العهد يرجع تاريخ رغبة انجلترا و تطلعها الى الاستيلاء على شاطئ اليمن الجنوبي بغية إيقاف تقدم الجيوش المصرية و الحد من سلطة الباب العالي (7) .

و في عصر الملكة فكتوريا انتهجت انجلترا سياسة تهدف الى احتلال الشاطئ ، و في عام 1829 أنشأ الانجليز في المكلا ( تبعد تسعين ميلاً الى الشرق من عدن ) مستودعا للفحم ، و في عام 1834 احتلوا جزيرة ( سوقطرة ) إلا ان هاتين الخطوتين لم تشبعا رغبة الانجليز فقد كان موقع عدن الملائم جداً للملاحة يستأثر بانتباههم ، فالمنطقة كانت تعتبر محطة هامة للفحم على طريق الهند ، كما كانت تعتبر مركزا تجاريا و مرفئا رائعا من حيث وضعه الطبيعي ، لذلك حاولت حكومة الهند أن تشتري هذا المرفأ من السلطان العثماني فلما رفض السلطان هذا العرض لم يبق إلا العمل المباشر ، فوجهت إنذارا الى السلطان بأن المرفأ سوف يُهاجم إذا لم يقبل ، و لكن السلطان رفض الانذار ، فأتُخذ الرفض ذريعة لاستغلال حادثة غرق الباخرة الهندية ( ديريا دولار ) لاتهام السلطان بأنه المحرض و أن جماعته هم سبب الحادث ، و على اثر ذلك نظمت حملة بحرية استولت على عدن في 16 يناير عام 1839 ، و قد تم الاحتلال دون اطلاق رصاصة لأن حرس الشواطئ لم يكونوا يشكلون قوة ذات شأن للمقاومة ، وفي سبيل اسباغ مسحة من المشروعية على عدوانها قدمت حكومة الهند مجموعة غريبة من الوثائق قبل السلطان على اثرها التخلي عن عدن لقاء تعويض سنوي قدره 6500 ريال Marie therese (Thalers ) و قد توقف دفع هذا المبلغ سنة 1857 .

إن كاتباً بريطانيا معاصرا يدعى ( سورنسن ) يصف تلك الوثائق بأنها ( سابقة وحيدة ) في نظر الحقوق و العلاقات الدولية (8) .

و بكلمة واحدة ، فإن الانجليز كانوا يهدفون من وراء هذه العملية ان يصبحوا سادة غير منازعين على باب المندب ، فعززوا جزيرة بريم ( التي استعادوها عام 1857) التي تسيطر على مدخل البحر الأحمر و اصبحت كل سفينة عدوة تحت رحمة نيرانهم .

و تجدر الاشارة بهذا الصدد الى التنافس الذي كان قائما بين انجلترا و فرنسا خلال ذلك العصر من اجل التمركز في هذه المنطقة و من اجل تعزيز المواقع التي تم احتلالها، ففرنسا التي كانت على اهبة استباق الانجليز لاحتلال جزيرة بريم كانت قد اصبحت مالكة لأبوك ( معاهدة باريس تاريخ 4 مارس 1862) لقاء عشرة آلاف ( ريال ) ثم قررت الاستيلاء على شيخ سعيد التي يسيطر موقعها على جزيرة بريم .

و بفضل تلك المرافئ المنيعة أصبحت السلطتان الاستعماريتان تسيطران عملياً على حركة المواصلات عبر البحر الأحمر خاصة الانجليز الذين انصرفوا بعد استقرارهم في عدن الى تأمين الحماية للمرفأ ضد الغزوات القبلية الواردة من الداخل الأمر الذي ادى الى توسيع نفوذهم .


جـ ـ التغلغل الانجليزي في الداخل


تستمد عدن اهميتها من وجود مرفئها الذي شهد فترة من الزمن مرحلة تقهقر بسبب التقدم الذي طرأ على التجارة البحرية عن طريق رأس الرجاء الصالح ، و قد رافق الاحتلال الانجليزي قيام ظاهرتين : إعادة فتح البحر الاحمر للرحلات المتجهة الى الهند و استراليا من جهة ن و مرحلى ازدهار التجارة الدولية من جهة ثانية .

و قد ازدادت اهمية الميناء مع استخدام السفن التجارية و مع افتتاح قناة السويس عام 1969 ، و كان موضوع حماية الميناء يتقدم في نظر الانجليز على كل شيء ، لذلك انصرفوا الى تقوية منشآته و تزويد جزيرة بريم بالمدفعية و بعد ذلك اتخذوا من عدن نقطة انطلاق للتغلغل في الداخل لبسط نفوذهم على ما تبقى من البلاد ، و كانت الظروف السياسية و الاجتماعية لتلك البقعة خلال منتصف القرن التاسع عشر تسهل لهم تحقيق مخططاتهم لذلك تم لهم التغلغل في الداخل دون مواجهة صعوبات كبيرة .

1 ـ الشروط التي ساعدت على التغلغل :

لم يصرف المحتلون البريطانيون وقتا طويلا حتى يلموا بالحالة الفوضوية التي تسيطر على الاوضاع الداخلية ، فقد وجدوا امامهم بالفعل بلداً يفتقد الى الوحدة السياسية مجزأ الى عدد كبير من المناطق المستقلة بعضها عن بعض و كان على رأس بعض هذه المناطق سلاطين او مشائخ إلا انهم لم يكونوا يملكون سوى سلطة شكلية ، فسلطة احدهم لم تكن تتجاوز غالبا حدود الحصن المتمركز فيه و كانت القبائل مشغولة بصورة دائمة بحروب فيما بينها حول قضايا المراعي و الثأر و سرقة المواشي ، و مالنت لتلك الحروب نتائج محزنة فيما يتعلق بالحياة الاقتصادية و الاستقرار السياسي ، و كانت تلك المناطق تستعصي على كل مراقبة ، فالقادة المحليون كانوا من جهة عاجزين على فرض سيطرتهم و كانوا من جهة ثانية لا يخضعون لسيطرة أحد ، و الذي كان يزيد الطين بلة هو أن هؤلاء القادة كانوا انفسهم المحرضين على الصراعات القبلية ، فكان القوي يخضع الضعيف و يلحقه بنفوذه فكانت الفوضى تعم البلاد و كانت الزراعة مهملة و الطرق التجارية مقطوعة و البطالة مستفحلة و حركة الهجرة قوية .

وهكذا فإن المنطقة كانت تفتقر الى سلطة مركزية قادرة على فرض النظام و الأمن و كان التبعثر يحول دون تشكيل مقاومة جدية تقف في وجه الانجليز ، و لم تكن الأطر الاجتماعية و السياسية القبلية و الاقطاعية قادرة على قيام مؤسسات تنقذ الشعب من الخوف و الجوع و الاضطهاد .

و سوف نرى كيف انه خلاف ما يقال و ما يزعم الإنجليز غالباً ، فإن الوجود البريطاني لم يخلص المنطقة مما كانت تشكو منه .

و على الرغم من تلك الظروف المؤاتية الى اقصى حد فإن السلطات الانجليزية في عدن لم تعتمد على القوة في بسط نفوذها لأنها وجدت في شخص بعض السلاطين الراغبين في تعزيز سلطتهم تجاه القبائل المنافسة و المتمردة حلفاء طبيعيين فأنشأت معهم علاقات جوار و صداقة تمهيدا لفرض معاهدات حماية عليهم .


2 ـ معاهدات الحماية :

خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر اخترعت السلطات الاستعمارية شكلا جديدا من اشكال السيطرة الاستعمارية و هي الحماية التي تأخذ بموجبها سلطة كبيرة على عاتقها ( حماية ) دولة صغرى من الاطماع الاجنبية و مساعدتها على الوصول الى اعلى درجات الحضارة (9) .

اما بالنسبة لليمن الجنوبي ، فقد تطورت اتفاقيات عام 1839 إلى معاهدات حماية بصورة تدريجية ، فكلما توسعت مصالح بريطانيا العظمى في آسيا الغربية و افريقيا الشرقية ( شراء اسهم مصر في شركة قناة السويس 1875 ) و كلما امتدت امبراطوريتها ( احتلال مصر و السودان ) كلما زادت قبضتها تمسكا بعدن ، و على هذا الاساس أقامت على طول الشاطئ منطقة حماية شرق عدن و غربها .

المقاطعات التسع :

و هي تشكل القسم الغربي الذي كان الاستيلاء عليه أقل سهولة من القسم الشرقي المعروف ( بحضرموت ) لأن الانجليز اصطدموا منذ البدء باليمن الذي يعتبر المنطقة منطقته ، و كان هذا الوضع يقرب السلطات الانجليزية من زعماء القبائل في القسم الشرقي .

إن كون اليمن دولة مركزية و غنية كان يجعل منه عقبة في وجه المخططات البريطانية و كانت الامارات الصغيرة التي انسلخت عنه خلاتل القرن الماضي تشكل حليفات طبيعية للسلطات البريطانية لذلك فإن التغلغل كان فعلياً نظرا لموقف اليمن من جهة و لوجود الجيش التركي الذي كان قد عاد الى احتلال اليمن عام 1872 .

ان دعم السلطات البريطانية للامراء جعلهم يبسطون نفوذهم على القبائل كانت تتجه الى التقرب من اليمن و قد استطاعت السلطات العدنية أن تحملهم على توقيع معاهدات الحماية عن طريق تزويدهم بالسلاح و بالمؤن و بالاكراميات السنوية و هذه السياسة نفسها سوف تتبعها مع قليل من التعديل في حضرموت و في بلاد المهرة .


حضرموت و المهرة :

ما عدا القبائل لم يكن ثمة عقبات جدية تقف في وجه تدخل الانجليز عملياً ، لذلك كانت تكتفي بعرض مظاهر القوة و تنظيم عمليات تأديبية تجاه خصوم زعماء القبائل الذين اصبحوا موالين لهم .

و هكذا فإن حكومة الهند دعمت عسكرياً عام 1881 (10) القعيطي ضد خصومه من الكسادي الذين نزحوا نهائيا عن المكلا لقاء تعويض مالي ، و عندئذ قبل زعيم القبيلة الظافرة بتوقيع معاهدة 1888 التي بموجبها اصبحت حضرموت محمية ، و مكافأة لزعيم القبيلة على ولائه لُقب سلطاناً عام 1902 .

و في حالات أخرى كان التدخل يقوم على حسم النزاع حول الحدود ، فمثلا عندما قام الخلاف بين الكثيري و القعيطي تدخلت السلطات البريطانية لصالح القعيطيين في التحكيم و قد توج الاتفاق عام 1918 بتوقيع المعاهدة الثلاثية الانجليزية ـ الكثيرية ـ القعيطية التي بموجبها اعلن السلطانان ( حليفين للامبراطورية ) التي اعترفت للسلطان القعيطي بميزة خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع حكومة الهند و ضمنت في الوقت نفسه الاستقلال الذاتي لدولة الكثيري .

اما فيما يتعلق ببلاد المهرة و سوقطرة فقد وضعت تحت حماية ( صاحبة الجلالة ) بموجب معاهدة 1886 .

و الخلاصة ، فإن حكومة الهند البريطانية استطاعت أن تتوصل دون صعوبات كبيرة و دون احتلال فعلي للأراضي الى ان تخضع بواسطة اسلوب الاتفاقيات و الأحلاف التي امتدت بين 1839 و 1914 اليمن الجنوبي للسيطرة البريطانية ، فعلى هذا النحو أخضعت صغار الأمراء المحليين لسلطتها و قد ضمنت لهم المحافظة على الاستقلال الذاتي التقليدي ضمن حقوق السيادة لسلطات الحماية و قد تُرك لحكومة الهند أمر السهر على تلك القوى حيث الرقابة غير المباشرة و الغامضة كانت تتم عن طريق سلطات عدن ، إن هذه السلطات الأخيرة لم تسمح و لم تعمل على السيطرة على النزاعات القبلية بل أكثر من ذلك ذهبت الى حد اعطاء زعماء القبائل صفة الامارة و السلطنة و المشيخة و وضعهم على رأس دول مصطنعة لذلك قامت في ظل السيطرة البريطانية مجموعة كبرى من المحميات تتوالد و تتكاثر كلما عقدت معاهدات جديدة للحماية تم توقيعها من قبل زعماء آخرين ، و منذ ذلك الحين تحولت الصراعات القبلية الى صراعات بين دول ذات تكوين اقطاعي .

و عندما بسطت انجلترا حمايتها على مجموع البلاد اكتفت باعلان ذلك و تركت البلاد لمصيرها المحزن و شيدت على أساس من الحكم المطلق قوى سياسية ليس لها مثيل في رجعيتها . و لم تشهد البلاد أي تحسن في أوضاعها سواء على الصعيد الاداري أو الاقتصادي او الثقافي (11) و بقيت التركيبات السياسية و الاجتماعية البدائية على حالها لم تمس .


د ـ مرحلة الارتباط الاداري بحكومة عموم الهند


منذ سيطرة بريطانيا على عدن عام 1839 أصبحت ادارة بريطانية ملحقة مباشرة بالهند تماما كسنغافورة أو مالاقا .

1ـ حكومة عدن :

منذ البدء أخذت الحكومة شكل ادارة مباشرة تقوم على اساس مركزي ذي طابع استعماري و قد عهد بها الى رجال ( الادارة السياسية للهند ) التي كانت تضم بصورة خاصة اوربيين معظمهم عسكريون الى جانب عدد قليل من الموظفين الثانويين من اصل هندي .

و يجدر ان نميز بين مرحلتين كبيرتين : مرحلة رئاسة بومبي ، و مرحلة النيابة عن المملكة .


ـ مرحلة الخضوع لرئاسة بومبي 1893 ـ 1932 :


خلال هذه المرحلة ، كانت الادارة تابعة لحكومة بومبي التي كانت ممثلة في عدن ( بالمقيم البريطاني ) الذي كان يتمتع بامتيازات واسعة ، فقد كان في الوقت نفسه حاكما مدنيا و قائدا أعلى للقطاعات المتمركزة و كان يساعده ثلاثة أو اربعة من كبار موظفي مصلحة ( الادارة السياسية للهند ) و ( مصلحة المستعمرات ) (12) و كان يُضاف الى هذا العدد المحدود قاضي و قائد للشرطة و رئيس لادارة المرفأ .

ان هذا النمط من الادارة استمر نحواً من نصف قرن تقريباً و لم يتغير إلا بعد ان طرأت تحولات سياسية على الهند بعد الحرب العالمية الأولى .


ـ مرحلة ( نائب الملك ) 1932 ـ 1937 :


في أول ابريل عام 1932 قررت لندن نزع إشراف بومبي عن عدن دون أن تفصلها نهائيا عن فلك الهند فأصبحت عدن ادارة متميزة وضعت تحت إشراف مباشر لنائب الملك ، و كان نائب الملك هو الذي يسمي رئيس البعثة الذي يحتفظ بصلاحيات المقيم البريطاني مضافاً اليها الشؤون المتعلقة بداخل المنطقة ، و كان مسؤولا امام المملكة و امام مكتب المستعمرات للعلاقة مع الدول المحمية في آن واحد .

في الحالة الأولى كان يساعده موظف مدني كبير تعينه الدائرة السياسية للشؤون الخارجية في حكومة دلهي ، و إلى جانبه مجموعة من الموظفين المدنيين و العسكريين .

و في الحالة الثانية كان مكتب المستعمرات يعين سكرتيراً سياسياً و مجموعة من الضباط كانت توكل اليهم مهمة العلاقة بين الامارات ، و قد كانت جزر بريم و كمران ( في البحر الاحمر ) التي تشكل جزءاً من ادارة عدن تدار من قبل ( وكيل ) و من قبل ( مدير مدني ) ينتدبهم رئيس الإدارة و يكونون مسؤولين أمامه .

أما بالنسبة لجزر كوريا موريا ( في خليج عمان ) التي كانت منذ عام 1854 تابعة لعدن فإنها كانت تدار من قبل ( المقيم البريطاني ) في الخليج العربي بدءاً من عام 1931 .

ان حكومة أعمال الهند عام 1935 التي بشرت بقرب حصول الهند على الاستقلال ( الفقرة 288 ) هي التي أنهت هذا الوضع و كرست انفصال عدن عن الهند ، و الواقع انه تحت ضغط الطلبات الملحة للزعماء العرب (13) الذين أكدوا امنيتهم في عدم إبقاء المنطقة تحت إشراف الهند انتقلت عدن في اول ابريل عام 1937 من مرتبة المقاطعة ( القاصرة ) إلى مرتبة المقاطعة ( الراشدة ) و منذ ذلك الحين اصبح حاكمها يعين مباشرة من قبل لندن و اصبح لها دستور و اصبحت مستعمرة مرتبطة بمصلحة المستعمرات .


2 ـ إدارة المحميات في المناطق الخلفية :

اما المحميات في المناطق الخلفية فقد بقت على العكس حتى عام 1937 خاضعة لتنظيم اداري بدائي تعسفي ، فقد كان عدد الادارات بعدد السلطات لذلك تعددت المتناقضات و فُقد عنصر الترابط و التجانس فيما بين الأنظمة ، كانت القوانين القبلية و الشرعية الإسلامية تسيطر على الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية للمجتمعات في تلك المناطق و غالباً ما كان رؤساء القبائل يحتكرون وحدهم السلطات إذ لم تكن ثمة هيئة تمثيلية .

على المستوى العالي كان هناك المؤسسات الإقطاعية و الدينية كمجالس السلاطين و مجالس القبائل و محاكم الشريعة ، و لم يكن هناك وزراء و لا ميزانية و لا دوائر اقتصادية او اجتماعية ، كان الحاكم يتمتع بسلطات مطلقة و كانت قوته أو ضعفه مرتبطين بدرجة دعم القبائل التي ينتسب إليها و ولائها له ، أما على المستوى الأدنى فقد كان الفراغ الكامل تقريباً .

خلال قرن لم تتدخل حكومة الهند في الشؤون الداخلية للإمارات لذلك لم يطرأ على الإدارة المحلية أي تغيير ، في عام 1927 بدأت لندن تهتم قليلاً بتحسين هذا النظام الاداري للمحميات فبدأت بسحب إشراف بومبي ثم بتغيير النظام الاداري عام 1937 فأصبحت موزعة على وحدتين إداريتين :


ــ المحمية الغربية

ــ المحمية الشرقية

و منذ ذلك الحين يطلق على المستعمرة و على المناطق الداخلية الخلفيةفقط اسم : ( عدن و محميتها ) بانتظار إدخالها ضمن كيان موحد يدعى ( اتحاد الجنوب العربي ) .




.......................
1 ـ سعيد باوزير ( معالم تاريخ الجزيرة العربية ) القاهرة 1954 ص 50 .
2 ـ الموسوعة الاسلامية ، الجزء الأول ، ليدن 1936 ، ص 186 .
3 ـ جاك أرنول ( ملف دعوى الاستعمار ) دراسات اجتماعية ، باريس 1958 ، ص 29 ـ 30 .
4 ـ باوزير ( معالم الجزيرة العربية ) ص 206 ، قاهرة 1954 .
5 ـ جاك كروكارت ( تاريخ الامبراطورية البريطانية ) . منشورات فلامريو . باريز 1947 ، ص 153 .
6 ـ جاك كولان ( يقظة العالم العربي ) دراسات اجتماعية . باريز 1964 ، ص 18 .
7 ـ مجلة الشرق الاوسط ( الدليل السياسي و الاقتصادي ) لندن 1958 .
8 ـ ريجنالد سورنسن ( عدن ، المحمية و اليمن ) ، لندن ، 1961 ، ص 4 .
9 ـ جان ارنولد ( دعوى الاستعمار ) ، ص 152 ، باريس 1958 .
10 ـ دورين انجرام ( الدليل الاجتماعي و الاقتصادي لمحمية عدن و اريتريا ) 1949 .
11 ـ السر توم هيكنبوتام ( عدن ) ، لندن 1958 ، ص 153 .
12 ـ نفس المصدر ، ص 16 ـ 17 .
13 ـ نفس المصدر ، ص 24 .

....................................

* العنوان الحالي لدار الطليعة للطباعة و النشر

ص . ب :

11 - 1813

هاتف :

009611314659

فاكس

009611309470

.....................
ابو ملاك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-02-2007, 11:41 PM   #2
إستقلال حضرموت
كاتب مهتم
 
الصورة الرمزية إستقلال حضرموت
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 319
إستقلال حضرموت is an unknown quantity at this point
افتراضي

اخي ابوملاك
هل هو افضل من كتب ابن خلدون وابن كثير وغيرهم من الذين كتبوا عن جنوب الجزيره

شكرا اتحفتنا !!!
__________________
تفرق شملهم إلا علينا *** فصرنا كالفريسة للكلاب



[glow=#CC0000][align=center]_________________________
اللجنة الشعبية لمناهضة تبعات الإحتلال اليمني لحضرموت[/align][/glow]

[align=center]

[align=center][blink]مواضيع هامة[/blink][/align]
من المكلاء الى عدن ................ عبر طريق الرعب والمجهول "الجزء الأول"

ولنقطع عنهم وجبتهم المفضلة

المواطن الحضرمي خاليا من السلاح[/align]
[align=center]بيان اللجنه الشعبيه لمكافحة تبعات الاحتلال اليمني بخصوص بصل بافطيم[/align]
[align=center](( إلى باريس حيث تسكن الحضرمية))[/align]
إستقلال حضرموت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-02-2007, 11:48 PM   #3
support
ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½
 
الصورة الرمزية support
 
تاريخ التسجيل: Aug 2004
الدولة: السعودية - جدة
العمر: 40
المشاركات: 31,118
support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough
افتراضي

مشكور على الكتاب
__________________
اقتباس:
ليس بالضرورة أن تكون عميلا لتخدم عدوّك
يكفي أن تكون غبيّاً .

الشيخ / محمد الغزالي
support غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-03-2007, 01:20 PM   #4
ابو ملاك
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 185
ابو ملاك is an unknown quantity at this point
افتراضي الفصل الأول و الثاني و الثالث

[align=center]الفصل الأول


تطور النظام التشريعي منذ إصدار القانون الأساسي1937 .[/align]

منذ عام 1927 وجدت انجلترا نفسها مدفوعة إلى إعادة النظر في سياستها في اليمن الجنوبي . و قد ساهمت مجموعة من الاعتبارات المختلفة في إملاء الحاجة إلى هذه الخطوة أهمها :

ـ ازدياد أهمية الدور الذي تلعبه عدن في المبادلات التجارية للإمبراطورية .
ـ ازدياد كثافة الاستثمارات البريطانية للبترول في إيران و العراق .
ـ قرب حصول الهند على استقلالها .
ـ الاهتمام الذي توليه ايطاليا الفاشستية لليمن ( معاهدة 1926 ) .
ـ و أخيراً ، رغبة بريطانيا العظمى في مجابهة مطالب اليمن بأراضيها .

و قد كان لهذه العوامل تأثير حاسم في دفع بريطانيا إلى تدعيم سيطرتها ، و إلى إصدار القانون الأساسي كخطوة في هذا السبيل . فقد قررت ( بريطانيا العظمى ) في الواقع أن تعمد إلى تغلغل فعلي و واسع في المنطقة دون أن تأبه لنصوص معاهدة السلام و الصداقة الإنجليزية ـ اليمنية عام 1934 . و هكذا وضعت أساس تنظيم سياسي و أداري جديد في عدن .


1 ـ التشريع الخاص بعدن

لم يخلُ الوضع السياسي في جنوب شرق آسيا و في الهند و في الشرق الأوسط بين الحربين العالميتين من تأثير على الوضع الحقوقي لعدن ، فقد تحولت عدن إلى مستعمرة للتاج بموجب الأمر الصادر في 28 سبتمبر 1936 الذي بدأ تطبيقه في أول ابريل من عام 1937 (1) ، و مُنحت عندئذ النظام العادي و التشريع المعمول به في المستعمرات البريطانية ، و منذ ذلك الحين أصبحت حكومتها من النمط الاستعماري المباشر المقصور على الموظفين من اصل إنجليزي ، و قد أنشأت السلطات الاستعمارية خلال الفترة الواقعة بين عام 1937 و عام 1947 من اجل تطبيق الشكل التشريعي الجديد مجلسين : مجلس تنفيذي و مجلس تشريعي .

1 ــ المجلس التنفيذي :

و هو يعتبر أول حكومة في ظل الوضع التشريعي الجديد و كان يتألف :

ــ من حاكم يسميه التاج البريطاني بناء على اقتراح وزير المستعمرات يتولى الرئاسة و مدته خمس سنوات .

ــ من ثلاثة موظفين كبار تسميهم دائرة المستعمرات و يشتملون على أمين عام للحكومة و مدعي عام و سكرتيرا للمالية .

ــ و من موظفين أو خبراء يعينهم الحاكم حسب توجيهات لندن يتراوح عددهم بين اثنين او ثلاثة .

و معظم أعضاء المجلس التنفيذي كانوا بريطانيين أما أبناء البلاد فلم يكن لهم بعد سوى مشاركة ضعيفة في المسؤوليات الحكومية ، كان هناك عدنيان فقط ليس لهما إلا دور ثانوي .

و منذ البدء عهد إلى المجلس بمهمة استشارية بحتة فجميع السلطات كانت مركزة في أيدي الحاكم الذي كان يمارسها بما يصدر عنه من قرارات و كان بوصفه ممثلا للتاج و قائدا للقوى البريطانية المتمركزة مسؤولا في الوقت نفسه أمام دائرة المستعمرات و أمام برلمان وستمنستر .

و كان الحاكم يتمتع بامتيازات واسعة جداً و لم تتحدد هذه الامتيازات ذات الطابع المطلق إلا بعد حوالي عشرين سنة ، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية نلاحظ بدء انتهاج سياسة ليبرالية أطلق عليها الإنجليز اسم ( التطور الدستوري ) ، و قد بدأت هذه السياسة عندما أصبحت عدن مستعمرة مستقلة استقلالاً ذاتياً بموجب الأمر الملكي الصادر في 23 نوفمبر 1944 و الذي وضع موضع التطبيق في 24 أكتوبر 1946 و يتضمن هذا الأمر إنشاء مجلس تشريعي مؤلف من 16 عضواً (2) .


2 ــ المجلس التشريعي :

مع إنشاء المجلس التشريعي تبدأ الخطوة الأولى في ( التقدم الدستوري ) و قد جرى تدشينه في أول يناير 1947 ، أما فيما يتعلق ( بتكوين المجلس ) فهو في الاصل لا يشتمل إلا على أعضاء يسميهم الحاكم و هم موزعون على ثلاثة زمر .

ــ أربعة أعضاء بريطانيين من دائرة المستعمرات

ــ أربعة أعضاء رسميين يُختارون من الموظفين الذين يستخدمهم التاج .

ــ ثمانية اعضاء خصوصيين يختارهم الحاكم من بين ممثلي مختلف فئات الشعب في المستعمرة و خاصة البريطانيين و العرب و الهنود و اليهود (3) .

و في هذا المجال لا بد من التوقف على ملاحظتين :

ـ أولاً ، يلاحظ أن جميع أعضاء المجلس التنفيذي تقريباً هم أعضاء في المجلس التشريعي ، فالحكومة بفضل أعضاء المجلس التنفيذي تكون في حالات التصويت مطمئنة سلفاً إلى النتيجة ، هذا إلى جانب كون الاعضاء الأربعة الرسميين في المجلس التشريعي يكونون دوماً منتقين من رجال الأعمال و التقنيين البريطانيين و خاصة مدير المرفأ ، إذن لم يكن ثمة خوف من ناحية التصويت .

ـ ثانياً ، أن مبدأ الانتخابات لم يكن قد أدخل بعد ، و كان تشكيل هيئة تشريعية يعني في أذهان الانجليز بداية الادارة غير المباشرة .

أما عن ( مهام المجلس التشريعي ) ،

إن مهمة المجلس من حيث المبدأ هي اعداد التشريع المطبق في عدن ، و اعضاؤه يملكون الحق في المبادهة في اقتراح القوانين ما خلا الأمور المتعلقة بالضرائب و بإلغاء القرارات الواردة من التاج .

بيد أن جميع ما يصدر عن المجلس يمكن ان يعطله ( فيتو ) الحاكم ، و هكذا فإن إمكانية اللجوء الى استعمال حق الفيتو يقلص دور المجلس و يجعل مهمته استشارية مجردة ، فالحاكم هو الذي يملك السلطات الفعلية جميعها .

و بموجب القرار الصادر في مارس 1937 لم يعد الحاكم مسؤولا أمام المجلس التشريعي و بقي الأمر على هذه الحال حتى عام 1956 حيث أصبح قسم من الاعضاء يصلون الى المجلس عن طريق الانتخاب .



2 ــ التطورات الدستورية المستحدثة في المستعمرة


منذ عام 1950 تشكل تجمع سياسي معتدل تحت اسم ( الرابطة العدنية ) يطالب بالنظام الانتخابي و بتوسيع نطاق المشاركة في الشؤون العامة ، و لم تظهر السلطات البريطانية أي عداء لهذا التجمع بل على العكس شجعته و وعدته بأن تحقق قسماً من مطالبه على الأقل .

لقد قامت الرابطة العدنية على عدنيين كانوا يعملون وفق توجيهات السلطات البريطانية و كان هدفها الحصول على الاستقلال الذاتي ضمن إطار الكومنولث ، و من هنا كان تعاطف البريطانيين مع القائمين عليها .

بيد أن الأمر لم يبق بين السلطات من جهة و بين الرابطة العدنية وحدهما ، إذ لم تمض مدة طويلة حتى نشأت في السنة ذاتها تجمعات سياسية أخرى و لكن التجمعات الجديدة كانت على خلاف الرابطة العدنية لم تكن تخفي كراهيتها للاستعمار و كانت تطالب بالتحرر المباشر من النظام الاستعماري و كانت تقوم على المثقفين الوطنيين .

1 ـ الأنتخاب الجزئي :

تحت ضغط المعارضة ، قدم الحاكم في مطلع عام 1955 اقتراحا الى دائرة المستعمرات ينص على أن يكون أربعة أعضاء من اصل ثمانية من الأعضاء ( الخصوصيين ) في المجلس التشريعي منتخبين ، و قد أعطت لندن موافقتها دون تردد و اعتبرت ذلك ( إصلاحاً ) يسمح تدريجياً بقدر أكبر من الاستقلال الذاتي و وافقت على رفع أعضاء المجلس من 16 الى 18 .

لقد دخل مبدأ الانتخاب الجزئي حيز التطبيق في نهاية عام 1955 على أن واحداً من الاعضاء الأربعة المنتخبين كان يجب أن يختار من بين أعضاء مجلس منطقة كريتر في عدن (4) ، و تبعا لهذا التغيير في ملامح التشريع دعي تسعة من اعضاء هذا المجلس في يوليو 1956 لإدارة عدد هام من الدوائر .

و في عام 1958 ارتأت حكومة صاحبة الجلالة أن تدخل إصلاحاً مجدداً على المجلس التشريعي يجعله منتخباً في غالبيته كما قبلت بأن تسير بالمستعمرة على مراحل نحو الاستقلال الذاتي الداخلي دون أن تمس سيادتها و أعطت للعدنيين مراكز أكثر أهمية من ذي قبل في المراكز الادارية .

2 ـ السير نحو الحكم الذاتي :

في عام 1959 صدر قرار بسن دستور جديد ، و بموجب هذا الدستور الجديد ارتفع عدد اعضاء المجلس التشريعي إلى 23 ( بعد أن كان 16 في عام 1947 و 18 في عام 1955 ـ 1956 ) و اصبح التمثيل قائماً على الانتخاب للرجال .

في يناير 1959 طرأ اول تعديل على نص الدستور رُفع بموجبه عدد الاعضاء المنتخبين من 4 إلى 12 من أصل 23 عضواً يشكلون مجموع المجلس التشريعي ، و انسحب الحاكم من المجلس تاركاً الرئاسة لرئيس حيادي لا صوت له احتفظ هو بحق تعيينه لمدة اربع سنوات أي طيلة الدورة التشريعية .

و قد أجريت الانتخابات العامة الاولى في جو يسوده التوتر الشديد و قد انتخب الاعضاء الاثني عشر في خمس مناطق : منطقتان انتخبت كل منهما ثلاثة أعضاء و المناطق الثلاثة الباقية انتخبت كل واحدة منها عضوين .


مهزلة الانتخابات :


ان الانتخابات العامة التي جرت في 4 يناير عام 1959 تتميز بخطين رئيسيين :

ــ طابعها اللا وطني

ــ فشلها الذريع

فقانون الانتخاب يستند الى صفة المواطنة العدنية و يعتبر عدنياً مؤهلاً للترشيح و الانتخاب كل شخص (5) :

ــ بريطاني ولد في عدن أو المحمية أو خارجها مهما كان منشؤه و معتقده .

ــ كل شخص حي مقيم منذ أكثر من عشر سنوات و يلم بعض الإلمام باللغة العربية .

و يتضمن القانون المذكور قيوداً شديدة على الجالية اليمنية التي تشكل عدداً كبيراً و يحجب عنهم حق التصويت حتى و لو كانوا مقيمين في عدن في حين أنه لا يستبعد من حق الانتخاب الأشخاص الذين ينتسبون إلى دول الكومنولث ( الهند و الباكستان و الصومال ) .

و إذا وضعنا جانباً هذه الاعتبارات ذات الغرض السياسي وجدنا أن القانون من الناحية التكنيكية يحد من المشاركة في الانتخابات و يقيد الاقتراع بشروط الثروة ، فالأفراد الذين يحق لهم الانتخاب هم أولاً الذكور الذين تجاوزت أعمارهم الواحدة و العشرين أو الذين يملكون أموالاً غير منقولة بقيمة 75 جنيهاً أو يشغلون عقارات تجارية أو سكنية تبلغ أجورها 12 جنيهاً خلال السنتين السابقتين ، و الذين يحصلون على دخل أسبوعي يقدر بسبع جنيهات و عشر شلنات طيلة الاثني عشر شهراً السابقة .

و هكذا فإن حق الانتخاب ينحصر في دائرة الملاكين و المتمولين و يُحجب عن المرأة و عن باقي أبناء الشعب .

لذلك أثارت تلك القيود عاصفة من الاحتجاجات و أدت الى مقاطعة جماعية للانتخابات من قبل الأوساط الوطنية ، فقد دعت الجبهة القومية المتحدة التي تضم عدة منظمات قومية إلى جانب نقابات العمال الى تفشيل الانتخابات و كان للانضباط الرائع و الاحترام الكلي لتعليمات الجبهة من قبل أعضائها و أنصارها الفضل في النجاح الكلي لعملية تفشيل الانتخابات ، فمن أصل 21554 ناخب لم ينتخب سوى 5600 أي 26% من المجموع فقط (6) .

و قد كانت المشاركة في الانتخابات في المنطقة الصناعية في عدن الصغرى ( المصفاة ) أضعف فالنسبة لم تتجاوز 15 % فقط ، و على الرغم من أن السلطات البريطانية قد أخذت عل عاتقها حماية المرشحين فإن سبعة منهم سحبوا ترشيحهم في اللحظة الاخيرة ، و قد اعترفت أقرب الصحف الى السلطات بهذا الفشل ، فجريدة الكفاح تقول معلقة على نتائج الانتخابات في 17 يناير عام 1959 ما يلي :

( نعم ، لقد نجحت المقاطعة نجاحاً لا مثيل له و تجاوزت في نجاحها تقديرات الذين أشرفوا على تنظيمها ، فلولا الناخبين الأجانب لكانت الصناديق خاوية ) .


لقد كانت نتيجة الانتخابات كما يلي :

9 عرب ، 2 صوماليين ، 1 هندي .

و بعد إعلان النتائج طلبت الجبهة القومية الموحدة إلغاء الانتخابات و حل المجلس التشريعي و إجراء انتخابات عامة جديدة لا تمييز فيها ، إلا ان السلطات البريطانية قمعت الحركة الوطنية بالقوة ، و قد اصبح تشكيل المجلس بعد الانتخابات على النحو التالي :

5 أعضاء من كبار مساعدي الحاكم سمتهم دائرة المستعمرات .

6 أعضاء سماهم الحاكم .

12 عضواً منتخباً لا يختلفون عن الفئتين السابقتين في نظر الرأي العام .


المجلس التنفيذي :

أما المجلس التنفيذي فقد أصبح منذ عام 1959 يضم أعضاء يسميهم الحاكم خمسة منهم موظفون و خمسة لهم صفة تمثيلية ، و على الرغم من أن توزع المهمات داخل الحكومة يجب أن يتم على قدم المساواة من حيث المبدأ إلا أن المراكز الرئيسية كانت في الواقع وقفاً على فئة الموظفين فهُم لشؤون الدفاع و الداخلية و المالية و العدلية و أمانة سر الحكومة ، أما دوائر التربية و الصحة و العمل و الشؤون البلدية و المواصلات و الأشغال العامة فقد كان يتولاها عدنيون إلى جانب المستشارين الإنجليز .

في فبراير 1961 أطلق على الفئة الاولى اسم وزراء ، و قد عهد اليهم برسم سياسة وزاراتهم و دوائرهم و تصديقها من المجلس التشريعي ، و اعتبروا مسؤولين مسؤولية جماعية أمامه و مسؤولين فردياً عن الإجابة على أسئلة أعضاء المجلس كل حسب دائرته .

و على الرغم من هذا التطور بقي الدستور يخص الحاكم بصلاحيات تشريعية و تنفيذية كبيرة جداً و بقيت صلاحيات المجلس التنفيذي استشارية مهمته الرئيسية مساعدة الحاكم في ممارسة أعماله .

أما فيما يتعلق بإدارة الجزر التابعة للمستعمرة ، فقد كان الحاكم هو صاحب الصلاحية المطلقة فيها .

و الخلاصة ، فإن مشاركة عناصر عدنية في الحكومة لم يكن يحد أبداً من سلطات الحاكم المطلقة ، في الوقت الذي كانت السلطات الاستعمارية تعتبر تلك المشاركة تعبيراً عن تنازلات كبيرة من جانبها و كانت تعتبر ذلك خطوة أولى ( نحو الحكم الذاتي ) الذي سوف يؤول الى تعميم الصفة العدنية على المجلسين .



3 ــ تدعيم ( الحماية )


كان لا بد لنظام الحماية الذي بدأ عائماً أن يتحدد أكثر كلما أزدادت أهمية عدن و كلما أشتدت مطالبة اليمن بأراضيها .

في عام 1937 تطورت معاهدات الصداقة و الحماية ( 31 معاهدة تقريباً ) و أخذت شكل ( معاهدات استشارة ) تمنح الحكومة البريطانية حق وضع مندوبين عنها إلى جانب السلطات المحلية بغية مساعدتها ، و حل محل الحماية غير المحدودة في الماضي نظام للحماية من النمط الاستعماري ( نظام الحكم نصف المباشر ) .

و قد كان لهذه السياسة الجديدة أهداف محددة ، فقد كانت ترمي إلى تدعيم سلطة الأمراء و نظام الحماية في آن واحد ، و كانت تلبي من جانب آخر رغبة انجلترا في خنق المبادرات اليمنية و السعودية و ذلك بالحيلولة دونهما و دون الوصول الى شاطئ المحيط الهندي (8) ، و لم يكن مستقبل البلاد المتعلق بالنفط ببعيد عن هذا الاتجاه الجديد ، كما أن انجلترا كانت بالإضافة إلى ذلك مهتمة بالدفاع عن مصالحها في افريقيا الشرقية و في المناطق الغنية بالبترول في الشرق الأوسط .

1 ــ مضمون معاهدات الحماية و معاهدات التشاور :

كانت العلاقات بين بريطانيا العظمى و بين الامراء حتى عام 1937 تقوم على أساس ( معاهدات أزلية ) ، و قد بدأ عهد جديد مع عقد أول ( معاهدة للتشاور ) عام 1938 و كان اول من وقع هذا النوع من الاتفاقيات السلطان القعيطي و آخر من وقعها سلطان لحج عام 1951 .


( المعاهدات الأزلية ) :


كانت المعاهدات التي عقدت مع الزعماء المحليين خلال القرن الماضي تتوزع بشكل عام على الأنماط الثلاثة التالية (9) :

1 ـ معاهدات حماية يلتزم بموجبها الأمراء المحليون بعدم التفاوض و عدم إقامة اتفاقيات مع أية سلطة أجنبية .

2 ـ معاهدات سلام و صداقة تتضمن التعهدات الموجودة في السابقة و تزيد عليها حماية الطرق التجارية مقابل دفع المساعدات المالية .

3 ـ اتفاقيات خاصة بحماية الطرق التجارية فقط .

و تتلخص الخصائص الرئيسية لهذه الاتفاقيات في الأمور التالية :

ــ فهي أولاً غير جدية لأن أكثر الموقعين عليها أميون ، ثم انها لا تختلف عن بعضها إلا من حيث اسم الموقع عليها لأنها على اختلافها لا تعدو كونها نموذجاً واحداً .

ــ و هي ثانيا معاهدات ( غير متكافئة ) باعتبارها تربط ما بين طرفين أو سلطتين غير متكافئتين في القوة ، و هي تتم تحت ضغط الإغراء أو القسر .

ــ و هي ثالثاً ذات طابع مفتوح أزلي غير محدد بزمان ، و المتعاقد يلتزم بسمه الشخصي و بسم ورثته و من يأتي بعده إلى آخر الدهر ، الأمر الذي يشكل خرقاً فاضحاً للأعراف الدولية .

ــ و هي أخيراً تنطوي على ربط حقوق السيادة بالسلطات البريطانية و نزعها من يد الزعماء المحليين إلى درجة يصبح معها من المستحيل على الأمراء التصرف بأي جزء من الأرض بدون موافقة سلطات الحماية .

أما ( معاهدات التشاور ) فإنها لا تلغي المعاهدات القديمة بل تكملها و تؤكدها ، فالأمراء يتعهدون باحترام الاتفاقيات المعقودة بينهم أو بين من يخلفهم و بين حكومة صاحبة الجلالة ، و شؤون الدفاع و الخارجية و الاستثمارات تبقى في يد السلطات البريطانية ، و بالمقابل تضمن الحكومة البريطانية للأمراء ( السيادة الإقليمية ) أي وحدة أراضيهم و تمنحهم مساعدات سنوية و فنية .

غير أن العنصر الجديد في هذه المعاهدات هو دون شك تسمية ( المقيمين البريطانيين ) لدى الإمارات ، فبموجب هذه المعاهدات ينبغي على الامراء وفقاً لمصلحة دويلاتهم أن يسمحوا للمقيمين بإبداء آرائهم حول جميع القضايا ما عدا القضايا المتعلقة بالدين الاسلامي و التقاليد الاسلامية .

عملياً كانت صلاحيات المقيمين تتجاوز حدود التشاور و المجالس الاستشارية و تجعل منهم القيمين الحقيقيين على السلطة كما كانت توجيهاتهم بمثابة الأوامر التي تملك مباشرة قوة إجرائية .

صحيح أن شخصية الزعيم المحلي تستطيع أن تضع حداً لتدخلهم إلا انه في هذه الحالة تكون الأرجحية لآراء المقيمين لا سيما إذا كانوا ممن يتمتعون بثقة لدى الجهات العليا و خاصة لدى حاكم عدن .

لقد استطاعت انجلترا بواسطة معاهدات التشاور هذه أن تتوصل الى السيطرة الكاملة على الدويلات المسماة إمارات ، و تجدر الإشارة إلى أن بوادر التطور قد بدأت تظهر على يد هؤلاء المقيمين الذين كانوا مكلفين بإقامة تنظيمات إدارية يمكن من خلالها إحكام السيطرة البريطانية و كان يعمل إلى جانبهم خبراء موزعون على فئتين : الضباط السياسيين و الضباط المساعدين من السكان المحليين .

و كان لهم دوران رئيسيان : دور تنظيمي و دور توفيقي .


الدور التنظيمي :

و هو يعني بالقطاع الإداري و بالقوى المحلية ، و لم يشمل تحسين الشروط الاقتصادية و الاجتماعية إلا مؤخراً .

