تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > الساحة المفتوحة

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع
قديم 21-10-2002, 12:22 PM   #1
سهاء النهدي
الــغارديـنــيــا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2002
الدولة: حكموا أن .. لا وطن !!
المشاركات: 47
سهاء النهدي is an unknown quantity at this point
افتراضي (( قراءة في قصيدة " جيكور و المدينة " للسياب ))

بدر شاكر السياب
هذه القصيدة من ديوان " أنشودة المطر " 1960

وتلتف حولي دروبُ المدينة
حبالا من الطين يمضُغْن قلبي ، ويُعْطِين عن جَمْرةٍ فيه طينة
حبالا من النار يَجْلِدْن عري الحقولِ الحزينة
ويَحْرِقْنَ جَيْكُورَ في قاع روحي ، ويزرعْنَ فيها رماد الضَّغينة
دروبٌ تقول الأساطيرُ عَنْها
على موقدٍ نام : ما عاد منها
ولا عاد من ضفَّة الموتِ سارِ
كأن الصَّدى والسَّكينة
جناحاَ أبي الهولِ فيها ، جناحان من صخرة في ثراها دفينة
فمن يَفجُرُ الماء منها عيونا لتُبْني قُرانا عليها ؟
ومن يُرْجِعُ الله يوما إليها ؟

وفي الليل .. فِرْدَوْسِها المستعارِ
إذا عرَّش الصخرُ فيها غُصُونَه
ورصَّ المصابيحَ تفاحَ نارِ
و مَدَّ الحوانيتَ أوراقَ تينة
فَمَنْ يُشْعِلُ الحبَّ في كل دربٍ ، وفي كل مقهى ، وفي كل دارِ ؟
و مَنْ يرجع المِخْلبَ الآدميَّ يداً يمسحُ الطفلُ فيها ، عروق الحجارِ ؟
وبين الضُّحَى وانتصافِ النهارِ
إذا سبَّحت بسمِ ربِّ المدينة
بصَوْتِ العصافيرِ في سدْرَةٍ يخلقُ اللهُ مِنْهَا قلوبَ الصِّغارِ
رحى معْدِنٍ في أكفِّ التِّجَارِ
لها ما لأسماكِ جيكور من لمعةٍ ، وما لا سمها من معانٍ كثارِ
فمن يسمع الروح ؟ ومن يَبْسُطُ الظِّل في لافحٍ من هجير النُّضَارِ ؟
ومَنْ يهتدي في بِحَار الجليد إليها ، فلا يستبيح السفينة ؟
وجيكور … مَنْ غَلَّق الدُّور فيها _ وجاء ابنُها يطرقُ الباب _ دونه ؟
و مَنْ حوَّلَ الدَّربَ عنها … فَمِنْ حيثُ دار اشْرأبَّته إليه دروبُ المدينة
وجيكور خضراءُ مسَّ الأصيلُ ذرى النَّخَلِ فيها بشمسٍ حزِينة
يمدُّ الكرى لي طريقا إليها
من القلب يمتدّ ، عَبْرَ الدَّهاليزِ ، عَبْرَ الدجى ، والقلاعِ الحصينة
وقد نام في بابل الرَّاقصون ، ونام الحديدُ الذي يَشْحذُونه
وغَشَّى على أعينِ الخازِنين لُهاثُ النُّضارِ الذي يَحْرُسونه
حصادُ المجاعات في جنَّتَيْهَا
رحى من لظى ، مرَّ دَرْبِي عليها
وكَرْمٌ عساليجه العاقراتُ شرايينُ تَمَّوزَ عَبْرَ المدينة
شَرَايينُ في كلِّ دارٍ ، وسجنٍ ، ومقهى
وفي كلِّ مستشفياتِ المجانينِ ، في كل مَبْغّى لَعَشْتَارَ ... يُطلِعْنَ أزهارَهُن الهجينة
مصابيحَ لم يُسْرج الزَّيْتُ فيها وتَمْسَسْهُ نارُ
وفي كل مقهّى ، وسجنٍ ، ومبغّى ، ودار
" دمي ذلك الماءُ ، هل تشربونه ؟
ولحمي هو الخبزُ ، لو تأكُلُونَه "
وتَمَّوزُ تبكيه لاةُ الحزينة
ترفع بالنُّواحِ صوتها مع السَّحَر
ترفع بالنُّواحِ صوتها كما تنهَّد الشجر
تقول : " يا قطارُ ، يا قدر
قتلت _ إذ قتلته _ الرَّبِيعَ والمطر "
وتنشر " الزمانُ " و " الحوادثُ " الخبر
و لاةُ تستغيثُ بالمضمِّدِ الخفِر
أن يُرْجِعَ ابنها ، يديه ، مُقلتيه ، أيمَّا أثر
وترسلُ النُّواحَ : " يا سنابل القمر
دَمُ ابني ، الزُّجاجُ في عروقه انفجر
فكهرباء دارِنا أصابت الحجر
وصكَّه الجدارُ ، خضَّه ، رماه لمحة البصر
أراد أن ينير ، أن يبدِّدَ الظَّلامَ .. فاندحر "
وترسلُ النُّواحَ .. ثم يصمُتُ الوتر
وجيكور خضراءُ مسَّ الأصيلُ ذُري النَّخْلِ فيها بشمسٍ حزينة
ودربي إليها كومضِ البرُوق
بدا و اختفى ، ثم عاد الضِّياءُ فأذكاهُ .. حتى أنار المدينة
وعَرَّى يدي من وراءِ الضِّمَاد ، كأنَّ الجراحاتِ فيها حُرُوق
وجيكور من دونها قام سور ، و بوَّابةٌ ، و احْتَوَتْها سكينة
فمنْ يخرِقُ السَّورَ ؟ من يفتحُ البابَ ؟ يُدْمِي على كلِّ قُفْلٍ يمينه ؟
و يُمْناي .. لا مخلبٌ للصِّراع ، فأسعى بها في دُروبِ المدينة
ولا قبْضةٌ لابتعاثِ الحياةِ من الطِّينِ ... لكنَّها محضُ طينة

