تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > الأقسام الأدبية ( شعر, نثر, قصص, نقد ) > الساحة الأدبية للشعر العربي الفصيح

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 24-12-2009, 02:36 AM   #1
حضرمي قاسي
.
 
الصورة الرمزية حضرمي قاسي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: آسيا الحقيقة
المشاركات: 3,283
حضرمي قاسي is on a distinguished road
Sahm من هواجس الشّعر في ديوان المحضار


-



من هواجس الشّعر في ديوان المحضار

د/ عبدالله حسين البار






ذمّ الدّنيا والشّكْوى من الدّهر

يذكر أبومحمّد عبدالله بن مسلم بن قُتَيْبَة في الجزء الأوّل من كتابه ( الشّعر والشّعراء ) : ( أنّ أبا عمرو بن العلاء قال : أوّلُ شعرٍ قيل في ذمّ الدّنيا قولُ يزيد بن خذّاق :
هل للفتى من بنات الدّهر من واقي أم هل لهُ من حِمام الموتِ من راقي
قد رجّلوني وما بالشَّعْرِ مـن شَعَثٍ وألبسـوني ثيـاباً غيـرَ أخـلاقِ
ورفّعـوني وقالـوا : أيّما رجـلٍ وأدرجوني كـأنّي طـيّ مخـراقِ
وأرسلوا فتيةً من خيرهـم نسبـاً ليسبدوا في ضريح القبر أطبـاقي
وقسّموا المالَ وارفضّت عوائدهم وقال قائلهـم : مات ابنُ خذّاقِ )
وهي من ( المفضّليّات ) .. وقد نُسِبَتْ ثمَّ للممزّق العبديّ ، وتحقيق نسبتها إلى ابن خذّاق أولى كما يصرّح بذلك النّصّ .
والواقع أنَ الشكوى من الدّهر وذمّ الدنيا بمن فيها وما فيها هاجسٌ ترنّم به الشعراء من زمانٍ قديمٍ ، وتعدّدت بواعثه في أشعارهم .. فمنهم من شكا الدّهر وذمّ الدّنيا لطول إقامته فيها ، وكأنّ عمره الطّويل عبءٌ ثقُلَ عليه حملُه ، وعجز عن الخلاص منه . قال عمرو بن قميئة :
كـأنّي وقد جاوزتُ تسعين حجّةً خلعت بها يوما عذار لجــامي
على الراحتيـن مرّةً وعلى العصا أنـوء ثـلاثا بعدهنّ قيامــي

رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمى ولي بـــرام
فلو أنّهـا نبـلٌ إذاً لاتقيتهـــا ولكنّني أرمـى بغير سهـــام
إذا مـا راني الناس قالوا : ألم تكن حديثاً جديد البزّغير كهـــام
وأفنى وما افني من الدهـر ليـلـة ولم يغن ما افنيت سلك نظــام
وأهلكني تأميــــل يـوم وليلة وتأميـل عـام بعـد ذاك وعام