فيما يخص القطاع الإداري ، لم تكن احدى الامارات قبل ربع قرن تستطيع أن تدعي بأنها تملك جهازاً إدارياً و لم تكن سلطة الامراء غالباً سوى سلطة شكلية لأنهم لم يكونوا قادرين على فرض هذه السلطة بالقوة لأنه لم يكن ثمة جيوش نظامية إلى جانبهم .

منذ ذلك الحين بدأت في الإمارات تتشكل إدارات متلائمة مع الحاجات المحلية إلا أنها في شكلها أشبه بنوى في الحالة الجنينية ما لبث المقيمون أن اجروا مع مساعديهم تحسينات عليها و انشأوا إدارات جديدة ( الشرطة ، و الجمارك ، و التربية ، و الزراعة ) ، و كان أهم إنجازاتهم تحديد أثمان الأراضي في مناطق حضرموت و لحج و أبين ، و كان من جراء إدخال التحسينات على الجهاز الاداري أن تدعمت سلطة الزعماء المحليين ، و في سبيل زيادة وسائل التدخل عمد الإنجليز الى مساعدتهم في تنظيم القوى المسلحة المحلية .

إن هذه القوى المسلحة المحلية تتوزع على ثلاث فئات :

1 ـ الفئة الأولى التي تتحدد مهمتها كحرس للحدود مع اليمن ، أنشئت عام 1928 ، و كانت تضم حوالي ثلاثة آلاف رجل موزعين على ثلاثة كتائب و هو جيش نظامي مؤلف من رجال القبائل الموالين للزعماء المحليين . و كان إشراف الحكومة البريطانية على هذا الجيش إشرافاً مباشراً حيث كان تابعاً لإشراف القيادة العليا البريطانية في عدن و كانت مفرزات من السلاح الجوي الملكي تساعد هذا الجيش عندما يقتضي الأمر ، و كان الضباط العرب يحلون في القيادة تدريجياً محل الضباط البريطانيين ، و في نوفمبر عام 1961 تحول هذا الجيش الى ( جيش اتحادي ) يضم أربعة آلاف رجل موزعين على اربعة كتائب سوف تصبح خمساً لأن كتيبة أخرى هي قيد التكوين ، اما تعريب قيادة الجيش فكان حسب البرنامج البريطاني سيتم عام 1968 .

2 ـ الفئة الثانية (10) ، و هي بدورها ملحقة بحاكم عدن و مهمتها توطيد الأمن الداخلي في الامارات و يطلق عليها اسم ( الحرس الحكومي ) ، و كانت المحمية الغربية هي مسرح عمل هذا الحرس الذي يسانده حرس البادية الحضرمي المكلف بحراسة حدود حضرموت مع العربية السعودية .

و تضم هذه الفئة ألفي رجل (11) من الحرس الحكومي و ألفي رجل من حرس البادية الحضرمي الذي أنشئ على غرار الفيلق العربي الذي أنشأه كلوب باشا في الأردن ، و قد تحول الحرسان بعد قيام الاتحاد إلى ما أسمي ( الحرس الاتحادي ) و الحكومة البريطانية هي التي تقدم له المعدات و الرواتب التي تبلغ أربعة ملايين استرليني في العام ، و كان يشرف على هذا الحرس ضباط إنجليز و أردنيون .

3 ـ أما الفئة الثالثة فتتألف من حرس القبائل الذي بدأ الأمراء المحليون بإنشائه عام 1937 و كانت السلطات البريطانية تزود هذه الجيوش المحلية بمساعدات مالية و فنية ( اسلحة و ألبسة و رواتب ) و كانت تقدم في جميع دول المحمية الغربية عدا سلطنة لحج لأن سلطنة لحج كانت تملك منذ مدة طويلة جيشاً نظامياً مؤلفاً من 300 إلى 500 رجل ، و كذلك السلطنة القعيطية التي كانت على غرارها تملك جيشاً مؤلفا من البدو و من العبيد الذين تحرروا ، و في عام 1959 اندمج حرس القبائل مع الحرس الحكومي ليتشكل منهما الحرس الفدرالي .

و كانت الفئات الثلاث تستخدم في قمع المظاهرات و الثورات القبلية في الصراع على الحدود اليمنية و السعودية لفرض السياسة ( السلمية ) التي تقوم على إخضاع القبائل عن طريق الخوف من الإجراءات القمعية .


الدور التوفيقي :

إن تقسيم الجنوب العربي على الطريقة البلقانية إلى العديد من الدويلات و الجزر هو مصدر الصراعات و الاضطرابات التي كان يمثل فيها المقيمون دور الوسطاء ، فعلى سبيل المثال يمكن الاشارة الى الخلاف القعيطي ـ الكثيري و إلى تدخل المقيم عام 1939 في التحكيم الذي أدى الى تعديل الاتفاق الثلاثي لعام 1918 و كذلك تدخله حديثاً من أجل العائدات البترولية و توزيعها في المستقبل و هو الذي اقترح توحيد الدولتين دون أن يكتب له النجاح .

و في المحمية الغربية كان على المقيم أن يتدخل عدة مرات لمواجهة الخلافات حول بعض القضايا التي كانت تجدّ بين الفترة و الفترة بين الامراء ، و في الفترة الأخيرة حاول أن يجري مصالحة بين سلاطين يافع السفلى و الفضلي الذين كانوا يتنازعون حول منطقة أبين الزراعية الخصبة و إن لم تنته وساطته إلى حل مقبول من جميع الأطراف المتنازعة إلا أن عمل المقيم على وجه العموم لم يكن يخلو من الصعوبات ، فقد كان يحدث أن يصطدم بالزعماء المحليين لأسباب شخصية أو لأسباب قومية فلا تقبل محاولته أو ترفض وجهة نظره و في هذه الحالة كان في وسع الأمير أن يطلب إلى حاكم عدن أن يصرف المقيم المشاور و أن يحسم الخلاف ، إلا أن سلسلة من المضايقات ستكون في انتظار الزعيم المحلي لحمله على التراجع عندما يتخذ الحاكم قراراته ، فهناك دوماً وسيلتان للضغط على الامير في حالة نشوء خلاف بين السلطة المحلية و بين المقيم :

1 ـ التهديد بقطع المساعدات المالية و إعطاء الاسلحة ثم تطويق مكان إقامة الأمير بأمر من المقيم ، فإذا استمر عصيانه للأوامر يعمد إلى تعيين خلف مكانه .. فينتهي الأمر بأمتثال الأمير بعد ان يجد نفسه في موقف لا مجال للاختبار فيه و بإعلان ولائه لصاحبة الجلالة .

2 ـ التهديد بسحب الاعتراف به كرئيس الدولة و ذلك في الحالات الخطيرة التي تستوجب تدخل وزارة المستعمرات ، و عندئذ يتبع التهديد عملية الخلع ، و قد استخدمت هذه الوسيلة عام 1958 ضد سلطان لحج و كذلك عام 1964 ضد سلطان الفضلي .


بيد أن الامراء يمتثلون غالباً لتوجيهات المشاورين الموجهين و يتلقون بالمقابل ثمن طاعتهم مالاً و هدايا و تكريماً ، و هم بحكم مصالحهم متضامنون لأن هذا التضامن هو دعامة وجودهم في السلطة .

و الخلاصة ، فإن تركيز دعائم المحمية قد تم على مرحلتين :

1 ـ مرحلة معاهدات حسن الجوار و الصداقة و الحماية .
2 ـ معاهدات التشاور .

و قد انضاف إليها عام 1959 نموذج جديد من المعاهدات هي ( معاهدات التعاون ) و على أساس هذه المعاهدات قام الجهاز الاداري و التركيب السياسي لدويلات الأمراء .




4 ـ التقسيمات ( السياسية ـ الادارية ) الكبرى


إن المعاهدات التي قامت عليها محمية عدن لم تستند إلى الحقوق الدولية كما كانت الحال بالنسبة إلى تونس و مراكش و إمارات الخليج العربي (12) بل استندت إلى الحقوق الداخلية ، فقد أعطي الأمر الصادر في 18 مارس 1937 التاج البريطاني حق إصدار القوانين الهادفة إلى توطيد السلام و النظام و الحكم العادل و اعتبر حاكم عدن هو في الوقت نفسه حاكم المحمية ، لذلك اعتبرت محمية عدن ( محمية مستعمرة ) (13) مؤلفة من قسمين لهما طابع إداري متميز :

1 ــ المحمية الغربية التي تضم تسع مقاطعات مضافاً إليها المناطق الملحقة بها خلال فترة ما بين الحربين العالميتين .

2 ــ المحمية الشرقية التي تجمع حضرموت و بلاد المهرة و جزيرة سوقطرة ، و يتمثل حاكم عدن بواسطة وكيل عنه في إحداهما كما يتمثل بمقيم في الأخرى .

و يتألف كل قسم من القسمين الاداريين المذكورين من عدد من المقاطعات يتراوح بين خمس مقاطعات و عشرين مقاطعة و قد ظهر منذ بضع سنوات اتجاه نحو دمج هذه المقاطعات ، و رغم ذلك فإنها تبلغ حداً كبيراً من التعدد و من دويلات كثيرة و خاصة في المحمية الغربية أما في المحمية الشرقية فقد كان الاتجاه نحو المركزية هو السائد منذ البدء ، لذلك لا نجد فيها إلا عدداً محدوداً من الأمارات .



المحمية الغربية :


لقد قسمت هذه المحمية إلى خمس مناطق رئيسية :

المنطقة الشمالية الشرقية و هي تضم :

امارة بيحان
سلطنة العوالق العليا
مشيخات العوالق العليا

المنطقة الجنوبية الشرقية و تشمل على :

سلطنة العوذلي
سلطنة العوالق السفلى
اتحاد دثينة و يطلق عليه أيضاً اسم ( جمهورية دثينة ) لأن رئيسها ينتخب كل سنة .

المنطقة الوسطى و تضم :

سلطنة الفضلي
سلطنة يافع السفلى
سلطنة يافع العليا

المنطقة الجنوبية الغربية و هي تضم دولة و ثلاث مشيخات :

سلطنة لحج
مشيخة العقربي
مشيخة العلوي
مشيخة الحوشبي

و لقد كانت هذه المشيخات خاضعة لسلطنة لحج عملياً و لم يكن لها من ااستقلال الذاتي سوى الاسم .

المنطقة الشمالية الغربية و هي تضم :

امارة الضالع
مشيخة الشعيب
مشيخة المفلحي
مشيخة ردفان

و هنا أيضاً تبقى سلطة إمارة الضالع المسيطرة .


و قد بقيت المحمية الغربية حتى عام 1955 مؤلفة من 17 وحدة سياسية ـ ادارية ، و في السنة التي تلت أصبحت 18 وحدة و في عام 1960 أصبحت مؤلفة من 19 وحدة و قد استمرت هذه الزيادة حتى عهد قريب ، و تفسير ذلك راجع الى عملية تجميع الوحدات الصغيرة التي لم تعقد معها أية إتفاقيات في الماضي في وحدات كبيرة تجعل منها دولة جديدة و التي كانت تلحق عادة بالوحدات القائمة منها ، فعلى سبيل المثال ألحقت منطقة الصبيحي بسلطنة العبدلي .

إن الطابع العام لهذا الجزء من اليمن الجنوبي هو التجزئة المفرطة ، و قد شجع الزعماء المحليون خلال فترة طويلة حالة الانقسام هذه لحماية امتيازاتهم و قد استغلت سلطات الحماية هذا الوضع لأنها وجدت في التجزئة الوسيلة الأكيدة لاستمرار هيمنتها ، كما أنها تشكل عائقاً في وجه التحاقها باليمن و تجعل سيطرة الإنجليز على الوضع غاية في السهولة .

إلا أن السلطات البريطانية ما لبثت تحت تأثير التطورات السياسية المتسارعة في المنطقة و تحت تأثير حقد الشعب العربي المتزايد على السياسة البريطانية أن عملت على التعجيل في تجميع تلك الامارات الصغيرة التي يغلب عليها الجمود و غياب كل أثر لحياة سياسية .


2 ــ المحمية الشرقية :


و هي من حيث المساحة أوسع من المحمية الغربية أما من حيث السكان فهي أقل كثافة بسبب استفحال الهجرة ، و هي لا تضم رسمياً إلا خمس سلطنات :

سلطنة القعيطي في الشحر و المكلا
سلطنة الكثيري في سيئون
سلطنة الواحدي في بلحاف
سلطنة الواحدي في بير علي
سلطنة مهرا في قشن و سوقطرة .

و على الرغم من ان التجزئة هنا اقل إذا ما قورنت بالمحمية الغربية فإن ما من شيء يبرر هذه التجزئة المصطنعة لحضرموت ، ذلك أنه على خلاف المحمية الغربية حيث مبادرات الدمج أتت من فوق ، نجد سكان المحمية الشرقية قد عبروا مراراً عن رغبتهم في الاتحاد الذي لا يقف في سبيل تحقيقه إلا عقبات قومية ، فالكثيري يخشى أن تذوب سلطنته في حالة الاتحاد مع خصمه القعيطي و السلطات المسؤوله لا تفعل شيئاً لتذليل العقبات ، فكأنها تنتظر أن يهبط حل سعيد للخلافات حول الحدود و حول الاراضي قبل ان يتم دمج هذه السلطنات ، أما سلطنات الواحدي فقد اندمجت أخيراً لتلحق بالدول الاتحادية للمحمية الغربية ، أما سلطنة المهرة فقد فرضت حالة التخلف المريع فيها نوعاً من العزلة جعلها في منأى عن تيارات التحرر و الوحدة .

إن التيارات المذكورة أخذت شكل حركة وطنية معادية لبريطانيا لأن السلطات البريطانية كانت تعتبر أن الوقت لم يحن بعد لتوحيد حضرموت .


التنظيم السياسي الداخلي للدول المحمية


إن التنظيم الداخلي للدول المحمية يقوم على أساس ادارتها من قبل زعمائها بمساعدة وكلاء الحاكم و الضباط السياسيين و بعض هؤلاء الزعماء يملك الى جانبه مجالس اقليمية ، و قد انصرفت جهود المشاورين إلى تطوير الجهاز الاداري القائم بدلاً أن تنصرف الى استبداله بمؤسسات على الطراز الغربي ، و يقول أحد رجال القانون الأمريكي Liebseny بهذا الصدد : ( لقد تُرك لهذه البلاد جهازها الاداري لم يمس بالمقدار الذي يتفق مع حاجات و اهداف بريطانيا العظمى فيما يتعلق بالأمن و النظام ) (14) .

إن معظم السلاطين و الأمراء و الشيوخ ما عدا سلطنة القعيطي و العبدلي قد جرى تعيينهم عن طريق الانتخاب لا في أشكال الديمقراطية المباشرة أو غير المباشرة بل في أشكاله الخاصة بالنظام القبلي و بطرق التعيين الموغلة في القدم ، فالزعيم ينتخب من قبل مجموعة من كبار الناخبين الذين يمثلون القبائل أي من مجلس إقطاعي ينتخب زعيماً لمدى الحياة من أسرة يُعترف لها بالسيادة ، و قد يقع الاختيار على قاصر لما يبلغ سن الرشد بعد فيعين المجلس وصياً أو مجلس وصاية كما حدث في بيحان و في سلطنة العولقي السفلى ، و تُنقل نتيجة الانتخاب إلى حاكم عدن بواسطة وكيله ، و هذا الاختيار يتم بصورة عامة بموافقة الحاكم الذي يكون ممثلاً بالمقيم أثناء الانتخاب ، و هكذا فإن عملية طلب الاعتراف بالزعيم المنتخب تبقى عملية شكلية لأنها تكون مسبوقة بمشاورات على ضوئها يتم تعيين و تسمية المرشح ، كما يتم أحياناً توسيع المجلس الذي ينتخبه عن طريق إدخال أعضاء موالين للحاكم أو لممثله .

أما في سلطنتي القعيطي و العبدلي فتختلف طرق التعيين ، ذلك أن الزعامة في الأولى وراثية ، فالزعيم هو الذي يعين خلفه و هو ابنه البكر بعد موافقة مسبقة من السلطات الاستعمارية ، أما في السلطنة الثانية فقد توقف العمل بمبدأ الوراثة منذ أصبح لها دستور، فدستور عام 1951 يعطي حق اختيار زعيم جديد للسلطنة للمجلس التشريعي المؤلف من الوجهاء ، إلا أن ذلك لا يتم أيضاً إلا بعد الموافقة الضمنية من قبل السلطات البريطانية و هذا ما كان يسبب بعض اللغط لأن الامراء العبدليين في لحج كانوا يظهرون روحاً استقلالية لم يكن الإنجليز يحتملونها كثيراً ( احتلال الامارة عام 1952 بعد أزمة الخلافة ) .

و الخلاصة فإن الزعامة هي قمة الجهاز السياسي و الأمير هو في الوقت نفسه رئيس الحكومة و الزعيم الأكبر للمقاطعة و هو يرئس مجلس الدولة إذا وجد هذا المجلس و هو المتحدث الوحيد بسم المقاطعة الذي يتوجه إليه مباشرة حاكم عدن أو ممثله .

أما فيما يتعلق بالمؤسسات فإن المحمية الغربية لم تحقق تقدماً ملحوظاً اللهم إلا في لحج و في الفضلي إلى حد ما ، في حين أن المحمية الشرقية و خاصة في القعيطي و الكثيري وصلت الى وضع أكثر تقدماً و أصبح فيها مؤسسات تتجاوز في تطورها كل ما عرفه اليمن الجنوب (15) .

فالسلطة التشريعية تتمثل بمجلس الدولة الذي يُختار أعضاؤه من الأسر المهيمنة و من القبائل و من كبار رجال الدولة و جميعهم تجري تسميتهم من قبل الأمير ما عدا لحج و الفضلي ، ففي لحج ينص الدستور على استبدال نظام التسمية بنظام انتخابي عندما يصبح هذا الاستبدال شيئاً ملائماً ، أما في الفضلي فمنذ عام 1963 تحول مجلس السلطنة إلى مجلس تشريعي منتخب ضمن إطار الاقتراع المحدد الى السلطة التشريعية هي من حيث المبدأ تابعة لزعيم الدولة و للمجلس المحلي و زعيم الدولة هو الذي يملي عملياً نصوص القانون الذي يصوت عليه أعضاء المجلس جملة و تسن التشريعات في مراسيم أما النصوص المعقدة فينشؤها جهاز المشاور البريطاني .

أما السلطة التنفيذية فتتمثل بالمجلس التنفيذي الذي يضم الى جانب الأمير مدراء مختلف الدوائر فهم في معظمهم أقارب الأمير ، و تجدر الاشارة إلى أن عدداً محدوداً من الدويلات تملك حكومة بالمعنى الدقيق للكلمة و اجهزة إدارية حقيقية ، ففي الدويلات التي لا حكومة فيها يتولى الزعيم جميع المسؤوليات التنفيذية و يختلف مستوى التنظيم و الاشراف باختلاف المناطق ، و بصورة عامة ينص النظام المتبع على تقسيم المنطقة الى محافضات يديرها نواب للزعيم و الألوية أو المحافظات تقسم بدورها الى دوائر يقوم على رأسها ( قائم مقام ) و توجد في بعض الدويلات تنظيمات بلدية في المدن و مجالس للقرى و تتفاوت مهمات هذه المنظمات البلدية ، ففي مراكز المدن تتلخص المهمات الرئيسية للمجالس البلدية فيما يلي :

ــ مراقبة الأسواق
ــ مراقبة الدوائر الصحية
ــ الخدمات العامة : التموين

أما في المناطق الريفية فمجالس القرى تهتم بالدرجة الأولى بالقضايا الزراعية مثل :

ــ توزيع المياه
ــ تنظيم الرعي
ــ التوسط في الخلافات

فإذا قورنت هذه التنظيمات المعمول بها في المحمية بالتنظيم الاداري في المستعمرة ظهر الفرق الكبير سواء من حيث التركيب أو من حيث تطور هذه التنظيمات ، ففي عدن لم تبق الاشكال التقليدية بل أعطي للتنظيمات الادارية و التشريعية طابع غربي في حين أن السلطنات و الامارات و المشيخات بقيت على طابعها الاداري البسيط البدائي ، لذلك فإن مهمة المشاور البريطاني في دول المحمية الغربية كما يقول ليبسنيي Liebseny (16) : ( تكاد تصبح مهمة رجل اداري بدلاً من مهمة المشاور بسبب انخفاض مستوى التطور الاداري ، في حين أن سلطنات القعيطي و الكثيري في المحمية الشرقية تملك تنظيمات ادارية كاملة بحيث أن المشاورين يلعبون دوراً أدارياً غير مباشر و يغلب على مهمتهم طابع التوجيه و العناية ) .

و مهما يكن من أمر التطور الذي بلغته المقاطعات فإن نظمها تتفق دون استثناء بطابع مسيطر ثابت هو الاوتوقراطية ، فهي حكومات من النمط المغرق في الطابع الشخصي ، و بدلاً من أن يؤدي تطوير جهاز الدولة إلى تحرير المناطق من هذا الطابع الاوتوقراطي تدريجياً حصل العكس و أصبح أكثر رسوخاً و التنازلات النادرة التي قام بها الزعماء تجاه المطالب الشعبية التي كانت تزداد إلحاحاً تقف عند حدود تشكيل المجالس المحلية التي تتألف من أعضاء موالين للحكام ، فالنظام التمثيلي ما يزال غير معروف و الانتخابات التي جرت في سلطنة الفضلي حديثاً لم تؤد إلى أية جمعية و السلطة الشخصية للنظام لا تكتفي برفض هذا الحق المشروع للشعب بل انها لا تتحمل أي نقد أيضاً و السلطة الحامية لا تتدخل في هذا كله بحجة أن المعاهدات المعقودة مع دول الامراء لا تجيز لها التدخل في شؤونها الداخلية ، هذا و الكل يعلم أن هذه الدول ليست مستقلة إلا في ظاهر الأمر و أنها عملياً تابعة لسلطة المقيمين الذين يصوغون نصائحهم على شكل أوامر .

إن المقيم يتصرف بصورة عامة باعتباره الرجل الثاني في الإمارة بعد الامير فيراقب الشؤون العامة مباشرة و لا يصدر أي قرار هام دون موافقة مسبقة منه .

إن حصيلة ربع قرن من الإدارة غير المباشرة كانت مع ترك الأمور على هذا النحو حصيلة ضئيلة ، ذلك أن الاحتفاظ بالتجزئة و بالعادات القبلية القديمة كانت قاعدة ثابتة للسياسة البريطانية .

و بعد أن أنجزت تطبيق المثل الروماني : ( فرق تسد ) لجأت في السنوات الأخيرة إلى تطبيق فكرة ( الفدرالية ) القديمة لمواجهة ( الخطر ) اليمني من جهة و لإبعاد دول الأمراء عن الحركات الاستقلالية التي تشكل البلدان المستعمرة مسرحاً طبيعياً لها .




..........................

1 ـ شارل روسو ( الكومنولث في العلاقات الدولية ) محاضرات في معهد الدراسات السياسية ، باريس ، 1957 ـ 1958، ص9.
2 ـ نفس المصدر
3 ـ كان عدد اليهود عام 1947 سبعة آلاف ، هاجر 90 % منهم الى اسرائيل عام 1949 ـ 1950
4 ـ كانت المستعمرة تضم ثلاثة مجالس بلدية مستقلة : مجلس منطقة كريتر ، مجلس البريقة ( عدن الصغرى ) ، و مجلس الشيخ عثمان .
5 ـ الكتاب الازرق في 20 اغسطس 1962 ، ( تقرير راماج ) دائرة المستعمرات ، لندن 1962 ، ص 197 .
6 ـ سورنسن ( عدن ، المحميات و اليمن ) ص 13 ، لندن 1961 .
7 ـ نفس المصدر
8 ـ محمد عبد الحميد ( عقيد ) ، ( الاستعمار البريطاني في جنوب الجزيرة العربية ) ، القاهرة .
9 ـ الوثائق الفرنسية ( ملاحظات و دراسات وثائقية ) رقم 2186 ، باريس 1956 .
10 ـ السر برنار ريللي ( عدن و اليمن ) ، لندن 1960 ، ص 13 .
11 ـ جيليان كنج ( عدن ) اوكسفورد 1964 ، ص 63 .
12 ـ ترتبط هذه الامارات بوزارة الخارجية لا بوزارة المستعمرات .
13 ـ الوثائق الفرنسية ، فقرات و وثائق رقم 319 .
14 ـ الوثائق الفرنسية ، فقرات و وثائق رقم 319 .
15 ـ السر توم هيكنبوتام ، ص 159 .
16 ـ الوثائق الفرنسية ( الفقرات و الوثائق ) رقم 319 .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ


[align=center]الفصل الثاني

مراحل الفدرالية[/align]


ان اليمن الجنوبي الذي يشكل بالنسبة لبريطانيا مركزا هاما ، ( مهدد ) بدوره بموضوع القومية العربية . فلكي تستبق الحوادث و تبعد عنها هذا الشبح تبنت اقتراحا قدمه عام 1945 السيد هارولد إنكرمت (1) المقيم السابق في حضرموت . و ينص هذا الاقتراح على دمج الامارات جميعها في اتحاد أو اتحادين فيدراليين على صلة وثيقة بالمملكة المتحدة .

ان الحجة التي اعتمدت عليها فكرة التوحيد ، قامت على التأكيد بأنه من المستحيل أن تقوم اصلاحات سياسية و اجتماعية خارج اطار الاتحاد . كذلك الأمر بالنسبة للتطور الاقتصادي ، الامر الذي دعا حاكم عدن السابق السر توم هيكنغ بوتام ، محرك الفدرالية ، الى القول : ( لن تملك دول المحمية قوة كافية لكي تلعب دورها في العالم الحديث ، من دون الوحدة ) .

و لكن الشيئ الأساسي الذي عجل في تحقيق هذا الاتحاد هو ما تمليه المصالح البريطانية بالدرجة الاولى . لأن بريطانيا كانت تنوي بالفعل جمع الامارات حول المصفاة التي انشأتها شركة البترول البريطانية خلال عامي 52 ـ 1954 ، حتى تضع تحت اشرافها حقول البترول الممتدة من الكويت الى كينيا . كما كانت تنوي ان تجعل من البترول نقطة ارتكاز لها في الشرق الاوسط و مفتاح نفوذها الحربي في هذه المنطقة من العالم .


مراحل توحيد الامارات

ان الشعور الاقليمي ، كان الى وقت قريب ، سائدا في اليمن الجنوبي . و كان يعبر عنه بالانفصالية و الانعزالية . كما ان الاستعمار شجع التجزئة المفرطة للبلاد . و لم تصحُ السلطات الاستعمارية على آثار تلك التجزئة إلا مؤخرا . و عندئذ فكرت في أن تبدأ عملية جمع الوحدات المشتتة . و منذ عام 1950 بدأت تجس النبض لعرض فكرتها هذه على الزعماء المحليين . فبعضهم قبل على الفور المبدأ و البعض الآخر أعربوا عن تمسكهم بالوضع الراهن .

إلا ان حكومة صاحبة الجلالة تركت الامور تنضج حتى تتبلور و تأخذ مجراها الطبيعي . و قامت خلال ذلك بحملة لإقناع الامراء بضرورة الاتحاد . و في عام 1952 توصل حاكم عدن الى انتزاع موافقة غالبيتهم على المبدأ . و بعد ذلك دارت المحادثات بين الطرفين و كانت باشراف حاكم عدن و المقيم المشاور في المكلا . و قد قدم هذان الرجلان الى محدثيهم مشروع قرار يتضمن النقاط التالية :

ــ تجميع الامارات في اتحادين فدراليين بموجب التقسيم الاداري القائم .

ــ توحيد الاتحادين ضمن دولة واحدة هي دولة الجنوب العربي الاتحادية .

اما بالنسبة لمستعمرة عدن ، فكان من المفروض ان تبقى خارج هذا الاتحاد ، إلا انها مع الزمن لم يكن دخولها مستبعدا . و قد اصطدم هذا المشروع منذ البدء بمقاومة اليمن و معظم الدول العربية . كما ان العناصر القومية كانت تأخذ عليه طابع الوصاية . و لهذا السبب اصطدم تطبيقه بصعوبات ليست هينة .



وحدة حضرموت :

لقد طرحت البورجوازية الحضرمية و المغتربون فكرة وحدة حضرموت قبل ان تطرحها المبادرة البريطانية . و حاولوا التقريب ما بين سلطنات القعيطي و الكثيري لإقامة رابطة وثيقة ما بين هاتين الدولتين الشقيقتين . غير ان هذه المحاولة فشلت بسبب تحفظ كل طرف على الآخر . و لم يتمكن البريطانيون بدورهم من تذليل هذه الصعوبة رغم وسائلهم الخاصة في الضغط . و هكذا وصلوا الى طريق مسدود .

أما المغتربون فقد قاموا بدورهم بنشاط منذ القديم من أجل توحيد حضرموت . فقد أسست الجالية الحضرمية في جاوة و في ماليزيا بعد الحرب العالمية الأولى حركة وطنية اصلاحية قوية . و انعقد المؤتمر الأول في المكلا عام 1927 ( صدر عنه ميثاق Chir ) و المؤتمر الثاني في سنغافورة ( في ابريل 1928 ) حيث اتخذ المؤتمرون قرارات تطلب الى إمارتي القعيطي و الكثيري دعوة مجلس وطني للاشراف على تحقيق الوحدة في البلاد (2) . لكن هذه المساعي لم تجد أذاناً صاغية . ثم تبعتها محاولة جديدة عام 1939 توجهت مباشرة الى السلطات الانجليزية في عدن . فقد قدمت ( لجنة الاصلاح ) التي تمثل المغتربين الحضارمة ، مذكرة الى الحاكم تطالب فيها بتوحيد حضرموت و بإعلان استقلالها , إلا ان مصير هذه المحاولة لم تكن احسن من سابقاتها .

في هذا الوقت بالذات كانت الأوضاع القومية في اندونيسيا قد بدأت تؤثر على المهاجرين الذين اضطروا إلى عودة جماعية الى الوطن ، بعد ان فقد معظمهم العمل و الثروة و الحماس . و قد أثر ذلك تأثيرا سلبيا على الوطن الأم من الناحية الاقتصادية ، و ظهرت المجاعة في اكثر المناطق . إلا أن هذه الأزمة أدت بالمقابل الى تقوية الحركة الوطنية المتمكنة في حضرموت و التي لم تعد تحتمل التراجع و النكوص . و من البلاد الجديدة التي هاجروا اليها من جديد ، أسس هؤلاء المغتربون حركة معادية للاستعمار تعمل على ثلاث جبهات :

ــ جبهة المطالبة باستبدال الموظفين الأجانب بموظفين وطنيين .

ــ جبهة العمل على تقوية الاقتصاد .

ــ جبهة تقوية حركة الصراع مع الاستعمار للاسراع في الحصول على الاستقلال و تحقيق وحدة البلاد .

و لم تتحقق هذه الاهداف إلا بصورة جزئية بسبب عدم وجود جهاز سياسي قادر على تحريك الجماهير و جمعها حول برنامج محدد .

ضمن هذه الظروف قدمت سلطة الحماية المشروع البريطاني الذي فوجئ الجميع بموافقة السلاطين عليه .


المشروع البريطاني :

ينص هذا المشروع على تبني النظام المطبق في ماليزيا ، و على الاستئناس بنظام الاتحاد الماليزي الذي فرض عام 1946 , و هو يستبعد ، لأسباب غامضة ، سلطنة المهرة من الاتحاد .

و يتلخص هذا المشروع فيما يلي :

يتخلى سلاطين ( القعيطي و الكثيري و و الواحدي ) عن امتيازاتهم لبريطانيا ( دون استشارة الشعب) و يكون لهذا الاتحاد كل خصائص الدولة المركزية ذات المؤسسات الاتحادية .

و لم يكن هذا المشروع بشكله المذكور مقبولا من الأمراء لأنه يجردهم من امتيازاتهم الداخلية و الخارجية ، و يلغي دورهم و يوكل مهماتهم الى حاكم عدن أو المقيم المشاور ، لذلك عارضوه خفية . و قد استهدفت هذه المعارضة شكل المشروع و ليس فكرته بحد ذاتها . ثم ان المشروع يقدم مصالح القعيطي على حساب بقية السلطنات الداخلة في الاتحاد . لذلك كانت سلطنة الكثيري أول من رفض فكرة الاتحاد لأنه يسلبها استقلالها المحلي . كما أن سلطنة الواحدي رفضته للسبب نفسه .

تجاه هذه المعارضة ، اضطرت وزارة المستعمرات ان تصرف النظر عن المشروع مؤقتا و أن تركز جهودها في منطقة المحمية الغربية . فقد كان مشروعها يملك نصيبا أوفر من النجاح هناك بدعوى التهديدات اليمنية ( حقيقة كانت أم وهمية ) .


اتحاد امارات المحمية الغربية :

كانت الشروط السياسية تختلف اختلافا بيناً بين المحمية الشرقية و المحمية الغربية . فالتجزئة بلغت حدا مفرطا في المحمية الغربية حتى بلغ عدد الامارات المعترف بها رسميا ( 20 ) إمارة . هذا بالاضافة الى عدم الاستقرار السياسي و الى كثرة حوادث الحدود مع اليمن . ثم منذ قيام ثورة مصر عام 1952 ، تطور الخلاف اليمني ـ البريطاني ، و أخذ يتعدى حدوده الإقليمية . فاليمن كان قد خرج من قوقعته و انضم إلى الجامعة العربية 1945 و الى الامم المتحدة عام 1947 ، و أخذ يقوم باتصالات دبلوماسية لدى الاوساط الدولية للحصول على دعم بلدان العالم الثالث و المعسكر الاشتراكي و البلدان الأخرى المعادية لبريطانيا .

و قد أقلق تدويل الصراع الانجليز ، لذلك سارعت المملكة المتحدة في إقامة دولة اتحادية تمحو المظهر الاستعماري السابق بغية تفشيل المساعي اليمنية و كسب عطف الأمم الافريقية و الآسيوية و الامريكية اللاتينية .

ففي عام 1945 قام سلطان لحج على رأس حركة تطالب بتوحيد اليمن الجنوبي و كان يطمح في ان يكون على رأس الدولة الاتحادية . إلا ان طموحه اصطدم بباقي الأمراء و بالسلطة التي اعتبرت هذا الموضوع سابقا لأوانه .

بيد ان حاكم المستعمرة تقدم في الوقت نفسه الذي طرح فيه مشروع توحيد حضرموت ، بمشروع مشابه لتوحيد امارات المحمية الغربية . و قد كان فشل المشروع الأول درسا كافيا للسلطات البريطانية التي أخذت تظهر كثيرا من الدوبلوماسية و الحيطة لكي تتجنب غضب اليمن و تكسب ثقة الأمراء .

لقد كان المشروع ينص على اقامة نظام فيدرالي يضمن الاستقلال الذاتي للأطراف المعنية ، و يكون تحت إشراف مفوض سامي مسؤول عن السياسة الخارجية و الدفاع و الأمن الداخلي .. الخ ، كما كان ينص على أن الامارات التي عقدت معاهدات تشاور هي وحدها مخولة بدخول الاتحاد .

و قد وافق الرؤساء المحليون على هذا المشروع . إلا أن هذا الانصياع للسياسة البريطانية قد أثار عليهم عاصفة شديدة من النقمة في الخارج و خاصة في اليمن . و قد كان رد فعل الامام سريعا إذ صرح بأن مخطط هذا الاتحاد يتنافى مع مبادئ معاهدة عام 1934 . ثم ما لبثت الجامعة العربية أن شجبت هذا المشروع و وصفته بأنه نوع من الاستعمار الجديد . و هكذا رفعت القضية الى مجلس الأمن .

و لم يقتصر النزاع على تبادل الاحتجاجات ، بل اخذ شكل سلسلة من الحوادث و الاصطدامات على طول الحدود اليمنية ، و إلى تبادل التهم بالتسلل و الغزو و التهديد بالحرب .

و بعد تدهور الوضع تراجع الامراء و انسحبوا باستثناء شريف بيحان ، الذي أعلن ولاءه للمخطط البريطاني . عندئذ أعادت حكومة المحافظين النظر في سياستها مؤقتا ، و صرح موظف كبير في وزارة المستعمرات أمام مجلس العموم في ابريل 1955 ، بأن هذه المشاريع الاتحادية ليست إلا مجرد اقتراحات لا يفرض الانصياع إليها على أحد (3) . إلا أنها تمسكت بالمبدأ ، و رغم ذلك فقد هدّأ هذا التصريح النفوس الثائرة . إلا أن ذلك لم يدم طويلا بسبب التطورات التي حدثت في الشرق الأوسط . فقد كانت انجلترا طيلة عام 1955 تحاول إدخال اكبر عدد ممكن من البلاد العربية في ( حلف بغداد ) المشهور ، و كانت ترمي من وراء ذلك إلى خلق مجموعة عربية تخضع لإشرافها (4) غيرأن القوى القومية العربية تضافرت لإجهاض المخطط البريطاني و عندئذ لجأت انجلترا من قبيل التعويض عن هذا الفشل الجزئي إلى تنفيذ مخططها بالنسبة لليمن الجنوبي في اسرع وقت ممكن

فقد أدى الجلاء عن منطقة قنال السويس إلى ضرورة نقل مركز القوات البريطانية في الشرق الأوسط إلى عدن . و اصبح إنشاء دولة اتحادية تضم اليمن الجنوبي تربطها بحكومة صاحبة الجلالة معاهدات تضامن و دفاع ، أكبر ضامن للمحافظة على مركز استعماري قوي ذي موقع هام ، خاصة بعد أن قضي تدريجيا على النفوذ البريطاني في الاجزاء الاخرى من الوطن العربي .

و قد أثارت هذه الخطوة كراهية و غضب معظم البلاد العربية التي وجدت فيها تهديدا جديدا لاستقلالها . فراحت توجه نقمتها للقضاء على ما تبقى لانجلترا من مغانم في الارض العربية . و ظهرت موجة من الدعاية المعادية لبريطانيا حرضت شعب اليمن الجنوبي على احباط المؤامرات التي دبرها له الاستعمار .

و لكن الشيئ الهام كان توقيع الميثاق اليمني ـ المصري ـ السعودي عام 1956 الذي يدخل عدن و محميتها ضمن ميثاق الدفاع العربي . و هكذا رأت بريطانيا نفسها مهددة جديا و أرادت ان تنقذ موقفها رغم كل الظروف . و في هذا الجو المتوتر دعا حاكم عدن الامراء عام 1956 ليطلعهم على المشروع النهائي للاتحاد . و في نفس الوقت أعلنت الحكومة البريطانية في مجلس العموم في 13 يونيو بأن قيام الدولة الاتحادية و نجاحها يتوقفان على مدى الرغبة و التجاوب الذي يلقاه ( من الشعب و من الزعماء ) .

و في نهاية المحادثات أصدر الامراء بياناً يقولون فيه : ( إن تطور بلادنا و تقدمها يتوقف في المستقبل على التعاون الوثيق و الوحدة فيما بين أجزائها ) .

غير ان هذه الخطوة لم تؤد الى قيام الاتحاد بسبب نشوب العدوان الثلاثي على قناة السويس الذي بدّل في المسلمات السابقة . فقد تدهورت العلاقات بين البلاد العربية و الغرب الى درجة لم تعد معها بريطانيا و لا الامراء المحليون ، يجرؤون على اعلان قيام دولة الاتحاد . و كان عليهم ان ينتظروا حتى عام 1958 حتى يستأنفوا المفاوضات . و قد تصلبت بريطانيا كثيرا في موقفها بالنسبة لليمن بعد ان أثر قيام الجمهورية العربية المتحدة تأثيرا عميقا في مجرى الأحداث . كما ضغطت على الامراء للموافقة على الدستور الفدرالي الذي وضعته وزارة المستعمرات . و أخيرا أعلن رسميا في 11 فبراير 1959 ، قيام اتحاد إمارات الجنوب العربي ، أي بعد مرور 25 عاما على توقيع معاهدة صنعاء عام 1934 . و بعد الانتهاء من حفلة التدشين ، وقع وزير المستعمرات على اتفاق مع الامراء تتعهد بموجبه بريطانيا بتقديم المساعدات الاقتصادية و العسكرية للدولة الجديدة حتى توصلها الى الاستقلال الذاتي . و بالمقابل لا يحق للدولة الاتحادية بموجب هذا الاتفاق أن تعقد معاهدات أو تدخل باتصالات مع دول او حكومات أو منظمات دون موافقة بريطانيا ، و بالاضافة الى ذلك تنص المادة الخامسة من هذا الاتفاق على انه لا يجوز للاتحاد أن يرفض أي رأي تبديه حكومة صاحبة الجلالة حول حسن سير الحكم .


دول الاتحاد :

في البدء قام الاتحاد بين الامارات الست : إمارة بيحان ، الضالع ، سلطنة الفضلي ، العوذلي ، يافع السفلى و العوالق العليا . و كان الدستور ينص على تأسيس مجلس أعلى من ستة أعضاء يملكون السلطة التنفيذية و مجلس اتحادي مؤلف من 26 عضوا يتولى السلطة التشريعية ، و قد اقتصر الاتحاد على هذا العدد بسبب تحفظ غالبية الزعماء المحليين . أما سلطان لحج فقد جاهر بعدائه و معارضته للاتحاد معتمدا على دعم رابطة الجنوب العربي ، و هاجم المشروع البريطاني . و قد أثار هذا الموقف نقمة لندن عليه ، و اتهمته بالتعامل مع الاجنبي و بعزمه على الالتحاق بالجمهورية العربية المتحدة التي أُنشئت حديثا ، و أن هذا الموقف يتنافى مع احكام المعاهدات السابقة المعقودة مع حكومة صاحبة الجلالة . و قامت باحتلال سلطنة لحج و أقامت فيها حالة الطوارئ ، و خلعت السلطان و عينت مكانه سلطاناً آخر انضم الى الاتحاد في اكتوبر 1959 . و في فبراير 1960 ، كان قد سبقه في الالتحاق بالاتحاد : العوالق السفلى ، العقربي ، و دثينة . و في شهر مارس 1962 ، التحقت إمارة الواحدي من المحمية الشرقية ، و اصبح عدد الدول الاتحادية إحدى عشرة دولة . و في شهر ابريل 1962 بدّل ( اتحاد إمارات الجنوب العربي ) اسمه و اصبح ( اتحاد الجنوب العربي ) و ذلك بسبب قرب دخول مستعمرة عدن في الدولة الاتحادية .

إن مقدمة دستور 1959 تشير إلى الخصائص الرئيسية الأربع التي تميز هذا الاتحاد :

1 ـ فهو عبارة عن نظام ملكي من نوع خاص من حيث أن سلطاته التنفيذية و التشريعية و جميع الصلاحيات تقريبا في أيدي الأمراء .

2 ـ و هو يشكل وحدة اقتصادية قائمة على التعاون المتبادل بين الأعضاء و على إلغاء الحواجز الجمركية ( 5) لضمان تطور عام للبلاد .

3 ـ و هو يشكل وحدة عسكرية دفاعية مهمتها الدفاع عن الاستقلال و عن الحريات الجماعية لأعضاء الاتحاد .

4 ـ هو أخيرا يعتبر نفسه مفتوحا أمام دول شبه الجزيرة العربية الساحلية ، غايته تشكيل ( اتحاد اسلامي عربي ) و يقصد بذلك انضمام اليمن الملكية آنذاك . إلا أن الاطاحة بالملكية أدى الى الحد من هذا الطموح و الاكتفاء بالدول المحمية و ربما بعدن . حتى بالنسبة الى ضم عدن كان ثمة حاجة الى مفاوضات و محادثات عديدة ، لأن العدنيين كانوا يخشون النتائج السياسية و المالية لهذا الانضمام . كما أن الأمراء من طرف آخر كانوا يوجسون خيفة من الاضطرابات التي كانت تقوم بصورة دائمة بين الفترة و الاخرى في عدن .