وجيكور من دونها قام سور ، وبوابة ، واحتوتها سكينة



( قراءة للقصيدة )

يطالعنا الشاعر منذ عنوان القصيدة بقطبي الرؤية الشعرية فيها وهما " جيكور " " والمدينة "
فالقصيدة تقوم كلها على مفارقة تصويرية ضخمة طرفاها هذان القطبان .
وجيكور هي قرية صغيرة جنوبي العراق وهي القرية التي احتضنت مولد الشاعر ونشأنه الأولى ، امتزجت في وجدانه بكل معاني البراءة والنقاء والطهر .

ولهذا أصبحت جيكور في تراث السياب الشعري رمزا لكل ما سبق ذكره ، وما يدور في فلك هذه المعاني من إيحاءات سامية ، ووضع الشاعر المدينة في مقابل جيكور ليضفي عليها من الإيحاءات والدلالات ما يقابل تلك المعاني التي ارتبطت رمزيا بجيكور ، بحيث يبدا القارئ في الولوج إلى عالم القصيدة وهو مهيأ نفسيا لاستقبال مثل هذه الإيحاءات ، ولا يتركه الشاعر ينتظر طويلا قبل أن تبادره المدينة بمثل هذه الدلالات ؛ فمنذ البيت الأول يطالعه الوجه الجامد القاسي لهذه المدينة ، متمثلا في تلك الدروب الظالمة التي تحاصر الشاعر " وتلتف حولي دروب المدينة " فالتفاف الدروب حول الشاعر يعطي إيحاء قويا بالحصار والسجن الذي يعانيه الشاعر داخل هذه المدينة .

ومع الكلمة الأولى من البيت الثاني " حبالا " تأخذ عملية الالتفاف هذه مدلولا جديدا ، حيث تتحول هذه الدروب التي رأيناها في البيت الأول تلتف حول الشاعر إلى حبال ، وارتباط .. فيعطي إيحاء بالموت والخنق والشنق أو في أفضل الأحوال بالأسر والتكبيل بالقيود وبعد ذلك نجد هذه الحبال _ التي تحولت إليها الدروب _ حبال من الطين تمضغ قلب الشاعر ، وتستبدل بالجمرة المتوهجة فيه طينة خامدة منطفئة ، و أذن فالموت موت معنوي ، هبوط بروح الشاعر من آفاق التوهج والاضطرام إلى حضيض الطين والخمود ، ونلاحظ مؤقتا أن النار _ الجمرة _ ارتبطت هنا بمعاني السمو والارتفاع والتوهج ، على حين ارتبط الطين بمعاني الهبوط والخمود .

ومع البيت الثالث نجد هذه الدروب الحبال تتحول تحولا جديدا فتصبح حبالا من النار ، ولكنها ليست تلك النار المباركة ، و إنما هي النار المدمرة الحارقة ، التي تجلد عرى الحقول الحزينة ، وتحرق جيكور في قاع روح الشاعر وتزرع رماد الضغينة ، ونلاحظ أن كلا من النار والطين _ المتمثل هنا في الحقول العارية _ قد أخذ في البيت الثالث مدلولا يكاد يكون مناقضا لمدلوله في البيت الثاني ؛ حين كانت النار في البيت الثاني قيمة إيجابية جليلة ، أصبحت في البيتين الثالث والرابع قيمة سلبية ضارة ترتبط بالحرق والتدمير ، وعلى حين كان الطين في البيت الثاني قيمة سلبية هابطة ترمز إلى الخمود والانطفاء أصبحت الحقول _ هي صورة من صور الطين _ في البيت الثالث قيمة إيجابية ترمز إلى الخصب الذي دمرته المدينة بنيرانها المخربة .

إنه منطق المفارقة وإبراز التناقض الذي يحكم بناء القصيدة كله كما سنرى ، و إنها اللغة الشعرية الثرية بالدلالات والإيحاءات ، والتي يُكْسِبُ الشاعر في إطارها الألفاظ دلالاتها المتنوعة إلى حد التناقض ، مع خضوع هذا التنوع الثري لنظام فني صارم .