ومنهم من ذمّها لعجزه عن منازلتها كما كان يفعل من قبل . قال :
رمتني وستر الله بيني وبينهـا عشيــة أرآم الكناس رميمُ
رميم التي قالت لجارات بيتها ضمنتُ لكم أن لا يزال يهيمُ
ألا رُبَّ يومٍ لو رمتني رميتها ولكنّ عهـدي بالنضال قديمُ
ومنهم من شكا الدّهر وذمّ الدنيا لمصائبَ نزلت به حرمته ممّا يحبّ ، فرأى ما يكره ، فلم يملك من وسيلةٍ يصون بها عزّة نفسه سوى الشّكوى من الزّمان وذمّ ما استجدّ في حياته من أمورٍ وأحوال . قال البحتريُّ :
صنت نفسي عمّا يدنس نفسي وترفعّتُ عن جـدا كـلِّ جبسِ
وفيها ما مستملح الأشعار ما لا يفوت إدراك جماله ومحاسنه على غير لبيبٍ فما بالك به ؟ وحسبي أنْ أذكر لك منها قوله :
وكأنّ الزمان أصبح محمولاً هواه مع الأخسِّ الأخسِّ
ولهذا صلةٌ بما نحن فيه خائضون. وما ذكرته لك إلاّ لأنّ فيه نبضاً يرنّ صداه في طوايا وجدانك المتيقّظ. ولكن عدِّ عن ذا وتأمّل في آخرين من أمثاله شكوا الدّهر وذمّوا الدّنيا لأنّ مطامحهم كانت أكبر من قدراتهم ، فراموا مالا يستطيعون بلوغه ، وظفر غيرهم بما راموه وتمنّوه ، وهو أقلّ منهم منزلةً ، وأدنى إحساساً بالحياة . كما نجد من شكوى مترادفة ينفثها أبو الطّيّب في شعره :
رمـاني الدّهر بالأرزاء حتّى كأنّ غشاءَ قلبي من نبــالِ
فصرتُ إذا أصـابتني سهامٌ تكسّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ
و:
كيف السّبيلُ من الخطوبِ تخلّصاً من بعد ما أنشبن فيّّ مخالبــا
أفردنني ووجدن حــزناً واحداً متناهياً فجعلنه ليَ صاحبـــا
أظمتني الدّنيـــا فلمّا جئتُها مستسقياً مطرت عليَّ مصائبـا
ومنهم من عرف من الآيّام بهجتها ، واستقرّت في نفسه ذكرياتٌ طيّبةٌ عنها، ولكنّ حال الدّنيا حويلٌ والأيّام قلّبٌ .. فإذا رام مدح ما غبر من زمانه آده حاضره بأعباء ثقالٍ فانشغل بذمّ الزّمان الحاضر عن مدح ماضيه الجميل المونق . قال أبو العلاء:
كم أردنا ذاك الزّمانِ بمدحٍ فشُغِلْنا بذمِّ هذا الزمّانِ
ولقد تزداد الشّكوى مرارةً تصل حدّ التأفّف من الحياة وما فيها حين يدرك المرء ما يعانيه مجتمعه من أوضاعٍ مقلوبةٍ لا نجاة منها ما دام هو عاجزاً ، والقادرون لا يعون ما يرون ، وإذا وعوا صمّوا وعموا عنه أو شاركوا في توكيد صور القبح فيه ، وأسهموا في صنعها وكأنّها غايةٌ مبتغاة . ولك فيما قال أبو العلاء في (لزوميّاته) أدلّةٌ لم يخفَ عمقها مداها على قرّاء شعره في أدوار التاريخ .
صورٌ متعدّدةٌ لهاجسٍ واحدٍ . فماذا في شعر المحضار منه ؟ وماذا نزل بالمحضار من مصائبَ جعلته يشكو الدّهر ، ويذمّ الدّنيا ؟ وكيف استطاع التعبير عن ذلك كلّه في شعره المغنّى ؟ وهل استطاع أن يجمع بين شعرٍ تترنّم به الشِّفاه ، ومعانٍ مظلمةٍ سوداء تستعصي على التّرنّم والغناء ؟