انضمام عدن الى الاتحاد

تشكل عدن مرفأ دولي و قاعدة كبيرة الاهمية ، و لهذا السبب فصلتها بريطانيا و جعلت منها مستعمرة للعرش عام 1937 .

و منذ قيام الاتحاد بدأت بريطانيا تعيد النظر في عملية الفصل السابقة و تنظر في توحيد المستعمرة مع الامارات المحمية . غير ان المستعمرة على ما هي عليه من احزاب سياسية و نقابات و مظاهرات و اضطرابات و تجمعات شعبية ، كانت تثير الخوف و القلق في نفوس مؤسسي الاتحاد . إلا أن شعور السلطات البريطانية بضرورة ضم المستعمرة الى الاتحاد انتهى بفرض هذا الانضمام . و كان لهذا الحدث أهمية سياسية كبرى لأنه يسجل نهاية لعصر و لسياسة كانت فيه عدن مجرد مستعمرة و انتقلت بعده فأصبحت ( دولة مستقلة ) و عضوا في مجموعة على وشك ان تستكمل سيادتها . فاتحاد الجنوب العربي هو على وشك ان يصبح الدولة العربية الوحيدة المستقلة داخل الكومنولث . و كان هذا التحول في نظر بريطانيا الوسيلة الناجعة لجعل الامراء يقاومون ضغط اليمن و ضغط القومية العربية . لذلك عمدت إلى تطوير العلاقة مع الدولة الاتحادية فأخذت شكل معاهدات صداقة و مواثيق تمنحها سلطة الاحتفاظ بقواعد عسكرية في المستقبل . و في 20 اغسطس 1962 أذيع في لندن كتاب أبيض يتضمن قرار ضم المستعمرة الى الاتحاد ، و هو عبارة عن ملحق اضافي لمعاهدة 1959 . و يتضمن هذا الميثاق عدداً من النصوص أهمها : منح عدن الحق بأن يكون لها حكومة مسئوولة دون أن يمس ذلك بحال من الاحوال بالسيادة البريطانية ، و الاحتفاظ بالمنشآت العسكرية و بامتيازات الحاكم .


الحكم الذاتي :

ان ضم المستعمرة الى الاتحاد لم يأخذ مفعوله إلا بعد إعادة النظر في دساتير المستعمرة و الاتحاد . و بموجب هذا الاصلاح التشريعي أصبحت الدورة التشريعية خمس سنوات بدلا من أربع . و أصبح حاكم عدن مفوضا ساميا لدى السلطة المركزية . كما أن الاصلاح أجرى تعديلا على المؤسسات الفدرالية بحيث تتكيف مع ضم المستعمرة . إلا أن التبديل الأهم كان في الحقيقة حصول المستعمرة على الاستقلال الذاتي .

ان إقامة حكم ذي طابع يتمتع بالاستقلال الذاتي و بمجلس منتخب و بوزارة مسؤولة .. أصبحت مراحل تقليدية لتحرر المستعمرات التابعة للعرش البريطاني و هي أعلى مرحلة من مراحل الطريق الى الاستقلال الكامل .

إلا أن نظام ( الحكم الذاتي ) الذي أدخل على عدن في مطلع عام 1963 لم يتقيد بتلك الصيغة و ذلك لسببين رئيسيين :

ــ الأول يتعلق بالمجلس التشريعي . فالاصلاح الدستوري الأخير لم يبدل شيئا في تركيب المجلس : 23 عضو منهم 12 عضو منتخب فقط . و قد استبدل الموظفون البريطانيون المستقيلون بعدنيين معينين تعيينا . و هكذا فإن العناصر المنتخبة لا تشكل الا أقلية ضعيفة . و كان يقال بأن السلطات البريطانية تفكر في رفع عدد الاعضاء المنتخبين الى 16 و عندئذ يصبحون أكثرية .

ــ و الثاني يتعلق بالناحية التنفيذية . فالوزارة المسؤولة ليس لها طابع تمثيلي . و التطور الذي حصل في هذا المجال ، اقتصر على استبدال المجلس التنفيذي بمجلس وزراء مؤلف من عدنيين بالدرجة الأولى باستثناء النائب العام . و تتألف الوزارة من رئيس و وزير عدل ( انجليزي ) و ستة وزراء آخرين نصفهم يختار من بين المنتخبين .

و الحاكم هو الذي يملك صلاحية تسمية رئيس الوزراء بانتقائه من بين اعضاء المجلس التشريعي و الذي يبدو له اوفر الأعضاء حظا بالحصول على ثقة الاغلبية. و رئيس الوزراء هو الذي يختار معاونيه من بين زملائه ، و يقدم اسماء وزرائه الى الحاكم الذي يتولى تسميتهم . و يكون الوزراء مسؤولين بالتضامن أمام المجلس التشريعي . لقد أتاحت استقالة الموظفين البريطانيين المجال امام العدنيين ليشغلوا الاماكن التي كانوا يحتلونها ، و خاصة وزارة المالية . الا أن أنسحاب الموظفين البريطانيين بقي شكليا لأنهم احتفظوا بأماكنهم بصفة خبراء . و من هذه الزاوية بقي لهم دورهم في التدخل في الشؤون العامة . و بكلمة واحدة بقيت للانجليز امتيازاتهم لم تمس . و بقي مجال عمل و تأثير الحكومة المسؤولة لدولة عدن محدودا في الميادين الرئيسية . و هكذا اقترن منح عدن الاستقلال الذاتي بنوعين من التقييدات . أحدهما يتعلق بممارسة المهام التنفيذية ، و الآخر بممارسة المهمة التشريعية .

فوجود ممثل للعرش البريطاني حدّ من ممارسة المهمة التنفيذية . فالحاكم أو المفوض السامي يلعب دور الوسيط بين حكومة المستعمرة و بين وزارة المستعمرات و الحكومة البريطانية . و هو يملك حق تسمية الوزراء و عزلهم ، و كذلك حق حل المجلس التشريعي . و هو يستطيع أن يعترض على رأي الوزارة و عندئذ لا يبقى أمامها سوى الاستقالة . و عندها يلجأ الى تشكيل وزارة أخرى .

و من الخطأ الظن بأن الحاكم لم يبق له سوى مهمات بروتوكولية . فالحقيقة هي انه كان لا يزال يحتفظ بمجموعة من السلطات ( العلاقات الخارجية ، حق تعليق الدستور ، و فصل جزء من المستعمرة ، الدفاع ، النقد ، القواعد العسكرية ) و هو يشرف على قوات الأمن و على القضاء ، و يملك حق التدخل للمحافظة على الأمن و الاستعانة بالقوات المرابطة اذا اقتضى الأمر . و سلطته تتجاوز في هذه القضايا السلطة الاتحادية لأنها من اختصاص المجلس التنفيذي الفدرالي .
أما ممارسة المهمة التشريعية فقد خضعت لنوعين من التقييدات (6) :

ــ أولا ، ان القوانين المحلية ليس لها مفعول خارج حدود الممتلكات و ينتهي مفعولها عند حدودها .

ــ ثانيا ، في حالة اصطدام قانون بريطاني بقانون من قوانين المستعمرة ، تكون الأفضلية للقانون البريطاني .

و هكذا فإن اتساع نطاق امتيازات المفوض السامي من جهة ، و تقديم التشريع البريطاني من جهة ثانية تجعلنا نتأكد من أن دولة عدن حسب الصيغة السابقة ما تزال بعيدة عن الاستقلال الداخلي الكامل الذي اعتدنا أن نشاهده منذ قرن في المستعمرات و في دول الكومنولث البريطانية . فهنا نلاحظ أن مراحل الحكم الذاتي بطيئة و تخضع لاعتبارات مختلفة تدفعه أحيانا الى الامام و ترجع به احيانا أخرى خطوات الى الوراء .

صحيح ان حكومة مؤلفة من العدنيين انشئت في يناير 1963 من قبل سلطات المستعمرة الادارية ، لتدريبها على إدارة الشؤون المحلية . إلا أن الطريقة التي جرى بواسطتها تعيين أعضاء الوزارة جعلت من الوزارة ممثلة للسلطات الاستعمارية أكثر منها ممثلة حقيقية لمجموع الشعب أو لقسم يمثل الغالبية منه . فالواقع أن مجلس الوزراء هو اشبه بمجلس تنفيذي للمفوض السامي لا بحكومة برلمانية . و سبب ذلك يعود بلا شك إلى عدم وجود حزب وطني له سمعة شعبية داخل المجلس التشريعي . و الذي كان يعيق وجود مثل هذا الحزب هو السياسة المعادية لكل نزعة وطنية التي انتهجتها السلطات الاستعمارية . الأمر الذي أدى الى أن المعارضين التقليديين للنظام الاستعماري لم يكونوا يجرءون على المشاركة في السلطة و لا حتى مشاركة ظاهرية . ففي المجلس التشريعي نجد أنفسنا أمام منظمات هزيلة يسيطر عليها زعماء ممالئين للسلطة البريطانية .


تصديق اتفاق لندن :

منذ 18 يناير 1963 أصبحت عدن عمليا داخل الاتحاد . و أصبح من المفروض أن تصبح من دول الاتحاد منذ أول مارس 1963 بعد موافقة مجلس العموم البريطاني و المجلس التشريعي العدني و المجلس التشريعي الاتحادي .

و قد جرى تصديق اتفاق لندن من المجالس الثلاثة على التوالي خلال خريف عام 1962 :

1 ـ المجلس التشريعي العدني :

حيث جرى التصديق على الاتفاق ضمن ظروف مضطربة . فبعد ثلاثة أيام من المظاهرات الشعبية ضد الاتحاد و من المعارك الصاخبة ، جرى التصديق على الاتفاق بأغلبية 15 صوتا ضد 8 أصوات . و إذا أخذنا بعين الاعتبار التفاصيل وجدنا أن التصويت كان عملية صورية . فالحقيقة أن المجموعة التي صوتت لصالح الاتفاق تنطوي على الفئات التالية :

ـ اصوات الاعضاء البريطانيين الخمسة .
ـ أصوات أعضاء الحكومة الممالئين للسلطة ( خمسة )
ـ أصوات الاعضاء المعينين .

فالاقتراع لم يكن يعكس ارادة الناخبين . و قد ذكرت صحيفة ( لومند ) في عددها بتاريخ 28 ـ3 ـ 62 : ( انه لأمر مشكوك فيه أن يكون تبني البرلمان للمشروع سوف يجلب الهدوء على المستعمرة . فالمجلس التشريعي لم ينتخب أصلا إلا من 24 % من السكان و ثلث نواب المجلس صوتوا ضد المشروع ) .


2 ـ المجلس الاتحادي :

و لم يكن تصديق الاتفاق من المجلس الاتحادي أقل تعرضا للنقد لأن أعضاء هذا المجلس كانو جميعا معينين تعيينا من قبل الامراء . و كان ذلك يصدم الأوساط اللبرالية في المملكة المتحدة ، لأن هذا التصديق خال من الصفة الديموقراطية و ليس له صفة نظامية .

3 ـ مجلس العموم البريطاني :

لقد صدق مجلس العموم على اتفاق دمج عدن بالاتحاد بأكثرية 253 صوتاً ضد 181 صوتا ، بعدما سبق أن رفض بأكثرية 259 ضد 185 صوتا اقتراحا من المعارضة يطلب إجراء انتخابات قبل ضم عدن الى الاتحاد . و قد جمعت هذه المعارضة نوابا من احزاب متعددة : ليبراليون بالدرجة الأولى ، ثم محافظون ، ثم اشتراكيون من حزب العمال .

و تجدر الاشارة الى ان حزب العمال رغم منشئه و طابعه البروليتاري فإنه يؤيد الأساس الذي انطلقت منه سياسة حكومة المحافظين . و ليس في ذلك مفاجأة لأنه كما يقول بيير روسي (7) : ( لقد ظن المحافظون بأن في وسعهم أن ينقذوا الامبراطورية بالعصا . اما العمال فارادوا أن ينقذوها بالأكف ) . و قد أكد ذلك تصريح رئيس حزب العمال الذي نشرته صحيفة ( لومند ) (8) : ( يجب الاحتفاظ بعدن باعتبارها قاعدة هامة سواء من ناحية المواصلات أو من ناحية كونها أيضا مركزا لعمليات الأمن ) .


استمرار السيادة البريطانية على عدن :

نتيجة للمؤتمر الذي انعقد في لندن في الفترة ما بين 23 يوليو و 16 اغسطس 1962 جرى تبادل الرسائل بين سكرتير الكومنولث و المستعمرات و بين وفد وزراء الاتحاد و عدن . و قد جاء في كتاب الوفد الأخير ما يلي (9) : ( لقد أوضحت لنا الحكومة البريطانية بدقة أن الاقتراحات و المشاريع التي نستطيع أن نضعها موضع التنفيذ لا يجوز أن تنال من سيادتها على عدن أو من السلطات الموكلة للحاكم . و نحن نقدر تبعاً لأهمية الوضع الستراتيجي لعدن ، ضرورة احتفاظ بريطانيا احتفاظا كاملا بهذه السيادة حتى تستطيع منشآتها العسكرية التي تلعب دورا رئيسيا في ممارسة مسؤولياتها العالمية و في حماية سكان هذه المنطقة ، ان تتابع عملها دون خوف ما ) .

و هكذا احتفظت بريطانيا بحق سحب كل منطقة من مناطق عدن من الاتحاد في اية لحظة تعتبر ذلك ضروريا لشؤون الدفاع . كما أنها عزلت جزر البريم و كوريا موريا عن الاتحاد و وضعتها مباشرة تحت إشراف السلطات العسكرية . كذلك فإن المملكة المتحدة تستطيع أن تسحب عدن من الاتحاد إذا اعتبر سكانها بعد ست سنوات من الدمج أنهم لم يعاملوا معاملة عادلة ، أو إذا قرر مجلسها التشريعي الانفصال بأكثرية الثلثين . و فيما عدا ذلك تتعهد بريطانيا بأن لا تستعمل حقها في سحب عدن من الاتحاد (10) .

و قد كتب سكرتير الكومنولث بدوره قائلا : ( إن بريطانيا العظمى سوف تستمر في مد الاتحاد بالمساعدات المالية و التقنية و في قيادة شعبه نحو الاستقلال في اسرع وقت ممكن ) بالاضافة الى ذلك يؤكد بأن أي بند من بنود الاتفاقية الجديدة لا يجوز أن يمس سيادة حكومة صاحبة الجلالة على عدن . ان انشاء الاتحاد كان على وجه الاجمال ، كما كان ضم المستعمرة ، عملية مفروضة لم تبذل السلطات البريطانية فيها اقل جهد لاستشارة السكان . و لم تهتم المملكة المتحدة أدنى اهتمام في حمل الامراء على اعطاء نظمهم و المؤسسات الاتحادية طابعا ديموقراطيا . فقد كانت بريطانيا دون شك تتوخى من اعتمادها على الزعماء المحليين ضرب النزعة القومية . و قد ساهمت تعليقات الصحافة البريطانية في توضيح هذه الناحية .

فصحيفة الغارديان تذكر في عددها بتاريخ 23 ـ 8 ـ 1963 : ( لقد كانت الفرصة مؤاتية لبريطانيا من اجل أن تلح على ضرورة ادخال بعض المفاهيم الديموقراطية على الاتحاد قبل ضم عدن ، و أن تستمر في مساعدتها المالية التي بدونها لا تستطيع الامارات أن تستمر في البقاء . إلا اننا بدلا من ذلك نجد أنفسنا أمام اتفاق مرتجل فيه عودة الى الوراء ) .

و في خط مقابل تحاول صحيفة التايمس أن تبرر في عددها بتاريخ 20 ـ 9 ـ 62 سياسة حكومة المحافظين في اليمن الجنوبي بقولها : ( إذا أردنا للاتحاد أن يستمر و يبقى و يتطور و يصل في الوقت المناسب الى الاستقلال كما يريد له موجهوه ، فلا بد أن يستوعب عدن . و اذا أردنا أن لا تخضع عدن لتأثير بروليتاريا غير مسؤولة الى حد بعيد تشرف القاهرة على تنظيمها ، فيجب حماية الداخل الذي تشكل هي مرفأه و عاصمته التجارية و قاعدته الحربية ) .

هكذا يمكن أن نلاحظ من خلال التعليقين السابقين أن البريطانيين باقامتهم اتحادا مؤلفا من دول إقطاعية ، إنما كانوا يأملون بأن يعتمد طويلا على سلطات الحماية القديمة ، و أن يؤمن الاستقرار الذي تسعى اليه بريطانيا في هذه المنطقة ، و الذي يشكل قاعدة سياسية لأحلام القيادة البريطانية يجعل عدن جبل طارق جديد و على مستوى أعلى من ذاك .


...................................

(1) صلاح البكري ( حضرموت و عدن ) ، القاهرة 1960 ، ص 182 .

(2) لويس مانسينيون ( حولية العالم الاسلامي ) ، باريس 1956 .

(3) فرنان لويليه ( الشرق الاوسط المعاصر ) باريس 1958 ، ص 194 .

(4) جان بيير ( عالم الشرق الاوسط ) ، باريس 1959 ، ص 94 .

(5) راجع القسم الثاني الذي يبحث مفصلا في النواحي الاقتصادية *.

(6) شارل روسو ، ص 26 .

(7) بيير روسي ( عراق الثورات ) ، باريس 1962 ص 243 .

(8) لومند ، تاريخ 14 ـ 5 ـ 1964 .

(9) الكتاب الأبيض ، وثيقة رقم 1814 ، لندن 1962 .

(10) الوئائق الفرنسية ، وثيقة رقم 361 ـ 362 .

* ملاحظة : اعتذر عن عدم نقل هذا القسم لكثرة الجداول و الارقام فيه رغم انه لا يقل اهمية عن بقية اجزاء الكتاب ، أخوكم / ابو ملاك .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ


[align=center]الفصل الثالث

مؤسسات

( إتحاد الجنوب العربي )[/align]


إن اتحاد الجنوب العربي يشكل من الناحية السياسية نوعاً من التبعية لبريطانيا الممثلة بالمفوض السامي . و داخل هذا الاتحاد تحتفظ كل دولة بوضعها الحقوقي الأصلي . فعدن رغم أنها أصبحت دولة فإن وضعها الحقوقي لم يتغير كمستعمرة تابعة للعرش البريطاني .

أما مؤسسات هذا الاتحاد فتتجلى على النحو التالي ، كما يتبين من أحكام الدستور الفدرالي الذي خضع لعملية مراجعة خلال صيف 1962 ، و كذلك من خلال دستور عام 1959 :


1ـ التركيب الفدرالي :

في معظم الدول ذات التركيب الفدرالي يكون ( نظام المجلسين ) شيئاً مألوفاً . فأحد المجلسين يمثل المواطنين ، و الآخر يمثل الدول الأعضاء . و من المألوف أيضا أن يوجد فيها جهاز تنفيذي مركزي قوي قادر على مقاومة القوى الانشقاقية التي تهدد مصير الاتحاد و تماسكه . أما فيما يتعلق ( بالجنوب العربي ) فنجد أنفسنا أمام إطار فدرالي بسيط ، يتألف من مجلس واحد لأن الأمراء المؤسسين قاوموا منذ البدء فكرة أنشاء مجلس تمثيلي . أما المجلس التنفيذي فيتميز بطابعه المغرق في الشخصية و في التسلط .

و يختلف تنظيم السلطات فيه عن الصيغة التقليدية للدول الاتحادية القائمة حالياً . لأن هذا التنظيم هو في مستوى أدنى بكثير . و يبدو ذلك جلياً من خلال طريقة التوظيف و طريقة عمل الهيئتين الرئيسيتين للاتحاد و هما المجلس الاتحادي و المجلس الأعلى .

فقد أصر الأمراء المؤسسون أثناء قيام الاتحاد عام 1959 على التساوي في التمثيل ، و جرى تحديد ستة مقاعد لكل إمارة . و لم تكن ثمة مشكلة طيلة الفترة التي كان الاتحاد فيه مؤلفاً من إمارات . بيد أن المشكلة بدأت منذ أصبح موضوع انضمام عدن مطروحاً ، فكان لا بد أن يكون من الضروري خرق القاعدة بسبب مستوى تطور عدن و سكانها . لأن عدن وحدها تضم ثلث سكان الاتحاد . لذلك أعطي لها نصيب كبير من التمثيل ارتفع إلى (24) مستشاراً اتحادياً .

أما فيما يتعلق بالمجلس الأعلى الذي تتشكل منه الحكومة الاتحادية فإن اختيار أعضائه من داخل المجلس الاتحادي يتم وفقاً لاعتبارات التمثيل الإقليمي . فبموجب الدستور تستطيع كل دولة في الاتحاد أن تحصل إذا رغبت على ممثل في الحكومة . و قد جرت العادة على أن يكون إسناد الوزارات الاتحادية بنسبة حقيبة وزارية لكل ستة مستشارين اتحاديين . و تطبيقا لهذه القاعدة ، كانت عدن تشغل أربع حقائب وزارية ، في حين أن باقي الدول الاتحادية لم يكن لها الحق إلا بحقيبة واحدة يشغلها بالطبع أمير . و هكذا فإن المجلس الأعلى يصل إلى الرقم ( 17 ) . و يشغل الوزراء وزاراتهم مدة خمس سنوات . و عندما تنتهي مدتهم يمكن أن يعاد انتخابهم .

أما بالنسبة إلى عدن ، فان المجلس التشريعي للمستعمرة هو الذي يجب أن يسمي أربعة من أعضائه وزراء اتحاديين في المجلس الأعلى . و هذا الاستثناء خاص بعدن . أخيرا يجدر أن نلاحظ بأننا نلاحظ وجود نفس الشخصيات في الهيئتين فإذا وضعنا جانباً ممثلي عدن ، نجد أن زعماء الدول الأخرى بأشخاصهم ممثلين في المجلس الأعلى ، الأمر الذي يعطي الاتحاد مظهر تجمع مغلق لا يكاد يفصل بين الهيئة التشريعية و الهيئة التنفيذية فيه سوى خيط ضعيف . ثم أن احتكار المقاعد الوزارية من قبل الشخصيات لا بد أن يؤدي إلى نوع من الجمود .

إن قيام الدولة الاتحادية كان بدعوى وضع حد للتجزئة و من اجل إقامة سلطة مركزية . إلا أن توزع الحقائب الوزارية يكذّب هذا الادعاء بشكل قاطع . فمن السهل جدا أن نلاحظ أن توزيع الوظائف ليس في الحقيقة سوى انعكاس دقيق لتعدد السلطات . ففي بلد كاليمن الجنوبي ذي الإمكانيات المالية و الإدارية البسيطة جداً ، يشكل التعدد نوعا من الترف الفاضح و عاملاً من عوامل شل الفعالية .


توزيع الصلاحيات :


1 ـ إن الشؤون الخارجية و الدفاع و الأمن الداخلي و القروض الاتحادية و الطيران و البريد و التربية و الصحة و الأشغال العامة ، و النقد و المصارف و الجمارك و الصيرفة و الجنسية .. الخ ، و هي 27 مهمة ، هي من صلاحية الاتحاد .

2 ـ أما الشؤون التي تدخل في نطاق الصلاحيات المشتركة بين الدولة المركزية و بين الدول المعنية ، فتشمل 24 مهمة تتضمن : الحقوق الجزائية و السجون و العمل و الهجرة ( من الداخل و إلى الخارج ) ، و الشركات و الإفلاس ، و المكاييل و الموازيين ، و التعاونيات ، و تسويق المحاصيل الزراعية و الأسماك ، و حق التعاقد ، و المواصلات المائية ، و مراقبة التجارة الخارجية ، و ضريبة الدخل ، و التأمين و الزراعة و صيد الأسماك .. الخ .

و في ظاهر الأمر يبدو أن هذا التوزيع قد جرى بروح من التفاهم و التعاون . إلا انه في حقيقة الأمر هناك ترجيح واضح للسلطة المركزية . فالسلطة المركزية تملك سلطات تشريعية و تنفيذية حول 27 مهمة ، و هي تملك رجحاناً واسعاً في مجالات الأمن و النظام و الاقتصاد و حسن سير الحكم . و القوانين الاتحادية لها أولوية على القوانين المحلية التي يجب أن تعدل في حالة عدم اتفاقها مع التشريع العام .

أما السلطات المحلية فإن صلاحياتها في إصدار التشريعات محددة بالاشتراك مع السلطة المركزية . إلا انه من الناحية العملية نجد أن سلطات الدول واسعة إلى درجة تضطر الحكومة المركزية إلى أن تعالج معها شؤوناً تتعلق بصلاحياتها الخاصة كحكومة مركزية .

و مع ذلك فإن المركز يملك وسائل كثيرة للضغط و للحد من السلطات المطلقة للأمراء أعضاء الاتحاد . و أبرز هذه الوسائل هي الناحية المالية . فمنذ إلغاء الحواجز الجمركية أصبح للحكومة المركزية الحق في منح تعويضات للأمراء بعد أن أصبحت الحقوق الجمركية من صلاحيتها . و أصبح في يدها هذا السلاح لوضع حد للتبذير و سوء الاستعمال و التحكم الاعتباطي .


العلاقات المالية :

أن نظام الضرائب لا يخلو من التناقض ، فمن جهة ، أعطت للسلطة الاتحادية الأولوية فيما يخص الضرائب غير المباشرة . و من جهة ثانية اعتبرت الضرائب المباشرة مجالاً مشتركاً بين السلطتين . و قد أقيم اتحاد جمركي و وضعت تعرفة موحدة . و كل الموارد التي تأتي عن الضريبة الجمركية سواء فيما يتعلق بالواردات أم الصادرات ، تذهب إلى الميزانية الفدرالية و تشكل الدخل الأساسي الداخلي . غير أن الحكومة الفدرالية بالمقابل تدفع تعويضاً لدول الاتحاد ، و تترك لهم حرية فرض الضرائب المحلية . إلا أنها بدورها مطالبة بدفع ضرائب سنوية للخزينة الاتحادية .

و على صعيد الضريبة المباشرة و خاصة ضريبة الدخل ، جرى تطبيق الضريبة ضمن صيغتين تفترق كل منهما عن الأخرى :

1 ـ ففي عدن ، احتفظت المستعمرة بنظام التكليف السابق المستمد من التشريع الإنجليزي ، و الذي كان عليه المعوّل الرئيسي في الميزانية .

2 ـ أما في الإمارات التي ما تزال بعيدة عن هذا النظام الحديث ، فتعمل الحكومة الاتحادية على إدخاله و تعميمه على مراحل على الإمارات . و هذا النظام يطبق على جهاز الموظفين التابعين للاتحاد .

و قد حددت مهلة ثلاث سنوات لتوحيد ضريبة الدخل في جميع أنحاء الاتحاد بما فيها عدن .

أم فيما يتعلق بالقروض فهي بدورها حقل مشترك بين السلطتين ، فالدولة المركزية تستطيع أن تقترض لحاجاتها الخاصة . و كذلك الدول الاتحادية تملك بدورها هذا الحق شريطة أن تطلع المركز على خطواتها و مساعيها بهذا الصدد . و هذا الشرط يتضمن هدفين :

1 ـ الحد ( بصورة غير مباشرة ) من اتجاه الدول الاتحادية إلى القروض الخارجية .

2 ـ الاعتراف الضمني بالمسؤولية الفدرالية عن ديون الدول الاتحادية .

و هكذا يتبين أن نظام الضريبة المعمول به يتحمل التباسات و يوشك أن يكون مصدر خلاف دائم بين السلطتين . و كانت عدن ترفض أن يكون التكليف على الضرائب المباشرة المتعلقة بالدخل من اختصاص الاتحاد نظراً لفقر معظم الإمارات و عدم رغبتها في تمويل الاتحاد .



2 ـ التركيب الإداري :

يبدو التركيب الإداري على شكل خليط إداري من النموذج الاستعماري و من النموذج التقليدي القديم . و قد سبق أن تبين لنا أن المستعمرة كانت خلال فترة طويلة تدار بشكل مباشر في حين أن محميتها كانت تدار بطريقة غير مباشرة . و قد انعكس ذلك كله على الجهاز الإداري الاتحادي . فهو خليط مدعوم بنظام بوليسي شديد . و مهمة هذا الجهاز الإداري القمعي هي بالدرجة الأولى ضمانة استمرار سيطرة الشخصيات الموالية لبريطانيا . فهم في السلطة طالما دام ولاؤهم و أمنت بريطانيا عن طريق هذا الولاء مصالحها .



الإدارة الاتحادية


تتألف الإدارة الاتحادية من وزارات تتألف من دوائر يتولى المجلس الأعلى تسمية المسئولين عنها ، كما يتولى مسؤولية إصدار القرارات الخاصة بالأمور التالية :

ـ الانضباط الإداري ،
ـ نظم الرواتب ،
ـ التعويضات و المكافآت ،
ـ الأمن و شروط العمل في الوظائف العامة .

و يتولى أمين سر المجلس الأعلى ربط فعاليات مختلف الدوائر . كما يتولى السلاطين و الأمراء و المشائخ و الوجهاء السيطرة على الإدارات العليا . و هم بحكم استلامهم للوزارات و للدوائر الكبرى ، يشكلون الإطارات الكبرى للاتحاد . و معظمهم لا يتمتعون بكفاءات و مؤهلات في مستوى مهماتهم . فهناك قسم من الأمراء لا يكاد يعرف القراءة و الكتابة . فهم يتولون المناصب بحكم حقهم في المجلس الأعلى لا بحكم كفاءاتهم . و الأمراء و الوزراء هم بصورة عامة مزودون بخبراء بريطانيين و بإطارات شابة من أبناء البلاد ، يقومون عملياً بتسيير أمور الإدارة . و دورهم يقتصر على توقيع وثائق لا يملكون عنها أي فكرة واضحة ، و على قراءة خطاب معد مسبقا من قبل الاختصاصيين في الحفلات الرسمية .

إن مسألة الإطارات العليا مسألة خطيرة جدا . فإذا لم توضع لها حل ، و لم توكل السلطة إلى القادة الوطنيين ، فإن الاستقلال سوف يكون شكلياً . و سوف يبقى البريطانيون سادة البلاد كما كانوا قبل الاستقلال . فالبلاد لا تخلو من وجود أشخاص أكفاء قادرين على حمل أكبر المسؤوليات في الدولة ، بيد أنهم منذ أخذوا موقفاً وطنياً معادياً للاستعمار و للاتحاد بالشكل الذي فرضه الإنجليز ، أُبعدوا و خضعوا للملاحقة . و فضلت السلطات الاستعاضة عنهم بأشخاص موالين غير أكفاء .

إلى جانب هذا الخلل الكبير ، يجب أن نضيف خللاً آخر يتعلق بأزمة الجهاز الإداري في باقي المستويات . إن هذه الأزمة تشكل خاصية عامة لعدد كبير من البلاد النامية . فنقص الجهاز يشكل صعوبة كبرى و خاصة فيما يتعلق بتأهيل الموظفين الذين يستطيعون أن يحلوا محل الأجانب .


الجهاز الإداري :

إن الجهاز الإداري في عدن و محميتها الذي يفتقر إلى التجانس ، يشتمل بصورة عامة على أربع فئات (1) :

1 ـ الأوربيون الذين يساعدهم بعض الآسيويين ، و هم يشغلون الدوائر العامة في المستعمرة . و بموجب معاهدات التشاور ، أُلحق بعضهم بدوائر المحمية . و قد قدّر عددهم عام 1962 ، بـ ( 324 ) شخصاً . و لهم رابطة خاصة بهم .

2 ـ موظفو المستعمرة ، و هم بالدرجة الأولى عدنيون بالمعنى الواسع للكلمة ،أي من العرب و الهنود و الباكستانيين و الصوماليين من مواليد عدن . و لا يعلم عددهم بالضبط رغم أن قسما كبيرا منهم أصبح منتسبا إلى النقابات ، و تجمعهم عدة روابط .

3 ـ الموظفين المحليون و معظمهم من العرب . و هم يعملون في الدوائر التي تشرف عليها مباشرة الحكومة البريطانية بما فيها القواعد ، و لهم عدة نقابات ، و عددهم كبير و نشاطهم واضح و قوي .

4 ـ أخيرا جهاز الاتحاد و الدول التي لم تنضم إلى الاتحاد ، و هو يتألف بصورة خاصة من سكان المحمية من العرب و يكون إلى جانبهم خبراء و موجهون بريطانيون أو عدنيون أو باكستانيون أو صوماليون أو أردنيون . و هذا الجهاز هو في الحالة الجنينية .

أن الفئة الأولى و الثانية و الثالثة ، تضم حوالي ( 9000 ) شخصاً (2) ، و هي ترتبط في مجموعها بلجنة الخدمة العامة التي تنحصر مهمتها في تقديم الاقتراحات الخاصة بالإدارة إلى الحاكم . أما الفئة الرابعة ، فهي ترتبط بالمجلس الأعلى الاتحادي ما عدا جهاز الإمارات غير الاتحادية . و الحكومة الفدرالية بدورها تستأنس بنصائح لجنة الخدمة العامة أيضاً .

و رغم ذلك التصنيف فإن جميع الموظفين يمكن أن ينتقلوا بين الوظائف في مختلف الدوائر سواء في عدن أو في الاتحاد أو فيما تبقى من المحمية . و بموجب اتفاق لندن عام 1962 ، أصبحت فئة الموظفين الأوروبيين خاضعة لإشراف الحاكم إشرافا مباشرا . و تقرير راماج يوصي بشأنهم بإنشاء ( اتحاد لجهاز موظفي حكومة صاحبة الجلالة ) يرتبط بوزارة المستعمرات ، و تتولى الحكومة البريطانية أمر صرف رواتبهم . و يوصي التقرير أيضاً بتشكيل ( لجنة استشارية ) مهمتها مساعدة المفوض السامي و الحكومة الاتحادية في كل ما يتعلق بباقي الفئات الإدارية ، و ذلك بهدف التقريب بين الخدمات العامة في كل من المركز و الدول . و يلعب الحاكم في تعيين الفئتين المتوسطة و العليا من الموظفين دوراً حاسماً ، فله الكلمة الأخيرة في هذا المجال ، و هو الذي ينتقي المرشحين و يستبعد من يشاء من غير المرغوب فيهم .

أما فيما يتعلق بالفئة السفلى ، فقد أنشئت عدة لجان استشارية لمساعدة السلطات الاتحادية . كما تقرر أنشاء لجنة مختلطة تتألف من ممثلين عن عدن و عن الاتحاد لرسم سياسة أدارية مشتركة .

ثم أن هناك نقطة أخيرة تستحق الإشارة إليها ، و هي التي تتعلق بقوات الأمن . فمنذ نشوء الدولة الاتحادية ، و عدد هذه القوات في تزايد ، و تكاليفها أيضا تصعد تصاعدا عموديا . فكلما ازداد النشاط المعادي لبريطانيا كلما ازدادت كثافة النظام البوليسي القمعي .

أما ما يتعلق بتعريب الوظائف العامة ، فتحت ضغط الرأي العام أصبح التوظيف يتجه نحو التعريب التدريجي . و قد نص قانون 1959 فيما يتعلق بجهاز المستعمرة على إعطاء الأولوية في التعيين للعدنيين . أما فيما يتعلق بالاتحاد فقد أعطيت الأولوية للعرب ، على أساس أن ضم المستعمرة إلى الاتحاد سيضع الوظائف العامة في خدمة العرب . و من هنا تأتي مخاوف العدنيين من أصل أجنبي الذين يمثلون في نظر العرب ركائز النظام الاستعماري . و قد أدى تمسك السلطة الاستعمارية بالعدنيين من أصل أجنبي إلى قيام شكوك بين الجالية الآسيوية و الصومالية و بين العرب .

و على وجه الإجمال ، هناك عمل دائب لاستبدال المستشارين الأجانب بأبناء البلاد كلما بدا ذلك ممكناً . إلا أن هذه السياسة تصطدم بمعارضة الموظفين الإنجليز ، و قد اتخذت مجموعة من التدابير لتطمينهم و التخفيف من روعهم ، كزيادة الرواتب و التعويضات و منح الضمانات .

إلا أن عملية تكامل الدوائر الإدارية الاتحادية و الإقليمية و اتحادها ما تزال بعيدة عن التحقيق . و المشكلة الرئيسية هي مشكلة الجهاز الذي يبقى مشتتاً و بعيداً عن التجانس ، و الاتجاه الحالي يقوم على التعجيل في تحقيق هذا التجانس في أقرب وقت ممكن . و قد استدعي الخبراء الأوربيون للمساعدة على تسهيل اجتياز هذه المرحلة الانتقالية . فالشيء الأساسي هو أن تقوم إدارة شاملة موحدة بعيدة عن التعقيد و ذات مردود و فعالية جيدة . و هذا يعني ضرورة إعادة النظر بشكل كامل في جهاز الدولة الموروث عن النظام الاستعماري و الذي كان ملجأ لجميع العناصر المعادية لوصول هذه المنطقة إلى المستوى المطلوب من التقدم . فلا بد إذن للوصول إلى هذه النتيجة من مغالبة تيار التخريب و الإسراع في تشكيل الإطارات الوطنية . و ذلك بإنشاء معاهد مختصة يأتلف تعليمها مع حاجات المنطقة . و كذلك بإرسال البعثات إلى الخارج من الطلاب و الموظفين سواء للحصول على اختصاص أم لتحسين الاختصاص .


.....................


(1) الكتاب الأزرق في 20 أغسطس 1962 ، تقرير راماج ، ص 168 .
(2) الأمم المتحدة ، تقرير 1963 ، ص 2 .


[align=left].................... يتبع إن شاء الله .................[/align]
ابو ملاك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-03-2007, 01:23 PM   #5
ابو ملاك
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 185
ابو ملاك is an unknown quantity at this point
افتراضي الفصل الأول و الثاني و الثالث

الأخ / استقلال حضرموت ، تحية طيبة و بعد ،

يشرفني أن تكون أول المتداخلين في التعليق على هذا الكتاب ، و مع احترامي و تقديري لرأيك إلا أنني اعتقد ان هذا الكتاب يتميز بأسلوب الكاتب الذي يوثق المعلومات من مراجع متععدة و من مصادر عالمية و هذا ما يجعل من الكتاب وثيقة تاريخية و دراسة بحثية أكثر من كونه رأي شخصي للكاتب ، اعتقد انك سوف تغير من رأيك بعد قراءة بقية فصول الكتاب .
ابو ملاك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-03-2007, 10:50 PM   #6
ابو ملاك
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 185
ابو ملاك is an unknown quantity at this point
افتراضي

الفصل الرابع


سياسة المملكة المتحدة في اليمن الجنوبي



يمكن حصر العوامل المهيمنة على الحياة السياسية في اليمن الجنوبي في الأربعة التالية :

1ـ سياسة المملكة المتحدة ،

2 ـ الأحزاب السياسية ،

3 ـ المسائل الخارجية لاتحاد الجنوب العربي .

و سوف نتناول أولاً في هذا الفصل دراسة العامل الأول ، فقد منح الموقع الجغرافي أهمية كبرى لليمن الجنوبي في الاستراتيجية الغربية بوجه عام ، ففي النظام الدفاعي التابع لمنظمة حلف شمال الأطلسي أنيطت بالأسطولين السادس و السابع الأمريكيين مراقبة الشرق الأدنى و الأقصى ، أما الشرق الأوسط فقد أنيطت مهمة مراقبته ببريطانيا (1) التي تشكل عدن ورقتها الكبرى .

لذلك فإن الإبقاء أطول مدة ممكنة على هذه القاعدة يشكل هدفاً رئيسياً للسياسة البريطانية ، فهي في نظرها ذات أهمية دفاعية كبرى بالنسبة للعالم ( الحر ) على حد تعبيرهم و كذلك من اجل المحافظة على الاستثمارات البترولية التي تبلغ مئات الملايين من الليرات الإسترلينية ، و هي تعتمد على معاهدة 16 اغسطس 1962 التي تضمن لها استخدام المنشئات العسكرية لأجل غير محدد.


دور القواعد العسكرية :

لقد لعبت عدن خلال الحرب العالمية الثانية دوراً كبيراً في الحملة التي قام بها الحلفاء عام 1941 ضد ايطاليا ، فقد كان الطليان قبل سنة قد قاموا باحتلال الصومال و اضطروا الإدارة الإنجليزية على الانحسار مؤقتاً و عندما انهارت قوات المحور و خاصة بعد الأزمة الإنجليزية ـ الإيرانية أصبحت عدن مركزاً رئيسياً من مراكز العمليات الحربية البريطانية ، و قد ازدادت أهميتها الاستراتيجية بالنسبة لبريطانيا فيما بعد و خاصة للقيام بالتزاماتها تجاه شركائها في حلف السنتو ( حلف بغداد سابقاً ) و كذلك في حلف جنوب شرق آسيا ، و الكتاب الأبيض الذي صدر في ابريل 1962 لا يكتم سراً حول هذا الموضوع .

و بعد جلاء القوات البريطانية عن قاعدة السويس و بعد معارضة الزعيم الافريقي جومو كينياتا لإقامة قاعدة عسكرية كبيرة في مومباسا ، قررت الحكومة البريطانية أن توزع قواتها المسلحة على ثلاث مناطق استراتيجية :

1 ـ أوروبا ( في انجلترا و في ألمانيا الغربية )

2 ـ سنغافورة ،

3 ـ عدن .

و أهمية عدن تأتي من كونها في مركز وسط بين الكويت من جهة و بين اتحاد افريقيا الوسطى حيث تقوم المشكلة الاستعمارية الكبرى للمملكة المتحدة (2) .

و عندما جلا الانجليز عن مصر و عن العراق ، حولوا القسم الأعظم من معداتهم و من رجالهم إلى قبرص و إلى عدن ، و قد تحولت عدن في السنوات الأخيرة من مجرد قاعدة بحرية إلى قاعدة استراتيجية فيها مستودعات للقنابل الذرية و الهيدروجينية (3) و انتقلت من مستوى مركز للقوات البحرية البريطانية عام 1955 إلى مرتبة قيادة عليا بشبه الجزيرة العربية عام 1957 ـ 1958 (4) تغطي منطقة كبرى تمتد من ليبيا إلى الهند و من بحر كامسبير إلى مدغشقر ، ثم أصبحت مركز القيادة البريطانية في الشرق الأوسط ، و قد أسهمت مركزية القيادة بهذا الشكل في الاقتصاد و في الرجال و في المسافات .

لهذه الأسباب جميعها كانت عدن ذات أهمية خاصة لأنها تؤمن لبريطانيا وجودها لا على الشواطئ العربية في الجنوب فقط بل وجودها في الشرق الأوسط و في شرقي افريقيا أيضاً و كذلك تحتفظ بإمكانية إرسال حملات عسكرية حيث تكون المصالح الغربية مهددة كما حصل في الكويت عام 1961 و في كينيا و طنجنيقا و أوغندا عام 1964 ، و على الرغم من المنافسة بين بترول الدولار و بترول الاسترليني فإن الامبريالية الانجلو ـ امريكية تعمل بانسجام من أجل حماية البترول و الثروات المعدنية الأخرى .

يضاف الى ذلك أن عدن تمثل بالنسبة للانجليز الموقع الأفضل لأنهم يستخدمونها لأغراض ثلاثة :

1 ـ إن قافلات البترول التي تحمل العلم البريطاني أو تلك التي تنقل في خزاناتها البترول ـ الاسترليني تؤمّن بواسطة عدن الصلة بين آبار الخليج العربي و بين المصافي الأوروبية ، فبواسطة عدن تضع انجلترا يدها على حركة المواصلات الآتية من آسيا و تستطيع أن تكسف السويس ومن هنا كانت كراهية مصر للوجود الإنجليزي في المنطقة .

2 ـ إن جزءاً من منشآت مصافي عبادان قد نقلتها شركة النفط البريطانية Bp ) ) إلى عدن بعد تأميم البترول الإيراني الذي قام به الدكتور مصدّق .