ونلاحظ أيضا أن الشاعر استخدم الأفعال كلها هنا في صيغة المضارع " تلتف ، يمضغن ، يعطين ، يجلدن ، يحرقن ، يزرعن " ليوحي بمعاني المثول والشخوص والاستمرار لعملية الحصار والقتل الروحي التي تمارسها المدينة ضد الشاعر .
وبعد هذه الإطلالة الحبيبة الحزينة من وجه جيكور في البيت الرابع يتوارى من جديد ويعود إلينا وجه المدينة الجهم منذ البيت الخامس ،ويبرز لنا دورها المدمر القاتل واضحا جليا هذه المرة ، فإذا كان القتل الذي تمارسه المدينة ضد الشاعر في الأبيات السابقة قتلا معنويا فإنها في الأبيات التالية تمارس قتلا حقيقيا ؛ فمن يذهب إلى دروبها لا يعود ، والشاعر يستغل هنا الموروث الشعبي ؛ فيستعير أولا جو الحكايات الشعبية التي تحكيها الجدات للصغار حول المواقد المنطفئة في آخر الليل ، ويستعير ثانيا معطى من المعطيات الشائعة في تلك الحكاية وهو ذلك المعطى المتصل بالطرق المهلكة التي لا يعود من يسير فيها ، فيجعل دروب المدينة هي تلك الطرق المهلكة ، ويقرن بينها وبين الموت فيجعلها معادلة للموت الذي لا يعود منه أحد .

ولا يلبث الشاعر أن يستدعي تراثا آخر وهو التراث الإغريقي في مجال تصويره ، حيث يستدعي أسطورة أوديب الإغريقية " أبا الهول " ذلك الحيوان الخرافي الذي كان يقبع على أبواب طيبة ويقتل كل داخل إليها لا يستطيع حل الحجية التي يلقيها عليه ، ويربط بينه وبين تلك الصخرة الدفينة في ثرى المدينة والتي ترمز إلى جمودها وجفافها ، وهكذا تمتزج إيحاءات الموت والهلاك التي تشع من أبي الهول بإيحاءات الجفاف والجدب التي تشع من الصخرة ... وتستدعي الصخرة إلى ذهن الشاعر الآية القرآنية الكريمة ( و إِذ اسْتَسْقَى مُوسَى لقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِعَصَاكَ الحجر فانفجرتْ منْهُ اثْنتا عشْرةَ عينْاً قدْ عَلِمَ كُلُّ أناسٍ مَّشْربهُمْ كُلُوا مِن رزق الله .. ) البقرة _ 60 ، وقد استلهم الشاعر هذه الآية الكريمة استلهاما عكسيا ليولد منها مفارقة تصويرية بارعة ؛ فإذا كانت ضربة عصا موسى قد فجرت الصخرة عيونا فإن هذه الصخرة الجلمود الكامنة في ثرى المدينة لا تجود بأي ندى ولذا فإن الشاعر يتساءل في حسرة يائسة " فمن يفجر الماء منها لنبني قرانا عليها ؟ ومن يرجع الله يوما إليها ؟ " واستلهام الشاعر هنا للآية الكريمة استلهام خفي يستشعره القارئ من بعيد دون أن يحس أن الشاعر قد استدعى الآية استدعاء مباشرا .

والقرية والمدينة هنا مازالا يحملان مدلولا رمزيا ، فالشاعر ما زال يحلم بأن تنهض قيم البراءة والعفوية والخصب التي تمثلها القرية على أنقاض مادية المدينة وجفافها وفقرها الروحي .

وسنلاحظ أن الشاعر كلما عرض ملمحا من ملامح وجه المدينة الجهم القاسي أتبعه بأمنية حارة أن تحل قيم القرية النبيلة محل هذه الملامح الجامدة ، وهو يصوغ هذه الأمنية في صورة تساؤل ملهوف ذائب ، وقد التزم هذا النسق على امتداد القصيدة .

وفي المقطع الثاني يعرض الشاعر وجه آخر من وجوه المدينة ، وهو ليلها ، فردوسها المزيف المستعار ؛ ففي الليل تضع المدينة على وجهها الأصباغ وترص مصابيحها فاكهة محرقة _ تفاح نار _ وهنا تخايلنا من جديد أصداء من الموروث الديني متصلة بقصة الخطيئة الأولى ، فهو يستدعي الحكايا التي درات حول نوعية هذه الشجرة المحرمة استدعاء خفيا ، ويستدعي معه أجواء الخطيئة الإنسانية الأولى ؛ ففردوس المدينة المتمثل في ليلها المغروق بالأضواء والحانات فردوس كاذب وبئ ، ليس فيه إلا ما يذكر بالخطيئة ويدعو إليها .

وبعد أن يعرض الشاعر ملامح هذا الوجه الموبوء من وجوه المدينة يتبعه كشأنه بتلك الأمنية الحارة في أن تحل تلك القيم النبيلة العذبة التي تمثلها القرية محل مادية المدينة و زيفها ، و أن تنتشر ملامح القرية الرحيمة على وجه المدينة الرجيم ، و تأتي هذه الأمنية أيضا في صورة تساؤل حار أسيف :
فَمَنْ يُشْعِلُ الحبَّ في كل دربٍ ، وفي كل مقهى ، وفي كل دارِ ؟
و مَنْ يرجع المِخْلبَ الآدميَّ يداً يمسحُ الطفلُ فيها ، عروق الحجارِ ؟
ومن جديد يعود الشاعر إلى إبراز وجه آخر من وجوه المدينة الجهمة ؛ فإذا كان ليل المدينة فردوسا زائفا ظاهره وباطنه الخطيئة فإن نهاره صورة من صور القساوة والمادية المغلفة بطلاء زائف من الروحانية يعجز عن ستر حقيقتها القبيحة ، فالمادية رحى طاحنة في يد التجار تعرك الناس محاولة أن تستعير صوتا روحيا عذبا " صوت العصافير في سدرة يخلق الله منها قلوب الصغار " … إنها صورة أخرى من صور التزييف الذي تمارسه المدينة لتستر وجوهها القبيحة ، ففي الليل تستعير صورة الفردوس المغرورق بالأضواء لتحجب به حقيقتها الآثمة الوبيئة ، وفي النهار تستعير لرحى المال الطاحنة صوتا غير صوتها ، وشكلا غير شكلها ، ومعنى غير معناها ؛ فتستعير لأسماك جيكور من لمعان ، وتستعير لمعناها مالجيكور من معان كثار ، ولكن كل ذلك لا يغني عنها شيئا ، ولا ينجح في حجب حقيقتها الكريهة .