ألحقّ أنّ المحضار شكا في شعره الدّهر وذمّ الدّنيا وتأفّف من الزّمان حتّى يخيّل للمرء أنّ المحضار جاء الحياة ليكابد فيها المشاقّ ،ويعاني من ويلاتها ألواناً . فبدت حياته صراعاً لا يكاد ينتهي أو يكفّ . وغدت لحظات الفرح والهناء في شعره ومضاتِ تترك أصداءً في أذن الزّمان لأنّها مختلسةٌ في غفلةٍ منه . ومن هنا نفهم لِمَ المحضار كثير السؤال عن غياب الفرح في حياتنا كما في قوله :
أين الفرح ؟ ولّى زمانه راح قليل في دنيا النّدم نفرح
واللي انجرح ما يجتبر يا صاح إلاّ إذا لاقى العلاج الصّح
الصّحّ ما حد قط من ماشي يصيح
وتأمّل ما في هذا اليقين من مرارةٍ وألمٍ ( قليل في دنيا النّدم نفرح) . فهي إذاً شكوى مريرةٌ من الزمّان لا تنقطع ، وهو تأوّهٌ ينبعث من أعماق النفس كاشفاً عن ألمٍ دفينٍ كمن في الأحشاء وأبى أن يبارحها .
ولقد يشكو المحضار شكوى الضّعيف من كائنٍ ميتافيزيقيّ عملاقٍ لا يقوى عليه كما في قوله :
قسا علي دهري لقى بئس الفعال يا بوي كم قاسيت من دهري وفعله
غصباً سقاني المرّ من بعد الزّلال وفي معاداتي خطا حدّه وزلّـــه
تفريـق يعطينـي وجملـــه وكم يدحرجها على راسي جبـال
العقـل منّه مـال
هنا يلجأ المحضار – وهو في قمّة إحساسه بالألم اللاذع الممضّ- إلى بعض الظّواهر البلاغيّة كالتصدير والتجنيس في قوله : ( الفعال / فعله ، الزلال / زلّه ) ، والمقابلة في قوله ( تفريق وجملة ) ، والمبالغة في قوله : ( كم يدحرجها على راسي جبال ) .. ناهيك بالكنايات المتعدّدة في ثنايا النصّ . على أنّ هذا أمرٌ له حديثٌ أخر في مقامٍ غير هذا المقام . فلننظر في طبيعة هذا الدهر الذي لاقى منه المحضار ما لاقى حتّى ليكاد منه يجنّ .. ( العقل منّه مال ) .
إنّ نظرةً عابرةً لهذا النصّ تكشف لك أنّ الدّهر قد بدا كائناً ميتافيزيقياً لا قدرة للمحضار على منازلته فتوالت ضرباته عليه متلاحقةً ، والمحضار لا حول له ولا قوّة . وأعظم ما يستطيعه هو أن يتعجّب من صنيع الدهر به ، وأن يتشكّي باكياً أو يبكي متشكّياً . وأين هو من جبروت أبي الطّيّب في تحدّيه الزّمان وقد كابد منه ما كابد ، وعانى من ويلاته ما عانى ، وذلك حين قال :
ولو برز الزمانُ إليّ شخصاً لخضّب شعر مفرقه حسامي
ولكنّها نفوسٌ براها الله اشتاتاً وإن تجمعت في زمانٍ ومكانٍ مّا . لذلك تتعدّد استجابات البشر لمتغيّرات الحياة ، وتتلوّن على حسب طبائعها وتكوينها الدّاخليّ.
ولقد يتغيّر شكل الشّكوى وتتراءى تذمّراً من سلوك كائنٍ متسلّطٍ من الممكن مجابهته ومنازلته كائنةً ما كانت قوّته . لكنّ المحضار يتذرّع بالصبر ، وبشيءٍ من الرفض الصّامت حتّى تسير الأمور على هوى النّفوس ورغباتها :
البــردح من يأكلك يا الدّاح ؟ ذلاّ فضيلة عا آل با دحدح
الكيل شح ما اعتاد كيلي شاح لكنّنا باللي بقي با نشَـح
لمّا قُدُه يتعدّل الكيل الشّحيح
من هنا يبدو المحضار مقصّراً عن منازلة الدّنيا ومحاربة الزّمان . فاكتفى بعتابهما ، واستبعاد هنائه فيها أو إحساسه بالأمان ما داما على تلك السجية :