3 ـ إلى جانب كونها مركزاً للتموين و كونها وحدة للإنتاج تشكل عدن مركزاً للنفوذ و السيادة على الأراضي الغنية بالبترول التي تحيط بالقاعدة على امتداد قرن شبه الجزيرة البحري ، فهي مستعمرة ( قلعة ) تماماً كمالطة و سنغافورة ، و قد وضعت مخططات سرية لحماية المنشآت العسكرية الحديثة جداً و الباهظة التكاليف (5) .

و يبدو أن هذه المهمة الأخيرة لعدن هي التي تكسبها تلك الأهمية القصوى في نظر وزارة المستعمرات ، فهي عامل مساعد على خلق التوازن السياسي في المنطقة و لم يكن إنشاء اتحاد الجنوب العربي سوى مناورة لضمان استمرار وضع يد بريطانيا على المنطقة و وضع حد للتدخل الخارجي في المنطقة لأن هذا الاتحاد لم يكن سوى نوع من ( الحزام الصحي ) الذي يشتمل على سلسلة من الامارات التي أنشئت لحماية المستعمرة ، و بهذا الصدد يقول مندوب ( لومند ) ـ الدبلوماسية في لندن (6) :

( في نظر العسكريين ما من شيء يمكن ان يحل محل هذه السلسلة من القواعد التي تربط المملكة المتحدة بالشرق الأقصى لمدى بعيد ، و عدن مع سنغافورة أكثر حلقات السلسلة أهمية و تزداد اهميتها كلما ازدادت الصعوبات في وجه بريطانيا ، فالحكومة الليبية على سبيل المثال بدأت تطالب بإعادة النظر في المعاهدة البريطانية التي ينتهي مفعولها عام 1973 ) .


استقلال اليمن الجنوبي :


لقد تطور الوضع السياسي تطوراً سريعاً خلال السنوات الأخيرة ، فالثورة اليمنية بصورة خاصة كانت مفاجأة كبرى للإنجليز و أصبح وجودهم بسببها مهدداً أكثر من أي وقت مضى لأنهم وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام نظام أكثر تقدمية و أكثر جاذبية من نظام الأئمة ، و من جهة ثانية فإن اتساع الحركة المحلية المعادية للإنجليز و شمولها قد أثر في الرأي العام الدولي الذي أخذ يشدد في طلب تحرير اليمن الجنوبي من الاحتلال الاستعماري البريطاني .

و هكذا وجدت السلطة الاستعمارية نفسها مسوقة نتيجة لذلك إلى البدء بتحضير الاتحاد للحصول على الاستقلال ، ثم أن الأمراء بدورهم حاولوا الضغط على السلطة الاستعمارية من أجل التعجيل في خطوات التحرير ظناً منهم أن استقلال الاتحاد سيجعل منهم ورثة السلطة البريطانية و سيجعل من الدولة الاتحادية وجوداً مستقلاً كما كان الأمر بالنسبة إلى الكويت ناسين أن الكويت اشترى بما يملك من أموال اعتراف الآخرين به ، و قد اختلفت وجهتا نظر وزارة المستعمرات و وزارة الخارجية البريطانية حول هذه النقطة .

فوزارة المستعمرات تعتبر اليمن الجنوبي مركزاً استراتيجياً هاماً ، لذلك فهي ترفض الإسراع في عملية إنهاء الاستعمار و بقيت تدعي حتى وقت قريب بأن شعب اليمن الجنوبي لم يصل بشكل كاف إلى درجة النضج السياسي اللازمة حتى يتمكن من ان يحكم نفسه بنفسه ، إلا أن هذه الحجة فقدت كل مبرراتها بعد تحرير السودان و الصومال البلدين المجاورين الذين يتشابه تركيبهما الاجتماعي مع محمية عدن إلى أبعد الحدود ، أما وزارة الخارجية فقد كانت تفضل التخلي عن النظام الاستعماري لقاء قاعدة أو عدة قواعد و امتيازات اقتصادية متعددة .

و قد تغلبت وجهة النظر الثانية لأن مبدأ إزالة الطابع الاستعماري بشكل سريع ما لبث أ أصبح منطلقاً رسمياً للسياسة البريطانية التي نظرت حتى في احتمال انضمام دولة اليمن الجنوبي المستقلة في المستقبل إلى الكومنولث ، و قد علقت صحيفة الغارديان في عدد 17 ـ 8 ـ 1962 على هذا الاحتمال بقولها : ( إن فكرة وجود دولة عربية مستقلة داخل الكومنولث هي فكرة أخاذة إلا أننا يجب أن نجعلها كذلك في نظر سكانها هي ) ، و الحقيقة أن مثل هذا القرار لا بد أن يزيد في توتر الوضع الذي كان قد وصل إلى حدود خطرة ، لذلك تحولت الأنظار عنه إلى حل على الطراز الكويتي أو السوداني يتضمن الاستقلال و الانضمام الى الجامعة العربية إلا أن هذا الحل لم يكن بدوره قابلاً للتحقيق طالما أن اليمن تعلن معارضتها له ، لذلك فكر البريطانيون و قادة الاتحاد بأن اعتراف غالبية أعضاء الأمم المتحدة بالاتحاد دولة مستقلة سوف ينتهي بالدول العربية نفسها الى اقتراح إدخالها في جامعة الدول العربية ، لذلك بدأت المساعي تتجه إلى المنظمة الدولية و بدأت المفاوضات من أجل إنهاء النظام الاستعماري و تحديد تاريخ الاستقلال .

و الخلاصة ، فإن بلوغ الاستقلال أصبح أمراً لا مفر منه بسبب كراهية اليمن و الجمهورية العربية المتحدة للوجود الإنجليزي في هذه المنطقة من الوطن العربي و قد كان عام 1969 العام الذي يتم فيه مخطط دمج عدن نهائياً في الدولة الاتحادية هو الموعد المقترح للاستقلال ، إلا أن تسارع الأحداث في المنطقة و تدخل الأمم المتحدة و رغبة بريطانيا نفسها بتوقيع اتفاقيات جديدة بشأن استثمار البترول الذي اكتُشف مؤخراً في المحمية الشرقية .. كل ذلك ساهم في تعجيل الموعد و في دفع بريطانيا الى الالتزام بإعلان الاستقلال في نهاية عام 1967 .

إن اتفاقيات عام 1959 و عام 1962 تضع مسؤولية الدفاع و الشؤون الخارجية و التمثيل الخارجي و حق التدخل لتوطيد الأمن في بعض الحالات .. الخ على عاتق بريطانيا و كذلك أبقت على امتيازات واسعة للمفوض السامي ، إلا أن جميع هذه الامتيازات سوف تتحول الى حكومة الاتحاد بعد الاستقلال بإستثناء القواعد ، فقاعدة عدن سوف تؤجر للمملكة المتحدة بحوالي 20 إلى 25 مليون ليرة استرلينية في السنة .

أما فيما يتعلق بالدفاع فقد تم عقد اتفاق مساعدة متبادلة يقضي بإنشاء مجلس دفاع تابع للمفوض السامي و يخول للجيوش البريطانية حق المرابطة في الأراضي التابعة للاتحاد و يعطي انجلترا حق استخدام سلطتها في شن عمل عسكري منطلق من قواعدها في اليمن الجنوبي و حق استعراض قواتها دون حاجة لاستشارة مسبقة مع الحكومة الاتحادية ، و لم يوضع حد زمني للاتفاق الذي لا يقتصر مفعوله على الاتحاد بل يشمل كل المحمية .

و في مقابل ذلك تمنح المملكة المتحدة الاتحاد مساعدة اقتصادية و تساهم في تنظيم الجيش و الحرس الاتحادي الذين يكونان تحت تصرف إنكلترا عندما تدعو الحاجة ، تستخدمهما داخل البلاد أو خارجها .

و الخلاصة ، يتبين من ذلك كله أن السلطة الاستعمارية تبقى محتفظة باليد العليا على الدولة الاتحادية و هي من أجل حجب هذه الحقيقة تعمد الى التمويه و تبذل جهوداً كبيرة في الداخل و الخارج تزين بواسطتها لهذا الاتفاق و تظهره بمظهر الخطوة الأخيرة في ازالة الطابع الاستعماري و الدخول في مرحلة الاستقلال ، فهي تمنح البلاد دستوراً و تقيم فيها مؤسسات ظاهرة الولاء ، كما أن الطابع ( الأوليغارشي ) أي طابع حكم الأقلية الممتازة يلفت النظر ، فهناك تحالف من امارات عشائرية بحيث أن المجلس الأعلى و المجلس الاتحادي يبدوان و كأنهما مجرد مناصب وضعت من أجل جلوس الامراء و تربعهم على أرائك الحكم ، هؤلاء الامراء المتمسكون بالسلطة الذين لا يأبهون للمطالب الشعبية التي تزداد شدة و حدة و لا يبدون أية استعداد لأية تنازلات تجاهها ، فالاتحاد يبدو و كأنه الفرصة الوحيدة لاحتفاظهم بامتيازاتهم و باسمه يقاومون التيار الوطني الذي يجسد مطالب الجماهير و الذي يعلن عداءه للتركيبات الجديدة التي اصطنعتها انجلترا و التي تهدف إلى تطويق اليمن و للحكومة الموالية و للسلطة الاستعمارية و لكل تدبير يهدف إلى المحافظة على الأوضاع المتخلفة و على نظام الزعامات .

غير أن انجلترا التي ترى في الامراء أضمن وسائل المحافظة على مصالحها أخذت على عاتقها تشجيعهم في موقفهم العنيف من التيار الوطني و ذلك عن طريق المزيد من الدعم المالي و العسكري لأنها تدرك ما تملكه النزعة القومية من قوة حقيقية قادرة على تهديم الصرح الاستعماري و تدرك بأن الأمراء هم أعمدة هذا الصرح ، و قد جاء تصريح مساعد الحاكم مؤكداً لهذا الموقف حيث يقول : ( ان وجودنا في الاتحاد و في المحمية يشكل بالنسبة لزعماء البلاد الضمانة الرئيسية لاستمرار بقاء دولهم دولاً مستقلة ، فرغبتهم العميقة هي في أن نبقى و أن تبقى القاعدة ) .

و على وجه الإجمال يبدو من البديهي أن تلجأ المملكة المتحدة إلى دعم النظام الجديد الذي اصطنعته لتأمين مصالحها لأن النظام لا يمكن أن يقوم بدون هذا الدعم فهو مرفوض من قبل الشعب ، ثم آجلاً أم عاجلاً سوف يترك البريطانيون خلفهم اتحاداً مشبوهاً لا يمكن أن تضمن له الحماية وقتاً طويلاً ، فالاتحاد بالشكل الذي أقامه الإنجليز لا بد ان يسقط و أن ينهار أمام أول أزمة غير مأسوف عليه ، و عندئذ سيكون اتحاديو هذا الاتحاد هم أول ضحاياه ، و لن يحدث ذلك طبعاً من دون عنفوان و إراقة دماء خاصة إذا تذكرنا قبرص و زنجبار ، و الوسيلة الوحيدة لتفادي تكرار مثل هذه التجارب في اليمن الجنوبي هي في الانصياع إلى الارادة الشعبية التي تتطلع الى استقلال حقيقي غير مشروط و إلى تعاون وثيق مع الدول العربية الشقيقة .

إن سمعة الاتحاد تتدهور و الصعوبات الداخلية و الخارجية تتسع في طريق استمراره و وجود الجيوش الانجليزية على أرض الوطن سلاح في يد العناصر الوطنية التي تشكل معارضة ذات بأس و قوة ، و بدلاً من أن تفهم بريطانيا هذا الوضع تزيد في دعمها للامراء .



.............................
1 ـ لوموند الدبلوماسية ، مايو 1962 .
2 ـ لوموند 30 ـ 7 ـ 1962 .
3 ـ بييرفونتين ( رجال و عوالم ) مجلة فرنسية عدد اكتوبر 1955 .
4 ـ جان جاك بربي ( شبه الجزيرة العربية ) باريس ، 1958 ، ص 160 .
5 ـ الأوبزرفر ، 15 ـ 12 ـ 1963 .
6 ـ عدد يونيو 1964 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ




الفصل الخامس



حركة التحرر الوطني


إن النضال المعادي للاستعمار لم يأخذ شكله المنظم في اليمن الجنوبي إلا بعد الحرب العالمية الثانية . فقد اشتعلت الحركة الوطنية بعد الحرب في أنحاء مختلفة ما تزال تحت السيطرة الاستعمارية .

و هذه الفترة تقابل الفترة التي قامت فيها جامعة الدول العربية و ظهرت فيها ملامح اليقظة القومية في الوطن العربي ، و
أصبحت فيها قوى المعسكر الاشتراكي في ازدياد .

فعلى الصعيد المحلي ، رافق نهضة عدن من الناحية الاقتصادية ، اشتداد النشاط السياسي و الثقافي . و بدأت الأفكار الجديدة تغزو البلاد بسرعة كبيرة .

و قد كان لهذه العوامل المختلفة أثر هائل على الوضع الاجتماعي و السياسي في اليمن الجنوبي و في اليمن . و قد كانت محاولة الانقلاب ضد الحكم المطلق الذي يتصدره الإمام يحيى في اليمن عام 1948 أول صدى لانعكاس الحوادث الخارجية على الوضع الداخلي في المنطقة . و على الرغم من فشل هذه المحاولة ، فإنها اعتبرت أول مواجهة جدية بين الرجعية المسيطرة و بين النزعة القومية ، و كان من نتائجها المباشرة تنبه الطليعة المثقفة في المستعمرة و شعورها بانتمائها إلى العائلة اليمنية الكبرى و إلى القومية العربية . و قد أكد هذا الشعور استقرار المحرض الأول على الانقلاب الفاشل ( حزب اليمن الحرة ) في عدن .

و قد كانت السلطات البريطانية تأمل في أن تتخذ من هذه الحركة وسيلة لمحاربة الإمام الجديد و الضغط عليه . إلا أن هذه المنظمة خيبت أملها و لعبت على العكس دوراً رائداً في حركة تحرير اليمن الجنوبي ، و ساهمت في تشكيل الخميرة الأولى للنزعة الوطنية المعادية للاستعمار .


نشأة الحركة الوطنية :


كانت ثورة الأمير الكثيري المسلحة ابن عبدات (1) ضد السلطات المحلية و البريطانية أثناء الحرب العالمية إعلانا عن ولادة حركة وطنية في حضرموت .

إلا انه على الرغم من كونه قد نجح في إثارة قسم من القبائل عام 1945 ، فقد أخذت حركته منذ البدء شكل تيار معزول و محدود النطاق . فقد كان للتكوين العشائري للمجتمع و لتخلف السكان أثرهما في خنق آثار هذه الحركة و عدم شمول تأثيرها باقي أنحاء البلاد . يضاف إلى ذلك عدم وجود وسائل مواصلات و اتصال في ذلك الحين من شأنها أن تشجع انتشار الشعور الوطني بدلاً من العزلة و التقوقع و التجزئة . لذلك لم يحتاج الإنجليز في مثل هذه الشروط إلى بذل عناء كبير في سبيل خنق هذه الاندفاعات الوطنية في مهدها .

و كان لا بد أن يأتي عام 1948 حتى تشتعل جذوة الوطنية من جديد في عدن هذه المرة . و الحقيقة أنه ما من شيء قبل ثورة اليمن ، كان يدعو إلى التنبؤ بأن عدن سوف تصبح مركز الاندفاعات الوطنية . فمنذ تلك الحادثة الرئيسية التي هزت الجزيرة العربية ، بدأت عدن تلعب دور قيادة الصراع المعادي للاستعمار و المعادي للإقطاع . و عندئذ ولدت حركة وطنية بكل ما في الكلمة من معنى في المنطقة . و استفادت من الانحسار الخجول للنظام الاستعماري بدءاً من عام 1947 و إنشاء المجلس التشريعي و سن القانون الذي اعترف بحرية التجمع و لعدة أسباب ، منها سياسية و منها اقتصادية ، انقسمت الحركة الوطنية منذ البدء إلى عدة اتجاهات تنتمي جميعها إلى القومية العربية .

و قد لعب المثقفون دور المحرك الرئيسي للحركة الوطنية ، و كانوا من وراء ذلك يهدفون إلى غايتين أساسيتين :

1 ـ تربية المواطنين العرب تربية سياسية و اجتماعية .

2 ـ تحرير البلاد .

و كانوا في غالبيتهم صحفيين و أساتذة و خريجي جامعات ، تلقوا تعليمهم في الخارج ، و كانت الصحافة و النوادي و الجمعيات و الرابطات بمثابة منابر لهم . و عنها انبثقت الأحزاب و النقابات العمالية فيما بعد .

و لقد ركزت الصحافة المحلية على العامل الاقتصادي بسبب النهضة التجارية في المنطقة . و قد مارست الصحف المتطرفة أمثال صحيفة النهضة و صحيفة الفضول ، عملية تربية اجتماعية عن طريق نشر الموضوعات الخاصة بالعمال و بأرباب العمل . و ما لبثت الصحف المعتدلة الموالية للإنجليز أن سلكت نفس المسلك أمثال صحف فتاة الجزيرة ، و القلم ، و العدني . و قد استخدمت السلطات هذه الزمرة الأخيرة من الصحافة من اجل إجهاض الحركة الوطنية والحيلولة دونها و دون التزام خط تقدمي . إلا أن خط الحركة الوطنية الصاعد لم يكن يقبل التراجع أو النكوص . و بفضل هذه الحركة الوطنية بدأ الوعي الاجتماعي و السياسي و الحس المدني و الحضاري ينمو بين سكان المدن . و قد بدأت حملة التوعية بقسم من المثقفين لتشكيل طليعة تتولى هي نفسها نشر الأفكار و الشعارات بين جماهير العمال الأميين بوجه عام . أما ما يتعلق بالعمل العمالي الصرف فقد كانت نوادي المثقفين و المغتربين العائدين إلى البلاد هي مراكز الانطلاق الرئيسية (2) .

إن ظهور النوادي و الجمعيات و ازدهارها ، قد أعطى للحياة السياسية طعماً جديداً . فالطبقة المثقفة كانت تلتقي داخل المنظمات الرياضية و الثقافية و الفنية و في العديد من جمعيات الإحسان ، لتناقش قضايا المنطقة و مصيرها في المستقبل . و كانت هذه المراكز تجمع بين أشخاص أتوا من شتى آفاق المعمورة و من مختلف الأوساط ، تشغلهم جميعاً دراسة القضايا القومية و المسألة الوطنية . و أهم هذه المؤسسات في المستعمرة كانت :

ـ النادي العدني ، الجمعية الإسلامية ، الجمعية العدنية ، الاتحاد اليمني .

أما في المحمية ، فقد كانت :

ـ جمعية الإحسان الحضرمية ، النادي الشعبي في لحج .. الخ .

و كان المغتربون يترددون بدورهم على هذه النوادي و الجمعيات و كانوا يتحدثون عن الأحداث التي عاشوها خلال اغترابهم ، و كان بعضهم ممن أتوا من الشرق الأقصى قد شاركوا في الحركات الوطنية و الحركات الثورية في اندونيسيا و ماليزيا . و على سبيل المثال لعب المغتربون الحضرميون في جاوا دوراً سياسياً ذا طابع إصلاحي وحدوي (3) .

و قد كان ثمة مركزان من مراكز الاغتراب قد لعبا دوراً هاماً في تكوين الحركة الوطنية في اليمن الجنوبي هما : اندونيسيا و انجلترا .

ففي اندونيسيا كانت الجالية الحضرمية على احتكاك بالحزب الوطني الاندونيسي كما كانت على اتصال بالأحزاب اليسارية و بمختلف الأحزاب ذات الطابع الإسلامي . و كانت هذه الجالية تملك أفكاراً نيّرة متقدمة . إلا أنها ما لبثت أن كانت أول ضحايا الحركة الوطنية في اندونيسيا . فأضطر قسم كبير منهم إلى العودة إلى اليمن الجنوبي حيث شكلوا مجموعة نشيطة لها تأثير في الحركة الوطنية . ثم انضم إليهم المثقفون الذين تلقوا علومهم في جامعات البلاد العربية .

أما في إنجلترا ، فالمهاجرون كانوا يتمركزون بأعداد وفيرة في منطقة كارديف حيث كانوا يعملون بحارة أو عمالاً . و تبعاً لذلك نشأ احتكاك بينهم و بين الأوساط العمالية الإنجليزية أي مع حزب العمال و مع أفكاره السياسية ذات الطابع المعتدل و الليبرالي ، و مع الحركة النقابية . و قد ساهم العائدون من هذه المراكز مع العائدين من الشاطئ الفرنسي للصومال ( جيبوتي ) ، في تكوين الحركة النقابية في اليمن الجنوبي التي بدأت تتبلور منذ عام 1946 . و قد استمر تطورها على الصعيدين الاجتماعي و السياسي دون أن تصطدم بعقبة جديدة حتى عام 1952 . فقد مرت بالوطن العربي حادثة رئيسية ، هي قيام الثورة المصرية .

و قد ترك نجاح هذه الثورة و انتشار تأثيرها في الخارج أثراً كبيراً على مجرى الأمور . فكان من النتائج المباشرة لهذا كله أن دخلت الحركة النقابية في منعطف حاد . فقد أخذ الوضع السياسي شكله الواضح في اليمن الجنوبي ، و شهدت الموجة الوطنية تصدعاً حاسماً بين المحافظين و بين التقدميين . و منذ ذلك الحين أخذ كل تيار طريقه المعاكس للآخر .

فعلى النقيض مما حصل في عدد كبير من المستعمرات في القديم حيث كانت وحدة القوى الوطنية مسيطرة طيلة مرحلة التحرير ، نجد أن اختلاف الاتجاهات حال دون شعور التيارات المختلفة بالرابطة التي تجمعها على صعيد واحد و هي : وحدة الصراع ضد الاستعمار .

لذلك اتصفت الحركة الوطنية في اليمن الجنوبي بالانقسام و التشتت في الزمان و المكان . و كان ذلك سبباً من أسباب ضعفها . و يبدو في الظاهر إن تفسير هذه الظاهرة يمكن أن يتم بالرجوع إلى نقص الوعي السياسي لدى الجماهير و لدى القادة ، أو بالخصومات الشخصية . إلا أن المسألة في الحقيقة هي أعقد من ذلك . فاختلاف الأصول الاجتماعية لرواد الحركة الوطنية و عناصرها هو العامل الرئيسي . فالاختلافات من جهة ، كانت تدور حول مفهوم الصراع و وسائله . و من جهة أخرى كانت تدور حول الأهداف النهائية التي يسعى إليها كل فريق .

فالبعض كانوا يقبلون بالتعاون مع السلطة الاستعمارية ، و البعض الآخر يلتزم موقف الرفض الحاسم للتعاون و موقف النضال الدائم من أجل تحرير البلاد في أقصر فترة ممكنة . و بقي هذان الاتجاهان المتعارضان متلازمين في عدن ، أما بالنسبة للمحمية ، فقد بقي التياران بعيدين عنها بحكم عدم وجود ارتباط بين المستعمرة و المحمية يسهل عملية الانتشار تلك .

و هكذا يبدو انه من المنطق أن نتكلم عن تيارات بدلاً من الكلام عن حركة واحدة منسجمة . و منذ عام 1952 – 1953 ، يمكن أن نميز من خلال ما كان يطرح من تعليقات في الصحافة العدنية ، وجود تيارين للرأي العام : أحدهما يطالب بالحكم الذاتي ، و الآخر يطالب بالتحرر الكامل .

إن التيار الأول ، أي التيار المعتدل الذي يعمل من أجل الحصول على الاستقلال الذاتي ، هو في الواقع تيار الأقلية ، لأنه يتشكل من الأجانب مواليد عدن ، أي خليط من الأجناس ، يشكل العنصر العربي الغالبية فيه ، و تدعمه الجاليتان الهندية و الصومالية التي تتألف من حوالي عشرين ألف شخص .

و كانت الرابطة العدنية التي أنشئت عام 1950 هي الوجه السياسي لهذا التيار . و كانت مطاليبها تقتصر على الإصلاحات الاجتماعية ، و على إنشاء مجلس تشريعي منتخب . و كانت تعتبر الاستقلال الذاتي مطلباً يجب أن يتم تحقيقه في عدن على مراحل و ضمن إطار الكومنولث . أما فيما يتعلق بالإطار العام للبلاد ، فقد كانت تنادي بتعزيز الأواصر بين عدن و المحمية ، إلا
أنها كانت ترى بأن المحمية يجب أن تحتفظ بنظام الحماية .

أن وجهات النظر الانفصالية التي كانت تبشر بها الرابطة العدنية ، كانت تأتلف تماماً مع نظر الإدارة البريطانية خلال أعوام 1950 -1954 . لذلك كانت تلقى منها تأييداً و مساعدة مالية .

إلا أن هذا المفهوم الممالئ للإنجليز كان يشجب و يقاوم مقاومة عنيفة من قبل التيار المعاكس الذي كان يرفض مبدأ التطور البطيء لأنه يعتبره منطلقاً رجعياً و وسيلة لتثبيت النظام الاستعماري . كما كان يرى فيه عاملاً يهدد استمرار حركة التحرر الوطني و حيويتها .

إن التيار الوطني التقدمي كان هو التيار المهيمن في أوساط الشعب العربي الذي يمثل ثلثي سكان المستعمرة . و كانت مطالبه عام 1952 تلخص فيما يلي :

1- إلغاء الوضع الخاص بعدن كمستعمرة تابعة للعرش ، و جعلها عاصمة للمحمية .
2ـ توحيد دول الأمراء .
3- إنشاء مجالس محلية منتخبة و مجلس اتحادي في عدن .
4 ـ الاستقلال الذاتي و دستور جديد للدولة الاتحادية الجديدة .
5 ـ الإصلاحات الاجتماعية .

و عناصر هذا التيار تتألف من أعضاء الروابط و المنظمات القومية . و كان له صحيفتان تعبران عن مواقفه هما : النهضة و الفضول . و كان أنصار هذا التيار يُتهمون من قبل الإنجليز بالمشاغبين و المتطرفين . و كانت هذه الاتهامات مبرراً لملاحقتهم . و كان اعتقالهم يُبرر رسمياً بصيغة تقليدية : الإخلال بالأمن الداخلي للمحمية عن طريق نشر مقالات تمس الأمراء المناهضين لفكرة الاتحاد التي يطرحها الوطنيون . و الحقيقة هي أن السلطات الاستعمارية كانت تحاول أن تمنع فكرة دمج عدن بالمحمية من الانتشار ، و تقوم باعتقال كل من يبشر بها في تلك الفترة . فحتى عام 1953 لم تكن سلطة الحماية تفكر بأكثر من توحيد الأمارات في ظل اتحاد فدرالي يستبعد عدن و يبقي عليها كمستعمرة . و كانت تأمل بطرح فكرة الاتحاد الفدرالي بالنسبة للأمارات أن تستميل بعض العناصر الوطنية من جهة و أن تؤمن مستقبل الزعماء المحليين ثانية .

و مع ذلك فقد فشل مخطط التجميع الذي رسمته لندن لأنه لم يكن يلبي شروط التيار التقدمي . و عندئذ أخذت السياسة الإنجليزية منحىً مكشوفاً في تأييد التيار المعتدل مع تصميم على تحطيم مقاومة خصومه . و منذ عام 1954 تأسست صحيفة جديدة سميت (صحيفة الفجر) و بدأت المرحلة الأولى من مخطط التيار التقدمي في مقاومة الاستعمار .


الصراع المعادي للاستعمار :


لقد اشتد الصراع المعادي للاستعمار مع ظهور طبقات اجتماعية جديدة تتطلع إلى المزيد من الحرية و من المكتسبات الاجتماعية و الاقتصادية . فمقابل البرجوازية التجارية ، قامت فئة من المثقفين المطبوعة بالأفكار التقدمية . و على الرغم من قلة عددهم فقد أرسوا دعائم التنظيمات السياسية في البلاد . و قد تلقوا دعم الطبقة العاملة الناشئة التي بدأت نواتها تتكون خلال الفترة ما بين عامي 1952 ـ 1954 ، مع إنشاء شركة مصفاة البترول البريطانية في عدن الصغرى .

إن هذه الطبقة الجديدة التي كان عددها ما يزال محدوداً ، استطاعت أن تفرض نفسها بسرعة ، و أن تغدو خلال بضع سنوات قوة سياسية طليعية . و كانت تعرف سياسياً باسم ( مؤتمر نقابات عمال عدن ) . و بفضل هذه المساندة التي لعبت دوراً حاسماً في السنوات التالية تعززت قوى التيار الوطني و تحول إلى حركة تحرير وطني بكل معنى الكلمة . و قد انضافت إلى قوة التيار الوطنية قوة أخرى تتمثل في القومية العربية التي تحرك بعمق كل طبقات الشعب . ان الفترة 1952 ـ 1954 ، تشكل مرحلة الانطلاق في هذا الصراع لسببين رئيسيين :

1 ـ فهي الفترة التي شهدت نشوء طلائع التنظيمات السياسية و النقابية .

2 ـ و هي الفترة التي تتفق و قيام حوادث الاصطدامات الكبرى بين الحركة الوطنية و بين الاستعمار البريطاني و حلفائه .

و الواقع أن عدة تجمعات سياسية و أيدلوجية ولدت خلال هذه الفترة . و قد بقيت مشتتة مبعثرة طيلة مرحلة الانتقال من الإدارة المباشرة إلى الاستقلال الذاتي الداخلي .

و قد عرفت السلطات الاستعمارية كيف تبقي على الانقسام بين القوى ، و كيف توسع رقعة الخلاف و الشقة فيما بينها . و بتأثير تدخلها من جهة و تضافر الحوادث في الشرق الأوسط عام 1956 ( السويس ) و عام 1958 ( اتحاد سورية و مصر ، و ثورة العراق ) فقد عرف التياران على السواء تطورات عميقة في داخلهما . فكلاهما اخذ يعمل على التكيف مع الظروف الجديدة حتى يكسب الشعب إلى جانبه . إلا أن هذا السباق الذي كان مصحوباً بالمزايدات و بالديماغوجية ، قد عرّض التيار المعتدل لنكسات قاسية ، رغم دعم السلطات له .

و قد اندفع قسم من القادة الشبان إلى الانفصال عن الرابطة الإسلامية بعد ما لاحظوه من جمودها و عدم فعاليتها ، و أنشأوا عام 1950 رابطة أبناء الجنوب العربي (4) ، التي أصبحت تشكل مع الرابطة العدنية المنظمة الكبيرة الثانية في عدن . و أصبحت الرابطة على رأس الحركة الوطنية المعادية للاستعمار . و كانت تحظى بتأييد حزب اليمن الحرة ، و عدة منظمات اجتماعية و ثقافية . و تحت إلحاحها و تحريضها ، تشكلت عام 1953 أولى النقابات العمالية و نقابات المستخدمين . و لهذا السبب أخذت الحركة النقابية منذ البدء طابعاً سياسياً .

و كلما ازدادت وطأت المطالب الوطنية وضوحاً و دقة ، كلما أدرك الإنجليز أن اهتمامهم بتنفيذ مطالب التيار المعتدل يضع بين أيديهم كفة معادلة في وجه المتطرفين . و على هذا الأساس أيدوا ( الاتحاد العدني ) ، و كانوا يطمحون من وراء ذلك إلى إنشاء قاعدة ثابتة للتيار المعتدل و تحويل أنظار الشبيبة العدنية عن التيار التقدمي الذي أصبح قوة ذات شأن و خطر .

أما القوى الوطنية فقد كانت تجمع النوادي و الروابط و النقابات . و هي عبارة عن مجموعات منظمة نشيطة تضيق ذرعاً بالنظام الاستعماري و تقف كتلة واحدة في وجهه . وتجدر الإشارة إلى أن برنامجها قد خضع لتبدلات عميقة ، كما يبدو من خلال الصحف التقدمية ( الفجر ، البعث ، الجنوب ، العربي ) و يتلخص هذا البرنامج على الشكل التالي :


1 ـ الدعوة الملحة إلى وحدة النوادي و التجمعات الوطنية .

2 ـ الدعاية لاتحاد اليمن الجنوبي كما تتصوره الحركة الوطنية ، لدى زعماء القبائل .

3 ـ الدعوة إلى الوطنية و إلى القومية العربية و إلى التخلي عن الروح العشائرية .

4 ـ خلق حركات تعبئ الرأي العام للضغط على الإدارة البريطانية من أجل تطوير تعليم العربية و من اجل فرضها كلغة رسمية محل اللغة الإنجليزية ( على سبيل المثال : في عام 1955 هدد سائقو التاكس بالإضراب إذا لم يصبح استعمال الحروف و الأرقام العربية إلزامياً على لوحات السيارات ) .

5 ـ تمجيد القومية العربية في جميع أشكالها و خاصة مصر رائدة القومية العربية .


إن إحدى المظاهر البارزة لهذه الدعاية التي لفتت نظر ( ت . برنيي ) (5) هي عدم وجود مكان بارز للدين فيها . و أنها تحمل اسم القومية العربية . إن التطور الذي حصل على الصعيد الفكري بين هذا البرنامج و بين برنامج عام 1952 ، تطور واضح و كبير . فقد أصبح التركيز على الوحدة ، و على القومية العربية و على النزعة الوطنية المعادية للقبيلة و للاستعمار . و تجاوزت الحركة الوطنية الصراعات الحزبية و المحلية ، و ارتفعت الأصوات المطالبة بالقضايا السياسية و الاجتماعية . و أصبحت الإدارة الاستعمارية تصطدم بضغط الجماهير و تجد نفسها أمام ( جبهة وطنية موحدة ) تجمع القوى الوطنية لا أمام حزب معارض واحد . و قد كان تحالف تلك القوى و عدم توحيدها ، عاملاً في ازدياد قوتها و بأسها . إلا انه في الوقت نفسه كان يشكل عامل ضعف بالنسبة إليها .



الجبهة الوطنية الموحدة :


لقد قامت هذه الجبهة في نوفمبر 1955 قُبيل الانتخابات التشريعية التي جرت في 15 يناير , و قد نجحت هذه الجبهة في كسب التأييد المعنوي لقسم من التجار العرب في عدن ، بالإضافة إلى الدعم المادي للتجمعات التقليدية . إلا أن العنصر الجديد حقاً هو دخول بعض الأمراء بشكل جزئي و خجول . و ذلك بفضل مشاركة بعض قادة ( رابطة أبناء الجنوب العربي ) التي كانت تتمتع بسمعة عالية في الجبهة الوطنية الموحدة .

و قد وضع هذا التحالف بين القوى الوطنية لنفسه برنامجاً مؤلفاً من النقاط الثلاث التالية :

1 ـ تفشيل انتخابات 1955 و مشروع الاتحادات .

2 ـ تشجيع المطالب العمالية .

3 ـ انتهاج خط سياسي موحد .

و الواقع أن الجبهة وقفت حائلاً دون نجاح سياسة ( السير نحو الحكم الذاتي ) و ذلك عن طريق تنظيم حملة لمقاطعة الانتخابات . و لم يبق في المعركة الانتخابية سوى الإدارة البريطانية و المرشحين الذين ينتسبون إلى الاتحاد العدني . و هكذا باءت الانتخابات بفشل ذريع .

أما المشروع الاتحادي الذي طُرح من جديد عام 1956 ، فلم يكن حظه في النجاح أوفر من حظ مشروع 1954 ، و ذلك بسبب وعي و يقظة القوى الوطنية .

و على صعيد المطالب العمالية ، كانت النقابات تطالب بحق الإضراب و بضمان العمل و بصندوق للبطالة ، و بالتقاعد و برفع الأجور و تحديد حد أدنى مكفول للأجور . و كانوا يحتجون ضد التشريع الذي يشجع الهجرة إلى عدن في البلدان التابعة للكومنولث . و كانت السلطات البريطانية تدّعي من جهتها بأن تدفق الشغيلة اليمنيين يشكل تهديداً للعدنيين الذين يسعون وراء العمل ، ناسية باقي الفئات من المهاجرين المتدفقين على عدن من بلاد تحت إشراف الإدارة البريطانية . و قد دعمت الجبهة النقابات دعماً كلياً ضد إدخال الأيدي العاملة الأجنبية . و قد نظمت الجبهة بالاشتراك مع النقابات سلسلة من الاضرابات ذات طابع مهني و سياسي عام 1956 ، كانت الأولى من نوعها في تاريخ اليمن الجنوبي . و قد وجدت السلطات البريطانية نفسها تجاه شمول حركة الاحتجاجات مدفوعة إلى معالجة شكوى الطبقة العاملة بتفهم . و هكذا حصل عمال و مستخدمو الطيران المدني على زيادة في مرتباتهم . و اتخذت تدابير لحماية العمال العرب من تدفق العمال المهاجرين . و منع استيراد اليد العاملة الأجنبية . و سويت أجور المؤسسات الخاصة . و على وجه الأجمال فقد كانت حصيلة تجربة القوة جيدة و خصبة .

و قد وضعت الجبهة الوطنية الموحدة لنفسها هدفاً نهائياً إنشاء جمهورية للساحل اليمني ذات طابع مركزي تتألف من المحميتين و من اليمن . و تكون عدن هي العاصمة مؤقتاً بانتظار سقوط الحكم الملكي في صنعاء .

و كانت الجبهة تعتبر الطريق الموصلة لهذا الهدف تمر بمراحل ثلاث :

1 ـ توحيد السلطنات في دولة واحدة تحكم من عدن من قبل مجلس منتخب بواسطة الاقتراع العام .
2 ـ تخلي الإنجليز عن المستعمرة .
3 ـ ضم اليمن فيم بعد و إعلان الجمهورية .

غير أن الجبهة ما لبثت مع الأسف أن تصدعت بتأثير التنافس الشخصي و الخصومات قبل أن تحقق برنامجها . و الحقيقة هي أن الجبهة لم تتمكن من امتصاص التجمعات التي وحدتها في وقت ما . و مع ذلك استطاعت رغم كيانها المهدد أن تحقق انتصارات هامة جداً لمجرد كونها تحالفاً للقوى التقدمية . فقد كانت منظمة كفاح ، و قد وصل تأثيرها حتى للمعتدلين الذين وجدوا أنفسهم مرغمين على إعادة النظر في مواقفهم حتى لا يتهموا بالتخاذل و بالتخلي عن الشعب . كما كان من نتائج عملها اضطرار الإنجليز و إجبارهم على إعادة النظر في سياستهم .


القوى المحافظة :

يمكن اعتبار ( الرابطة العدنية ) و ( الاتحاد العدني ) لسان حال القوى المحافظة . و بقدر ما كانت الجبهة الوطنية المتحدة تجمعاً هجومياً غير متبلور التنظيم و الكيان ، كانت الرابطة العدنية تجمعاً دفاعياً يمثل :

1 ـ البرجوازية العدنية و الطبقة التجارية الهامة المؤلفة بالدرجة الأولى من الآسيويين و الأوروبيين و بعض التجار العرب .

2 ـ قسماً كبيراً من جهاز موظفي الدولة ، و من الموظفين في المؤسسات الأجنبية .

و دعم هاتين الفئتين للرابطة يعود إلى دوافع سياسية و اقتصادية . فعلى الصعيد السياسي لم يكن العدنيون غير العرب بوجه خاص ، بمستعدين لوضع شؤون المستعمرة بين أيدي رجال الحركة الوطنية . و كانوا يتطلعون إلى نوع من الاستقلال الذاتي الداخلي داخل إطار العائلة البريطانية .

أما على الصعيد الاقتصادي و الاجتماعي ، و هو العامل الأشد تأثيراً ، فقد كانت الطبقة التجارية مذعورة من اتساع نطاق المطالب العمالية و الاضرابات . فقد شل الإضراب العام الذي قادة اتحاد نقابات عمال عدن عام 1956 الحياة الاقتصادية في عدن خلال ستة اشهر . و كان عبئاً تحملت نتائجه البيوتات التجارية الكبرى . و أكثر من ذلك كانت أوساط الأعمال تربط مصير الاقتصاد بالوجود البريطاني . و بالتالي كانت ترغب في بقائه أطول مدة ممكنة لأن ذلك يتفق مع مصالحهم .

و من جهة ثانية ، كان الموظفون و المستخدمون في البيوتات الهندية و الأوروبية ، و معظمهم من الأجانب ، يخشون من فقدان وظائفهم إذا ما انتقلت السلطة إلى أيدي العناصر العربية .

إن هذه المواقف النابعة من المصلحة الخاصة الأنانية التي لا تحسب حساباً لشيء آخر ، كانت تخص الأوساط التي تهتم برفاهها لا بتطور البلاد و تقدمها . و كان لا بد بطبيعة الأمر أن ينشأ تقارب بين الإدارة البريطانية و بين هؤلاء المعتدلين . و عندما شعر هؤلاء بأن الأحداث قد تجاوزتهم ، حاولوا أن يُدخلوا في برنامجهم الإصلاحات الاجتماعية ، و مشروع الاتحاد مع الاستقلال الذاتي الداخلي الذي ينادي به خصومهم . و لكن في حين أن خصومهم كانوا يعتبرون الاستقلال الذاتي خطوة أولى نحو الاستقلال الكامل ، كانوا هم يعتبرونه الغاية النهائية . كما كان المحافظون يطالبون بالأمور التالية بصورة مستقلة بعضها عن بعض :

ـ الحكم الذاتي بالنسبة إلى عدن ،

ـ وحدة المحمية ،

ـ جمع المستعمرة المستقلة ذاتياً مع المحميات داخل اتحاد ،

ـ إدخال الاتحاد ضمن الكومنولث .

تلك هي الوحدة الممكنة في نظر هؤلاء . و بتعبير آخر ، يمكن أن نقول بأن التقدميين كانوا يريدون وحدة مركزية ، أما المعتدلون فكانوا يرغبون باتحاد فدرالي فقط . و كانت انجلترا تشاطر المعتدلين وجهة نظرهم . فقد تأثرت بما للجبهة الوطنية المتحدة من جماهيرية أي من صوت مسموع لدى الجماهير ، لذلك لم تتردد في تبني البرنامج الإصلاحي و الفدرالي للرابطة العدنية .

على أن ثمة خلافاً هاماً كان يقوم بين السلطات الإنجليزية و بين المحافظين المعتدلين ، يتعلق بالأسباب العسكرية . فالسلطات البريطانية كانت تتمسك بالاحتفاظ بعدن نهائياً خارج الدولة الجديدة . الأمر الذي ما كان في وسع المحافظين الموافقة عليه خوفاً من الاتهام بالتخلي عن جزء من أرض الوطن .

و قد استمر الإنجليز في التمسك بوجهة نظرهم ، رغم أنها تضعف من جانب حلفائهم . و قد عوّض الإنجليز على هؤلاء الحلفاء بالمزيد من الدعم المعنوي و الدعم المالي . و قد دفع اضطراب الأمور بسبب هذا التعنت إلى مجموعة من التدابير القمعية : كإعلان حالة الطوارئ و إصدار مجموعة من القوانين .


و كان إعلان حالة الطوارئ بمثابة إعلان عن عزم السلطات الاستعمارية على القضاء على الجبهة الوطنية . و قد عبّرت السياسة التي طبقتها عن هذا الإصرار ، أي سياسة إبعاد العناصر الوطنية و تعزيز جهاز المراقبة في سلطات البوليس .

أما القوانين التي تم إصدارها نتيجة لإعلان حالة الطوارئ فتتعلق بمراقبة الصحافة و بتخويل السلطة صلاحية مصادرة و توقيف كل صحيفة . كما يتعلق بعضها الآخر بحرمان الجالية اليمنية من حق التصويت ، بالإضافة إلى قوانين تحرّم تقديم أية مساعدة للجبهة الوطنية .

و إلى جانب هذه السياسة العنيفة ، عملت السلطات على دعم الرابطة العدنية دعماً متزايداً ، كما أنها ضغطت على أرباب العمل لدفعهم إلى تلبية مطالب العمل قدر الإمكان . إلا أن النقطة الأهم في هذه المواجهة ، هو طرح السلطات البريطانية لاحتمال انضمام اليمن إلى الدولة الاتحادية التي سيكون على رأسها ملك اليمن . و قد كانت السلطات البريطانية تهدف من وارء ذلك إلى إحداث انقسام داخل الجبهة الوطنية ، لأن القسم الأعظم من الجبهة كان ضد هذا الاحتمال و يرفض أن تكون أسرة حميد الدين و السلالة الزيدية و لو على رأس دولة اتحادية تضم اليمن . هذا علماً بأن السلطات الإنجليزية لم تكن بشكل من الأشكال تقف موقفاً مشجعاً لمثل هذه الاحتمالات .