ويعقب الشاعر بذلك التساؤل الذي يجسد أمنيته الملحة في أن تنسخ قيم النقاء والحنو والروحانية المرتبطة بالقرية كل هذه المظاهر المادية الوبيئة :
فمن يسمع الروح ؟ ومن يَبْسُطُ الظِّل في لافحٍ من هجير النُّضَارِ ؟
ومَنْ يهتدي في بِحَار الجليد إليها ، فلا يستبيح السفينة ؟
وبعد أن يستعرض الشاعر هذه الملامح القاسية للمدينة يحس بحنين جارف إلى جيكور ، ولكن جيكور محجوبة ، وثمة أسوار و أبواب وجدران تحول بينه وبينها :
وجيكور … مَنْ غَلَّق الدُّور فيها _ وجاء ابنُها يطرقُ الباب _ دونه ؟
إنها المدينة هي التي أغلقت في وجهه أبواب جيكور ، وحالت بينه وبينها وتصر على محاصرته حتى في بحثه الروحي عن جيكور :
و مَنْ حوَّلَ الدَّربَ عنها … فَمِنْ حيثُ دار اشْرأبَّته إليه دروبُ المدينة
ولكن رغم كل العقبات التي تضعها المدينة في طريق عودته إلى جيكور ، فإن ثمة دربا روحيا خفيا يمتد بين روحه وجيكور ، عبر كل مظاهر المادية والزيف في المدينة ، عبر كل السدود التي تحاول المدينة أن تقيمها بينه وبين جيكور ، إنه درب سري :
من القلب يمتدّ ، عَبْرَ الدَّهاليزِ ، عَبْرَ الدجى ، والقلاعِ الحصينة
وقد نام في بابل الرَّاقصون ، ونام الحديدُ الذي يَشْحذُونه
وغَشَّى على أعينِ الخازِنين لُهاثُ النُّضارِ الذي يَحْرُسونه
ولكن هذا الطريق لا يمتد إلا في الحلم ... في الكرى حين تغفو مظاهر المادية في الدينة ، وتشخص جيكور في حلمه ويمضي ينمي تلك الومضات التي رمضت في رؤياه من قبل عن جناية المدينة على جيكور فتتجسد هذه الجناية في صورة رائعة يمتزج فيها الواقع بالرمز ، ويتعانق الحاضر بالتراث ، وتختلط الحقيقة بالحلم على نحو بالغ الروعة ، فحصاد المجاعات في جنات جيكور ، وثمار جوع أبنائها يتحول في المدينة إلى رحى من اللظى _ لعلها هي تلك الرحى التي رأيناها منذ قليل تدور في اكف التجار _ ويدعم الشاعر هذه الصورة البارعة باستدعاء الموروث ، والمصدر الذي يسترفده هذه المرة هو التراث البابلي _ وهو أحد تراثات العراق بلد الشاعر _ فيستعير من هذا الموروث أسطورة افتتن بها افتتانا كبيرا ، وهي أسطورة " تموز " إله الخصب والنماء في الأساطير البابلية ، وقد وظف الشاعر هذه الأسطورة توظيفا ذكيا في اتجاه المعنى الذي يريد تقريره ، فاستغل صورة تموز القتيل _ الذي امتزجت ملامحه بملامح جيكور الضحية _ وجعل شرايينه أغصان كرم عاقر عقيم تمتد عبر المدينة .. عبر دورها وسجونها ومقاهيها ... و و و
فهو لا يرى من المدينة إلا كل ملامح السقوط والانحدار _ وهذه الأغصان العاقر تثمر أزهارا هجينة ، وتتحول هذه الأزهار إلى مصابيح منطفئة خامدة لا ضوء فيها .

ولا يلبث الشاعر ان ينعطف إلى مصدر آخر من مصادر التراث ، والمصدر الذي انعطف إليه هذه المرة هو الموروث المسيحي حيث استلهم عبارة وردت في كتاب الإنجيل وضعها على لسان تموز :
" دمي ذلك الماءُ ، هل تشربونه ؟
ولحمي هو الخبزُ ، لو تأكُلُونَه "
فحين نسمع بكاء لاة لتموز القتيل نسمع بكاء لقتيل معاصر صقعه التيار الكهربائي الذي انتشر في الحائط فحتى أكثر مظاهر حضارة المدينة وضاءة ونفعا له وجهه القاتل الذي لا يرى الشاعر منه سواه ، فهذا القتيل إذن ليس تموز و إنما هو الشاعر نفسه ، والنادبة هنا ليست لاة تموز ، و إنما هي جيكور التي تندب ابنها الذي قتلته المدينة ، والقتل هنا قتل معنوي رغم أن الشاعر يجسده تجسيدا ماديا واقعيا .