كذا تلقين يا الدّنيا ؟ تردّين الوفي عيّاب والعــايب وفي
ويبقى المعرفي منكور في عينيك والمنكور يبقى معــرفي
متى باتنصفي ؟.. عليَّ طالت المدّة وهلّ الشّهر وتناصف
بعيدٌ هو العدل عنها .. وبعيد عنها الإنصاف كذلك . ولكن أليس في مستطاع المحضار شيءً آخر يصنعه سوى هذا العتاب الرّقيق ، والتعجّب من صنيع الدّنيا به وقد تغيّر كلّ مألوفٍ ، وتعاكست فيها الصّفات ، فغدا الجحود وفاءً ، وانقلب الوفاءُ إلى جحود ؟
إنّ ما يقوله شعر المحضار يدلّ على أنّه لا يستطيع شيئاً غير ذلك . وحسبه هنا أنْ يعاتبَ ويتعجّبَ ويزيد من لحظات صبره فوق ما قد صبر في سالف الآيّام . وإذا جدّ واستنكر واستفهم متأفّفاً وقال في شجنٍ :
متى متى ينجال
هذا الغيم وتحط فوقنا الأسبال
نتلاقى محل ما تلتقي الأوعال
وأشبال الغزاله ؟؟
باحثاً في ثنايا ذلك عن حلمٍ لا يكون، وأملٍ لا يتحقّق .. رضي من (الآخر) قوله:
الصّبر يا رجّال
بكرة تنفرج ويحلّها الحلاّل
والمقصود يتحقّقْ مع الآمال
يا الله بالجماله.
لِيُطامِنَ مِنْ جيشان نفسه ، فيثبت قولَ ( الآخر ) في نسيج كلامه ،وبين طيّات أقواله لأنّه يلاقي هوىً في نفسه وميلاً متعاظماً في الأعماق ، لكنّه لا يكفّ عن الشّكوى. وهي شكوى من الدّنيا وهو ذمٌّ للزمان نابعان من صراع المحضار مع الآخر بالمفهوم الوجوديّ ، لقد اتّحدت صورة الآخر بصورة الزمان عنده ، وتماثل موقف المحضار من الآخر مع موقفه من الزمان ، فعرف هذا بذاك ، وشكا من هذا على قدر شكواه من ذاك . فقال : ( زمانك زمانك يعرّفك بالناس ...وبالناس تعرف زمانك ) . على أنّ المحضار يتجاوز هنا ما ذهب إليه القائلون إنّ ( الآخرين هم الجحيم ) بكلّ ما في ( ال ) التعريف من استغراقٍ وإطلاق . إذ ليس الآخرون جحيماً مطلقاً ، فلقد يكونون في آحايين نعيماً وإنْ لم يبدُ خالداً لا يزول . فهم تأرجحٌ لا ينقطع بين الجحيم والنعيم . وقد يكونون الحالتين معاً على ما فيهما من تناقضٍ .. وذلك حين ينتقلون من صداقةٍ جارفةٍ إلى عداوة تكتسح كلّ جميلٍ ورائع . قال :
وهـم عالعسل واللبن من سمـح ضرّوني
وبعده سقوني من القـــاطع وضرّوني
ورجعوا يحافوني .. على الفلس والدّانك
إنّ النفس الحسّاسة لا تجحد الجميل حين يؤدها الفعل القبيح ، لأنّها تتخذ من الفعل الجميل – وإن تقادم العهد به – واحةً تفي إليها وتستظلّ بأشجارها ممّا تجد في الفعل القبيح من لفحٍ محرقٍ ولاذع .
يا سهران ليه السّهــر مالك فوق فرشك مقـر
تتذكّر زمانك ... عبـر حيّا الله ذاك الزمــان
لقد كان زماناً مونقاً ، فيه الحبّ والوفاء والودّ الصّافي وأشياء أخرى حُرِمَ منها اليوم فهو لذلك أولى بالثناء من غيره ( حيّا الله ذاك الزمان ) وإن بعد عهده ، وصارت النفس إلى عهدٍ آخر فيه من المرارة والألم ما يشغل المرء عن التفكير فيه . ولأنّ المآسي لا تقف عند حدّ ، وأوجاع الإنسان في الحياة لا انتهاء لها ، فقد تكون مكابدة الإنسان من الإنسان ذات بعدٍ شخصيِّ بحت ، فتتجلّى الشّكوى آهةً ينفثها الشّاعر علّه يتخلّص من أبخرتها السّامة .. كما في قول المحضار :