و الخلاصة ، فإن الأمر انتهى بحدوث انقسام داخل الجبهة بين الجناح اليساري الذي تدعمه النقابات و الذي استولى على قيادة الجبهة ، و بين الجناح اليميني الذي أصبح ممثلاً برابطة أبناء الجنوب العربي و الذي انسحب من الجبهة .
بهذا الانقسام دخلت الحركة الوطنية في أخطر أزمة عرفتها . و إذا كانت الحركة الوطنية قد احتفظت رغم ذلك بحيويتها و نشاطها ، إلا أنها أخفقت في إعادة الالتحام إلى صفوفها . و كان ذلك طبعاً مبعث سرور لخصومها .


أزمة الحركة الوطنية :


لم يعمّر تحالف الجهات المعادية للاستعمار سوى أقل من ستة أشهر ، أي تماماً الوقت اللازم لمجابهة الاستفتاء الذي نظمته السلطات الاستعمارية . فمنذ شهر مارس 1956 ، بدأت انقسامات خطيرة تظهر داخل الجبهة الوطنية الموحدة . فقد اتهمت النقابات ذات التابعية اليمنية ، رابطة أبناء الجنوب العربي ، بأنها تعمل على وضع النقابات تحت إشرافها المباشر و المطلق . كما اتهمت من قبل تجمعات يمنية أخرى بالعمل من أجل فصل عدن و محميتها و محميتها عن الوطن الأم في الشمال ، و إنشاء جمهورية انفصالية في اليمن الجنوبي .

و اتهمت الرابطة بدورها هؤلاء و أولائك بأنهم يريدون أن يقسموا الحركة الوطنية و أن يدفعوا بها ضمن اتجاه موال لليمن .
و قد كانت لهذه الاختلافات نتائج ثقيلة الوطأة . و أخذ الخلاف طابعاً سياسياً عندما شكلت النقابات بتاريخ 3 مارس 1956 اتحاد نقابات العمال العدني ، و أعطت لهذا الاتحاد النقابي الكبير طابعاً اجتماعياً و سياسياً و عندما صدر بتاريخ 22 مارس 1956 عن رابطة أبناء الجنوب العربي تصريح مطول يشدد على شخصية الجنوب و على حقه في الاستقلال .

و كان ذلك بمثابة الطلاق بين القوتين الوطنيتين ، هذا الطلاق الذي انتهى فيما بعد إلى حل الرابطة بينهما بعد أن يئس كل فريق من امتصاص الفريق الآخر .

و قد استطاع اتحاد النقابات بفضل تنظيمه و تماسكه أن يسيطر بسرعة على المسرح السياسي في المستعمرة . و أن تجتمع من حوله معظم القوى الوطنية عدا رابطة أبناء الجنوب العربي . و قد كان للاضطراب العام الذي بدأ في مارس و انتهى في نوفمبر من عام 1956 و للنجاح الكبير الذي انتهى إليه ، فضل في اتساع شهرته و ازديادها . و كان من الطبيعي نظراً لفشل التشكيلات السياسية التقليدية و إفلاسها ، أن تصبح الحركة النقابية محور النضال السياسي ضد الاستعمار .

لقد كان انغمار الطبقة العاملة في العمل السياسي شيئاً نابعاً من طبيعة الأمور ، و ليس فيه ما يدعو للدهشة . فالنقابات العمالية في كثير من البلاد المتخلفة تبدو و كأنها القوى الوحيدة التي تتمتع بسند شعبي ملحوظ و بتنظيم قوي فعال . و هذا الواقع ينطبق على عدن أكثر من أي بلد آخر . فالحركة العمالية كان لها النصيب الأكبر في الكفاح ضد الاستعمار .

و في نفس الوقت الذي كان فيه اتحاد النقابات يشق طريق الصعود ، كانت رابطة أبناء الجنوب العربي تعاني من أزمتها الحادة بسبب انسحاب قسم من إطاراتها العليا و تفكك قيادتها . و هكذا بعد أن كانت رابطة أبناء الجنوب العربي المحرك الرئيسي للحركة الوطنية و العنصر البارز في الجبهة الوطنية المتحدة ، غرقت في تعقيدات ظروف التجزئة الإقليمية . و دفعتها شكوكها بشأن اليمن إلى تبني مواقف أعطيت صفة الانفصالية من قبل عدد كبير من قادتها أنفسهم . و بعض هؤلاء القادة استنكروا علناً ذلك و لجأوا إلى المنظمة المقابلة . و في عام 1958 لجأ رئيسها و أمينها العام إلى القاهرة تاركين ورائهما في عدن منظمة هزيلة إلى درجة لم يعد الإنجليز يحسبون لها أي حساب . أما في الخارج فقد تحولت ( رابطة أبناء الجنوب العربي ) إلى مجرد ( رابطة الجنوب العربي ) . و عند إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة ، ثم ( الدول العربية المتحدة ) ، حاولت الرابطة أن تعدل ميثاقها و أن تدخل فيه فقرات خاصة بالوحدة العربية و بالعلاقة بين جنوب و شمال الساحل اليمني ، و أن ترفض القومية اليمنية .

و عندما تقرر ضم عدن إلى الاتحاد ، حاول الإنجليز جس نبض قادة الرابطة في المنفى للعودة و تشكيل الحكومة الاتحادية . إلا إنهم رفضوا هذا العرض و فضلوا الالتحاق بالمعارضة مع الإبقاء على مسافة ما بينها و بينهم .

و بعد ثورة اليمن الجمهورية ، حاولوا أيضاً تعديل برنامجهم و موقفهم الغامض إلا أن المحاولة جاءت متأخرة . فالرابطة على الرغم من أنها استعادت بعض نشاطها ، إلا انه كان يلزمها وقت طويل و بذل جهد أكبر حتى تنهض من كبوتها و تحول الوضع إلى مصلحتها .


الحركة النقابية :


لقد قام اتحاد نقابات عمال عدن عام 1956 بعمل مزدوج : فمن جهة اهتم بالمسائل الاجتماعية التي تشغل العمال ، و نجح في الحصول على اعتراف شرعي بالنقابات و بحقوقها . و من جهة ثانية أخذ الاتحاد اتجاهاً سياسياً مرناً و أصبحت الجبهة الوطنية الموحدة قاعدته الناطقة باسمه . و بعد فشل العدوان الثلاثي على السويس شددا مواقفهما و كسبا الجو على حساب الرابطة العدنية التي تواطأت مع الإنجليز .

و منذ عام 1957 أصبح الاتحاد اكبر منظمة شعبية في عدن . و أصبح له صحيفة ناطقة باسمه ( العامل ) كانت تنشر أسبوعياً مقالات مطولة حول الوضع الداخلي في الجنوب و الشمال . و قام الاتحاد بحملة عنيفة ضد الهجرة و ضد غلاء المعيشة عام 1958 . و عندما قررت السلطات في أغسطس 1960 أن تسن تشريعاً جديداً يمنع الإضراب و يفرض التحكيم في خصومات العمل ، شجبت صحيفة العامل بجرأة الترتيبات الجديدة . و على أثر الاصطدامات الدامية بين المضربين المتظاهرين و بين الشرطة ، أُغلقت الصحيفة و لوحق جهاز التحرير المؤلف في غالبيته من النقابيين ، بتهمة التحريض على مخالفة النظام . و بفضل انتساب المنظمة إلى اتحاد نقابات العمال العرب و الاتحاد الدولي ، استفادت من تضامن المنظمات العمالية في آسيا و أفريقيا و أمريكا . و علقت الصحيفة الأسبوعية الفرنسية ( النوفيل أوبسر فاتور ) على تلك الحوادث في عددها بتاريخ 7 سبتمبر 1960 بقولها :

( في عدن ، ينظم العمال اضراباً عاماً للاحتجاج على التعديات على الحرية النقابية ، مطالبين إنهاء الإدارة البريطانية و تنظيم استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة ) .

و على الصعيد السياسي ، ركز الاتحاد مع الجبهة جهودهما على إزالة الاستعمار في عدن و على تحرير اليمن من النظام الملكي . و كانت دعايتهم تطالب بدمج الجنوب مع الشمال . و بقدر ما كانت تلك الدعاية تحقر الإنجليز بقدر ما كانت تسبب القلق للسلالة الزيدية التي كانت تريد أن تجنب البلاد موجة الاضطرابات التي أثارها الوطنيون في المستعمرة .

مع نهاية المعركة الانتخابية عام 1959، تصدع التحالف الواهي الذي كان يجمع القوى التقدمية . و أخذت الجبهة موقفاً يختلف عن موقف الاتحاد الذي انعطف انعطافاً واضحاً نحو اليسار عام 1960 . و أصبح الاتحاد المركزي للنقابات في نظر الكثيرين من أبناء الجنوب المجسد الحقيقي ( للقومية اليمنية ) . و من هذه الزاوية بدأ يتعرض للنقد الشديد .

إلا أن الذي يجب أن يقال ، هو أن الاتحاد حاول عدة مرات أن يذيب مختلف الأحزاب الوطنية في بوتقة واحدة تحت رعايته ، إلا انه لم يصادف إلا نجاحاً جزئياً و خاصة لدى الروابط التي تهيمن عليها العناصر ذات الأصل اليمني . و ضمن هذا الاتجاه قاد عملية تشكيل الاتحاد الشعبي عام 1958 و الاتحاد الوطني اليمني عام 1959 و التجمع الوطني عام 1960 و تجمع المنظمات الوطنية و الشعبية عام 1961 . و ساهم مساهمة فعالة في مؤتمر القاهرة الذي اجتمع عام 1961 و 1962 و ضم ممثلين عن(6) :

ـ النقابات العدنية ،

ـ حركة القوميين العرب ،

ـ الاتحاد اليمني ،

ـ حزب البعث العربي الاشتراكي ( فرع اليمن الجنوبي ) .

و قد حاول المؤتمرون أن يخلقوا جبهة وطنية جديدة إلا أنهم لم ينجحوا في ذلك . لذلك قرر الاتحاد المركزي للنقابات عشية مؤتمر لندن في يوليو 1962 تأسيس حزب جماهيري . و هكذا تم نشوء ( حزب الشعب الاشتراكي ) . و خلال ذلك كانت الجبهة الوطنية الموحدة قد زالت و لم يبق لها وجود . و قد قام ( حزب الشعب الاشتراكي ) بحملة عنيفة ضد المشروع الاتحادي الذي طرحته السلطات . و على الرغم من التدابير القمعية ، نجح في تعبئة الرأي العام الداخلي و الخارجي ضد السياسة الإنجليزية . إلا أنه فشل في تجميع قوى المعارضة من حوله ، بل و زاد في خصومتها له .


الاتجاهات الراهنة :

الخلاصة إننا نستطيع أن نميز على ضوء الاختلافات التي رافقت الكفاح الخصب الذي امتد على عشر سنوات ، الاتجاهات الخمسة التالية :

1 ـ الإقليمية الضيقة : التي يحرص عليها العدنيون المحافظون و غالبية الأمراء . و هي تقوم على المحافظة على التجزئة المحلية . و قد كانت السلطات الاستعمارية في البدء تشاطرهم وجهة نظرهم . إلا أن هذه السلطات بدأت تدرك مع تطور الوضع العربي خطر النزعة الانفصالية و التشتت . فأعادت النظر في سياستها و بدأت بتشجيع تجميع الإمارات داخل اتحاد فدرالي ، ثم بتشجيع ضم عدن إلى الاتحاد من أجل إجهاض الاتجاهات الفكرية و تزوير الاندفاعات الوطنية .


2 ـ الإقليمية الواسعة : و قد كانت خلال فترة من العمل الوطني تتمتع بتأييد جميع القوى التقدمية . و هذه الإقليمية الواسعة تتجاوز حدود عدن و محميتها لتضم الساحل العربي بما في ذلك اليمن . و هي تعتمد في نظرتها على منطلقات جغرافية و تاريخية و بشرية عرقية .


3 ـ النزعة الوطنية اليمنية : التي كانت تجعل من اليمن محور العمل الوطني و تعترف له بالأولوية و بالقيادة . و كانت هذه النزعة تلقى تأييدا من قسم من العمال و من صغار التجار و من الطليعة المثقفة الذين ينحدرون من أصول يمنية . كما كان ( حزب الشعب الاشتراكي ) رائد هذه النزعة . الأمر الذي أثار شكوك العناصر الجنوبية التي كانت تمثلها رابطة الجنوب العربي ، و التي كانت ترفض رفضاً قاطعاً إلحاق الجنوب باليمن ، و تقول بالتقارب بينهما شرط رفع فكرة الإلحاق . و قد أعطت هذه العناصر المجال لنشوء حركة وطنية خاصة بالجنوب .


4 ـ النزعة الوطنية الجنوبية : و هي تعمل على جعل عدن و محميتها كياناً مستقلاً ذا سيادة . و قد كانت هذه النزعة تجد في رابطة الجنوب العربي حليفاً لها ، كما كانت تعتمد على تأييد البرجوازية الوطنية الناشئة و على قسم من المثقفين و على السلاطنة . و كانت انجلترا تدعم هذه النزعة سراً ، و كانت تستعد لوضع السلطة في يدها يوماً ما ، لأنها كانت تتخذ منها وسيلة لمقاومة القومية اليمنية و القومية العربية .


5 ـ القومية العربية : إن شعب اليمن الجنوبي شديد الحساسية للقومية العربية . و باستثناء أصحاب النظرة الإقليمية الضيقة ، تشكل القاسم المشترك لجميع الاتجاهات الأخرى بدرجات و نسب متفاوتة تتراوح بين رفع الشعار و بين الالتحام الكلي بحركة القومية العربية .


إن لكل اتجاه من الاتجاهات السابقة أشياعه و جهاز دعايته الذي تتولاه الأحزاب السياسية . و هذه الأحزاب السياسية تنتشر بين الجماهير دون أن تعلن عن برامج محددة ، و تطغى عليها اللفظية أي لغة الشعارات ، و هي حسب التعبير الماركسي ( أحزاب البرجوازية الصغيرة ) .


..............................

1 ـ البكري ( حضرموت و المدن ) ص 168 .
2 ـ مجلة افريقيا و آسيا ، العدد 44 ، باريس 1958 .
3 ـ فانسان مونتيل ( العرب ) باريس ن 1959 ، ص 18 .
4 ـ محمد الجفري ( حقائق عن جنوب الجزيرة العربية ) القاهرة 1956 ص 52
5 ـ مجلة افريقيا و آسيا ، العدد 44 .
6 ـ قحطان الشعبي ( الاستعمار البريطاني و معركتنا في الجنوب اليمني المحتل ) القاهرة 1962
ابو ملاك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2007, 12:04 AM   #7
support
ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½
 
الصورة الرمزية support
 
تاريخ التسجيل: Aug 2004
الدولة: السعودية - جدة
العمر: 40
المشاركات: 31,118
support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough
افتراضي

ضع اشارة عند انتهاء نشر اجزاء الكتاب .. نحن نريد نسخه لاعادة صياغته ككتاب الكتروني .. لذا نريد منك اشارة عند الانتهاء من كافة الاجزاء ..
__________________
اقتباس:
ليس بالضرورة أن تكون عميلا لتخدم عدوّك
يكفي أن تكون غبيّاً .

الشيخ / محمد الغزالي
support غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2007, 08:42 PM   #8
ابو ملاك
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 185
ابو ملاك is an unknown quantity at this point
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة support;1052660156;
ضع اشارة عند انتهاء نشر اجزاء الكتاب .. نحن نريد نسخه لاعادة صياغته ككتاب الكتروني .. لذا نريد منك اشارة عند الانتهاء من كافة الاجزاء ..

الأخ / support ، تحية طيبة و بعد ،

أولاً ، أرجو المعذرة بسبب تكرار الفصلين الرابع و الخامس نظراً لمشاكل فنية لا أدري ما مصدرها ، و أرجو منكم التكرم بحذف ما تكرر .


ثانياً ، فيما يتعلق بنسخ الكتاب و اعادة صياغته إلكترونياً فإن حقوق الطبع محفوظة لدار النشر التي اوردت عنوانها في البداية و يمكنكم التواصل مع ( الناشر ) ، أما أنا فلا أملك أي حق ، و قد تطوعت لنقل ( اجزاء ) من ذلك الكتاب لما وجدت فيها من معلومات هامة و هدفي كما اوردت في البداية من ذلك هو جعله متاحاً ( للجميع ) من دون أي مقابل ، خصوصاً في هذه الفترة التي نجد فيها جهل و تجهيل كبير بالتاريخ ، فقط أرجو من الجميع الدعاء ، و لكم مني كل التقدير و الاحترام .
ابو ملاك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2007, 09:33 PM   #9
support
ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½
 
الصورة الرمزية support
 
تاريخ التسجيل: Aug 2004
الدولة: السعودية - جدة
العمر: 40
المشاركات: 31,118
support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough
افتراضي

اكيد حقوق الناشر ستكون محفوظة .. نحن فقط بدل ان يكون نصا في موضوع سنجعله في ملف واحد يتم تنزيله على الجهاز وتصفحه بدون اتصال .. ولن نتدخل من يمين او شمال بالحقوق المفروضة على الكتاب ..


فقط ابلغني عندما تكتمل الاجزاء كلها ..
__________________
اقتباس:
ليس بالضرورة أن تكون عميلا لتخدم عدوّك
يكفي أن تكون غبيّاً .

الشيخ / محمد الغزالي
support غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2007, 09:42 PM   #10
support
ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½
 
الصورة الرمزية support
 
تاريخ التسجيل: Aug 2004
الدولة: السعودية - جدة
العمر: 40
المشاركات: 31,118
support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough
افتراضي

تم حذف الجزء المكرر مع الاحتفاظ بنسخة للتراجع عن الحذف في حالة حدوث اي خطأ في اجرائي .. تأكد وابلغني ..
__________________
اقتباس:
ليس بالضرورة أن تكون عميلا لتخدم عدوّك
يكفي أن تكون غبيّاً .

الشيخ / محمد الغزالي
support غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-03-2007, 08:46 AM   #11
الزامكي
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
المشاركات: 378
الزامكي is an unknown quantity at this point
افتراضي

هل هو متوفر في السوق للبيع ام لا؟؟؟ ممكن ان تقول لي اين من الممكن الحصول على نسخة منه..... لك الود والتحية
الزامكي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-03-2007, 03:06 PM   #12
ابو ملاك
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 185
ابو ملاك is an unknown quantity at this point
افتراضي

[align=center]الفصل السادس



الأحزاب السياسية[/align]


إن الأحزاب السياسية في الغرب تقوم بوجه عام بشكل رئيسي على المصالح المحددة تحديداً واضحاً للزمر الاجتماعية . و في معظم بلدان العالم الثالث ، و في العالم العربي بوجه خاص ، توجد مثل هذه الأحزاب ، إلا أنها تبدو دونها تبلوراً . فالسياق التاريخي لهذه البلاد يجعل مفهوم الحزب القائم على أساس الطبقات الاجتماعية المتميزة شيئاً لا يتفق مع الواقع الداخلي لهذه البلاد ، لا سيما في اليمن الجنوبي .

فقد لاحظنا من خلال الفصول السابقة أن الرأي العام في اليمن الجنوبي ينقسم إلى اتجاهات و زمر غير مستقرة و غير ثابتة . لأن الشعب في غالبيته ما يزال يعيش ضمن وسط عشائري تتشكل على هامشه الطبقات الاجتماعية الجديدة التي لم تأخذ بعد طابعاً محدداً . بالإضافة إلى ذلك ، فان الشعب تنقصه التربية السياسية و المدنية . فالفئات الهامشية المتمركزة في المدن و خاصة في مستعمرة عدن وحدها تملك ثقافة أولية من هذا النوع بفضل تعميم التعليم و بفضل الصحافة و المذياع و الدعاية الوطنية

فلا مجال إذن إلى القول بأن هناك وعياً طبقياً أو حساً سياسياً متطوراً لدى الشعب و خاصة في المحمية . صحيح أننا نعثر في عدن على منظمة عمالية نشيطة كانت مصدر نشوء تنظيم سياسي عل صورة قاعدته الاجتماعية التي لا شك في أنها بروليتارية و فلاحية ، إلا أنها دوماً ذات أصول قبلية عشائرية . كما كان لظروف الكفاح المعادي للاستعمار أكثر مما كان لوجود وعي طبقي حقيقي الفضل في حدوث تلك التغيرات المفاجئة .

و هذه الملاحظة تصح أيضاً على باقي التنظيمات التي تهيمن على المسرح السياسي . فداخل الأحزاب السياسية لا نعثر على عنصر اجتماعي خاص ، بل نجد أنفسنا أمام عدة فئات اجتماعية داخل الحزب الواحد . فالنضال من اجل الاستقلال لا يمكن أن يكون من صنع طبقة اجتماعية واحدة . بل هو من صنع شعب بأكمله .

و هكذا يمكن أن نتساءل فيما إذا كانت توجد أحزاب بالمعنى الصحيح في اليمن الجنوبي ؟

إذا أخذنا بعين الاعتبار المقياس الأوروبي ، أي الصيغة التقليدية للأحزاب في البلاد الديمقراطية الرأسمالية ، وجدنا أن اليمن الجنوبي يعيش مرحلة ما قبل نشوء الأحزاب . أما إذا نظرنا إلى الوسط الاجتماعي الخاص باليمن الجنوبي و نظرنا نظرة اشمل إلى الواقع العربي بشكل عام ، كان جوابنا إيجابياً . و هذا لا يمنع من القول بأن عدن و محميتها ما تزال في المرحلة الأولى من مراحل التطور ، و أن الخط الفاصل بين المجموعات المنظمة و الأحزاب السياسية بالمعنى الدقيق للكلمة ، ما يزال فيها سابقاً لأوانه . فالمعيار الرئيسي الذي يميز بينهما هو وجود ( المنظمة ) . فالحقيقة أن أي تشكيل مزود بجهاز سياسي منظم و ببرنامج ، يستطيع أن يعتبر نفسه قائماً كحزب . و في اليمن الجنوبي توجد عدة تجمعات تطالب بهذا الحق . و هي تطلق على نفسها صفة الحزبية و تعمل على أساس أنها أحزاب .

و سنقف من هذه الأحزاب على أربعة تعتبر أهمها . لأن ما تبقى هي في الحقيقة تجمعات صغيرة ، أما فيما يتعلق بالبرنامج ، فهناك خطوط عامة و ليس هناك برامج محددة و متناسقة . أما فيما يتعلق بالتركيبات الاجتماعية ، فهناك إلى جانب البرجوازية الوطنية و الأجنبية ، الموظفون الوطنيون ، و المثقفون ، و العمال و القبائل .

حزب المؤتمر الشعبي :

لقد نشأ هذا الحزب عن الرابطة العدنية ، و هو يعتبر نفسه الوريث الطبيعي لها . و هو يتميز بطابعه ( العائلي ) بحكم سيطرة عائلة ( لقمان ) عليه . و هذه الأسرة ( التي تعتبر مؤسسة لهذا الحزب ) تملك صحفاً ثلاثاً : ( فتاة الجزيرة ) ، ( القلم العدني ) ، و ( يوميات عدنية ) . و قد حمل هذا الحزب لواء الدفاع عن ( الكيان العدني ) . أما برنامجه ، فقد عرض عرضاً غامضاً في نشرة للدعاية تحت عنوان : ( أهذا كتاب أبيض ) . و كاتب هذه النشرة (1) ، و هو احد قادة الحزب ، يعتبر نفسه ناطقاً باسم شعب عدن . و يتحدث عن التقدم الذي حصل في المستعمرة و عن تأخر محميتها ، و عن التمييز السياسي بين شطري البلاد ، و عن عدم التكافؤ في التطور الاقتصادي فيما بينهما . ثم يشجب باسم الوحدة الإقليمية لعدن ، عملية انتزاع جزر البريم و كوريا موريا . و ينتقد الطريقة التحكمية التي تمت بواسطتها عملية إدخال عدن في اتحاد الجنوب العربي . و لا يمنعه ذلك من استخلاص نتيجة تؤكد على ضرورة مساعدة عدن الفنية لمحميتها الفقيرة .

و هكذا فإن برنامج حزب المؤتمر الشعبي يعارض الحل الفدرالي لأنه في زعمه ينتزع من العدنيين حقوقهم و يعيق سيرهم نحو الديمقراطية ، و لأنه يخشى أن يعطل الحل الفدرالي فرص حصول عدن على استقلالها . لذلك فإن حزب المؤتمر الشعبي يطالب بما يلي :

1 ـ بانتخابات تشريعية عامة تقتصر على المستعمرة .

2 ـ تشكيل حكومة وطنية عدنية مسؤولة أمام المجلس التشريعي المنتخب .

3 ـ بحصر مهمة هذه الحكومة في نقطتين رئيسيتين : تطبيق حق تقرير المصير و إعلان الاستقلال .

و بكلمة أخرى ، يطالب الحزب بدولة عدنية تتمتع بالسيادة الكاملة تصبح عضواً في الكومنولث . و شعاره المألوف ( عدن للعدنيين ) أما موضوع الاتحاد فلا يأتي إلا بعد أن يتحقق هذا الهدف ، و عندئذ تفاوض عدن المستقلة الاتحاد الذي يكون بدوره قد استكمل سيادته من اجل الاندماج ضمن صيغة مرنة كونفدرالية . أن حزب المؤتمر الشعبي ينطلق من إطار التجزئة ، لذلك فهو يلقى دعماً من عناصر الأقلية العدنية ذات الأصول الأجنبية التي تخشى من طغيان العناصر العربية ، و التي تتجمع في عدة منظمات و جمعيات لتأمين حماية مصالحها . و هي مدعومة من البيوتات التجارية الأوروبية و الهندية التي تمول نشاطها من أجل إعاقة نشاط البرجوازية الوطنية التي تحاول استبعاد الرأسمال الأجنبي .

و قد بقيت السلطات الإنجليزية تساند نشاط الأقلية حتى عام 1961 ، حيث تبين لها أن التجزئة التي تعمل الأقلية على تثبيتها ، لم تعد شعاراً واقعياً . ثم جاءت الضرورات الستراتيجية و مقتضيات السياسة العليا الخارجية ، لتحدث تحولاً في موقف هذه السلطات . و كان الحزب الوطني الاتحادي الوليد الثاني للرابطة العدنية و المستفيد الأكبر من هذا التحول .


الحزب الوطني الاتحادي :

أمام اللغط الذي كان يصدر عن العناصر العدنية المعادية لدمج عدن ، لم تتردد السلطات البريطانية في خلق حزب جديد مؤيد للسياسة البريطانية . و قد كانت ولادة الحزب الوطني الاتحادي في الحقيقة تعبيراً عن رغبة الإنجليز في إسباغ مظهر شرعي على الدمج . و قد كان زعماء هذا الحزب هم الذين وقعوا اتفاقيات لندن ، و شكلوا أول حكومة مستقلة في دولة عدن .

كان برنامج الحزب الوطني الاتحادي يتطابق تماماً مع برنامج وزارة المستعمرات . فقد نادى بتعاون وثيق مع الأمراء و بالمحافظة على المصالح الاقتصادية و الحربية لبريطانيا العظمى . إلا أنه كان خلال المفاوضات مركز على التفاوت الاقتصادي بين عدن و المحمية ، و يعتبر التفاوت نتيجة لتمايز التطور الدستوري بينهما . و هكذا استطاع أن يحمل الأمراء على قبول مبدأ اعتبار عدن كياناً خاصاً داخل إطار اليمن الجنوبي السياسي و الاقتصادي الذي يشكل مجالاً حيوياً أكثر اتساعاً . كما انه طالب بتطمين العدنيين الأجانب بحيث أن يكون الدمج مصحوباً بشروط تضمن لهم حقوقهم . و حصل لعدن على تمثيل قوي داخل المؤسسات الفدرالية . و على عكس حزب المؤتمر ، رفض الحزب الوطني الاتحادي ان يتبنى فكرة حصول المستعمرة على الاستقلال . و كان يرد على أصحاب هذه الفكرة بأن عدن ما تزال دون مستوى القدرة على تشكيل دولة ذات سيادة . و يضيف إلى ذلك بأن هذه الدولة لن تصمد طويلاً أمام هجمات القوى الوطنية ، و أن اتحاد الجنوب العربي بدون عدن ، لا بد أن يتفكك سريعاً . فلإنقاذ عدن و الاتحاد معاً من الوطنية المتطرفة لا بد من دمجهما . و هنا تظهر المطابقة بين دعوى الحزب و بين المخطط البريطاني .

إن الحزب الوطني الاتحادي منظمة ممالئة للإدارة الاستعمارية ، و هو إلى جانب الدعم المالي الضخم الذي يأتيه من قبل السلطات يحظى بدعم رجال الأعمال الطامحين إلى الحصول على عقود تجارية مع الحكومة الاتحادية و مع الزعماء المحليين . و كذلك بتأييد قسم من جهاز الموظفين الرسميين و قسم من العدنيين العرب .

و بصورة عامة ، يمكن تصنيف الحزب الوطني الاتحادي مع حزب المؤتمر الشعبي ، كممثلين للقطاع المؤيد للملكة المتحدة رغم اختلاف موقفهما نسبياً . فالحقيقة أن تخلي السلطة عن حزب المؤتمر ليس إلا ظاهرياً . فالعالم كله يعرف بأن السلطة تدعمه بصورة خفية ، و بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقدم له مساعدة كبيرة . فالانجلو ساكسون يريدون أن يجعلوا من هذا الحزب أداة للضغط على الوطنيين لإرغامهم على التسليم بموضوع القواعد .

ربما أن الأحزاب التقدمية لا مقاعد لها في المجلس ، فإن حزبي المؤتمر و الوطني الاتحادي ، كانا يمنيان النفس بأن يلعبا دور حزب السلطة و حزب المعارضة . و كان البريطانيون يغتبطون و يعتزون برؤية صورة مصغرة لمجلس العموم تتجسد في المجلس التشريعي ، و يعتبرون ذلك دليلاً على نجاح سياستهم في إنهاء الاستعمار . و الغريب في الأمر ، أن قسماً كبيراً من الرأي العام الإنجليزي كان يعتقد على ما يبدو بهذه الأسطورة ـ المهزلة ـ و أقل ما يمكن أن يقال بهذا الشأن هو أن هذا الجانب من الرأي العام كان ضحية دعاية فارغة موغلة في الادعاء . و يكفي للدلالة على ذلك التذكير بأن المجلس التشريعي قد تم انتخابه من قبل 26 في المئة فقط من مجموع الناخبين . و أنه ليس من المنطق في شيئ أن يُعترف له بأي صفة تمثيلية ، طالما أن 74 في المئة من الناخبين قد امتنعوا عن التصويت من اجل شجب هذه الصفة التمثيلية . و هنا تكمن قوة الأحزاب الوطنية ( رابطة الجنوب العربي و حزب الشعب الاشتراكي ) التي حاول الإنجليز أن يكتموا أصواتها بواسطة التدابير القمعية البوليسية القاسية . و لكن على الرغم من ذلك ، نجحت الأحزاب الوطنية في أن تشل القوى الممالئة للإنجليز . و هذا هو السر الذي جعل بريطانيا تعتمد على الأمراء المحليين الرجعيين الذين جعلتهم يشكلون جبهة في محاولتها تحطيم المقاومة الوطنية أكثر من اعتمادها على منظمات قيد التلاشي السريع كحزب المؤتمر و الحزب الوطني الاتحادي .


رابطة الجنوب العربي :

لقد عارضت رابطة الجنوب العربي المشروع الاتحادي البريطاني و الكيان العدني منذ البدء ، و حرضت عام 1957 ـ 1958 سلطان لحج و نقيب يافع السفلى ، على رفض المخطط الذي رسمته وزارة المستعمرات لتجميع الإمارات . و كان من نتائج ذلك إبعاد قيادة الرابطة و إزاحة الأمراء المتصلبين في موقفهم عن مناصبهم . و قد حاولت الرابطة في نوفمبر 1958 أن تنشئ حكومة في المنفى بمساعدة البلاد الشقيقة . إلا أن المحاولة باءت بالفشل نظراً لمعارضة اليمن (2) .

لقد أخذت رابطة الجنوب العربي على اتحاد الجنوب العربي طابعه المعادي للقومية العربية و كونه لم يأت نتيجة استشارات . فهو في نظر الرابطة مناورة هدفها الإبقاء على السيطرة البريطانية و على حالة التجزئة المصطنعة في البلاد و هي تعتبر مؤسسي الدولة الاتحادية مجرد موظفين مأجورين للسلطات البريطانية و بالتالي فإنها لا تعترف لهم بأي أهلية حقوقية تخولهم صلاحية عقد معاهدات تحدد مصير البلاد .

و الخلاصة ، فإن اتفاقيات 1959 و 1962 ليست لها صفة شرعية في نظر الرابطة ، لأن المفاوضين لم يكونوا ممثلين ، و لأن تكافؤ القوى كان مفقوداً .

أما برنامج الرابطة فينص على اعتبار عدن و محميتها تشكلان كياناً واحداً غير قابل للقسمة . كما ينص مقابل الدولة الاتحادية التي لا تقوم على أسس صحيحة ، على إنشاء دولة مركزية موحدة . و قد أوضحت وجهة نظرها في مذكرة قدمها إلى هيئة الأمم المتحدة في نهاية عام 1962 ، حيث تقترح :

1 ـ بوضع اليمن الجنوبي لمدة سنتين تحت وصاية لجنة دولية مؤلفة من ممثلين عن البلاد غير المنحازة .

2 ـ بتحويل الإدارة إلى الوطنيين تحت إشراف لجنة دولية .

3 ـ بالاعتراف بحق شعب اليمن الجنوبي في تقرير مصيره و بضمان تطبيقة على كل أنحاء البلاد .

4 ـ و أخيرا بإنشاء مجلس تأسيسي منتخب بالاقتراع العام المباشر تكون مهمته الأساسية وضع دستور للبلاد و إعلان استقلالها .

إلا أن هذا الحل لم يكن يملك أسباب النجاح . فالهيئة الدولية نظراً للصعوبات التي تواجهها في مناطق أخرى حساسة أيضاً ، لم تكن تميل إلى تحمل مثل هذا العبء الجديد . و من جهة أخرى ، فإن الحكومة البريطانية و الحكومة اليمنية و حزب الشعب الاشتراكي ، و هي الهيئات التي لا يمكن حل المشكلة بدون اتفاقها ، لم تكن موافقة على التدخل الدولي .


و كانت رابطة الجنوب العربي ترفض كل مطلب و كل مسعى لإلحاق اليمن الجنوبي باليمن . إلا أنها لم تكن ترفض فكرة التقارب مع اليمن عندما يحصل اليمن الجنوبي على سيادته كاملة . و كانت تتطلع إلى اتحاد حر بين الدولتين يتم نتيجة مفاوضات متبادلة . أما المهمة العاجلة فهي في رأيها التحرر من السيطرة البريطانية ، و عندما يتم الحصول على الاستقلال ، يمكن توثيق الارتباط ما بين الشمال و الجنوب على ثلاث مراحل :

1 ـ تدعيم الدولة الوطنية في اليمن الجنوبي .

2 ـ توحيد الساحل العربي ضمن إطار واسع .

3 ـ تشجيع دمج و توحيد الشمال و الجنوب ضمن مجموع أكبر على غرار الجمهورية العربية المتحدة .

و في حالة استمرار اليمن في معارضة انبثاق دولة متحررة في الجنوب ، فإن رابطة الجنوب العربي تطالب باستفتاء الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة .

ثمة ملاحظتان تجدر الإشارة اليهما بصدد موقف رابطة الجنوب العربي ، سواء بالنسبة إلى الاستعمار أو بالنسبة للحركة الوطنية في اليمن . الملاحظة الأولى ، تتلخص في أن برنامج الرابطة يتفق في عدة نقاط مع مخطط وزارة المستعمرات . فقد تبين لنا أن المملكة المتحدة قد سبق أن باشرت عملية تجميع دول الأمراء و عدن من اجل إنشاء دولة اتحادية تمنحها الاستقلال . فالفرق بين وجهة نظر الرابطة و وجهة النظر البريطانية يتلخص في أن بريطانيا ترفض :

1 ـ فكرة انتخابات مسبقة ،

2 ـ الاعتراف بحق تقرير المصير ،

3 ـ المعاهدات و الاتفاقيات التي تؤدي إلى إزالة القواعد و جلاء القوات البريطانية .

ما عدا ذلك فإن وجهتي نظر الرابطة و السلطة الاستعمارية تتفقان في الهدف النهائي الذي هو حصول البلاد على سيادتها الدولية .

أما الملاحظة الثانية ، فتتعلق بموقف الرابطة من اليمن ، ذاك الموقف الذي يعتمد على التمنيات . فهي لا تتصور وحدة الجنوب و الشمال إلا بعد الاستقلال . و تعتبر كل محاولة قبل ذلك أمرا لا يجوز التفكير به . فهناك مرحلة انتقالية طويلة الأمد لا بد منها في رأيها ، تتم خلالها عملية القضاء على عقبات الوحدة قبل الوصول إليها .

إن هذا الموقف قد جعل رابطة الجنوب العربي تتعرض لتهجمات عنيفة من قبل الحكومة اليمنية و خاصة من قبل حزب الشعب الاشتراكي . و اتهمت بأنها تلعب لعبة الاستعمار و التجزئة .

إن رابطة الجنوب العربي هي أقدم منظمة في عدن و محميتها . و قد شهدت في البدء ازدهارا كبيراً . إلا أنها تعرضت منذ عام 1956 إلى هزات و أزمات متلاحقة أدت إلى عدة انقسامات ذات طابع يساري في قيادتها . و قد نالت الانسحابات التي شملت قسماً من جهاز الرابطة القيادي ، من قوة الرابطة . و قد انضاف إلى هذا الخلل الذي لحق بتكوين الرابطة ، تهديم السلطات لما تبقى من جهازها ، و مصادرة صحيفتها الناطقة باسمها بعد إبعاد قادتها الرئيسيين .

و على الرغم من هذه النكسة ، فإن الرابطة ما تزال تتمتع بشعبية لدى الأوساط الوطنية التقليدية ، و لدى بعض القبائل ، و كذلك لدى سكان الريف في المحمية ، و خاصة لدى البرجوازية الوطنية الناشئة . فقد اقتربت هذه الطبقة من الرابطة لأنها وجدت الأفكار الاشتراكية لدى حزب الشعب الاشتراكي فعالية في الثورية ، و تثير القلق .


حزب الشعب الاشتراكي :

إن حزب الشعب الاشتراكي هو دون شك أهم المنظمات ، لا في عدن فحسب ، بل في الجزيرة العربية بوجه عام . فهو الوريث الشرعي للجبهة الوطنية الموحدة . و قد تأسس عام 1962 من اجل مقاومة المشاريع البريطانية . أما مؤسس هذا الحزب فهو اتحاد نقابات عمال عدن ، الذي حاول أن يتجنب أخطاء الحركات الأخرى بشكل جعله مركزاً حزبياً لجميع الذين انشقوا عن المنظمات المتنافسة .

إن حزب الشعب الاشتراكي يدين الوجود البريطاني في اليمن الجنوبي ، و يدين الاتحاد الذي يجد فيه محاولة موجهة لفصل الجنوب نهائياً عن الشمال . و يطالب بإرجاعه إلى الوطن الأم . و كل حركة تحاول بشكل أو بآخر أن تقف عقبة في وجه هذه العودة ، تعتبر حركة انفصالية . و هذا ما حصل بالنسبة لحزب المؤتمر الشعبي و للحزب الوطني الاتحادي ، و إلى حد ما لرابطة الجنوب العربي . إلا أن هذه الأحزاب ترد التهمة و خاصة الرابطة التي تحمّل حزب الشعب الاشتراكي مسؤولية شطر الحركة الوطنية .

أما برنامج الحزب فيدعو إلى أفكار وحدوية متقدمة كثيراً ، إلا انه مطبوعة بطابع يمني واضح و صريح يتهمه خصومه بأنه طابع توسعي . و يتضمن برنامج الحزب النقاط الأساسية الثلاث التالية :

1 ـ زوال الاستعمار بشكل كلّي و فوري ، و كذلك القواعد المرتكزة على المعاهدات غير المتكافئة .

2 ـ رفض تكوين كيان خاص باليمن الجنوبي .

3 ـ التعجيل في إعادة ربط الجنوب المحتل بالشمال المتحرر .

إن هذا البرنامج يقلل من أهمية الصفة الوطنية لليمن الجنوبي ، و يصطدم تحقيقه من جهة أخرى بعدة عقبات أهمها :


1 ـ عداء الأمراء ، و الأحزاب العدنية المدعومة من السلطة الاستعمارية .

2 ـ معارضة رابطة الجنوب العربي .

3 ـ تأرجح الموقف الشعبي .


و الحقيقة انه ، لا الأمراء ، و لا حلفائهم الإنجليز ، عازمون على تقديم عدن و محميتها إلى اليمن على طبق . أما العدنيون ، فعواطفهم الانفصالية معروفة منذ زمن طويل . كذلك فإن رابطة الجنوب العربي ترتاب في موقف حزب الشعب الاشتراكي و تخشى أن يجعل من القومية اليمنية شعاراً للمزايدة يفرضه على شعب اليمن الجنوبي رغم أنفه ، و أن يتجاهل التطلعات الحقيقية لهذا الشعب .

كما أنها تعتبر تصلب حزب الشعب الاشتراكي عاملاً في تقوية النزعات الانفصالية على حساب الوحدة الوطنية .

و هذه الحجج صحيحة إلى حد بعيد . ذلك لأن الإقليمية هي دوماً مغروسة في أذهان الناس و لأن الناس ما يزالون غير مالكين لصورة المستقبل بشكل محدد ، لسبب بسيط و هو أنهم لم يُسألوا عن رأيهم بعد حول مستقبل البلاد . لذلك كان مجال عمل الحركة المؤيدة للدمج العضوي مع اليمن التي يبعثها حزب الشعب الاشتراكي ، مقتصراً على عدن . فلا يكفي أن يقال بأن شعب اليمن الجنوبي في أكثريته الساحقة يرغب الدمج . بل يجب أن تعطى له الفرصة ليعبر بوضوح عن رأيه و عندئذ يُعرف رأيه . و ليس غير اللجوء إلى الاستفتاء يمكن أن يقرر شيئاً حاسماً بالنسبة إلى المستقبل .

إلى جانب الحركة المؤيدة لليمن ، توجد في حضرموت حركة موالية لوحدة المنطقة الشرقية و استقلالها ، و مناهضة لمبدأ الالتحاق باليمن .

و الحقيقة انه منذ اكتشاف البترول في المنطقة الشرقية ، أصبحت فكرة المناداة بحضرموت دولة مستقلة ، ذات إغراء كبير بالنسبة إلى السلاطين ، يؤيدهم في ذلك معظم سكان المنطقة ، كما يلقون تشجيعاً على هذه الفكرة من الإنجليز بشكل خفي . و يكفي أن تأتيهم الفرصة السانحة حتى يعلنوا استقلالهم .

و هكذا فإن خصوم حزب الشعب الاشتراكي و معارضيه يملكون أسلحة متعددة لمحاربة مشروعاته ، و يطمحون إلى قلب الوضع لمصلحة اليمن الجنوبي . و عندئذ ينتصر المخطط البريطاني الذي يسعى قبل أن تنسحب انجلترا من المنطقة ، إلى تكريس الانفصال النهائي بين الشمال و الجنوب .