وتعود جيكور من جديد تصافح رؤيا الشاعر حزينة جميلة رغم حزنها ، يلامس الأصل ذرى النخل فيها بشمس ذهبية حزينة ، والدرب الخفي الذي يربطه بجيكور درب غير مستقر ، فهو يلوح ويختفي كومض البروق ، ثم يعود من جديد مضيئا ألاقا حتى يضئ المدينة كلها ، ولكنه في كل حال يظل حلما لا يعيش إلا في خيال الشاعر ، أما على المستوى الواقعي فإن جيكور تظل نائية عن الشاعر تفصل بينه وبينها الأسوار و الأبواب التي يدرك بوعي أنه عاجز _ على المستوى الواقعي _ عن اختراقها ، فقد اغتالت المدينة كل قوى المقاومة والنضال فيه ، وحولت يديه من قبضة لابتعاث الحياة من الطين إلى محض طينة ، كما حولت من قبل الجمرة المتوهجة في قلبه إلى طينة خامدة .

وتنتهي القصيدة نهاية حزينة توحد بين الشاعر وجيكور _ رغم أنها تفصله عنها أو تفصلها عنه _ فكما أن الشاعر يبدو منذ بداية القصيدة سجينا محاصرا تلتف حوله دروب المدينة وتأسره فإن جيكور تلوح بدورها في نهاية القصيدة سجينة محاصرة " من دونها قام سور ، وبوابة ، واحتوتها سكينة " وهكذا يتحد الشاعر بجيكور في كون كل منها محاصرا معزولا ، وبكون ما يوحد بينهما هو ذاته ما يفرق بينهما .


إضاءات نقدية :
يعتبر موقف الشاعر الريفي من المدينة المعاصرة وإحساسه بالغربة والضياع فيها بعدا أساسيا من أبعاد الرؤية الشعرية في ديوان شعرنا المعاصر .
ولكن على كثرة من عبروا عن هذا البعد ، فإن تجربة السياب تظل تجربة فريدة متميزة بين هذه التجارب ، فقد نجح في أن يجعل من جيكور تلك القرية الصغيرة معلما بارزا من معالم شعرنا المعاصر و رمزا أساسيا من رموزه الفنية .

فسنجد جيكور في شعر السياب _ في شتى مراحله _ هي الملاذ الروحي الذي يشع بكل إيحاءات الحنو والنقاء والدفء وتقوم هذه القصيدة على مفارقة تصويرية ضخمة طرفها جيكور بكل ما تمثله والمدينة بكل ما تمثله أيضا وقد كان منطق المفارقة و إبراز التناقض هو الذي يحكم بناء القصيدة برمته ، حيث دعم الشاعر هذه المفارقة الكبرى التي قام عليها بناء القصيدة كله بمجموعة من المفارقات الجزئية ، ووضع طرفي المفارقة الأساسين في علاقة إيجابية ، يتفاعلان في إطارها ويتحاوران فينمو بناء القصيدة ويتطور وتتوالد صورها ورموزها .

بالرغم من استخدام الشاعر كثير من الموروثات التراثية أو التاريخية وتوظيفها الصحيح ، إلا أنه يؤخذ عليه إسرافه الشديد في استخدام هذه الموروثات المتنوعة ، وهو مأخذ ملحوظ على معظم قصائد السياب التي كتبها في هذه المرحلة .

أما اللغة في القصيدة فهي لغة على قدر كبير من الغنى والاكتناز ؛ فلدى الشاعر قدرة نادرة على شجن العبارة ، بل واللفظة ، بطاقات من الإيحاء الروحي لا حد لغناها ، ويكفي أن نشير إلى تلك الإيحاءات الروحية التي تشع من كلمة " جيكور " على امتداد القصيدة ، بحيث أبتكر لغة خاصة داخل اللغة عن طريق شجن المفردات والتراكيب والإيحاءات والدلالات الخاصة ، فضلا عن طبيعة اختياره لمفردات معجمه وطرق صياغاته .

أما الموسيقى في القصيدة فقد وظفها الشاعر توظيفا بارعا ، حيث اختار للقصيدة وزنا أساسيا هو وزن " المتقارب " الذي وحدة إيقاعه " فعولن " ولكنه حيث صور بكاء "لاة " على تموز القتيل عدل إلى وزن آخر هو " الرجز " الذي وحدة إيقاعه " مستفعلن "
وهو وزن يناسب إيقاع الندب ، وقد أغنى الشاعر الإيقاع في هذا النشيد ببنائه كله على قافية واحدة ، وهكذا وظف الشاعر هذه الإمكانية الموسيقية _ تعدد الأوزان _ للتعبير عن تعدد الأصوات في القصيدة ، وهي وسيلة فنية يلجأ إليها الشاعر المعاصر كثيرا مما يضفي على القصيدة الحديثة درامية واضحة .

أما القافية فإن الشاعر بنى القصيدة _ فيما عدا نشيد بكاء لاة تموز _ على قافيتين أساسيتين هما النون الموصولة بالهاء _ أو التاء المربوطة _ والمسبوقة بالواو أو الياء ، والراء المكسورة المسبوقة بالألف ، و أحاط هاتين القافيتين الأساسيتين _ اللتين التزمها على امتداد القصيدة _ بمجموعة من القوافي الفرعية ، وثنائية القافية يتلاءم مع منطق المفارقة الذي يحكم بناء القصيدة كله ، والذي يقتضي دائما طرفين يتحاوران ويتفاعلان .
وعلى هذا النحو البارع تتعانق كل الأدوات الفنية و تتفاعل لتجسيد الرؤية الشعرية
في هذه القصيدة بأبعادها النفسية المتعددة .