إذا جدّيت وظهرت هذا جا يفاخر وهـذا جا ينـافس
وإن غضّيت وصبرت قالوا ما معه مقدرة مسكين يائس
منين الياس ما دام نا لي ساق عالمشي يحملنـا وعرقوب
ولقد تكون المعاناة أوسع من ذلك وأشمل ، فإذا بها أمّةٌ تتغيّر بها الأحوال ، وتتخالف الأهواء ، وتؤول آمالها في السّعادة والاطمئنان النفسيّ إلى شقاءٍ واضطراب .. فتفزع الأمّة إلى شاعرها .. وينطق الشّاعر في قصيده عن خواطر النّاس وشكواهم ، ويكون كلامٌ غير ما أُلِفَ في شعره :
لما بها تصبر ولا تشكي أمام النّاس من علّه
والهون فيها والتّعب كل يوم تخرج منّها وصله
ولعاد فيها حال قدها ألاّ كما شاة الهريس
وله سوى هذا القول أقوال . ومن عجبٍ أن يستطيع المحضار الجمع بين شعرٍ تترنّم به الشّفاه في كلّ آن وهذه المعاني المظلمة السّوداء التي تستعصي على الترنّم والغناء . ولا أراني أدري لهذا سبباً محدّداً . فهل هو عائدٌ إلى مافي النغم من طربٍ يجعل مثل هذا القول مستساغاً في النفس ؟ أو هو عائدٌ إلى طبيعة سلاسة ألفاظه وبهاء صوره وبراعة نسجه ؟ أو هو عائدٌ إليهما معاً وإلى غيرهما من الأسباب ؟ قلتُ لا أدري ، لكنّني أتجاوزه مكتفياً بالإشارة إليه لأشير إلى أمر ثانٍ وهو أنّ الشّكوى في شعر المحضار تندغم مع الاعتداد بالذّات ، والفخر بالأنا ، وقدراتها على الفعل الإيجابيّ والعطاء النبيل . وهذا الفخر بالذّات واحدٌ من هواجس الشّعر في ديوان المحضار ، ويظهر في حالاتٍ متنوّعة ومتغايرة ، كأنْ يكون تحدّي الآخرين له صارخاً وعنيفاً ممّا يضطرّه لإظهار قدراته ، وما كمن في أعماقه من طاقاتٍ وإمكاناتٍ على الفعل الجبّار من أمثال أقواله:
إذا نطّيت نا بالافهـا المشكلـة غيري ينـاوط ما لفــي
بعيدة ما تجي بالكذب وألاّ باللباقـة والكـلام العاطفـي
بغت خاطر مدي .. مسلّم ما يهمّه برقها أو رعدها القاصف
و:
أنا لسيل العشق رعّاض والبقيّة تحت مرعاضــي
كم وكم سقّيت أراض من حنق منها رجع راضي
عنّي اسأل صيف وحريضه
و:
نـا عـارف الوادي وعارف شعابه خلّيتهن رجعن ثعول الذّيابه
إن شفت ثعلب قابلك لا تظنّه ذيب فتّح ســوا عينـــاك
.. إلى آخر ذلك . على أنّه في مظانّ يمزج الفخر بالذّات مع الشّكوى من الدّهر . فيخرج هذا من ثنايا تلك . قال :
نا في الهوى بيّض شعر مفرقي كلما قلب وجهه علي بيّضت شعره
هنا شكوى من حدثٍ واحدٍ من أحداث الزّمان خاض المحضار أهواله حتّى اشتعل رأسه شيباً بسببه . والحدث مرتبطٌ الآخر . وقد بلغ حرص المحضار على ذلك الآخر حدّاً مبالغاً فيه .. فراعاه ، وخشي عليه المضرّة ، وحذّره ممّا يؤدّي إلى نفوره منه ورفضه إيّاه ، وهو ما دفع به إلى الاعتراف المر ( كلما قلب وجهه علي بيّضت شعره ) .. وتلك حالةٌ أدنى ما تكون إلى العجز والخنوع . وهو أمرٌ يرفضه المحضار ويأباه .. فإذا به يصرخ في اعتدادٍ ، ويبدي من الفخر والزهو ما يليق بمثله من بني جنسه فيقول بعد ذلك السّطر مباشرةً :