و يبدو أن حزب الشعب الاشتراكي قد أدرك ذلك ، لذلك تحول عن موقفه الأول ، و أعلن استعداده للموافقة على استقلال عدن و المحمية . و يطالب بحق تقرير المصير . و يبدو من خلال ما كتبته صحيفة أسبوعية في الكويت ( 2 ) ، إن الحزب قد عقد اتفاقاً مبدئياً مع حزب العمال البريطاني بموجبه يلتزم هذا الأخير بحق شعب اليمن الجنوبي بتقرير مصيره بنفسه عندما يصبح في السلطة . و بالمقابل يقبل حزب الشعب الاشتراكي بمبدأ تأجير قاعدة عدن للبريطانيين لمدة محددة .

و يعتبر ذلك تراجعاً هاماً بالنسبة لمواقف الحزب السابقة . إلا أن حزب الشعب الاشتراكي لا يتوقف رغم ذلك عن متابعة حملته من أجل الرجوع إلى الوطن الأم . و هو يعتمد من أجل كسب الرأي العام في الداخل بوجهة نظره ، على جهاز دعايته الذي نجح في كسب الرأي العام في عدن . و هو يظهر واقعية سياسية كانت أول نتائجها الطبيعية ، التقارب بينه و بين رابطة الجنوب العربي . فقد قرر الطرفان (3) إنشاء جبهة موحدة ضد السلطتين الاستعمارية و الاتحادية . و عندما تقوى هذه الجبهة لا بد أن يكون لها تأثير ايجابي على ازدهار الحركة الوطنية .

إن حزب الشعب الاشتراكي يملك في عدن قاعدة شعبية ضخمة . و تتألف جماهير الحزب من طبقة العمال و من فئات المستخدمين و صغار الموظفين و التجار و الشبيبة المثقفة . إلا أن دعامته الأساسية دوماً في اتحاد نقابات عدن . كما أن لحزب الشعب الاشتراكي تأثيراً كبيراً في أوساط المهاجرين اليمنيين الذين يعيشون في عدن . و هو يشكل مع رابطة الجنوب العربي المعارضة الوطنية التي عبرت عن نفسها من خلال الانفجارات الشعبية و من خلال الثورة المسلحة . و في عدن نفسها عمت الاضطرابات و المظاهرات الجماهيرية و العصيان المدني ، و أعلن اتحاد العمال عن عزمه على مقاومة السياسة البريطانية لحكومة المحافظين بكل الوسائل الممكنة ، بما فيها الاغتيالات التي تعددت و اشتدت . و قد تسربت الاضطرابات إلى الداخل بسرعة حيث نجحت جبهة التحرير القومية (4) في إثارة القبائل ضد الإنجليز و الأمراء في ( ردفان ) ( إمارة الضالع ) و في يافع . و قد تصدت السلطات بعنف لموجة الهجوم هذه ، و بذلت جهداً كبيراً من أجل القضاء على المعارضة و تحطيم أداتها . و اشتركت القوات الاتحادية و الإنجليزية في إخماد ثورة القبائل . و أصبح استخدام الطائرات المطاردة و قاذفات القنابل شيئاً مألوفاً . و قد جرى قذف و تدمير عدد كبير من القرى . و كان الطيران الملكي يطارد الثوار اللاجئين إلى الجبال أو في المناطق المتاخمة لليمن . و بحجة تدخل اليمن في الشؤون الداخلية للاتحاد ، قامت وحدات الطيران بغارات على الجبهة اليمنية في حريب ، و توجهت تعزيزات من انجلترا و ألمانيا إلى إمارة الضالع لدعم الجيش الاتحادي . و رغم ذلك فإنها لم تتمكن من القضاء على الثورة .

و على وجه الاجمال ، فإن العمل المركز الذي قام به الوطنيون الذين حققوا فيما بينهم مصالحة جزئية في المستعمرة ، و الثورة في الداخل ، قد هزت بعنف ركائز الدولة الاتحادية و أزعجت الإنجليز كثيراً . و أصبح موضوع تعميم العمل المسلح على جميع أنحاء البلاد هو مركز الاهتمام . إلا أن جدوى هذه الخطوة الشاملة بدت رهناً باتفاق المنظمتين الرئيسيتين سلفاً من أجل تنظيم و دعم مشترك لهذه الحملة . لأنه على الرغم من أن حزب الشعب الاشتراكي و رابطة الجنوب العربي هما هيئتان معاديتان للاستعمار و وطنيتان ، إلا أنهما تصدران على صعيد المبادئ عن وجهتي نظر متقابلتين و متباعدتين . علماً بأنهما على صعيد الموقف العملي يجمعهما هدف توحيد الشمال و الجنوب . و بكلمة واحدة فإن خلافاتهما سطحية و تتناول الوسائل لا الغايات .

و على الرغم من اختلاف مواقف الأحزاب ، فهي بوجه عام تتفق على إدانة الاستعمار و في هدف تحرير البلاد . فالاحزاب الليبرالية ( حزب المؤتمر الشعبي و الحزب الوطني الموحد ) كانت تفهم الاستقلال من خلال مفهوم التعاون المتبادل مع الإنجليز ، و لا ترى ضرورة لأن يكون الاستقلال مصحوباً بقطيعة مع بريطانيا . فهو يمكن أن يكون المحطة الأخيرة في مراحل انحسار الاستعمار . و قد كان الأمراء يؤيدون وجهة النظر هذه . أما الاحزاب الوطنية فقد كانت تتطلع حسب تعبيرها إلى تخليص المنطقة من النفوذ الانجليزي مرة واحدة بواسطة العنف .

إن مفهوم التحرير بالنسبة ( للجنوبيين ) يعني تحرراً كاملاً يؤكد شخصية الجنوب دون أن يؤدي ذلك إلى استبعاد إقامة علاقة وثيقة مع اليمن بعد الحصول على الاستقلال . و هم يعتبرون مفهومهم هذا نموذجاً صالحاً للتطبيق في نطاق الوحدة العربية . فالوحدة تتوقف على حصول كل بلد عربي على استقلاله السياسي و الاقتصادي .

أما ( الشماليون ) فيعتبرون التحرير مرحلة ضرورية و كافية لتحقيق الوحدة غير المشروطة مع اليمن . و يعتبر حزب الشعب الاشتراكي لسانهم الناطق باسمهم .

و هكذا فإن نشاط الاحزاب السياسية لا ينصرف إلى الكفاح ضد الاستعمار فحسب ، بل إن قسماً هاماً من هذا الكفاح يتركز على الهدف المباشر بعد الاستقلال . لذلك فإن نهاية مرحلة النضال ضد الاستعمار ترافق بداية مرحلة الصراع الأيدلوجي بين الاحزاب السياسية .


الخصائص الرئيسية للأحزاب


يتميز الوضع الحزبي في اليمن الجنوبي بالملامح الأساسية الثلاثة الآتية :

1 ـ التمركز في المدينة .

2 ـ عدم وجود حزب يجسّد الصفة الوطنية .

3 ـ غياب الأيدلوجية .

هناك خصائص أخرى دون شك إلا أنها ذات قيمة ثانوية ، و أبرزها كون قيادات الاحزاب تمثل قيادة النخبة المحدودة العدد ، فالقيادات هي بالفعل أشبه بعصبة من القادة . حتى حزب الشعب الاشتراكي الذي هو منظمة جماهيرية ، لم تأخذ القيادة فيه طابعاً آخر مختلفاً عن هذا الطابع العصبوي ( الأولغاركي ) .


التمركز في المدينة :

ما يزال الانتظام داخل الاحزاب محدوداً في المكان . فالاحزاب الوطنية ليس لها وجود خارج مراكز المدن في عدن و في الداخل . و التجمعات السياسية الموالية للإنجليز يقتصر وجودها على المستعمرة . و جميع الاحزاب تتخذ من عدن مركزاً لقيادتها . و فيها يتجمع القسم الأكبر من مؤيديها . و قلما يساهم سكان الريف و رجال البدو في النشاط الحزبي . لذلك لا يوجد حزب يجسد الصفة الوطنية . و سبب ذلك يرجع إلى زمرتين من الصعوبات :

1 ـ الأولى تتعلق بالتكوين الاجتماعي : ففي المحمية ، تبدو ظاهرة الحزبية غريبة عن الوسط التقليدي . لأنها تصطدم بنوع من العطالة في التركيب الاجتماعي الذي تشكل القبيلة الخلية الحية فيه . ففي الحالة الراهنة للاقتصاد يبدو المجتمع القبلي من جميع الوجوه حالة من التوازن الطبقي توصل إليها مجتمع لا يعرف تقدماً أو تقهقراًً اقتصادياً إلا في حالات استثنائية . إذن لا بد من تغيير العامل الاقتصادي لحالة التوازن الساكن حتى يتوفر المجال لتطور العامل الاجتماعي أو لحدوث طفرة فيه (5) .

ضمن هذه الشروط لم تجد ظاهرة الحزبية سوى المدينة مستقراً لها . و قد دفع الشعور بأهمية هذه المشكلة قادة رابطة الجنوب العربي و قادة الجبهة الوطنية الموحدة ثم حزب الشعب الاشتراكي ، إلى التصدي لها ، و إلى محاولة التسرب إلى داخل القبائل . بيد أن حالة الانقسام و التجزئة التي تعم البلاد جعلت مصير كل تدخل مباشر خارجي الفشل نظراً للروح السلبية التي تقابل بها القبائل كل محاولة صادرة عن مراكز المدن . و ذلك يفسر السبب الذي دفع الأحزاب لأن تتخذ خلال فترة من الزمن من المدن التي تعبر فيها القبائل ( المكلا و سيئون ) أو من المراكز التجارية المشتركة لمجموعة من القبائل ( تريم ) أو من المناطق القريبة من عدن ( لحج و جعار و زنجبار ) ، مراكز لدعايتها .

إن طابع الانتشار في المدن لم يكن نتيجة لطبيعة التركيب الاجتماعي فحسب ، بل كان أيضا نتيجة لوجود عوائق تتعلق بمجمل الأوضاع و الظروف .


2 ـ الزمرة الثانية من الصعوبات : إذا كان وجود الاحزاب أمراً تحتمله السلطات في المستعمرة ، إلا أنها تحظره في المحمية . و قد تم إغلاق مراكز الدعاية منذ عدة سنوات من قبل السلطات المحلية التي اعتبرتها أداة للاضطرابات .

و هكذا فإننا لا نعثر داخل البلاد على أي أثر لحياة حزبية . و الحياة السياسية تجري على منوال واحد . فهي عبارة عن حوار بين الأمراء و بين المقيمين البريطانيين . و لم يكن في وسع أحد الطرفين أن يتصور أن طرفاً ثالثاً يمكن أن يتدخل في هذه العلاقة الثقافية المحاطة بمنتهى السرية في معظم الأحيان .

لذلك فإن منع الحياة الحزبية يدفع بالاحزاب إلى التزام السرية في نشاطها . و على سبيل المثال نجد ( الحزب الوطني القعيطي ) يتأسس عام 1948 في المكلا ( حضرموت ) ، و بعد قيام الاضطرابات عام 1949 ـ 1950 ، يجري حله ، و يحال قادته الرئيسيون أمام محكمة خاصة . و منذ ذلك الحين لم تقم محاولة جدية لتأسيس حزب بصورة رسمية ، إلا أننا نلاحظ خلال الفترة التي شهدت منع الاحزاب 1950 ـ 1954 ، نشوء نواد و جمعيات على غرار عدن عرفت ازدهاراً كبيراً ، و لعبت عملياً دور التوعية السياسية . و قد تركز نشاطها الذي ترددت أصداؤه في الصحف المحلية على تحرير الإمارات من النظم ذات الطابع الفردي .

و على وجه العموم ، نلاحظ أنه فيما عدا الاهتمام الذي يبديه سكان حضرموت ( الرابطة الحضرمية ) و لحج بالشؤون العامة ، فإن ما تبقى من الشعب في المحمية يظهر إعراضاً عن الاهتمام بالأمور السياسية .

و لا شك أن الانغلاق و الجهل هما السبب في هذا التخلف . إلا أن الاحزاب نفسها تتحمل بعض المسؤلية ايضاً من حيث أن جهودها تفتقر إلى عنصر الترابط . فطالما ان المنظمات ذات الصفة التمثيلية الحقيقية ، و التي تملك سمعة لدى الشعب ، لا توحّد نشاطها و تجمع جهودها ضمن تيار مشترك من شأنه أن يقوم بعملية التوعية الجماهيرية و التربية السياسية ، فإنها ستبقى بعيدة عن القدرة على التغلب على النزعة القبلية بسهولة . و البلاد ما تزال تحتاج إلى تشكيل سياسي يملك تنظيماً يمكنه :

1 ـ من الوصول إلى ابسط قرية ،

2 ـ المساهمة في إيقاظ وعي قوي حقيقي ،

3 ـ من إقامة نظام مركزي قوي يستطيع أن يضع حلولاً سريعة و حاسمة لمختلف مشاكل البلاد .



عدم وجود حزب يجسد الصفة الوطنية :

يوجد في عدن حوالي عشرة احزاب ، في داخل كل منها يمكن أن نلاحظ اتجاهات مختلفة . إن تعدد التيارات الذي كان شائعاً في الماضي ، قد افسح المجال أمام الانقسامات و التجزئة ، التي ولدت بدورها تيارات مركزية و متطرفة .

إلا ان هذا التعدد في الاحزاب لم ينتج عنه أي تجمع سياسي قادر على تمثيل دور المفاوض مع المملكة المتحدة .

أن السيمياء العامة لتنظيم الاحزاب الرئيسية ، تتجلى جملة على النحو التالي :

ـ التيار المعتدل ،

في الماضي كان ممثلاً في ( الرابطة العدنية ) و في الحاضر يمثله :
حزب المؤتمر الشعبي ، الحزب الحر الديمقراطي ، حزب الاستقلال ، الحزب الوطني الاتحادي .

ـ التيار الوطني ،

في الماضي كان ممثلاُ في ( الجبهة الوطنية الموحدة ) و في الحاضر يمثله :
رابطة الجنوب العربي ، حزب الشعب الاشتراكي ، الاتحاد الديمقراطي الشعبي .


أما عن الصيغة العامة للتطور التاريخي للحياة الحزبية ، فيمكن أن نشير إلى ان تطور القوى السياسية في عدن قد تميز خلال السنوات العشر السابقة بسيطرة عاملين :

العامل الأول يتعلق بتصدع الأحزاب القديمة التي كانت تفتقر إلى التمايز ، و حلول أحزاب متميزة و مستقلة محلها . و قد مس هذا التصدع الأحزاب المعتدلة . فانقسمت الرابطة العدنية إلى عدة تيارات محافظة كما يظهر مما سبق . و يرجع هذا التفكك إلى التغير الذي طرأ على اتجاه السياسة الإنجليزية منذ عام 1961 .

أما العامل الثاني فيتعلق بالاستقرار النسبي في وضع الأحزاب التقدمية . صحيح أنها شهدت بدورها انقسامات ، إلا أنها بقيت ضمن حدود غير منظورة ، لذلك نجد التجمعات الأولية السابقة نفسها سواء بتسمياتها الأصلية ( رابطة الجنوب العربي ) أو بأسمائها الجديدة ( حزب الشعب الاشتراكي ) .

فالتحول في زمرة الأحزاب التقدمية كان على صعيد الأفكار . فقد قامت في وجه التقدمية الليبرالية ، تقدمية إصلاحية ن بل اشتراكية ثورية ( الاتحاد الديمقراطي الشعبي ) . أما عن درجة التمثيل للشعب التي تتوفر في أحزاب الجنوب العربي ، فهي حسب تقدير مجلة الرائد العربية في نهاية 1962 ، كما يلي (6) :

90 % من العرب في المستعمرة يؤيدون الاحزاب التقدمية ،

7 % من السكان يؤيدون الحزب الوطني الاتحادي ،

3 % فقط يناصرون حزب المؤتمر الشعبي .

إلا أن الوضع قد تبدل بعد ذلك التاريخ ، فقد نجح حزب الشعب الاشتراكي في تدمير مواقع الحزب الوطني الاتحادي و حزب المؤتمر الشعبي . و هو يتمتع بتأييد مجموع السكان العرب في المستعمرة تقريباً . و هم يشكلون ثلاثة أرباع مجموع السكان . و قد كشفت الأحداث عن صحة ذلك ، كما كشفت عن العزلة الصارخة التي يعيش فيها المعتدلون .

فقد تفجرت أزمة داخلية خطيرة بين صفوف الأحزاب المعتدلة عقب ثورة اليمن ( 26 سبتمبر 1962 ) . فقد قدم عدد من الوزراء ، و هم أعضاء في الحزب الوطني الاتحادي الحاكم ، استقالته احتجاجاً على رفض الحكومة البريطانية تأجيل تنفيذ مشروع دمج المستعمرة في اتحاد الجنوب العربي . و قد كان هذا الانسحاب ضربة قاصمة للحزب الوطني الاتحادي .

و رغم كل ما قيل ، فإن درجة تمثيل الأحزاب على مستوى مجموع البلاد ، ما تزال ضعيفة مهما حملت من شعارات . و السبب يعود إلى أن الهوة السياسية ما تزال متمركزة في عدن ، كما يرجع أيضاً إلى التعدد غير المعقول في عدد الأحزاب .

و على كل حال ، فإنه ليس من المغالاة في شيء القول بأنه ليس من المتوقع ضمن خط السير الذي تسير فيه حالياً حركة التحرير ، أن يظهر حزب يمثل في أعين الشعب ضمانة للمصير الوطني . فالحقيقة هي أن الظروف التي سوف تحيط بالاستقلال قد لا تسمح لأيه منظمة سياسية مهما كانت تفوق المنظمات الأخرى في شعبيتها ، بأن تكتسب حق التفاوض مع المستعمر ، و بأن تنتزع أمام أعين الجماهير نعمة الاستقلال و السيادة . فالقوى السياسية هي على حال من الضعف و التشتت بشكل لا تستطيع واحدة منها أن تتوصل إلى إزاحة الآخرين المنافسين و أن تفرض نفسها . و الانجليز أنفسهم لم يعملوا على تشجيع حزب للاستقلال يقوده الأمراء ، كما فعلت في ماليزيا حيث لعب حزب الاتحاد هذا الدور .

في مثل هذه الشروط التي لا أمل فيها بظهور حزب موحد ، يشكل تعدد الاحزاب نقطة ضعف خطيرة في جدار الوحدة السياسية للبلاد . كما يشكل عاملاً في الافتقار إلى برامج هادفة تتطلع إلى مرحلة ما بعد الاستقلال ، و في جهل الشروط الموضوعية الداخلية . فالاحزاب لم تلجأ بعد إلى تحليل معمق أو حتى إلى تحليل جزئي لتلك الشروط . و مرد ذلك إلى عدم وجود الأيدلوجية المحددة . فجميع احزاب الجنوب العربي هي في الواقع بدون أيدلوجية تقريباً . و من هنا كان الخطر في أن تصبح الديماغوجية هي القاعدة العامة .


غياب الأيدلوجية السياسية المحددة :

هناك خطان أيدلوجيان كبيران يتقاسمان العالم اليوم ، كل منهما يناقض الآخر في جميع المجالات . إن هذا التعارض بين النظرية الماركسية و بين الفلسفة الليبرالية يضم بصورة خاصة بلاد العالم الثالث التي تفتش عن الطريق الذي يسمح لها بالتغلب على التخلف بصورة عامة . و معظم هذه البلاد يستبعد النظرية الرأسمالية لسببين رئيسيين :

1 ـ لأنها تبدو ملازمة للنزعة الاستعمارية و للإمبريالية ،

2 ـ لأنها لا تعرف إمكانيات تحقيق تطور منسجم و سريع .

إن هذا الرفض للديمقراطية الليبرالية من شأنه أن يوجه الأنظار باتجاه المفهوم الماركسي للتطور الاجتماعي الجدلي ، لأنه يستجيب استجابة أفضل لمتطلبات النضال ضد التخلف . إن مثال بلدان أوروبا الوسطى و آسيا ، قد برهن برهاناً قاطعاً على نجوع الطريق الاشتراكي العلمي الأصيل . فقد أتاح لهم هذا الطريق المجال لتلافي التخلف الاقتصادي و الاجتماعي خلال فترة قصيرة .

إلا أن عدداً كبيراً من بلدان آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية ، قد استبعدت طريق الماركسية كما استبعدت طريق الديمقراطية الليبرالية . و خاصة بعض العالم العربي الذي يبدو بأنه اختار طريقاً وسطاً بين الأيدلوجيتين ، هو طريق الاشتراكية العربية الذي ينكر وجود طبقات اجتماعية متصارعة ، و يطمح في تنظيم الجماهير داخل حزب واحد ليس له محتوى بروليتاري . أما بالنسبة لليمن الجنوبي ، فقد كان العامل الحاسم هو التطور الفكري الذي حصل في مصر خلال الفترة بين عام 1958 ـ 1961 . فقد كان لاختيار الجمهورية العربية طريق الاشتراكية العربية وقع كبير لدى القادة الوطنيين في اليمن الجنوبي . و قد انضاف إلى هذا التأثير ، تأثيران آخران يتمثل أحدهما في حزب البعث العربي الاشتراكي و الآخر في حزب العمال البريطاني .

و يمكن حصر العوامل التي دفعت إلى رفض الماركسية باسم نزعة مثالية طوباوية و اشتراكية ذات طابع إصلاحي يكتنفه الغموض ، في عاملين رئيسيين : الوسط الاجتماعي و الدين . أما العامل الاقتصادي فيشكل عضواً ثانوياً و لا يتدخل مع الأسف إلا بصفته عاملاً ثانوياً .

الوسط الاجتماعي :

إن غالبية الموجهين و القادة يفكرون بأن مجتمع اليمن الجنوبي هو مجتمع لا توجد فيه طبقات مختلفة محددة . إنهم يسلمون بوجود عدة فئات اجتماعية كالقبائل و الفلاحين و التجار و العمال و المستخدمين .. الخ ، إلا أنهم سريعاً ما يقولون بأن هذه الفئات الاجتماعية المختلفة ليست بالضرورة في حالة صراع دائم ، لأنها كما يقولون ليست منتظمة على شكل طبقات مسيطرة و طبقات واقعة تحت السيطرة . و هم يستندون إلى القول بأن البلاد ما تزال غير مُصنعة . و بأن مستوى التقنيات لم يخلق بعض نظام الطبقات . و أخيرا يؤكدون على ان التمايز الاجتماعي هو في أدنى مستوياته ، و يتخذون من ذلك كله حجة نظرية لدحض المبدأ الماركسي الذي يعتبر الخصومات السياسية محصلة للتركيبات الاجتماعية و الاقتصادية .

و بكلمة واحدة ، فان الصراع الطبقي ظاهرة غير معترف بها و مجهولة . و يعارضه مفهوم جمع الشعب ضمن حركة اتحاد قومي . و هذا التحالف يشكل في نظر بعض القادة و المثقفين الوسيلة الوحيدة للتغلب على الفردية البرجوازية و لتعزيز الاندفاعات الجماعية . و هم على غرار الكثيرين من القادة الافريقيين و الآسيويين يعلنون تفضيلهم للطرق التي تمت بموجبها التنمية الاقتصادية و التحول الاجتماعي في البلدان ذات النظم الاشتراكية ، دون انتساب إلى نظرية ماركس . و بتعبير آخر يستبعدون إقامة دكتاتورية انتقالية للبروليتاريا مع تأكيدهم على اتجاههم في تشجيع تملك الدولة للوسائل الرئيسية للإنتاج و التبادل ، و في تعميم الطابع الجماعي بشكل طوعي على الحياة الزراعية .

ان هذا المفهوم الجديد للاشتراكية هو السائد حالياً في اليمن الجنوبي ، كما هو في كل مكان حيث يجتاز المجتمع مرحلة الانتقال بين اضمحلال النظام الاستعماري و بزوغ فجر الاستقلال . فالقادة التقدميون يعتبرون أنفسهم ممثلين لا للطبقة العاملة في طورها الجنيني أو للطبقات المتوسطة فحسب ، بل لجميع المواطنين مهما كان انتماؤهم الاجتماعي . فهم يؤالفون بين الاشتراكية و بين القومية . في حين أن القومية في اليمن الجنوبي مطبوعة بطابع العقائد الدينية .


الدين :

يلعب الدين في اليمن الجنوبي و في العالم العربي بوجه عام دوراً كبيراً . فالإسلام يملك في هذه البقعة طابعاً قومياً عميقاً . فهو يشكل جزءاً لا يتجزأ من حركة الكفاح ضد الاستعمار في اليمن الجنوبي ، و يمتزج بأهدافه في المقاومة و التحرير . و التعلق بالإسلام هو في الوقت نفسه تعلق بالقضية القومية (7) .

و هذا ما يفسر السبب الذي يدفع قسماً كبيراً من القادة العرب ، باستثناء الشيوعيين طبعاً ، إلى التأكيد على أهمية الدين في كل منحى ايدلوجي ، لأن الاسلام يمثل قوة مسيطرة . و هو الذي يشكل عاملاً قوياً في مقاومة الماركسية الملحدة .

إلا ان الاسلام يأخذ في اذهان رجال السياسة ، و بصورة خاصة المثقفين ، شكلاً متجدداً . فهم يرون ان الدين الإسلامي هو في جوهره بسيط واضح و عادل . و هو يأتلف مع جميع أنماط المجتمعات ، أكثرها تقدماً ( مصر ، تونس ) حتى أكثرها تخلفاً ( الجزيرة العربية ) . فهم بتعبير آخر ، يحاولون أن يسترجعوا للإسلام وجهه التقدمي ( مؤتمر جبهة التحرير الوطني الجزائرية ) . أي ان يستشفوا طابع الحياة المشتركة الجماعية الكامن فيه ، و ان يلائموا بين تعاليمه و بين متطلبات القرن العشرين .

ضمن هذه الشروط ، و تحت تأثير العاملين السابقين ، قامت نزعة إسلامية إصلاحية ، و نزعة اشتراكية اختبارية ، اعتبرها قادتها و قدموها على أنها تتلاءم مع أوضاع اليمن الجنوبي على أفضل شكل .


النزعة الإصلاحية و النزعة الاشتراكية :

إن الأحزاب الوطنية هي التي أبدت اهتماماً بالمسألة الايدلوجية ، لأن المحافظين لم يكونوا يشغلون أنفسهم بذلك ، فاختيارهم كان قد استقر منذ زمن طويل على الليبرالية الغربية : الاقتصاد الحر و النظام البرلماني . ففضلاً عن أن كل تصنيف للاتجاهات العقائدية يبدو تعسفياً واهياً ، فإن كل منظمة قومية تقدمية تحتفظ بطابع خاص متفرد و رغم ذلك يمكن أن تميز تيارين عقائديين :

ـ تيار إصلاحي ، تمثله رابطة الجنوب العربي .

ـ تيار يميل إلى الاشتراكية ، يمثله حزب الشعب الاشتراكي ، إلا أن هذا التصنيف يبقى نظرياً طالما أن كلا التيارين لم يوضعا بعد موضع التطبيق .


النزعة الاصلاحية الاسلامية :

إن هذا التيار يستمد منابعه إلى حد بعيد من التجربة المصرية في الفترة 1952 ـ 1961 ، أي المرحلة التي تقابل الفترة الانتقالية الاختبارية في تلك التجربة .

فقد احتاجت مصر ( الناصرية ) إلى عشر سنوات تقريباً قبل ان تقف الى صف الاشتراكية . و كانت خلال تلك الفترة تركز على بناء نظام سياسي قوي ، و اقتصاد مختلط . و كان العسكريون يكرسون جهودهم للتوفيق بين التعاليم الدينية و بين ايدلوجيتهم . و من هنا كانت إقامة الاسلام كدين للدولة .

و قد أُعجب قادة رابطة الجنوب العربي الذين عاشوا التجربة المصرية بهذا الموقف الفكري ، و أصبح موقفهم بالتبني ، فهم يطمحون الى بناء دولة إسلامية ديمقراطية قائمة على أساس العدالة الاجتماعية و على أساس الاسلام و العروبة (8) . و هم يقصدون بالعدالة الاجتماعية رفع مستوى معيشة الشعب و تحسين الشروط الاجتماعية و الثقافية . لذلك فان حدود وجهة النظر هذه واضحة : فهي لا تتطلع الى إحداث تحول جذري في العلاقات الاجتماعية ، و لا الى تغيير التركيب الاقتصادي . و مهما ادّعى قادة هذا التيار إنهم اشتراكيون ، فإنهم يبقون في الواقع ضمن إطار مفهوم الاقتصاد المختلط . و هم يلوذون بالقومية العربية لأنهم يعرفون بأن الوحدة هي أعز هدف لدى الجماهير ، و أن مصير اليمن الجنوبي مرتبط بمصير الأمة العربية . و ينسون بأن الوحدة هدف بعيد يتطلب تحقيقه فكراً ناضجاً .

و الخلاصة ، فإننا نجد أنفسنا تجاه نزعة اصلاحية من النوع التقليدي ، تجد مشقة في الانحياز الى الاشتراكية في الجمهورية العربية المتحدة القائمة على امتلاك الدولة و إدارتها للاقتصاد الوطني . و رابطة الجنوب العربي ترغب في أن تجمع كل فئات الشعب في عملية بناء الدولة الاسلامية التي تشكل البرجوازية الوطنية عمودها الفقري .


الاشتراكية الاختبارية :

ان حزب الشعب الاشتراكي يشايع هذه النزعة . و هو يقدم نفسه كممثل للجناح اليساري في حركة التحرير الوطني . إلا انه لا يأخذ بالماركسية ، و يدفع عن نفسه تهمة مشاركة الشيوعيين وجهات نظرهم . هؤلاء الشيوعيون الذين يشكلون منذ عام 1961 ديسمبر ( الاتحاد الديمقراطي الشعبي ) الذي يدعو للاشتراكية العلمية التي ما يزال الوسط الاجتماعي و النخبة على حد سواء بعيدين عن التأثر بها .

إن اتحاد نقابات العمال ثم حزب الشعب الاشتراكي ، قد تأثر كل منهما بحزب العمال البريطاني و بالجمهورية العربية المتحدة و بحزب البعث العربي الاشتراكي في سورية . و هذا هو السبب في وجود تناقضات داخلية في كل منهما .

إن قيام حزب العمال البريطاني بتأهيل الإطارات النقابية ، و بإرسال المختصين بالتنظيم و بالعمل النقابي الى عدن ، و الدعم السياسي الذي كان يشد به أزر اتحاد النقابات في عدن ، قد ترك تأثيره المعتدل على قاعدة حزب الشعب الاشتراكي الجماهيرية . كما نجح حزب العمال فترة من الزمن في توجيه النقابات وجهة المطالبة بالقضايا العمالية و تحديد نشاطها ضمن هذا الاطار ، و ابقاءها داخل فلك الغرب ( الانضمام الى الاتحاد الدولي للنقابات الحرة ) . إلا ان اتحاد النقابات و الجبهة الوطنية المتحدة بادئ ذي بدء ن ثم حزب الشعب الاشتراكي بعدهما ، بدأت منذ عام 1958 تتحرر من هذه الوصاية دون أن تقطع صلاتها مع حزب العمال البريطاني أو تترك الاتحاد الدولي للنقابات الحرة . لأن الحركة الاشتراكية بدأت تقوى في العراق و سورية و الجمهورية العربية المتحدة . و في عام 1960 يصرح اتحاد النقابات في عدن ، بأنه سوف يعمل بعد الآن من أجل تحقيق مجتمع عربي اشتراكي (9) . و حددت اهدافها بتحرير البلاد من الاستعمار و إعادة وحدة الشمال و اليمن الجنوبي و النضال ضد السلطة الاستعمارية و الإقطاعية . و في ميثاق حزب الشعب الاشتراكي ، نجد انه يعلن عن عزمه على بناء مجتمع ديمقراطي و اشتراكي تسوده العدالة الاجتماعية . و في الوقت نفسه يعلن ولاءه للقومية العربية .

و هو فيما يتعلق بالنقطة الأولى يميل إلى الانجازات الاشتراكية التي تحققت في مصر منذ عام 1961 على شكل تأميمات سريعة للقطاعات الرئيسية و تدعيم للقطاع العام . أما على صعيد إدارة الاقتصاد ، فهو يريد أن يشجع منذ البدء المشاركة الواسعة للعمال في قرارات الدولة عكس ما جرى في الجمهورية العربية المتحدة في الأصل . و إذا كان حزب الشعب الاشتراكي قد رفض حتى الآن صيغة الاتحاد القومي ذات الطابع البرجوازي ، فهو لا يستبعد التعاون مع البرجوازية الوطنية شريطة أن لا يحول ذلك دون متابعته للنضال من اجل أهدافه الثورية . و هو من جهة ثانية لا يكتم آرائه في الكفاح ضد الاقطاعية و الاقطاعيين .

ان نقطة الضعف في هذا كله تتلخص في أمرين :

1ـ ان التعاون بين حزب الشعب الاشتراكي الذي انبثق عن النقابات ، و بين البرجوازية ، هو ضرب من النظرية الطوباوية ، على الأقل على المدى البعيد ، بحكم تناقض مصالحهما .

2 ـ ان النضال ضد الاقطاعية يتضمن تحديداً لموقف أو لسياسة تجاه طبقة الفلاحين لم يعلن عنها حزب الشعب الاشتراكي بعد ، نظراً لعدم وجود ركائز له في أوساط الريف ، و لأنه يجهل كل شيء عن قضاياه .

يبقى موضوع القومية العربية . فحزب الشعب الاشتراكي شأن رابطة الجنوب العربي ، اتجهت نظرته الى أوساط المدينة وحدها . و مع ذلك فهو يريد أن يكون أول من يحمل شعار القومية العربية ، لأن هذا الشعار قد أصبح مركز الحزب في الضواحي .

و الخلاصة فان المسافة بين نزعة رابطة الجنوب العربي الاصلاحية و بين اتجاه حزب الشعب الاشتراكي ، ليست كبيرة . على كل حال هناك فرق ملحوظ في مفهومهما فيما يخص الشكل الذي يجب ان تأخذه دولة اليمن الجنوبي في المستقبل . فرابطة الجنوب العربي تريدها دولة إسلامية ، و حزب الشعب الاشتراكي يريدها دولة اشتراكية . و نحن لا نعرف بعد شيئاً عن موقف هذا الأخير من المسألة الدينية . و المؤكد على كل حال ، هو أنه لن يجرؤ على التصدي إليها بشكل مكشوف .

و ثمة فرق آخر يتعلق بتحرر المرأة لا يمكن تجاهله . ففي حين أن رابطة الجنوب العربي تلتزم الصمت حول هذه النقطة مداراة لرجال الدين ، يجعل حزب الشعب الاشتراكي من تحرر المرأة مسألة سياسية من الدرجة الأولى .

و أخيرا نقطة مشتركة بينهما ، و هي التزام مبدأ الحياد و عدم الانحياز ، المبدأ الذي يتعارض مع رغبة الأوساط المعتدلة التي تريد ان تسلك سياسة خارجية قائمة على محاربة الشيوعية بصورة عمياء .

و بصورة عامة فإن الأحزاب السياسية بدون استثناء ، تتجنب القضايا التي سوف تطرحها المرحلة اللاحقة بالمرحلة الاستعمارية ، و البلاد على أهبة الحصول على الاستقلال . و أشد خطورة من ذلك هو الغياب الكلي تقريباً للاهتمامات الاقتصادية و الاجتماعية الجدية . أما السبب فيجب التماسه في القادة أنفسهم الذين لا يملكون معرفة جيدة بسياق الأوضاع في اليمن الجنوبي ، و لا رؤيا واضحة للعقبات الاقتصادية و الاجتماعية التي سوف يواجهونها في القريب العاجل . فهم يركزون جهودهم كلها على تغيير الأوضاع و على استلام السلطة . و برامجهم لا تتعدى النطاق السياسي ، و تطغى على تفكيرهم الاهتمامات المباشرة و الانتهازية . و هم يدورون حول بعض الشعارات :

ـ طرد الإمبريالية .
ـ القضاء على عملاء الاستعمار و على الإقطاعيين .
ـ الاستقلال و الديمقراطية .
ـ الوحدة العربية و الاشتراكية العربية .

ان الاحزاب السياسية تردد هذه الشعارات دون أن تبذل أي جهد لتحديد محتواها ، أو الإشارة إلى الوسائل التي بواسطتها ستحول تلك الشعارات إلى أفعال ، أو التحليل المعمق للوضع ، لسبب بسيط هو عدم وجود مناضلين محترفين و إطارات مؤهلة .

و بالنتيجة ، فأن التقدميين قد تبنوا كل ما ورد في بنود الميثاق الوطني الذي قدمه الرئيس جمال عبد الناصر في مؤتمر القوى الشعبية عام 1962 . هذا الميثاق الذي يربط الوحدة العربية بتطور الاشتراكية العربية داخل كل بلد ، و يدعو الشعب لبناء هذه الاشتراكية ، و يشدّد على وحدة الهدف ( الحرية الاشتراكية و الوحدة ) . و يجعل من مصر نموذجاً للتطور الاشتراكي ( الاشتراكية الديمقراطية التعاونية ) . أما الإدارة السياسية لهذه الاشتراكية فهي الحزب الواحد ( الاتحاد الاشتراكي العربي ) (10) .

إن قادة حزب الشعب الاشتراكي يرغبون في احتذاء مثال الجمهورية العربية المتحدة ، و يتبنون دون مناقشة الأفكار السابقة ، و دون أن يتساءلوا فيما إذا كانت تنطبق فعلاً على التكوين الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي للبلاد . فهمهم الأكبر هو مع الأسف التفتيش عن الدعم الجماهيري عن طريق استخدام شعارات ديماغوجية لا واعية .

أن الوحدة العربية على أساس اشتراكي هو غاية المنى . إلا أن تحقيق وحدة صلبة راسخة يتطلب قبل كل شيء أخذ الأوضاع الخاصة بعين الاعتبار و إدراك أهمية العوامل الاقتصادية .


...................................

(2) الطليعة ، العدد 72 ، تاريخ 11 مارس 1964 .

(3) لوموند ،28 ديسمبر 1963 .

(4) عند كتابة هذه الصفحات ، لم يكن المؤلف يملك معلومات مفصلة عن هذه المنظمة التي أنشئت حديثاً بمؤازرة حركة القوميين العرب ( المترجم ).

(5) مجلة افريقيا و آسيا ، العدد 44 .

(6) الرائد ( المكلا ) العدد 96 ، سبتمبر 1962 .

(7) ارنولت ، ص 243

(8) وثيقة نُشرت في القاهرة في مايو 1959 .

(9) مجلة الشرق الأوسط ( و ت ) الجزء 16 ، العدد 4 ، نيويورك 1962 .

(10) كولان ، ص 174 .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ




[align=center]الفصل السابع



القضايا الخارجية

لـ (( إتحاد الجنوب العربي ))[/align]

تعود المشكلات التي واجهها الاتحاد بعد نشوئه ، إلى زمن بعيد سابق لنشوئه . فهي ملازمة للتركيب الاجتماعي و الاقتصادي ، و الانجليز يتحملون القسط الأوفر من المسؤولية في خلق هذه المشكلات ، لأن سياستهم بدلاً من أن تشجع على إصلاح البنية الاجتماعية و الاقتصادية لليمن الجنوبي في مجموعه ، و تعمل على تهدئة الخواطر ، عمدت على العكس ، إلى إغراق البلاد في أوضاع التأزم .

و تتركز تلك المشكلات حول استمرار الصراع الإنجليزي ـ اليمني ، و حول وجود الدولة الاتحادية نفسها و اتساعها . فالاتحاد الذي لم يفعل أكثر من شحذ العواطف المعادية للإنجليز لدى الشعب ، اعتبره الشعب صنيعة الإمبريالية البريطانية . فتواطؤ القائمين على هذا الاتحاد مع الانجليز ، و عجزهم عن انتهاج سياسة اقتصادية تقدمية و سياسة مفتوحة على العالم الخارجي و على الوطن العربي بوجه خاص .. كل ذلك شجع على تغذية الدعاية المعادية للاتحاد ، و دعم حجج خصومه . و هذا ما يفسر اتساع حركة التحرير الوطنية المعادية بالأصل للمشروع البريطاني . فقد قامت هذه الحركة بتنظيم الاضرابات و المظاهرات ثم عمدت إلى النضال المسلح مستهدفة إرغام انجلترا على إعادة النظر في سياستها ، و جذب انتباه الرأي العام الدولي . و بفضل هذا النضال و هذا النشاط ، وجدت مشكلة اليمن الجنوبي طريقها إلى المؤسسات العربية و الدولية .


الصراع الإنجليزي ـ اليمني

تمتد أصول النزاع الانجليزي ـ اليمني إلى مطلع هذا القرن . و كان استمراره طيلة هذه الفترة عاملاً في إثارة القلاقل في المنطقة ، و كذلك في تعكير العلاقة بين بريطانيا و اليمن . و من الطبيعي أن يرث اتحاد الجنوب العربي هذه المشكلة التي هي في الأصل مشكلة خلاف على ( الكيان ) . إلا أن تجاهل اليمن لوجود الدولة الاتحادية و شجبها لإنشائها ، قد زاد المشكلة تعقيداً ، و أصبح من الصعوبة بمكان تطويق هذه المشكلة التي أصبحت أيضاً مشكلة خلاف على ( السيادة ) .

فصنعاء تعتبر عدن و محمياتها جزءاً لا يتجزأ من التراب اليمني و تطالب بعودتها . و لندن ترفض بدورها هذا المطلب كلياً . و ما كان للأمر أن يأخذ كل هذه الأهمية ، لولا اعتبارات سياسية و دينية و اقتصادية تتدخل فيه . ففي عهد الإمامة اعترض الإمام الشيعي ( الزيدي ) على توحيد الإمارات في ظل إمام ( شافعي ) ، لأنه يخشى قيام حركة انفصالية لصالح الاتحاد (1) ، لوجود عناصر شافعية ذات شأن في اليمن . و من جهة أخرى ، فإن اكتشاف البترول على مقربة من اليمن ، أثار أطماع الإمام كما أثار شهية الشركات الإنجليزية و الأمريكية .

و كان من نتيجة ذلك كله تأزم الوضع تأزما خطيراً على طول الحدود . لقد نجحت حكومة صنعاء أكثر من مرة في إعاقة السياسة الانجليزية في القسم الغربي من المحمية بفضل الدعم المالي و المادي الذي كانت تقدمه للعناصر المتمردة ضد السلطات المحلية . إلا أنها لم تتوصل إلى حد إشعال ثورة شاملة . لذلك فإن مصير الاتحاد ، هذا المولود البريطاني الجديد ، يتوقف على الحل الذي يمكن أن يوضع لإنهاء الخلاف اليمني ـ الانجليزي .

و لكي ندرك طبيعة هذا الخلاف نعود إلى عام 1918 . ففي هذا العام استقلت اليمن . و منذ ذلك الحين و هي تطالب بحق التصرف الكامل بما تعتبره جزءاً من ترابها الوطني . فالوحدة الجغرافية و البشرية تتطلب وحدة الانتماء السياسي . و منذ خمسين عاماً ، و هذا المطلب يصطدم بمعارضة بريطانيا التي تحتل اليمن الجنوبي . و التي ترفض أن تتخلى عن هذا الجزء ، و التي تعتبر اليمن المستقل الوريث الطبيعي للإمبراطورية العثمانية ، و بالتالي تعتبره مرتبطا بالمعاهدة التركية ـ البريطانية لعام 1914 ، و يمكن تلخيص الوضع الحقوقي لكلا الطرفين على النحو التالي :


اليمن : تركز مطاليبها على حقوقها المكتسبة قبل الاحتلال البريطاني .

المملكة المتحدة : تستند على معاهدات الحماية المعقودة مع زعماء المنطقة المتنازع عليها ، التي توكل إليها مهمة الدفاع عن الدويلات الصغيرة . و تضيف إلى ذلك قولها بأن اليمن لم تكن له أية سلطة على هذه المنطقة منذ قرنين .