معظم هذه القراءة أخذت عن كتاب قراءات في الشعر العربي المعاصر للدكتور / علي عشري زايد


__________________
(( غير قابل للكسر ))
سهاء النهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-10-2002, 04:36 PM   #2
سامي الثبيتي
الـخيـــــــــــــّال" الإشـــــــراف العــــــام"
 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
الدولة: الصــــهيل...!!!
المشاركات: 2,967
سامي الثبيتي is an unknown quantity at this point
افتراضي

لم يكن الأختيار بـ أروع من القراءة....
ولم تكن القراءة بأروع منها....
فهي مصبوبة في خندق " الذاكرة" بـ طريق القلب ...." كالماء عذوبة" وعمقاً
سوف أخرج من شبّاك....الارض لأحلق مع الموضوع مرّة أخرى.....

فأعذريني اختي...
__________________
لَم يمرْ

لَم يمرْ الطريقُ من هُنا

صَار مُنحنى !

alkhial_80@hotmail.com
سامي الثبيتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-10-2002, 05:21 PM   #3
imported_محمد صلاح
البـــحـــــــر
مشرف عام المرافئ الفكريه
 
تاريخ التسجيل: May 2002
الدولة: مرافئ الأمل
المشاركات: 4,393
imported_محمد صلاح is an unknown quantity at this point
افتراضي

[c]


سهاء

هنا انهمار لأمطار ونهارات
و يواقيت و زعفرانات

يحتاج قراءة متأنية ..
وانا لم اتعود القراءة الهامشية ..

سأثبت مكاني هنا .. وسأعود


[/c]
__________________
[align=center]بالحب تعرفت على نفسي .. بالحب أعرف العالم
ابن عربي
[/align]
imported_محمد صلاح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-10-2002, 02:28 AM   #4
و ط ن
وطـــن السنابل
حــمدان الحـارثـي
 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: يتوضــأ ..جنــوبـا ..!
المشاركات: 930
و ط ن is an unknown quantity at this point
افتراضي






مجهود ممتاز وقراءة واعية
ورائعة
وسهاء أروع بالتأكيد
أحببت أن أشارك ببعض الانطباعات لبعض النقاد والمهتمين بالشأن الادبي
وعلى دفعات وسامحوني
مع التأكيد أن الرأي لايمثل الاصاحبه.........!!
السياب رسم

منزل الاقنان



قبر ه..!!



بيت العائلة..أطلال



فاضل العزاوي

قي موت الآخر يكتشف الأحياء موتهم الخاص. غير أنني لم أكن بحاجة لانتظار مثل هذا الموت. فقد كنـت اعرف اكثر من أي وقت آخر أن السياب رجل عاش من أجل الموت لم يكن رعب الرحلة الأخيرة ليفارقه لحظة واحدة: عذاب حسي بحت وارتباط أناني بالأرض، و موقف أخلاقي داخل وهم الوجود من أجل مواجهة الموت بقوة، مقاومته، قهره إن أمكن، غير انه كان يائسا حتى ف! غرقه داخل هواء المنطق. قي ضجة) لمدينة،. في سماء الحضارة الجديدة كان معلقا من رأسه يعاني من الخوف. ترى هل يقدر أن يتخطى حدود قرويته ليكتشف بهجة الأشياء والشوارع، وشمس الأنهار، والهـجرة في الضفة، الأخرى من المسألة؟

لقد حاول حقا أن يفعل ذلك ولكنه لم يكن قادرا بسبب من ارتباطه العاطفي النهائي بالقرية. وجيكور ليست قرية طفولته الممتدة حتى حدود الخيال بقدر ما هي محاولة للتملص من عالمـه الجديد وارتجاف داخل دائرة العذاب الحقيقي الذي يوجد في الشعر كسلام مضطرب واخوة مفقودة. ة. ترى هل كان السياب يعاني من عقدة وردسورث إزاء المدينة؟ أكيد إن عقدة السياب تختلف

فالمسألة ليست مسالة اجتياح صناعي لعالم البراءة التي تنفسها القرية. إنها عند السياب ضياعه الشخصي داخل المدينة التي تعيش غير عابئة بوجوده. عير طموحه الشخصي لكي يكون شيئا اكتشف قسوة المدينة إزاء طفل جيكور. اكتشف نقصه الخاص، بؤسه غير المعلن، انهيار الحلم

في العودة إلى جيكور كان يقاوم نظرات نساء بغداد اللواتي لم يكن ليأبهن به انه أشبه ما يكون ببروفرك، أحد شخوص اليوت، وعلى الرغم من أنه لم يكن شيخا أصلع إلا أنه كان يشمع على الدوام النساء وهن يتغامزن، والرجال يتهامسون. كان يدرك تماما أن حوريات البحر في غنائهن العميق لا ينشدن له إطلاقا. وعبر هذا الضوء يمكن وعي حقيقة صوته المختنق المرتبك، النفعي في علاقته الشعرية مع العالم
حاول السياب طوال سنوات عديدة أن يضم صوته إلى القضايا العادلة و عن يدافع عن البؤساء والمضطهدين وفقراء الريف بلغة مباشرة ووعي سهل للعالم