لكنّنا ما با طرح بنـــدقي ورصاصتي ما يوم نشبت في المجرى
خبّط وقص وارمي بها خشره صيب الهدف لو هو على شخـره
ولا أصف نفسي خلافي يوصفون
أتراه نوعاً من التعويض النفسيّ يستعيد به الشّاعر توازنه وقد تلاشى منه حين أحسّ بالخنوع أمام الآخر ، وبالضّعف أمام أحداث الزّمان ؟ ربّما . لكنّها ظاهرةّ بارزةٌ في شعره ، واجبٌ ذِكْرُها ، وإن لم يكن من همّنا هنا تعليلها أو البحث عن أسبابها ودواعيها .
وأيّاً كان الأمر فإنّ تلك المواقف وسواها تتصل (بالفكريّ) في شعر المحضار ، وهي لا تنبع من نزعاتٍ فلسفيّةٍ ، ولا هي صدى قراءاتٍ متعدّدة في ثقافاتٍ متنوّعة فيكون انفعاله بها انفعالاً ورقيّاً إن جاز هذا التعبير ، ولكنّها حصيلة تجارب في الحياة وما كابد فيها وعاناه منها ومن هنا وهجها وحرارتها ، وهي نتاج استيعابٍ ذكيٍّ لتجارب الأوائل التي حصّلها المحضار من إدمانه سماع أشعارهم أو حكاياتهم أو غير ذلك من وسائل الاتصال . وهو لم يقل ما قال إلاّ لأنّه أحسّ بذلك وتوالت عليه أحداث الزّمان وكوارثه ، وتعاظمت في نفسه معاناة الآخرين من الدّهر وما أشدّ أهواله عليهم ّ لكنّه على الرّغم من هذا وذاك لم يزل يفوح من شعره الأمل بالصّلاح والإصلاح ، فلم يعرف اليأس إليه سبيلاً . قال :
ببقى معه عا الأمل ما دمت صب عاشق .. وبصبر على ما صابنا
حتّى تتمّ الأمـــاني والطّلب والليل لازم يطل بعده صبـاح
وبمثل هذا وذاك يكون الشّاعرُ مفزعَ الأمّة ، ورائدها الذي لا يكذب أهله .. ويغدو شعرُهُ صداحاً تتعلّق به الأفئدةُ التّائقة إلى إصلاحِ كلّ حالٍ خربٍ ، وتقويم كلّ معوجٍّ في الزّمان المعيش .



المصدر
بيت الشعر اليمني
مجلة بيت الشهر (دمون)
العدد الثالث





مع خالص التحية







-


حضرمي قاسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2009, 09:04 AM   #2
JustOne
(عقوبة) موقوف عن الكتابة
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 1,569
JustOne is on a distinguished road
افتراضي رد: من هواجس الشّعر في ديوان المحضار

مشكور يعيطك العافية و الله يرحم المحضار
JustOne غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
المحضار , الشّعر , حيوان , هواجس

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هواجس قلب جياش ملتقى الشعر الشعبي 18 16-02-2008 06:39 PM
هواجس المنبجي الساحة الأدبية للشعر العربي الفصيح 10 11-09-2003 06:53 AM
هواجس الرحيل حـــــنــــان ساحة الخواطر و نثر المشاعر الأدبية 17 30-08-2002 02:07 PM

أضف ايميلك هنا لتصلك مواضيعنا يوميا:

Delivered by FeedBurner


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:43 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م
ابشر