و الخلاصة ، فإن الأراضي المتاخمة للمحمية تعتبر بالنسبة إلى اليمن ( منطقة حدود ) خاضعة للسيادة اليمنية . و الانجليز بدورهم يعتبرون حدود الإمارات أو القبائل المرتبطة باتفاقيات مع التاج البريطاني ( حدوداً ) فاصلة بين المحمية و بين اليمن (2) .

من الناحية التاريخية ، بقيت اليمن حتى أوائل القرن الثامن عشر تمارس نوعاً من الإشراف على هذه المنطقة ، باستثناء حضرموت التي انفصلت منذ زمن طويل ، و كانت تحكمها السلالة ( الكثيرية ) . و في عام 1728 استولى السلطان العبدلي على لحج و عدن ، و أعلن الاستقلال الذاتي و الانفصال عن السلطة المركزية في صنعاء . و هكذا فقد تلاشت سيطرة صنعاء تدريجياً على هذه المنطقة ، حتى كادت تزول تماماً قبل أن تقوم شركة الهند في عدن عام 1839 . و قد كان وصول المحتلين الانجليز إليها بمثابة حكم قطعي على زوال تلك السيطرة .

و على الرغم من تلاشي السلطة اليمنية ، فإن سكان المنطقة بقوا تحت ظل السيطرة الروحية للإمام و خلال فترة من الزمن ، كان الانجليز أنفسهم يعترفون بالسلطة الدينية للإمام على القبائل في الإمارات التسع . و أكثر من ذلك ، فإن خضوع اليمن الجنوبي للسيطرة البريطانية لم يمنع اليمن من التأثير على الحياة السياسية الداخلية فيه .

إن بريطانيا تتسلح بمعاهدات الحماية كلما أصبح وجودها بالمنطقة موضوع بحث . إلا أن الموقف البريطاني لا يستند إلى حجج ذات قيمة جدية من الناحية الحقوقية . لأن تلك المعاهدات قد تم توقيعها في ظل التهديد و التزوير ، و لأنها بالإضافة إلى ذلك ذات مظهر مخادع و مزاجي . و هذا النوع من الاتفاقيات لا يمكن أن يكون مقبولاً في عصرنا ، لأنه مخالف لطبيعة الأشياء . لذلك فان العودة إلى هذه المعاهدات لا تجدي كثيراً .

لقد حاولت لندن ، في خلافها مع صنعاء أن تعمد منذ البدء إلى تصوير الخلاف في شكله البدائي ، أي على شكل ( مسألة نزاع على الحدود ) ، حتى تبرر الاحتلال و تقلص أهمية النزاع . في حين أن اليمن كان يتهم انجلترا باحتلال جزء من التراب الوطني ، أطلقت عليه اسم ( الجنوب المحتل ) .

و قد حاولت انجلترا أن تستغل الصعوبات الداخلية لحكم الإمامة في اليمن ( الغزو التركي ، الحرب الأهلية ، أزمة خلاف الأئمة ) من اجل فرض حل لهذا الخلاف . إلا أن محاولاتها باءت بالفشل .


محاولات التسوية


من وجهة نظر الحقوق الدولية ، يمكن أن نميز الخطوات الثلاث التالية :

ـ اتفاقية عام 1914

ـ معاهدة 1934

ـ اتفاق عام 1951


اتفاقية 1914 :

طالب الأتراك بعد احتلالهم الجديد لليمن عام 1872 ، بالمقاطعات التسع التي أصبحت تحت الحماية البريطانية . و قد كانت هذه المطالبة خيالية ، لأن الأتراك كانوا قد وافقوا بصورة ضمنية من حيث المبدأ على المعاهدات التي وقعها الأمراء المحليون . و تحت ضغط الجيوش الانجليزية و الهندية التي أرسلت إلى اليمن الجنوبي لوضع حد لخلافات الحدود ، قبلت تركيا الدخول في مفاوضات من أجل تحديد الخط الفاصل بين السيطرة التركية و السيطرة البريطانية .

و قد أنشئت لجنة إنجليزية ـ تركية من اجل هذا الغرض عام 1902 (3) ، انتهت إلى وضع معاهدة لندن عام 1914 . إلا أن خط الحدود بقي غير محدد تحديداً دقيقاً . و هكذا فإن الاتفاقية لم تحل المشكلة .

خلال الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918 قام الأتراك بغزو المحمية من عدة جهات ، و هددوا عدن . ثم انسحبوا عند نهاية الحرب بعد توقيع اتفاقية وقف القتال في مودروس بتاريخ 30 أكتوبر 1918 .

و هكذا استعاد اليمن استقلاله ، و كان أول بلد عربي يتمتع بسيادته . و لم يلبث الإمام يحيى الذي لم يعترف أبداً بالاتفاقية الانجليزية ـ التركية عام 1914 ، أن طرح مجدداً مسألة الوجود البريطاني في اليمن الجنوبي . و أعلن ( بأن اليمن لا تعترف بشرعية الوجود البريطاني ، و بأن الأرض التي يطلق عليها اسم محمية عدن هي القسم البحري لليمن في حدوده التاريخية ) (4) . و عبثاً حاول إعادة بسط نفوذه و سيطرته على هذه المنطقة خلال عامي 1920 و 1928 ، لأن ميزان القوى لم يكن لصالحه . و قد حاولت حكومة صاحبة الجلالة أن تقدم له خلال هذه الفترة عرضاً هاماً . ففي عام 1923 تقدمت بعرض تعترف بموجبه للإمام بسيادته على سلطنة لحج ، و كذلك على حضرموت لقاء ميثاق صداقة يعترف لانجلترا بمركز ممتاز من ناحية العقود و المشاريع التجارية (5) . و قد اندفع الإمام إلى رفض هذا العرض . و في عام 1926 عقد معاهدة تجارة و صداقة مع ايطاليا تحت حكم موسيليني ، بغية تحطيم العزلة الدبلوماسية و الحصول على السلاح . إلا أن الانجليز الذين اعتبروا تلك الخطوة بمثابة إنذار بتسرب النفوذ الفاشستي إلى المنطقة ، جردوا حملة واسعة ضد قوات الإمام . و قد استطاعت القوات البريطانية بما تملكه من تجهيزات و من دعم سلاح الجو الملكي الذي اتخذ من المنطقة قاعدة له ، أن تجلي قوات الإمام عن إمارة العوذلي عام 1928 ، و أن تضع يدها على مناطق جديدة .

و على أثر ذلك عقد الإمام اتفاقاُ تجارياً مع الاتحاد السوفياتي عام 1929 . و كان هذا الانفتاح الخارجي مصدر قلق جديد للإنجليز ، فحاولوا من جديد التفاهم معه . و قد قدمت لهم أحداث السنوات الثلاث التي تلت خدمات جلية . فقد ظهر خلاف جديد في شمال اليمن ، و قد قاد هذا الخلاف اليمني ـ السعودي إلى إعلان الحرب بين البلدين خلال أعوام 1933 ـ 1934 ، و انتهى بفقدان اليمن لإمارة عسير لمصلحة العربية السعودية . فقد استغلت بريطانيا هذا الحادث من اجل عقد معاهدة عام 1934 مع الإمام .


معاهدة صنعاء عام 1934 :

في الحادي عشر من فبراير 1934 وقعت في صنعاء معاهدة صداقة و تعاون مشترك بين المملكة المتحدة و اليمن . و بموجب نصوص هذا الاتفاق تتعهد الأطراف المتعاقدة بالحفاظ على الوضع الراهن لمدة أربعين سنة . أي حتى نهاية 1974 . فاليمن لا تستطيع قبل هذا التاريخ أن تطلب فتح مفاوضات جديدة مع بريطانيا بشأن اليمن الجنوبي . و بمقابل هذه التنازلات الكبيرة ، تعترف حكومة صاحبة الجلالة البريطانية بالإمام ملكاً على اليمن ، و تعترف بالاستقلال الكامل و المطلق لبلاده .

و كان ذلك نصراً دبلوماسياً هاماً جداً بالنسبة لبريطانيا ، لأنها نجحت بذلك في حملها الإمام بصورة غير مباشرة على القبول بالأمر الواقع . فهذا اعتراف ( بالأمر الواقع ) باليمن الجنوبي تحت الإدارة البريطانية .

إن معاهدة صنعاء 1934 كانت بالنسبة إلى الانجليز مفتاحاً لتحقيق خطة سياسية طويلة الأمد . فهم كانوا يهدفون إلى جعل اليمن الجنوبي دولة مستقلة قبل انتهاء المعاهدة ، يمكن أن يختار بين الدمج مع الشمال و بين البقاء ضمن إطار الكومنولث . و ما كادت تمضي خمس و عشرون سنة حتى تحقق هذا الحساب الدقيق في خطوطه الكبرى .

و قد ظلت المعاهدة محترمة من الطرفين إلى حد ما حتى انقلاب 1948 الذي أطاح بالإمام يحيى . فقد اتهم خلف الإمام يحيى الانجليز بمحاولة عرقلة الانقلاب ، و اظهر جفاءه لهم . و قد زاد في هذا الجفاء سبب آخر ، هو قرار فرع شركة البترول العراقية عام 1949 بإرسال فريق من الخبراء للتنقيب في منطقة شبوة (6) التي كانت تطالب بها اليمن . إلا أن الإمام أحمد ما لبث بعد فترة قصيرة من توليه عرش اليمن أن عقد مع الانجليز اتفاق عام 1951 .

اتفاق لندن 1951 :

و هو عبارة عن رسائل متبادلة ، تشكل بمجوعها مصدراً إضافياً و مرجعاً يعتمد على المعاهدة السابقة . إن نص هذا الاتفاق ينطوي على كل حال على عنصرين جديدين :

1 ـ الأول يتعلق بإقامة الروابط الدبلوماسية بين المملكتين .

2 ـ و الثاني يختص بتعيين لجنة تحكيم بين الجهتين مهمتها تحديد وضع كل من الطرفين و إيجاد الحلول للقضايا المعلقة . و حتى تبدأ هذه اللجنة عملها ينبغي في حالة تجدد النزاع أن يلجأ الطرفان إلى الأمم المتحدة طبقاً للمادة 33 من ميثاق سان فرانسيسكو .

و قد بقيت هذه الالتزامات حبراً على ورق لأنها لم تنتقل إلى حيز التطبيق . يمكن إذن القول بأنها لم تحل شيئاً ، لا معاهدة 1934 و لا اتفاق الطاولة المستديرة عام 1951 . و أنها اقتصرت على إقرار واقع راهن مؤقت و على رسم طريقة لحل النزاعات لم تستخدم عملياً (7) .

و هكذا بقيت المشكلة برمتها . إلا أن الظرف الدولي بدا أكثر ملاءمة لليمن منه قبل الحرب . لأن العلاقة بين الاستعمار و الشعوب المستعمرة تعرضت لتحولات غير قابلة للنكوص . كما أن صنعاء بدأت تحس بأنها أقل عزلة على الصعيد الدبلوماسي منها في الماضي . و أنها أصبحت أقدر على المطالبة بحقوقها المشروعة في ( الجنوب المحتل ) . و قد بدا لها أن التطور الذي دخلت فيه القضية العربية منذ عام 1952 هو في صالح دعم مطلبها . و قد تأيد ذلك خاصة بعد مؤتمر باندونغ . إلا أن السلالة الزيدية لم تستغل هذا الوضع ، نظرا لعجز نظامها الأوتوقراطي عن جذب عطف الشعب اليمني و دعم الرأي العام الدولي . و قد أدرك الانجليز بسرعة هذا الخلل ، فقرروا أن يستغلوا ذلك عن طريق تطوير قاعدتهم في عدن و ذلك بإنشاء مصفاة ضخمة للبترول و زيادة احتياطيها العسكري .


تطور الخلاف حتى سقوط الملكية :


يعتبر سورنسون في كتابه (8) ، أن الإمام كان على وشك الاستعداد عام 1957 لإجراء مفاوضات مع بريطانيا من أجل حل الخلاف ، و ذلك خلال زيارة ولي العهد للندن . أما صيغة الحل فهي تستند إلى واحد من الاحتمالين الآتيين :

1 ـ تعترف المملكة المتحدة بمشروعية المطالب اليمنية فيما يتعلق بعدن و المحمية و تقبل بأن تردها إلى اليمن في موعد يتفق عليه . و بالمقابل تقبل اليمن بتأجير قاعدة عدن أو بإبقاء الوضع الراهن ريثما تسوي قضية القاعدة .

2 ـ تشترك اليمن و بريطانيا في إدارة المحمية ، و يتفقان على تسوية خاصة تحدد مستقبل المستعمرة .

و يقدر مؤلف الكتاب بأن لندن ما كانت لتقبل بأحد هذين الحلين ، و بأنها على العكس كانت ستأخذ موقف الدفاع عن الأمراء حسب المنطق الآتي :


1 ـ إن الزعماء المحليين لا يرغبون بأي حال من الأحوال في أن يروا مناطقهم ملحقة باليمن ، و يرفضون الخضوع لسيطرة الإمام .

2 ـ إن حكومة صاحبة الجلالة تلتزم من جهتها بالالتزامات التي تنص عليها معاهدات الحماية و التشاور .

3 ـ إنها لا تنوي أبداً أن تتخلى عن المنطقة قبل أن تأخذ بعين الاعتبار رغبة السكان و المصالح البريطانية .

4 ـ إنها تنوي متابعة سياسة التخلي عن استعمار المنطقة بنفس الشروط المطبقة في معظم الممتلكات البريطانية .


و على أثر رفض الانجليز للمقترحات التي كانت حكومة اليمن على وشك عرضها ، تأزم الوضع على الحدود ، و زاد الوضع تدهوراً عندما أعلنت لندن عن رغبتها في وضع حد لتشتت الإمارات . و على خلاف بعض المعلومات التي نشرتها الصحف ، فأن اليمن عملت ما في وسعها لتجنب التأزيم و كانت تدرك مخاطر استفحال الخلاف ، و لم تسلك سياسة عدوانية دائمة (9) . فقد احتجت على مشروع تجميع الإمارات ، و أشارت إلى أن هذا المشروع لا يتفق و أحكام معاهدة عام 1934 . إلا أن الوزير المفوض البريطاني في القاهرة أعلن في 12 يناير 1957 ، بأن ( معاهدات 1934 و 1951 يجب أن تعتبر ملغاة ) .

في ربيع 1958 بلغت الأزمة الاوج ، على أثر إعلان ( اتحاد إمارات الجنوب العربي ) و يعتبر هذا التاريخ هاماً لسببين :

1 ـ فهو يتفق مع بدء مرحلة جديدة من السياسة الاستعمارية تتميز بعزم الحكومة البريطانية على تعزيز وضعها على شاطئ البحر الأحمر .

2 ـ ثم هو يرافق انضمام اليمن إلى الدول العربية المتحدة الذي كانت له على الصعيد الداخلي نتائج لم تكن في الحسبان . فحتى ذلك الوقت ، لم يكن شعب عدن و المحمية الغربية في الواقع ، لتغريه فكرة الوحدة مع النظام الرجعي في صنعاء . إلا انه منذ بدأ اليمن يساهم في توحيد الأمة العربية ، خفت حدة الخصومة التي كان محاطاً بها . كما اشتد ساعد حركة التحرر الوطنية .

عادت الأزمة بين اليمن و السلطات البريطانية بين عام 1958 و عام 1962 إلى التوتر . و قد قامت محاولة نهائية لتسوية الأزمة في يوليو 1958 خلال اللقاء الانجليزي ـ اليمني الذي تم في إثيوبيا ( ديريداوا ) (10) . إلا أن المحاولة لم تنجح . و قد أثار توسيع الاتحاد لغطاً كثيراً في الداخل و الخارج . فوجّه النظام الملكي في آخر مرحلة من احتضاره مذكرة إلى وزارة المستعمرات بتاريخ 17 أغسطس 1962 يحتج على اتفاق إدخال عدن في الدولة الاتحادية ، و يؤكد من جديد بأن هذا العمل مخالف لمعاهدة صنعاء . و قد أجابت انجلترا على المذكرة بعبارة جافة تقول فيها ( إن هذا الانظمام لا يلغي المعاهدة المذكورة التي تبقى سارية المفعول ) . و قد استمر حوار الطرشان حتى انقلاب سبتمبر الذي أطاح بأسرة حميد الدين . و منذ ذلك الحين أخذت الأحداث مجرى جديداً . فقد كان خوف المملكة المتحدة على قاعدتها البحرية ـ الجوية و حرصها على حماية الاتحاد ، يدفعها إلى بذل كل جهودها للحيلولة دون اشتعال الثورة .


في ظل النظام الجمهوري :


إن ثورة 26 سبتمبر 1962 التي لم تكن على غرار المحاولات الانقلابية السابقة التي كان يغذيها الانجليز ، و التي تمت هذه المرة دون علمهم .. إن هذه الثورة تشكل مرحلة حاسمة في تاريخ شبه الجزيرة العربية . فقد أحدثت تبدلاً أساسياً في الخارطة السياسية للمنطقة ، حيث انبثق من قلب الحكم المطلق الذي كان يهيمن على المنطقة منذ ألوف السنين ، نظام تقدمي يهدف إلى تحويل اليمن من بلد يعيش في ظل عقلية و حياة القرون الوسطى ، إلى بلد حديث .

إن هذه الثورة تعني بالنسبة لامراء اليمن الجنوبي و للاقطاعية العربية بصورة عامة ، نهاية لدولتهم . فإذا وطدت الجمهورية اقدامها ، فانها لن تلبث أن تحدث تأثيراً كبيراً على سكان المناطق المجاورة و تصبح مركز جذب لهم ، و بالتالي دافعاً لهم للقضاء على الانظمة الرجعية .

كما ان بريطانيا و الولايات المتحدة تخشى أن تمتد آثارها إلى أمتيازاتها و مصالحها البترولية ( شركة النفط العراقية و الآرامكو ) ، لذلك عملت بريطانيا و السعودية و ما تزالان تعملان على القضاء على هذا النظام الجديد حتى يتخلصا من نتائجه المهددة لمصالحهما . أما الجمهوريون فإنهم لم يسارعوا عشية استلامهم للسلطة في طرح مطالبهم باسترجاع المناطق التي يدور حولها الخلاف اليمني ـ البريطاني . و كان ذلك من قبيل الحذر ، و نوعاً من الخطة الرامية إلى إظهار الرغبة في التعايش مع الجوار و لو مؤقتاً . إلا ان حرب الإذاعات ( ضد المحتل الأجنبي ) ما لبثت أن احتدمت و أخذت تشتد كلما زادت السلطات الانجليزية مساعدتها للقوات الملكية المعادية للجمهوريين الثوريين . إلا أنهم من جهة ثانية بذلوا كل ما في وسعهم حتى لا يكون في موقف اليمن تجاه اليمن الجنوبي ما يثير مخاوف الوطنيين الذين لا يرغبون في إلحاق الجنوب بالشمال ، أو ما يصدم الرأي العام العالمي . كما أن عدم سيطرتهم على الوضع الداخلي كانت تملي بدورها هذه المواقف المرنة .

فالحكومة الجمهورية لا تطالب بعودة الجنوب بدون قيد أو شرط . و هي تحرص على استشارة السكان ، كما يستنتج من تصريح مندوبها أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها عام 1963 . فقد صرح ممثلها بأن ( حكومته تطالب باعطاء شعب اليمن الجنوبي حقه في تقرير المصير و في الاستقلال و في انتخابات حرة ) . أما مندوب الحكومة البريطانية فقد اجاب في خطابه : ( إن اتحاد الجنوب العربي يلبي رغبة سكانه ، و هؤلاء لا يملكون اية رغبة في الاتحاد مع اليمن ) .

ثمة ملاحظتان تستدعيهما المواقف :

1 ـ التحول الهام من جانب حكومة صنعاء التي يبدو أنها تخلت عن المطالبة بالمناطق المتنازع عليها . و قبلت بأن تترك المسألة للرأي العام الشعبي .

2 ـ التراجع الواضح من جانب الحكومة البريطانية التي كانت تطالب بالاستفتاء الشعبي أيام الحكم الملكي ، و التي لم تعد تقبل به في ظل الحكم الجمهوري في اليمن .

و على الرغم من توصيات لجنة مكافحة الاستعمار في الأمم المتحدة المتكررة ، التي كانت تؤيد الاستفتاء الشعبي حتى تسمح للسكان بتقرير مصير بلادهم ، فإن انجلترا انفردت باعلان استقلال ( الاتحاد ) .

وجهة النظر البريطانية :

لقد بقيت انجلترا خلال فترة طويلة تسوق حجتين لتبرير معارضتها لفكرة توحيد المناطق التي تسيطر عليها مع اليمن . فهي أولاً كانت تدعي بأن اليمن الجنوبي متطور سياسياً أكثر من الشمال الخاضع للحكم الاستبدادي اللا إنساني . و هي من جهة ثانية كانت تلح على التطور الاقتصادي و الاجتماعي الذي حققع الجنوب بالنسبة للتخلف الشامل في الشمال . و في مثل هذه الشروط ، كانت تعتبر توحيد الشمال و الجنوب عملاً فيه غبن لشعب اليمن الجنوبي المشمول بحمايتها .

و إذا وضعنا عدن جانباً ،بدت لنا المزاعم البريطانية منافية للحقائق التاريخية و يمكن دحضها بسهولة ، فمن الخطأ القول بأن الإمارات تتمتع بأجهزة سياسية و إدارية متقدمة على اليمن الملكية ، بل العكس هو الصحيح في غالبية الحالات . فقد لاحظنا في الفصلين الأول و الثاني ، بأن الإمارات في مجملها تشهد تبدلات كبيرة ، و أن السلطة تتجسد فيها دوماً في شخص زعيم اقطاعي ، ز ان معظمها لا يستحق فعلاً اسم ( دولة ) لأنها لا تعدو كونها في الواقع وحدات صغيرة لا شأن لها . أما الدولة اليمنية فتتميز عن ملحقاتها القديمة بطابعها المركزي القوي الموحد ، و هي تملك جيشاً و حكومة و جهازاً دبلوماسياً . و على الرغم من طابعها الرجعي ، فقد كانت كاملة السيادة ، في حين أن جاراتها لا تعدو كونها إمارات صغيرة خاضعة عملياً لحكم المستشارين البريطانيين الذين كانوا يمسكون بأيديهم زمام السلطة .


أما فيما يتعلق بالتقدم الاقتصادي و الاجتماعي المزعوم ، فإذا ما استثنينا بعض الانجازات الزراعية في أبين و لحج ، فإن التخلف عام في الامارات . و أحد المراقبين الانجليز يقول هو نفسه (11) : إن التناقض بين المحمية و المستعمرة أمر يدعو إلى الحيرة . فالحياة في القسم الأعظم من دول المحمية تبدو و كأنها لم تلمس لا من غريب و لا من بعيد التقدم الحضاري في الغرب ) . فعلى الصعيد الاقتصادي الاجتماعي لا مجال للتمييز في المستوى بين المحمية و بين اليمن ، فكلاهما متخلف عن العصر بما يعادل قرناً من الزمن .

و حتى لو سلمنا بأن ثمة تطوراً سياسياً و اقتصادياً قد تحقق في اليمن الجنوبي ، و أن تخلف اليمن في ظل الملكية تخلف كامل ، فلا بد من التسليم بأن هذا الوضع قد شهد تبدلاً عنيفاً بعد حلول النظام الجمهوري محل أكثر الأنظمة مدعاة إلى الكراهية في العالم . هذا من جهة ، و من جهة اخرى ، فإن المزايا الاقتصادية التي تتمتع بها عدن لم تحل ، رغم أهميتها ، بين السكان و بين تطلعهم إلى الاستقلال و الوحدة . إلا أن بريطانيا لا تريد أن تأخذ هذا العامل بعين الاعتبار .

و قد بذل الإنجليز جهدهم بعد قيام الثورة لمساومة الزعماء الجمهوريين جهدهم بعد قيام الثورة لمساومة الزعماء الجمهوريين في السر أولاً ثم في العلن ، من أجل القبول باتحاد الجنوب العربي لقاء الاعتراف بنظامهم الجمهوري . إلا أن سياسة الأمر الواقع هذه لم يكت لها النجاح . بل عادت على أعداء الثورة بالنفع . فقد تعهد الملكيون بالاعتراف بالدولة الاتحادية بمجرد عودة الملكية ، و ذلك لقاء الحصول على مساعدات مالية و عسكرية ضخمة . الأمر الذي يكشف عن الدور الذي تلعبه السلطات الاستعمارية في الحملة ضد النظام الجمهوري في اليمن .

إن لندن لم تغفر للنظام الجديد استعانته بالرئيس عبد الناصر ، لأن دخول الجمهورية العربية المتحدة إلى مسرح المنطقة التي تعتبرها إنجلترا منطقة نفوذ غربي ، عمل يثير مخاوف الانجليز . و هذا هو السبب الذي دفع بريطانيا إلى مساندة الملكيين من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية و البترولية .

إن صحيفة ( لومند ) في عددها ( 7 ـ 5 – 964 ) تذكر بهذا الصدد بأن اليمن ( بحكم كونه بلداً ذا تكوين قبلي ، فإن من السهل في نظر وزارة المستعمرات ، أن تعبأ مقاومة جدية للسلطة المركزية . و هكذا فإن أموالاً و أسلحة و مؤونة ، قد دخلت سراً إلأى اليمن بمساعدة شريف بيحان الزعيم القبلي المؤيد تأييداً كاملاً لوجهة النظر الانجليزية في اليمن الجنوبي . و قد حققت هذه العملية نجاحاً جزئياً لأنها عززت قوى الملكيين ، إلا أنها من جهة ثانية أشعلت المقاومة المسلحة المدعومة من الجمهوريين في قلب الاتحاد نفسه

و هكذا ظهر الغرب امام الرأي العام العربي بمظهر الدفاع عن الأنظمة البالية ، و أصبحت الامبريالية مدانة على ألسنة القادة العرب . فالبيان الذي صدر عن مؤتمر القمة الأول الذي صدر في القاهرة في يناير عام 1964 يؤكد بقوة ( إيمان الرؤساء و الملوك العرب بمشروعية النضال العربي و بضرورة دعم هذا النضال ضد الامبريالية في المنطقة المحتلة من اليمن الجنوبي و عمان ) .

و الخلاصة ، فإن كل شيئ ينبئ بأن الامور تتجه نحو أزمة دولية جدية إذا لم تتحقق تسوية سريعة للخلاف الانجليزي ـ اليمني .

أن وجهة النظر البريطانية تتجه نحو طلب تعيين لجنة تحكيم من قبل الأمم المتحدة ، مكلفة بتحديد الحدود و المنطقة المجردة من السلاح ، و وضع مراقبين دوليين في هذه المنطقة إذا اقتضى الأمر . كما أن أنجلترا تتطلع إلى تحكيم محكمة العدل الدولية في لاهاي في القضية .

إلا أن الأمل ضعيف في أن يحظى أحد هذين الحلين بموافقة اليمن التي تدين الوضع الراهن نفسه و لا تقف عند مشكلة الحدود ، كما أنه ما من شرير يسمح بالقول بأن الأطراف المتنازعة يمكن أن تقبل فعلاً حكماً غير متحيز . لأن المصالح و الحساسيات التي تدخل في هذه المشكلة ، تجعل الوساطة أمراً مستحيلاً و التحكيم في غاية الصعوبة .

و يمكن أن نستنتج من ذلك مدى صعوبة المسألة . فانجلترا تبدو واثقة من نجاح سياستها ، و هي تعتمد على ولاء الامراء و على وجود قواتها ، لقطع دابر المحاولات الانقلابية و الاضطرابات . إلا ان موجة التحرر في المنطقة ، و استقطاب الجمهورية اليمنية لأنظار الجماهير العمالية و المثقفين في المستعمرة ، باتا يهددان مستقبل الأمراء و مستقبل الوجود البريطاني نفسه تهديداً جدياً .

و هكذا فإن الخلاف اليمني ـ البريطاني القديم هو في طريقه لأن يأخذ شكل حركة شاملة تطالب بالوحدة و بالنضال ضد الامبريالية البريطانية و الزعامة القبلية .


قضية اليمن الجنوبي أمام الهيئات الدولية :


منذ مؤتمر باندونغ بدأت تطرح قضية الممتلكات البريطانية في جنوب شبه الجزيرة العربية بشكل منتظم ، في العديد من المؤتمرات التي نظمتها بلدان آسيوية و إفريقية ، أو على صعيد المؤتمرات العربية بوجه خاص . و قد اتخذت مقررات عديدة حول هذه القضية ، أعطت الحق تارة لليمن و تارة لأشباع فكرة ( الكيان الخاص بالجنوب العربي ) . و جرياً على العادة ، فقد بقيت هذه المقترحات أفلاطونية الى حد بعيد و دون نتائج عملية . و انجلترا لم تعط ذلك أية أهمية طالما أن الاطراف المعنية لم تسو خلافاتها و لم تتقدم بوجهة نظر موحدة . و قد استمدت السياسة البريطانية قوتها من الانقسام القائم بينها .

بيد ان انتباه العالم ما لبث أن انجذب الى الموجة العارمة من النضال المعادي للاستعمار ، و الى الاحداث التي بدأت تجتاح المنطقة من جراء اتساع حملات القمع للمعارضة الوطنية . فقد كتبت الابزرفر بهذا الخصوص قائلة (12) : ( إن القوة لا يمكن ان تعزل الى الأبد هذه المناطق ( عدن و المحمية ) عن التيارات العربية العامة . فإذا تصرفنا على هذا الاساس كان عملنا غبياً فضلاً عن كونه لا أخلاقياً و مخالف للديمقراطية . إن الزمن لا يسمح حتى في الشرق الأوسط بتصريف الأمور و معالجتها بحد السيف ) .


تدخل الجامعة العربية :

بقيت عدن و محميتها 125 عاماً تحت السيطرة البريطانية معزولة عن كل تدخل خارجي آخر . لقد حاولت الدول العربية دوماً أن تفتح قنصليات في المستعمرة و في الامارات الهامة على الاقل . إلا أن السلطات البريطانية كانت ترفض السماح بأنشاء مثل تلك المراكز ، بحجة ان نشاطها من شأنه أن يشجع الحركة المعادية للانجليز . و كانت تبرر موقفها بالقول إن المنطقة يجب أن تصل قريباً الى مرحلة الاستقلال ، و بأنها لا ينبغي ان تتخذ منذ الآن مواقف خاصة بالعلاقات الخارجية من شأنها أن تقيد نشاطها الدبلوماسي في المستقبل (13)

و أقل ما يمكن أن يقال بهذا الصدد هو أن هذا العذر غير مقنع ، لأن سلطات غربية عديدة ( الولايات المتحدة ، فرنسا ، ايطاليا ) و إفريقيا ( اثيوبيا و الصومال ) و آسيوية ( الهند و الباكستان ) كان لها دوائر قنصلية و تجارية في عدن .

و قد كان لرفض السلطات البريطانية مفعول عكسي . فقد أشتدت الحملات الاذاعية المعادية لبريطانيا . كما قد استغلت اليمن الفرصة من اجل التشدد و الالحاح في مطالبها .

و منذ عام 1954 لجأت اليمن على الجامعة العربية طالبة دعمها ، و خاصة فيما يتعلق بالصراعات الدائرة حول قضية شبوة و حول تغيير الوضع الراهن بشكل عام . فاليمن تؤكد بأن شبوة حيث اكتشف البترول حديثاً تشكل من الناحيتين التاريخية و الجغرافية جزءاً لا يتجزأ من ارض اليمن .

أما بريطانيا فتدًعي على العكس بأن تلك المنطقة تشكل جزءاً من حضرموت . و قد اصبحت بموجب اتفاق عام 1951 منطقة مجردة من السلاح ، بعد سلسلة طويلة من الاشتباكات العنيفة بين القوى اليمنية و القوى المحلية الخاضعة للنفوذ البريطاني .

إن اهتمام السلطات البريطانية في عدن بالبترول ، دفعها إلى احتلال المنطقة المتنازع عليه من جديد بغية استثمارها . و قد احتجت صنعاء و طرحت المسألة لدى الجامعة العربية ، و لفتت أنظارها الى النوايا التي تبيتها وزارة المستعمرات حول تجميع الامارات في دولة اتحادية تعتبرها اليمن بمثابة تهديد مباشر لسيادتها .

و لم تتأخر الجامعة العربية طبعاً عن تأييد وجهة النظر اليمنية . و قد صرح الأمين العام في فبراير 1959 بأن ( جميع الدول الأعضاء سوف يتعاونون على تفشيل المخطط البريطاني الرامي إلى أنشاء اتحاد لدويلات جنوب الجزيرة العرية ) ثم اردف في النهاية قائلاً : ( إن بريطانيا سوف لن تتمكن من تدعيم أوضاعها في هذا الجزء من العالم ) .

و قد وعدت المنظمة العربية من ناحية أخرى ببذل قصارى جهدها لدى الدول الصديقة من أجل أن تمارس ضغطاً قوياً على أنجلترا من أجل حملها على إعادة النظر في قرارها . كما أنها قامت بحملة دعائية و اعلامية بهذا الصدد . إلا انها تجنبت أن تتقدم بشكوى إلى الأمم المتحدة ، لأنها كانت تدرك سلفاً بأن هذا المسعى سوف يفشل ، فلم يكن بالامكان أن تدعم الكتلة الافريقية ـ الآسيوية مطالب النظام الملكي ، لأن جل استعدادها ينحصر في دعم المساعي الهادفة إلى تحرير اليمن الجنوبي من ربقة الاستعمار . و هذا هو السبب الذي جعل الجامعة العربية توكل هذه المبادرة إلى اليمن و على البلاد الشقيقة .

إن اليمن كانت تدرك ما يدور في خلد البلدان الافريقية ـ الآسيوية ، لذلك فهي لم تجرؤ على طرح القضية بشكل مكشوف . أما البلدان الشقيقة فإن عواطفها كانت تتجه الى رجال الحركة الوطنية ، و بصورة خاصة مصر التي تبنت سياسة التوازن ، و شهدت بحكم تبدل الأوضاع تحولات متعددة . فقد بقيت مصر حتى قيام الجمهورية العربية المتحدة تتبنى تجاه القضية اليمنية موقفاً متأرجحاً . تارة تدعم رابطة الجنوب العربي ضد انجلترا و ضد النظام الملكي المتخلف ، و تارة تتقرب من الأخير ضد انجلترا . و قد كان هذا التأرجح طابع العلاقات فيما بين الدول العربية نفسها التي كانت تتراوح صعوداً و هبوطاً ، تبعاً لتطور الأوضاع في الشرق الأوسط .

إلا ان دخول اليمن في اطار ( الدول العربية المتحدة ) بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة و اتحاد سوريا و مصر ، قد جعل الجمهورية العربية المتحدة تتبنى القضية اليمنية نهائياً . إلا أن هذا الارتباط قد حل بعد انفصال سوريا عن مصر . و بعد حل ( الدول العربية المتحدة ) في ديسمبر 1961 . و عندئذ عادت مصر الى سياستها التقليدية . و مع وصول الجمهوريين الى الحكم اندفعت مصر الى دعم النظام الجديد مادياً و دبلوماسياً ، و إلى اهمال رابطة الجنوب العربي من جديد . و قد كان لتدخلها العسكري الى جانب القوات الجمهورية أثر في زبادة رصيدها ، لأن ذلك أظهرها أمام الجماهير العربية بمظهر المدافع الحقيقي عن القومية العربية .

و تجدر الإشارة إلى أن الدول العربية الأخرى لم تكن تشارك الجمهورية العربية المتحدة في وجهة نظرها . فبعضها لم يكن يتبنى المطالب اليمنية و كان يشجب الاستعمار في الامم المتحدة و ينضاف إلى الكتلة الافريقية ـ الآسيوية في المطالبة بجلاء الانجليز عن اليمن الجنوبي دون أن يطالب بضمه إلى اليمن .


التوجه الى الامم النتحدة :

إذا كان تدهور الوضع الداخلي ، و على الحدود من جهة ، و الشعور بالتضامن مع اليمن من جهة أخرى ، هما السبب الذي دفع الى اللجوء الى الجامعة العربية ، فإن التوجه الى الامم المتحدة هو نتيجة لهذا التدهور .

و منذ أصبح طرح هذه القضية في الامم المتحدة طرحاً منتظماً ، اصبح تدخل الهيئة الدولية متزايداً و ملحاً . و اصبحت انجلترا يوماً بعد يوم تجد نفسها في موقف حرج إلى درجة رفضت معها التعاون مع اللجنة الفرعية التي جرى تعيينها لاستقصاء الرغبات الحقيقية للسكان .

لقد جر الانفجار الشعبي في عدن السلطات الاستعمارية الى اتخاذ تدابير عنيفة ز كما أنها أحالت إلى المحاكم القادة السياسيين و النقابيين و بعض الشبان و الفتيات الذين جرى توقيفهم خلال المظاهرات . و قد نقلت وكالات الانباء اصداء تلك الحوادث ، و عبر الرأي العام العالمي عن استنكاره لتلك التدابير التي لجأت إليها السلطات الاستعمارية . و قد كان رد الفعل الاقوى هو موقف الكتلة الافريقية ـ الآسيوية التي عريضة الى الامم المتحدة بتاريخ 4 يونيو 1963 تعلن بأن الوضع في ( اتحاد الجنوب العربي ) يشكل خطراً على السلام و الأمن ، و تقترح إرسال بعثة من قبل لجنة تصفية الاستعمار لزيارة المنطقة . و قد سبق أن قدمت استراليا و الدانمرك و الولايات المتحدة و ايطاليا مشروع قرار الى لجنة تصفية الاستعمار ( المعروف بلجنة الاربعة و العشرين ) يعترف بحق سكان عدن و امحمية بحق تقرير المصير و بالاستقلال . و يطالب عدا عن ذلك بإتاحة المجال لهم في المستقبل القريب ، بتقرير مصيرهم بحرية .

و قد تبنت اللجنة أيضا المشروع الآسيوي ـ الإفريقي القاضي بإرسال لجنة فرعية تتولى التحقيق و الاستقصاء على الطبيعة ، و ذلك بأكثرية 18 صوتاً ضد خمسة أصوات ( و هي أصوات القوى الغربية الأربع مضافا إليها صوت بريطانيا ) . و قبل أن يجري الانتخاب اعلن مندوب بريطانيا بأن حكومته لن تسمح لأعضاء البعثة بزيارة عدن . و كان يزعم بأن عمل البعثة يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية البريطانية لا بد أن يعيق الجهود التي تبذلها بلاده من أجل الأخذ بيد الاتحاد نحو الاستقلال . لذلك جاء في نص الاقتراح الذي تبنته لجنة تصفية الاستعمار ، بأن البعثة مخولة باللجوء إلى البلدان المجاورة إذا اقتضى الأمر من اجل استطلاع رأي السكان و بصورة خاصة رأي ممثلي و قادة الاحزاب ، و عقد مباحثات مع السلطة الإدارية (14) .

إن منع دخول اللجنة عدن ، دعا اللجنة إلى الاتجاه نحو المملكة العربية السعودية من أجل إنجاز مهمتها . و هكذا استطاعت أن تستطلع رغبات شعب اليمن الجنوبي عن طريق سماع وجهات نظر مختلف الوفود التي أرسلت من المستعمرة و من القاهرة للتحدث إلى ممثلي الأمم المتحدة .

و قد طلبت البعثة في تقريرها تنظيم انتخابات حرة . و تمت الموافقة على توصيات البعثة في 11 ديسمبر 1963 ، ثم تم التصويت على قرار جديد يدعو بريطانيا إلى تنظيم هذه الانتخابات .

و قد قوبلت تلك التوصيات بارتياح و حماس من قبل غالبية التشكيلات السياسية المحلية ن بما فيها حزب الشعب الاشتراكي . و لكنها رُفضت من طرف الأمراء الذين كانوا يصرون دوماً على معارضة إدخال مبدأ الانتخاب في مناطق نفوذهم و على حرمان اتباعهم من حق أولي أقره ميثاق الأمم المتحدة . أما بالنسبة للسلطة الاستعمارية ، فقد كان رد فعلها معتدلاً . لأن القرار ينطبق في جوهرة مع المشروع البريطاني الأولي باستثناء شرط الانتخابات المسبقة في المحمية . أما بالنسبة للمستعمرة ، فيمكن تذليل هذه الصعوبة . فقد سبق للمفوض السامي أن أعد نظاماً انتخابياً جديداً على هواه يجري تطبيقه عام 1964 و يستبعد فيه اليمنيين القاطنين في عدن من قائمة الناخبين و يعتبرهم اجانب ، بالاضافة إلى اعتبارهم مخربين و مشاغبين . الأمر الذي اثار موجة جديدة من الاحتجاجات ضد هذا التمييز السياسي . و في أنجلترا نفسها قامت بعض الصحف بتسجيل اسفها لأن ثلث السكان في المستعمرة قد حرموا من حق التصويت . حتى أن صحيفة الفاننشل تايمز في عددها بتاريخ 5 ـ 5 ـ 1964 تشير الى الثمانين الف يمنياً في قولها : ( إنهم يشكلون فريسة جاهزة لدعاية عبد الناصر . فما على بريطانيا إلا أن تدفع المشايخ في الاتحاد نحو المزيد من الديمقراطية و عدم الحيلولة دون تطور عدن ) .

و الخلاصة ، فان المشاعر العدائية التي أظهرها الشعب نحو الاتحاد ، إنما تنجم عن كون الاتحاد لا يعدو كونه نوعاً من انواع ( النوادي الخاصة ) التي يتم اختيار اعضائها بدقة من خلال الشخصيات المرتبطة اشد الارتباط ببريطانيا . و لن تتوقف تلك الكراهية إلا عندما يتبدد ذلك الانطباع عن الاتحاد . أما الوعود فأنها محاطة بالشكوك ، و لا يمكن أن تهدئ من روع الشعب . و إزالة حالة التوتر تتوقف على شرط وحيد ، و هو الدخول في مفاوضات مع رجال الحركة الوطنية الذين لا يريدون أن يخدعوا بالوعود .

إن مجموعة من الدلائل اتت حديثاً تؤكد تفاقم الاضطرابات : إلقاء القنابل ، إغلاق الحدود ، اعلان حالة الطوارئ ، و تزايد الأعمال الفدائية . و من ثم اعمال التوقيف و الملاحقة و النفي و الاعتقال و الطرد بالمئات (15) .

إن تدهور الوضع بشكل دائم دعا مجلس الأمن إلى التصويت بتاريخ 14 ـ 12 ـ 1963 على قرار يدين هذه التجاوزات ، و يطالب بوقف أعمال العنف البوليسية مباشرة . و قد قررت ( اللجنة الخاصة ) بانهاء الاستعمار تشكيل لجنة فرعية مؤلفة من خمسة اعضاء لمراقبة تطور الوضع و غعداد الزيارات لهذه المنطقة . و على أثر القصف الجوي البريطاني للقوات اليمنية في حريب تبنت ( اللجنة الخاصة ) بتاريخ 9 ابريل 1964 قراراً جديداً تعتبر اللجنة بموجبه الجلاء عن القاعدة البريطانية امراً مستحسناً ن و تطلب ألى المملكة المتحدة أن تلغي حالة الطوارئ و التدابير التي من شأنها أن تحد من الحريات و أن توقف قصف القرى (16).

و رغم ذلك كله ، فقد استمر الوضع في التدهور و اصبح يهدد مصير الأتحاد و السلام في المنطقة . فقد امتد تمرد قبائل ردفان و الأميري التي كانت الاذاعات المجاورة تزيد في اشتعاله ، و شمل مناطق أخرى . و بات هم القوات الاتحادية و البريطانية القضاء على مهد الثورة و الحيلولة دون انتشارها ، لأن لهيب الثورة إذا ما امتد الى عدن فإنه يصبح عندئذ بمثابة تهديد جدي للمصالح البريطانية .

و قد لفت الهجوم الضاري الذي تقوم به السلطات الاستعمارية على القبائل المتمردة ، انتباه لجنة تصفية الاستعمار ، فطلبت وقف العمليات التأديبية ضد سكان الاتحاد و شجبت التدخل الانجليزي ، و اعتبرت الاجراءات العسكرية التي اتخذتها بريطانيا في المنطقة تتنافى مع التصريح بمنح الاستقلال للبلدان و للشعوب المستعمرة .