و للعل هذا الموقف الأخلاقي هو ابرز سمة لشعره حتى فترة متأخرة من حياته، ومن السهل اكتشاف حقيقة أن موقف السياب من العالم، المجتمع، السياسة، كان ذا بعد واحد انه دائما رجل يحدد موقفه مسبقا ويخشى المغامرة في بحر العالم لاكتشاف العلاقات السرية بين أكثر الأشياء تناقضا وابتعادا
( ……………)

لقد أعلن السياب موته منذ البداية في شعره، حيث لم يكن عنده ما يكشف في قصائده سوى ما هو مكشوف فعلا. لقد حاول أن يقوم بمهمة ديكنز في العراق ونجح في ذلك فقد ارتبط بالناس وعبر عن بؤسهم في فترة تاريخية معينة، إلا أن ارتباطه البائس بنفسه من خلال وعي اجتماعي عاطفي معين، كان أهم و ابرز. كان وجه موته الحقيقي ومع ذلك، فان السياب حتى في موته الشعري يظل أحد أفضل شعراء الجيل السابق و أكثرهم رصانة ووعيا وقوة


جهة الشعر......

وطن



__________________

[ALIGN=CENTER]
" يحـــــاور ...أنثـــــاه !!"
حمـــدان الحــــــارثي
atheir2@hotmail.com [/ALIGN]
و ط ن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-10-2002, 09:50 PM   #5
سهاء النهدي
الــغارديـنــيــا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2002
الدولة: حكموا أن .. لا وطن !!
المشاركات: 47
سهاء النهدي is an unknown quantity at this point
افتراضي

(( السياب )) .. واحد من شعرائنا الذين يضربون بجذورهم الفنية و الفكرية و الوجدانية في أرض تراث عريق شديد الغنى و الخصوبة و يمتاحون من ينابيع هذا التراث و كنوزه السخية و ما يغنون به تجاربهم و رؤاهم المعاصرة من أدوات و وسائل و أطر فنية ، متوسلين إلى وجدانات جماهريهم بما لمعطيات التراث من قداسة في نفوس هذه الجماهير و لصوق بوجداناتهم ، مستغلين ما اكتسبته هذه المعطيات على مر العصور من طاقات إيحائية ، و ما أرتبط بها من دلالات نفسية و فكرية و وجدانية .

و بهذا الصنيع يؤصل هؤلاء الشعراء تجاربهم المعاصرة عن طريق ربطها بجذورها و أصولها العميقة في تراثهم العريق ..
من هنا أنطلق السياب .. و قريته جيكور ..
فهو لا ينى ينعطف على هذا الموروث ليستخرج من كنوزه ما يغني به رؤيته المعاصرة و يؤصلها .

الرهيبة ..
صدقاً كلما قرأت هذا الموضوع أكتشف وجوها أخرى لم أعلمها من قبل ..
شكرا على هذا الشرف الذي نلته بحضورك

الخيّال ..
مشكلتي فعلا مع فوضى ذاكرتي و مكاني و زماني ..
لولا هذا كنت كتبت قراءات كثيرة ..
لكن .. تظل روعة حضورك .. تطغي على الذاكرة .

محمد صلاح ..
أيها النقي .. انتظر عودتك كي تثري الحوار ..
شكرا .. مثل المطر همّال ( أعجبتني هذه الكلمة جدا )

وطن ..
مجهودك ممتاز كذلك .. و اعطى لنا وجه آخر للسياب
أن كان هناك المزيد أنتظره منك .
أشكر لك شرف حضورك .

(( مجرد فكرة ))
سبق لي في منتدى آخر أن فتحت ملف للسياب وضعت به
بعض من قصائده .. و دراسات حوله ..
لكن جميعها منقولة من بعض المواقع ..
فهل أنقل لكم الملف هنا على مراحل ؟

تحياتي القلبية للجميع .. و جُل احترماتي .

__________________
(( غير قابل للكسر ))
سهاء النهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-10-2002, 11:01 PM   #6
سامي الثبيتي
الـخيـــــــــــــّال" الإشـــــــراف العــــــام"
 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
الدولة: الصــــهيل...!!!
المشاركات: 2,967
سامي الثبيتي is an unknown quantity at this point
افتراضي

الأخت سهاء...شكراً كرّة ثانية لروعة....طرحك
بخصوص ملف " السيّاب"
فـ بحره نرتشفُ منه ولانملّ....ونمتلأ به " نقاءً"
إتكلِ على الله...
ونحن على " جمرة" الـللهفة....ننتظر
__________________
لَم يمرْ

لَم يمرْ الطريقُ من هُنا

صَار مُنحنى !

alkhial_80@hotmail.com
سامي الثبيتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-10-2002, 01:52 PM   #7
سهاء النهدي
الــغارديـنــيــا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2002
الدولة: حكموا أن .. لا وطن !!
المشاركات: 47
سهاء النهدي is an unknown quantity at this point
افتراضي