إن بريطانيا ترى في حمى التمرد يد الجمهورية العربية اليمنية ، و هي تتخذ من هذا الاتهام تبريراً لأعمال القمع . و هي من جهة ثانية تنكر بشدة مساعدتها للعناصر الملكية لتقويض النظام الجمهوري . و ذلك في الحقيقة مخالف للواقع .

إن الشرط الاول للسلام هو التوقف عن التدخل في الشؤون الخارجية لليمن . فبدون ذلك لا بد أن يستمر النزاع حول الاراضي ، و أن يؤدي ذلك إلى تسميم العلاقة بين اليمن و بين الاتحاد . فالاتحاد لا يمكن أن يفرض نفسه في الداخل و الخارج إلا إذا توصل الى تعايش سلمي مع الدولة الجارة . كما أن بقاء الاتحاد يتوقف على المهارة التي يجب أن تتجلى في مواقف قادة الاتحاد و أصدقائهم الإنجليز .


....................................

1 ـ السير توم هيكينبوتام . ص 176 .
2 ـ ( دفاتر الجمهورية ) رقم 8 يوليو ـ أغسطس ، باريس 1957 .
3 ـ السير توم هيكينبوتام ، ص 55 .
4 ـ ( دفاتر الجمهورية ) العدد 8 يوليو ـ أغسطس ، باريس 1957 .
5 ـ الوثائق الفرنسية : ملاحظات و دراسات وثائقية ، رقم 2186 ، باريس 1956 .
6 ـ السر برنار ريللي ( عدن اليمن ) ص 30 .
7 ـ مجلة الاوريان العدد 7 باريس 1958
8 ـ ( عدن و المحمية و اليمن ) ص 23 ـ 24 ، لندن 1961 .
9 ـ مجلة الاوريان ، العدد 7 .
10 ـ السر برنار ريللي ، ص 57 .
11 ـ صحيفة التايمس تاريخ 9 ـ 10 ـ 1961 .
12 ـ الاوبزرفر في 27 ابريل 1958 .
13 ـ لومند في 17 ـ 1 ـ 1961 .
14 ـ لومند عدد 5 ـ 6 مايو 1963 .
15 ـ حسب تقرير صحيفة الطليعة الكويتية في عددها رقم 74 تاريخ 25 ـ 3 ـ 1964 ، هناك حوالي 993 شخصاً طردوا من عدن منذ 19 يناير 1963 .
16 ـ لومند الدبلوماسية ، عدد مايو ، 1964 .

.........................................


.......... يتبع إن شاء الله ........
ابو ملاك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-03-2007, 08:44 PM   #13
ابو ملاك
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 185
ابو ملاك is an unknown quantity at this point
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الزامكي;1052661541;
هل هو متوفر في السوق للبيع ام لا؟؟؟ ممكن ان تقول لي اين من الممكن الحصول على نسخة منه..... لك الود والتحية


الأخ / الزامكي ، تحية طيبة و بعد ،

بخصوص الكتاب ، فالنسخة الموجودة معي عثرت عليها بالمصادفة بين مجموعة من الاغراض القديمة ، و هي النسخة التي صدرت عام 1968 ( الطبعة الأولى ) ، و عليها ختم ( محلات الجيل الجديد الشيخ عثمان عدن ) ... ، و استبعد ان يكون للكتاب طبعة ثانية أو أن يكون موجود في السوق لطول المدة ، ربما تكون هناك عوامل سياسية ساهمت في أهمال الكتاب و عدم الترويج له ... ، و اعتقد ان هناك نسخاً من هذا الكتاب يحتفظ بها البعض ، فهناك من الكتاب و المؤرخين من قام بالأقتباس منه بل و السطو عل فقرات كاملة منه من دون الإشارة إليه ...! و لا داعي لذكر أسماء ...

الحقيقة معلوماتي محدودة عن الكتاب و الكاتب ، و قد قلت في البداية ان الكتاب ربما يكون صدر باللغة الانجليزية ، و لكنني و بعد ملاحظتي للمراجع الفرنسية الكثيرة التي يستند اليها الكاتب ربما يكون قد صدر باللغة الفرنسية ، خصوصاً ان المترجمين و الناشر من لبنان التي يكثر فيها الناطقين بالفرنسية ، و ربما يكون الكتاب اصلاً عبارة عن دراسة أو بحث لنيل شهادة الدكتوراة للأسلوب الأكاديمي البحثي المتبع فيه ، لقد زرت جناح دار الطليعة في معرض صنعاء الدولي للكتاب للأستفسار عن الكتاب ، و لكن مندوبهم رد بأنه لا يعلم عن الكتاب أي شيىء .

بالنسبة للكاتب فمن أسم عائلته أعتقد انه من أصل حضرمي و أتمنى من كل من يعرف عنه أو عن أسرته شيىء أن يبلغنا كي نستفسر منهم عن إمكانية إعادة طبع الكتاب ( ورقياً ) لجعله في متناول الجميع .
ابو ملاك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-03-2007, 09:12 PM   #14
ابو ملاك
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 185
ابو ملاك is an unknown quantity at this point
افتراضي المُلحق ( نهاية الكتاب )

[align=center]( مُلحق )


الأحداث السياسية في فترة 1965 ـ 1967 م[/align]

إن ميزة هذه الفترة الأكثر بروزاً هي بدون شك الاتساع الذي أخذته الحركة الوطنية للتحرر مُعرِضة بذلك سياسة المملكة المتحدة في اليمن الجنوبي للفشل و مبعدة قادة الاتحاد التقليديين . و قد آل النظام القائم إلى الزوال دون أدنى أسف .

1 ـ مؤتمر لندن في شهر ( أغسطس ) 1965 م .

في محاولة أخيرة لإنقاذ البناء الذي شُيد سنة 1959 من قبل المحافظين ، دعا العماليون في شهر أغسطس 1965 إلى عقد مؤتمر جديد في لندن ، اشترك فيه بالإضافة إلى البريطانيين و الزعماء التقليديين ، ممثلون عن حكومة عدن و سلطنات حضرموت و قادة حزب الشعب الاشتراكي و رابطة الجنوب العربي .

و كان الاجتماع يرمي إلى البحث عن الوسائل التي يمكن بواسطتها التقريب بين مواقف الأحزاب و الفئات المتنازعة محلياً بقصد تشكيل ( حكومة اتحاد وطني ) كانت المملكة المتحدة تنوي تسليمها السلطة في وقت لاحق . و كان قد ظهر على الفور أن الخلافات كانت بالغة العمق و أن المواقف متباعدة جداً حتى يكون ثمة أمل بالتوصل إلى حل تقبله كل الأطراف . كان العماليون و أصدقائهم يريدون في الحقيقة أن يبقى النظام الاتحادي كما هو بينما كان ممثلو المعارضة يطالبون بإصلاحات دستورية تتعارض مع مصالح الطرف الأول . و نظراً لعدم التمكن من إيجاد مجال للتفاهم لم يكن على الحكومة البريطانية إلا أن تتقبل مرة أخرى فشل مجهودها .

و في عدن ، دخلت الأزمة التي تعيش منذ عدة سنوات ، في مرحلة جديدة من التوتر ؛ فالحكومة العدنية التي كان يرأسها في تلك الفترة عبد القوي مكاوي ، عرفت تحولاً وطنياً واضحاً و رفضت مراعاة الاعتراضات البريطانية التي سببها الإرهاب . و بالرغم من شكوى علنية تقدم بها المندوب السامي ، أمتنع المكاوي عن إدانة الهجمات و الاعتداءات المرتكبة ضد الرعايا البريطانيين و بالأخص اغتيال رئيس المجلس التشريعي .

منذ ذلك الحين كانت أيام وزارة مكاوي معدودة . فبالاتفاق الضمني مع لندن أتخذ المندوب السامي في شهر سبتمبر 1965 القرار الخطير القاضي بتعليق دستور عدن ، و بتنحية حكومة مكاوي .

كان ذلك الأمر نهاية حقبة و بداية عهد جديد ستكون ميزته الأساسية التقدم المظفر للقوى الوطنية .



2 ـ نشأة جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل Flosy :

بالرغم من المقدرة على المقاومة بالقوة ، كان عبد القوي مكاوي و قادة حزب الشعب الاشتراكي لا يزالون يتحاشون اللجوء إلى القوة . في الحقيقة كانوا يحتفظون بأمل جر لندن إلى التعقل و الحكمة عن طريق الضغط و العمل السياسيين بالضبط . و لهذه الغاية ، جزئياً ، تم إنشاء منظمة التحرير سنة 1965 . و أما السبب الخفي الذي أدى إلى إنشاء هذه المنظمة ثم إلى إنشاء ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) فقد كان ، مع ذلك ، رغبة قادة حزب الشعب الاشتراكي في إنقاذ الجامعة النقابية ( المؤتمر العمالي العدني ) التي قوضتها جدياً ( الجبهة القومية للتحرير ) التي توصلت سنة 1965 إلى كسب ست نقابات من أقوى نقابات المنطقة إلى جانبها .

كانت منظمة التحرير تطمح منذ البدء إلى تجميع كل أحزاب المعارضة في داخلها . و قد نجحت في ذلك نجاحاً واسعاً في الظاهر على الأقل ، لان هذه الأحزاب ، باستثناء رابطة الجنوب العربي ، قد أُعجبت بضرورة التجمع و الانضواء ، حتى بضرورة الانصهار في منظمة واحدة تدعى من الآن فصاعداً ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) . كذلك وافقت رابطة الجنوب العربي على مبدأ الاتحاد لكنها رفضت أن تنحل في جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل .
إلا أن الحدث الأكثر أهمية و بروزاً كان دخول ( الجبهة القومية للتحرير ) في المنظمة الجديدة . و حسب أقوال بعض المراقبين ، يمكن أن يكون الدخول قد فرضه عليها مع ذلك بعض زعمائها الذين كانوا قرروا ، بمبادرتهم الخاصة ، إلزام ( الجبهة القومية للتحرير ) بدون استشارة قيادتها العليا . كذلك لم يكن هذا السراب من التعليل مقبولاً تماماً . فلم تلبث المنازعات أن ظهرت بجلاء .
كان قادة منظمة التحرير السابقة المتمرسين في العمليات السياسية و الميالين قليلاً إلى النضال المسلح الذي كانت ( الجبهة القومية للتحرير ) تقوده منذ اكتوبر1965 ، يريدون أن يكونوا رجال سياسة قبل كل شيء ، بينما كان قادة ( الجبهة القومية للتحرير ) يعتبرون أنفسهم كرجال فعل و عمل . هكذا كان مفهوم العمل الثوري الذي ينبغي الشروع به لتحرير البلد من النير الاستعماري يختلف كلياً من جماعة لأخرى .

في البداية كان القادة الوطنيون يبذلون جهودهم للهيمنة على الخلافات نظراً لما تقتضيه الأحوال . غير أن اختيارات و أمزجة مختلف الأطراف المعنية كانت متعارضة لدرجة أن التحالف العدني كان يعاني بشدة ، يقول زعماء ( الجبهة القومية للتحرير ) أنهم كانوا ينوون ليس فقط تحرير البلد و إنما تصفية الماضي أيضاً ، بينما كان زعماء ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) يعطون الأولوية ، على ما يبدو ، للتحرير السياسي . بعبارة أخرى ، كانت الخلافات تدور حول السياسة التي ينبغي نهجها ، بعد طرد الاستعمار و الرجعية أكثر مما كانت تدور حول نضال التحرير بمعناه الحقيقي . و تبدو هذه الخلافات كأنها تعبر دوماً عن الفرق الذي يفصل زعماء المنظمتين الوطنيتين المتنازعتين .
لكل هذه الأسباب فسخ التحالف الذي جرى في 13 يناير 1966 في ديسمبر من السنة ذاتها . استعادت ( الجبهة القومية للتحرير ) حرية عملها و كثفت نشاطها العسكري في مناطق البلد الداخلية و الأعمال الإرهابية في المراكز الحضرية . و في نفس الوقت قوت و وطدت أوضاعها في الجيش و الشرطة و النقابات و في صفوف المثقفين الشبان ، و ازداد تأصلها في الأرياف . و مع تبني هذا الخط القاسي عرفت الحركة الثورية تحولاً حاسماً .
أما ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) فقد أناطت نفسها بقيادة عسكرية مستقلة ( المنظمة الشعبية ) عهد اليها برعاية النضال المسلح ، و بمكتب سياسي يقع العمل السياسي على عاتقه . و قد ضاعفت مجهودها على الصعيد الداخلي و بذلت نشاطاً دبلوماسياً واسع النطاق في الخارج و بالأخص في هيئة الأمم المتحدة .



3 ـ بعثة هيئة الأمم المتحدة

كانت مشكلة اليمن الجنوبي ، منذ عدة سنوات ، تطرح بانتظام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة . و قد بحثتها الجمعية العامة مرة أخرى في دورتها السنوية لعام 1966 . و في نهاية تلك المناقشات ، صوتت الجمعية العامة على قرار يطلب من الأمانة العامة إرسال بعثة خاصة إلى عدن لدرس رغبات السكان و للتشاور حول إجراءات حصول البلد على الاستقلال . و وعدت المملكة المتحدة بالتعاون مع البعثة .
و في شهر مارس 1967 ، توقف أعضاء البعثة الثلاثة ، و هم في طريقهم إلى عدن ، في لندن و القاهرة و جدة للاتصال بالسلطات الرسمية و بممثلي المعارضة . استقبلتهم القاهرة استقبالاً بارداً . و كانت ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) و ( الجبهة القومية ) تتهمان البعثة علناً بأنها تلعب لعبة الاستعمار و الرجعية و قررتا تجاهل وجودها في عدن . و لدى وصولها إلى منطقة عدن قامت الجبهتان بموجة اضرابات و مظاهرات و صعّدتا الأعمال الإرهابية ضد الجيوش الإنجليزية حتى تظهر للبعثة عداء السكان لها و تبرهنا لها على قوتهما .

من جهة أخرى كانت ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) تطالب ، قبل البدء بأية محادثات ، باعتراف البعثة بها كممثل وحيد لشعب اليمن الجنوبي . و أما ( الجبهة القومية ) التي لم تكن تنعت نفسها بتفرد كهذا ، فقد قاطعت البعثة و رفضت كل مزاعم ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) . و خلال الإقامة القصيرة لممثلي هيئة الأمم المتحدة في عدن ، كان خط قيادتها فطناً حقاً و لكنه صارم .
أخيرا لم تكن رابطة الجنوب العربي ، التي كان موقفها مشبوهاً و ضعيفاً منذ تفجير القنابل في حضرموت ، في وضع يسمح لها بمجابهة التيار المعادي للبعثة و حتى بالإعراب عن وجهات نظرها لأعضاء البعثة . و بكل وضوح ، تجاوزتها الأحداث تجاوزاً كاملاً .

من الجانب البريطاني بذلت سلطات عدن كل ما في وسعها لعزل ممثلي هيئة الأمم المتحدة ، بقصد إفشال مهمتهم . و كان التكتيك المتبع يقوم على جعل المنظمة الدولية تعترف بعدم مقدرتها على حل المشكلة و على جرها للاعتراف بشرعية النظام الاتحادي . و مع ذلك لم تخف نوايا هذا التكتيك على أعضاء البعثة و لا على الوطنيين . فأماط أعضاء البعثة و الوطنيون اللثام ، بنجاح ، عن مؤامرة السلطات الاستعمارية .

و بالتالي ، تنبهت البعثة بسرعة إلى أن وعود حكومة لندن و نواياها الحسنة كانت كاذبة . و أعطي لها الدليل على ذلك عندما قامت السلطات الاتحادية ، الخاضعة مع ذلك للمندوب السامي ، بمنع رئيس البعثة من الظهور على شاشة التلفزيون ليتحدث إلى السكان و إلى ممثليهم الفعليين ، و منع قراره و بيانه بحجة أنه تجاهل الحكومة الاتحادية . عندئذ قام بمسعى آخر لدى المندوب السامي للأذن للبعثة بذلك ، غير أن هذا الأخير رفض أن يتدخل . فأنذرته البعثة بنتائج رفضه غير أن الإنذار لم يؤخذ بعين الاعتبار . و لم يكن أمامها آنذاك إلا أن تغادر عدن . و قد أثار سفرها المفاجئ ضجة كبيرة في العالم . و قد ضايقت الفضيحة حكومة ويلسون التي وجدت في شخص المندوب السامي المسؤول كبش محرقة ممتازاً . و مع ذلك فهو لم يقم إلا بتنفيذ الأوامر التي تلقاها . و هكذا تمكنت الوزارة من إنقاذ ماء وجهها .

كان يظن في البداية أن لندن تتظاهر بالرد لتغرر بالرأي العام البريطاني و العالمي فقط ، في الحقيقة كانت عازمة فعلاً على وضع حد نهائي لمشكلة اليمن الجنوبي .


4 ـ سياسة لندن منذ سفر البعثة المفاجئ .

في شهر أبريل سنة 1967 ، قامت لندن بتعيين اللورد شاكلتون ليتفحص الوضع عن كثب ، و في شهر مايو تم تعيين مندوب سامي جديد ليقوم بتنفيذ التوجيهات المعطاة له . و المندوب السامي السير هامفري تريفليان هو دبلوماسي محترف يعرف العالم العربي معرفة جيدة .

مشاهداً فشل سياسة حكومته ، أوصى المبعوث الخاص بتزايد و اضطراد المسار الاستقلالي ، نظراً لان قاعدة عدن لم تعد لها أهمية بالنسبة لإنجلترا منذ أن تقرر الجلاء عنها في شهر فبراير 1967 . و أسرعت لندن في تبني توصيات الوزير المكلف و أعطيت الأوامر للسير هامفري تريفليان لوضع حد ، في أسرع وقت ممكن و بكل الوسائل ، للوجود البريطاني في اليمن الجنوبي . و أول قرار جرى اتخاذه كان تحديد تاريخ استقلال البلد . و قد تم اختيار التاسع من يناير 1967 كيوم حصول اليمن الجنوبي على السيادة الدولية .
من الآن فصاعداً ، ستمضي الأحداث السياسية في الاضطراد على وتيرة غير معتادة . فقد تفكك النظام الاتحادي على أثر تمرد 20 يونيو 1967 . و كمحاولة أولى ، أشار المندوب السامي على المجلس الاتحادي الأعلى أن يعين حسين بيومي ، وزير الإعلام ، لتشكيل حكومة جديدة ينبغي عليها أن تظم عناصر يتقبلها الوطنيون . و كانت مهمة كذلك معرضة للفشل مسبقاً لأنه لم يكن من الوارد أن يؤيد الوطنيون حكومة تترأسها شخصية من النظام الاتحادي . و من جهة أخرى ، عندما قدم بيومي لائحته ، رفضها المجلس الأعلى دونما تردد لأنها كانت تظم شخصيات جامحة لا يوافق عليها حتى الزعماء التقليديين دون أن نتحدث عن موافقة المنظمات الوطنية عليها .

و للنطق بالحقيقة ، لم يكن رفض التشكيلة في الواقع سوى السبب الظاهري لفشل مهمة بيومي ، كان السبب الحقيقي هو الاقتراح الذي قدمه بيومي مع موافقة البريطانيين إلى سلاطين لحج و الفضلي و الدول و الإمارات الأكثر اقتراباً من عدن . لقد اقترح عليهم ، في الحقيقة ، إنشاء دولة موحدة تضم بالإضافة إلى عدن ، سلطنتي العوذلي و الفضلي . و ليجعل مشروعه جذاباً أكثر ، أعلمهم أن الحكومة البريطانية كانت مستعدة للاعتراف بالدولة الجديدة و لإناطتها بمساعدة مالية و عسكرية . بعبارات أخرى ، طلب منهم أن يعلنوا انسحاب إماراتهم من الاتحاد ، و ضمن لهم دعم المملكة المتحدة سياسياً و مالياً . و عندما أطلع القادة الآخرون في الاتحاد على هذه المؤامرة الموجهة ضدهم ألغوا تكليف بيومي و شهّروا به علناً . إلا أن إجهاض هذا المشروع ذي الإيحاء البريطاني ورطهم .

و أتاح وصول بعثة الأمم المتحدة إلى جنيف في شهر أغسطس فرصة ممتازة أمام المندوب السامي ليتخلص بصورة نهائية من الزعماء التقليديين المضايقين . و بناء على طلبه سافرت أكثريتهم إلى سويسرا لمقابلة أعضاء البعثة . و بعد أن استمعت البعثة إليهم سافرت إلى بيروت و القاهرة على أمل التمكن من رؤية ممثلي ( الجبهة القومية للتحرير ) و ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) . و وافقت الأخيرة التي بدأت تظهر دلائل ضعفها ، على مقابلة البعثة بينما أنكرت ( الجبهة القومية ) حق البعثة في مناقشة مشكلة اليمن الجنوبي . عندئذ توجب على البعثة أن تعود إلى نيويورك لتقدم تقريرها إلى الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة .

و في البلد ، سلكت الأحداث منحى دراماتيكياً . ففي عدن تدهور الوضع بسرعة و بدأت ( الجبهة القومية ) في داخل البلد بزحفها على الإمارات . و في آخر لحظة أستنفر المجلس الأعلى الجيش لإنقاذ الاتحاد من الفوضى ، فرفض الجيش أن يتدخل و رد بجفاء طلب رئيس المجلس الأعلى الذي طلب منه ، أن يتسلم السلطة بلا شرط و لا استثناء . و لم يلبث النظام الاتحادي أن سقط تاركاً وراءه فراغاً كاملاً و مطبقاً .

و علمت الحكومة البريطانية بهزيمة السلطة الاتحادية فتوجب عليها أن تعترف رسمياً في بيان مهم ، بالقوى الوطنية كالممثل الوحيد لشعب اليمن الجنوبي . و في نفس الوقت دعا المندوب السامي الزعماء الوطنيين إلى التباحث حول شروط تسلم السلطة . و حسب مصادر مطلعة بوجه عام ، نبههم إلى أنهم إذا لم يعزموا على إجراء المباحثات المطلوبة خلال شهرين من 3 سبتمبر إلى 3 نوفمبر 1967 ، فان حكومته ستتخذ الإجراءات اللازمة . إلا أنهم منحوا مهلة أسبوع للتفكير قبل أن تتخذ تلك الإجراءات .

و تعني لندن ، على ما يبدو ، بالقوى الوطنية الجبهة القومية للتحرير و جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل . و أما نداء المندوب السامي فقد اعتبر بوجه عام موجهاً لزعماء المنظمتين . و في كل حال ستحاول كل منظمة من الآن فصاعداً أن تقوي وضعها محلياً على حساب المنظمة الأخرى في اغلب الأحيان ، بقصد التباحث انطلاقاً من وضع قوي . و في هذا السباق مع الزمن ، توصلت ( الجبهة القومية للتحرير ) التي سبقت جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل منذ شهر يوليو في وقت قياسي إلى نشر نفوذها على معظم دول الإمارات في الاتحاد و كذلك على حضرموت .

و استجابة لرضا السلطات الاستعمارية و العسكرية البريطانية ، أدى هذا التسابق إلى اصطدامات دموية بالأخص في لحج و دار سعد و الشيخ عثمان التي صارت أخيرا تحت إشراف الجيش العربي .

نُصّب الجيش بادئ ذي بدء حكماً بالرغم عنه ، ثم ظهر كقوة ثالثة . و هكذا تم دخوله إلى المسرح السياسي ، الأمر الذي يعرضه لمخاطر الانقسام و يجعل منه هدفاً سهل المنال من قبل هجومات و انتقادات الفئات الأولى و الفئات الأخرى .

كانوا يقولون أنه كان من الأفضل أن يظل الجيش بعيدا عن المشاحنات السياسية و الصراعات التحيزية . و لكن هل كان للجيش أن يختار في الواقع ؟ و في اختلاطها ، سارعت السلطات البريطانية في إخلاء المدن و القرى التي جلت عنها جيوشها ، أمام الجيش الوطني . و كان على الجيش عندئذ أن يعمل على استتباب الأمن في هذه المراكز المعرضة كثيرا للإرهاب و الرعب . و كيف كان يمكنه رفض القيام بهذه المسؤولية الأولية . فبانتظار عقد المصالحة الوطنية ، كان الجيش وحدة ، في الحقيقة ، في وضع يسمح له بمواجهة المشاكل التي كان يطرحها استتباب الأمن . و كان الوطنيون ، مع وعيهم لخطورة وضعهم ، لا يبحثون من جهة أخرى عن التعارض معه حتى يتجنبوا إراقة الدماء و يوفروا على المواطنين آلاما إضافية لا تجدي .


5 ـ صعود الجبهة القومية للتحرير NLF :

تأسست الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل في 14 أكتوبر 1963 ، و كانت المحرك الحقيقي للتمرد المسلح في قبائل ردفان و لإحداث الثورة بوجه عام .

و حتى نشأة ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) كانت ( الجبهة القومية للتحرير ) تتمتع بدعم الجمهورية العربية المتحدة التي كانت تقدم لها مساعدة مادية لا تُقدّر . و منذ ذلك الحين سيتجه تأييد الجمهورية العربية المتحدة إلى جانب ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) وحدها . و أخذت ( الجبهة القومية للتحرير ) تبتعد قليلاً عن القاهرة غير أنها حرصت على عدم قطع علاقتها مع مصر و على عدم مهاجمتها .

و أدى تبدل التحالفات إلى إضعاف وضعية ( الجبهة القومية للتحرير ) بالأخص في الخارج حيث يتمتع خصمها بشهرة واسعة . مع ذلك ، عرفت ( الجبهة القومية للتحرير ) أن تعوض عن هذه الخسارة بتقوية وضعها في الداخل . و منذ عام 1965 ، نجحت في التغلغل في الحركة النقابية و في الجيش . و يعود صعودها إلى هذه السنة بالضبط . و حتى عام 1966 كان تقدمها بطيئاً و لكنه متواصل . غير أن عام 1967 كان حاسماً . فتمرد الجنود و الشرطة الذي حدث في 20 يونيو 1967 و الذي جعل ( الجبهة القومية للتحرير ) و جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل تسيطران على مدينة كريتر طيلة أسبوعين تقريباً ، قوى مجدداً نفوذ ( الجبهة القومية للتحرير ) . غير أن إخلاء العائلات المسيطرة ، فجأة عن اقطاعاتها منذ شهر أغسطس هو الذي فرض ( الجبهة القومية للتحرير ) بصفة نهائية و جعل منها المتباحث الأكثر قوة مع الحكومة البريطانية .

كما كان ينتظر ، أثار صعود ( الجبهة القومية للتحرير ) المفاجئ الصاعق تعليقات و توقعات مغرضة لا تعد . فقد اشتبه أولاً بالجبهة القومية للتحرير ، ثم اتهمت علناً بالتعاون و بالتآمر مع السلطات الاستعمارية . و كانت هذه الحملة ترمي إلى التشكيك بالجبهة القومية للتحرير أمام السكان و العالم العربي و إلى إذكاء الحرب الأهلية ؛ و هكذا ألقت زيتاً على النار .

و في الحقيقة يمكن تفسير سقوط الأنظمة الإقطاعية و اعتباراً من ذلك التقدم المظفر الذي أحرزته ( الجبهة القومية للتحرير ) في داخل البلد بالأمور التالية :

( أ ) ـ عندما قرر البريطانيون سحب جيوشهم من داخل البلد في بداية عام 1967 ، حكموا بالموت الأكيد على أنظمة الأمراء . فقد تخلى عن الأمراء أصدقاؤهم الإنكليز كما تخلت عنهم قبائلهم الخاصة بهم . هكذا سقطت إماراتهم كأوراق الخريف بلا قتال تقريباً .

( ب ) و أما رفض الجيش الاتحادي إغاثة الأنظمة الأميرية المهلهلة ، فلم يكن أمرا مفاجئاً لان وضع الأمراء و الشيوخ كان قد أصبح غير مقبول و لان قسماً كبيراً من الضباط كان يعطف على الحركة الوطنية .

( ج ) ـ أخيراً ، ثمة حدث مهم يستحق الذكر هنا . و المقصود بذلك هو التنظيم المرموق في ( الجبهة القومية للتحرير ) و تأصلها الصلد في الأرياف . إن فعالية و نفاذ جهازها هي التي كونت و لا تزال تكون قوة الجبهة .

و هكذا ، فمن جلي الأمور هو أننا لا نستطيع أن نتجاهل هنا الإشراف شبه الفعلي الذي تمارسه ( الجبهة القومية للتحرير ) على القسم الأعظم من اليمن الجنوبي . بفضل هذا الإشراف ، خضع البلد ، لأول مرة في التاريخ ، لسلطة واحدة .


6 ـ تأثير النكسة العربية في حزيران 1967 على تطور الوضع في اليمن الجنوبي .

إن مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الخرطوم في شهر أغسطس 1967 قد كرس انتصار الاعتدال العربي ؛ و كان المؤتمر أحدى النتائج لنكسة حزيران التي ضربت الحركة التقدمية في الشرق الأوسط .
و قد تضررت الجمهورية العربية المتحدة تضرراً خطيراً من العدوان الإسرائيلي فأصبحت مجبرة على التعاون مع الأنظمة المعتدلة ، و مقابل المساعدة المالية من العربية السعودية و الكويت و ليبيا توجب عليها أن تنسحب من جهات متعددة . و من بين الدلائل الكبرى لهذا الانسحاب ، لن نذكر هنا سوى بالدلائل المتعلقة مباشرة بالجنوب العربي . فمن جهة انسحاب القوات المصرية اللا مشروط تقريباً من اليمن ( اتفاق جمال عبد الناصر ـ و فيصل ) و من جهة أخرى المجهود الذي تبذله جامعة الدول العربية في سبيل المصالحة الوطنية في اليمن الجنوبي . إن نهاية الوجود العسكري المصري و محاولة التنظيم العربية كان لهما نتائج تتعارض مع أوضاع القوى الوطنية في الجنوب اليمني .


( أ ) المجهود الذي بذلته الجامعة العربية في سبيل المصالحة :

تحت ضغوطات مجتمعة من جانب الجمهورية العربية المتحدة و العربية السعودية ،عينت الجامعة العربية في سبتمبر 1967 ، لجنة خاصة مؤلفة من خمسة أعضاء مهمتها درس الوسائل لتحقيق الوحدة الوطنية في اليمن الجنوبي . و أخذت اللجنة الوطنية على عاتقها الاستماع لكل الأحزاب و الفئات بما في ذلك الأمراء المخلوعين ، و العمل بغية تشكيل حكومة اتحاد وطني .

و بالطبع كانت العناصر المعتدلة و التقليدية التي تحميها العربية السعودية و التي كانت تقدم لها الجامعة العربية آخر خط في البقاء ، هي أول من سافر إلى القاهرة . و اتخذت ( جبهة تحرير جنوب اليمن ) موقفاً تصالحياُ و وافقت على الاشتراك في محادثات اللجنة الخاصة . و أما الجبهة القومية للتحرير فقد رفضت بتاتاً توسط الجامعة العربية الذي اعتبرته ، بحق ، مؤامرة موجهة لحرمانها من النصر . بالإضافة إلى ذلك فقد كانت مستعدة كحد أقصى لمقابلة زعماء جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ، و لهذا السبب لم تحقق أعمال اللجنة الخاصة أدنى تقدم . ومن جهة أخرى أدى فتح باب المحادثات بين جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل و بين الجبهة القومية للتحرير إلى وقف تلك الأعمال .


( ب ) أفول نجم جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل :

كانت جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل قد بدأت تفقد سرعتها و تطورها منذ يونيو 1967 ؛ فضعف الجمهورية العربية المتحدة الناجم عن الحرب العربية الإسرائيلية و التقدم الهام الذي حققته الجبهة القومية للتحرير في داخل البلد ، وجها لجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ضربة قاسية ، و عبثاً حاولت جبهة التحرير أن تستعيد توازنها لأن الأوان قد فات .

في الحقيقة كانت جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل تبحث عن الاستيلاء على الدول الأميرية غير المتحررة بعد . فاصطدمت بالجبهة القومية للتحرير في إمارات الضالع و لحج و توصلت فقط إلى نشر نفوذها على بعض القبائل العوذلية . و في سلطنتي الواحدي و الكثيري أعلنت العناصر التقليدية حتى تكون في مأمن من هجمات الجبهة القومية للتحرير ، انتمائها إلى جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل دون أن تكون مع ذلك من الأنصار المقتنعين بهذه الأخيرة . و حصلت الاصطدامات الخطيرة في عدن و بالأخص في القرى و الضواحي . سقطت عدن الصغرى في أيدي الجبهة القومية و المنصورة تحت إشراف جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل بينما كان الشيخ عثمان عرضة لتقسيم حقيقي بين المنظمتين .

سببت هذه الاصطدامات الحزن المبرح العام و استاءت منها كل قطاعات السكان بالإجماع . و شرع رجال الدين و العسكريون بمساعي عديدة لدى الزعماء الوطنيين و الرئيس جمال عبد الناصر لوقف التصادم الأخوي القاتل . و في هذه الظروف المأساوية
وافقت المنظمتان على إجراء محادثات فيما بينهما .


7 ـ محادثات القاهرة :

بعد أن فشلت جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ( جبهة التحرير ) في تصحيح الوضع لصالحها ، توجب عليها أن تلين مواقفها السابقة . فقد انقطعت عن اعتبار نفسها الممثل الوحيد لشعب اليمن الجنوبي و تخلت عن مشروعها الرامي إلى تشكيل حكومة في المنفى . و عدا عن ذلك ، ظهرت موافقة على بعثة هيئة الأمم المتحدة و على اللجنة الخاصة الموفدة من قبل الجامعة العربية . باختصار ، أعطت عدة دلائل على ضعفها . إلا انه ظل بيدها عدد لا ينكر من المقومات أهمها : جهازها العسكري و نفوذها في عدن و تأييد الجمهورية العربية المتحدة و العطف الدولي من جهة أخرى .

و هكذا كانت أوضاع الجبهتين غير متعادلة عشية بدء المحادثات في القاهرة . كان ميزان القوى يميل بكل وضوح لصالح الجبهة القومية للتحرير . أن حالة الدونية هذه التي كانت فيها جبهة التحرير ستضغط بثقل على المحادثات .


( أ ) ـ بدء المباحثات .

بدأت المباحثات في أول أكتوبر بحضور عبد القوي مكاوي و قحطان الشعبي الأول رئيس وفد جبهة التحرير و الثاني رئيس وفد الجبهة القومية . و كانت النقاط التي ينبغي على الموفدين مناقشتها تدور حول :

ـ تشكيل حكومة مؤقتة ،

ـ وضع دستور مؤقت أيضاً ،

ـ و وضع برنامج عمل .

منذ البداية ، أحيطت المحادثات بتكتم شديد . و كان يظن أنها ستكون قصيرة جداً و حاسمة بسبب استمرار التوتر المحلي . و خاب أمل الجميع ، لأنهم ظلوا يتباحثون طيلة أسبوعين تقريباً بدون أية نتيجة مجدية .

و خلال ذلك الوقت استولت الجبهة القومية على حضرموت و هددت إمارتي العولقي و الواحدي اللتين كانتا قد أعلنتا ، مع ذلك ، ولاءهما لجبهة التحرير . غير أن الجبهة القومية قررت تحرير هذه الدول لأنها كانت تعتبرها كآخر بؤر مقاومة لدى الإقطاعيين .

و في هذا الجو المتوتر أذاع الضباط المنتمون إلى جبهة التحرير بياناً شهيراً في 20 أكتوبر يتهمون فيه السلطات البريطانية و بعض رفاقهم في الجيش بمعاونة الجبهة القومية لخنق مقاومة أنصار جبهة التحرير . و بهذا التغير المفاجئ حصل ما لا يمكن إصلاحه . فالجيش الذي تعرض بذلك لتناقضات السياسة انقسم إلى كتلتين متخاصمتين . و شبت حرب بيانات تتهم الجبهة القومية و جبهة التحرير بعضهما البعض بهجومات و استثارات مقصودة ، بينما كان زعماء الجبهتين في القاهرة يظهرون سكوتاً مدهشاً . و استمرت الوضعية الداخلية في التدهور . و كان من الضروري فرض قرار طارئ لتخفيف التوتر و للإجابة على المندوب السامي الذي يكاد إنذاره أن ينتهي .

أعلنت لندن ، لإخضاع الزعماء الوطنيين ، أنها ستذيع بياناً هاماً جداً في 2 نوفمبر . و كانت ردة فعل الزعماء الوطنيين سريعة للغاية ؛ فقد أعلنوا في 1 نوفمبر اتفاق أولي و لكنهم لم يعطوا أي توضيح بشأن محتواه . غير أن المحادثات دخلت في طورها الأخير ؛ و قد استقبل الاتفاق في عدن بسرور عظيم .

و في 2 نوفمبر أعلن وزير الخارجية في مجلس العموم ان حكومته قد قررت تقديم تاريخ استقلال اليمن الجنوبي هذا ، إلى نهاية نوفمبر 1967 بدلاً من 9 يناير 1968 . و أدى إعلان رحيل البريطانيين القريب إلى تصعيد التوتر من جديد .


( ب ) ـ تدهور الوضعية .

في ليلة الثاني من نوفمبر عادت المنازعات بعنف في عدة أماكن من عدن و أدت إلى سقوط بضع عشرات من الضحايا . و هيمن الخوف و اليأس على العائلات في الشيخ عثمان ، و بسرعة دب الهلع في باقي عدن حيث دارت معارك ضارية . و تدخل الجيش ، دونما نجاح ، للتوصل إلى توقف المعارك و أخيرا اضطر للأمر بوقف إطلاق النار على الفور و فرض منع التجول في المناطق المضطربة .

و في 4 نوفمبر وجه زعماء الجبهة القومية و جبهة التحرير نداء مؤثراً من القاهرة إلى أنصارهم يدعونهم فيه إلى وقف الاقتتال . و بعد هدنة دامت بضع ساعات ، عادت الصدامات إلى الظهور برعب ، و كانت نتيجتها تسميم الجو أكثر مما كان عليه . و اتهمت الجبهة القومية جبهة التحرير بانتهاك وقف إطلاق النار و طلبت من وفدها في القاهرة أن يوقف المباحثات و أن يعود إلى البلاد .

على اثر هذه الأحداث الدامية ، حمل الجيش جبهة التحرير مسؤولية الرجوع إلى المخاصمات . بناء على ذلك ، قرر المندوب السامي في 6 نوفمبر الاعتراف بالجبهة القومية كممثل شرعي وحيد للشعب اليمني الجنوبي بينما كان يعتبر ، قبل أسبوع فقط ، الجبهة القومية و جبهة التحرير هما الممثلان للشعب . و في ذات الوقت طلب الجيش من الجبهة القومية و من الحكومة البريطانية أن تبدءا المحادثات في اقصر فترة . إن موقف الجيش قد حل الصراع بشكل نهائي لصالح الجبهة القومية و تسبب هكذا في إفشال مباحثات القاهرة التي أصبحت غير مجدية و متجاوزة . و بادرت جبهة التحرير إلى اتهام الجبهة القومية بالتآمر مع المملكة المتحدة و مع الجيش .

خلف كل هذه الأحداث و الاصطدامات نجد بكل تأكيد الصراع من اجل السلطة في عدن و الرغبة في التباحث مع لندن بوضع قوي . و بالتالي ، كان من الجلي أن المنظمتين كانتا تعتمدان قليلاً على مباحثات القاهرة و تعطيان أهمية رئيسية للاستيلاء على عدن .

هيمنت الجبهة القومية على كل البلد تقريباً و وجدت أنه من غير الطبيعي أن تفلت عدن من نفوذها . و أما جبة التحرير فقد كانت عدن بالنسبة إليها ذات أهمية حياتية . فالإشراف على منطقة عدن كان أهم بكثير من السيطرة على مناطق البلد الداخلية . و هكذا كان الاستيلاء على عدن مسألة حياة أو موت بالنسبة لجبهة التحرير .

و بعد عدة أيام من المعارك الطاحنة خسرت جبهة التحرير معركة عدن ؛ و على الفور بدأت مطاردة أتباعها و مناضليها . و تبع ذلك تطهير الجيش و الشرطة و الإدارة .


8 ـ سقوط النظام الاستعماري :

إذن خرجت الجبهة القومية منتصرة من التصارع الدموي الذي دام من 1 إلى 6 نوفمبر ؛ و بسقوط عدن صار البلد كله تقريباً تحت إشرافها ؛ و سقط النظام الاستعماري كقلعة من الورق . إن وجود المندوب السامي و توقف الجيوش هما ظواهر السلطة الاستعمارية الوحيدة و الأخيرة ، و أما الادارة البريطانية فقد تلاشت بسرعة .

بحث الجبهة القومية بسرعة عن سد الفراغ و ذلك بحلولها محل السلطة الاتحادية في عدن و في داخل البلد .

و لأول مرة في التاريخ الاستعماري تتخلى المملكة المتحدة عن القيام بمسؤولياتها ، و في فلسطين بالذات كان ينبغي عليها أن تبقي سلطتها حتى يوم الرحيل النهائي . إن حلول سلطة الجبهة القومية مكان النظام الاستعماري تستحق أن يشار إليها بشدة ، فلم تقبل السلطة الاستعمارية في أي مكان من العالم بأن تقوم بتلاش و إختفاء مماثل قبل تسليم السلطة و إعلان الاستقلال ، و مع ذلك هذا هو ما حدث في اليمن الجنوبي ، و في هذه الظروف إذا كان للمباحثات بين الحكومة البريطانية و بين الجبهة القومية من جهة أخرى المقررة في 20 نوفمبر في جنيف لها معنى ما ، فهو اناطة الدولة اليمنية الجنوبية بصلاحيات السيادة الخارجية و تحديد مقدار المساعدة المالية البريطانية للدولة المستقلة الجديدة .

و كل شيئ يبدو مشيراً إلى أن البلد سيحصل في 30 نوفمبر على الاستقلال في الصفاء و الوحدة ، و مع ذلك سيطرح الحصول على الاستقلال مشاكل بالغة التعقيد تستلزم وقتاً طويلاً لحلها ، و لا يمكن لتغيير و لو جزئي في البنى الموروثة من الماضي و لانشاء بنى جديدة أن يتم دفعة واحدة نظراً لأن ظروف الانطلاق ستكون غير مواتية بصفة خاصة .



عدن ـ في تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1967


.............................................
ابو ملاك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-08-2007, 09:22 PM   #15
طالب الحق
كاتب ذهبي
 
الصورة الرمزية طالب الحق
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
المشاركات: 2,843
طالب الحق is on a distinguished road
افتراضي

شكراً جزيلاً لك يا ابو ملاك و يا حبذا لو تتعاون مع إدارة المنتدى لتخرج لنا الكتاب منسقاً ومخزناً على هيئة ملف Pdf لكي نتمكن من تحميله..
__________________
http://www.fileden.com/files/2011/11/4/3219757//yabladi.swf
طالب الحق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حمل كتاب (مصادر الفكر الإسلامي في اليمن) عبد الله بن محمد الحبشي عبد الله بن سالم ملتقى الأنساب و الشخصيات 0 20-03-2009 03:57 PM
ملخص كتاب النهج السوي في الرد على الحبشي (هدية لأعضاء الملتقى) باحث مغترب ساحة الحوار الاسلامي 31 12-10-2006 07:34 AM
بيان سياسي للتجمع الديمقراطي الجنوبي( تاج) حول التطورات الأخيرة في اليمن الجنوبي abu khaled 003 الساحة السياسية 3 08-04-2006 04:37 PM
بيان سياسي للتجمع الديمقراطي الجنوبي( تاج) حول التطورات الأخيرة في اليمن الجنوبي تاج عدن الساحة السياسية 4 08-04-2006 09:10 AM

أضف ايميلك هنا لتصلك مواضيعنا يوميا:

Delivered by FeedBurner


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:24 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م