(( سيرة ذاتية 1 ))
الشاعر بدر شاكر السياب
ولد في جنوب العراق في قرية جيكور في البصرة عام 1926م وبعد ولادته بست سنوات توفيت والدته.
تخرج عام 1948 من دار المعلمين في بغداد.
ومن مقهى الزهاوي بدأت حياته الأدبية ونشرت قصائده لأول مرة في جريدة الاتحاد.
تزوج عام 1955 وانجب طفلتين.
بدأ حياته حزينا وانتهى بائسا تنقل بين بيروت وباريس ولندن من اجل العلاج من مرض السل ورحل يوم 24/12/1964
لم يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره يوم وفاته لكنه خلف ارثا شعريا كبيرا.
من دواوينه:-
1ـ أزهار ذابلة ـ القاهرة 1947
2ـ أساطير -النجف ـ 1950
3ـ إقبال ـ بيروت 1965
4ـ أنشودة المطر ـ بغداد 1960
5ـ شناشيل بنت الجلبي 1965
6ـ المعبد الغريق بيروت 1962

(( سيرة ذاتية 2 ))

ولد الشاعر بدر شاكر السياب عام 1926 في قرية جيكور على الفرات، قرب مدينة البصرة جنوب العراق.
تنقل بين جيكور وأبي الخصيب والبصرة ثم بغداد لاستكمال تعليمه وتحصيله الدراسي ليتخرج من دار المعلمين في بغداد في منتصف الأربعينات، حيث كانت بغداد تعيش كباقي العواصم العربية انعكاسات الصراعات العالمية أثناء الحرب الثانية.
دخل السياب معترك الحياة السياسية وعانى منها الكثير فقد دخل السجن مرات وطرد من الوظيفة ونفي خارج البلاد.

صدرت مجموعته الأولى "أزهار ذابلة" عام 1947 في القاهرة وكان كتب في منفاه أجمل قصائده ومناجاته الشعرية غريب على الخليج وصهرت هذه المرحلة شعره ليتبلور فيها صوته وتكتمل أداته ويكتب ذروة نصه الشعري الذي صار يتميز به بعد رحيله.

زار بيروت عام 1960 لطبع ديوان له، وقد ساهم في هذه الفترة في الحركة الشعرية والثقافية المتمثلة بصدور مجلة شعر وحوار والآداب.

وفي هذه الفترة بالذات تدهورت صحته وصار يتنقل بين بيروت وباريس ولندن وراء العلاج وكان جمسه يهزل أكثر وأكثر حتى انكسر عظم ساقه لهشاشتها.

شكلت هذه السنوات الأخيرة بين 1960 - 1964 مأساة السياب الصحية والاجتماعية حيث عانى من الموت يحمله بين ضلوعه في المنافي وليس لديه إلا صوته ومناجاته الشعرية ممزوجة بدم الرئة المصابة، حتى مات مسلولا في يوم 24/12/1964 في المستشفى الأميري في الكويت.

أسس السياب لحداثتنا شعرا وكتب قصائد لا ماضي لها في الشعر العربي المعاصر مختطا بذلك مسارا في القصيدة العربية الحديثة سار عليه الكثيرون من بعده.

يمتاز شعر السياب بالمناجاة الغنائية العميقة والصورة البارعة التي تمتزج فيها اللغة بالرؤية وبالإيقاع في مدى شعري ممتد بين روعة الأداء وعمق الدلالة وتشابك إيماءاتها.

صدرت له المجموعات الشعرية التالية "أزهار وأساطير" و"المعبد الغريق" و"منزل القنان" و"أنشودة المطر" و"شناشيل ابنة الجلبي".

(( سيرة ذاتية 3 ))

بدر شاكر السياب (1926-1964م)

شاعر عراقي ولد بقرية "جيكور" جنوب شرق البصرة في أسرة ريفية محافظة تتجر بالنخيل.
درس الابتدائية في القرية المجاورة لجيكور والثانوية في "البصرة" 1938-1943.

انتقل الى بغداد فدخل جامعتها "دار المعلمين العالية" (1943-1948) والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الانكليزية فاطلع على آدابها ونجده عام 1960 في بيروت يطلب المعالجة، ثم يستبد بجسمه الشلل الكامل 1961، ولا ينفعه بعد ذلك أطباء بغداد والكويت وباريس ولندن وروما، ويتوفى في "المستشفى الأميري" بالكويت، فتنقل جثته الى البصرة، من دواوينه "أزهار ذابلة" 1947، و "أساطير" 1950، و "حفار القبور" 1952، و "المومس العمياء" 1954، و "الأسلحة والأطفال" 1955، و"أنشودة المطر" 1962، و "المعبد الغريق" 1962، و "منزل الأقنان" 1963 و "شناشيل ابنة الجلبي" 1964. ثم نشر ديوا "اقبال" عام 1965. وله قصيدة "بين الروح والجسد" في ألف بيت تقريباً ضاع معظمها. وقد جمعت دار العودة "ديوان بدر شاكر السياب" 1971 وقدم له ناجي علوش. وله من الكتب "مختارات من الشعر العالمي الحديث"، و "مختارات من الأدب البصري الحديث".

__________________
(( غير قابل للكسر ))
سهاء النهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-10-2002, 01:59 PM   #8
سهاء النهدي
الــغارديـنــيــا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2002
الدولة: حكموا أن .. لا وطن !!
المشاركات: 47
سهاء النهدي is an unknown quantity at this point
افتراضي

(( الشاعر الحديث في نظر السياب ))

دعا "خميس مجلة شعر" الشاعر بدر شاكر السياب من بغداد لإحياء أمسية شعرية في بيروت، فلبى الدعوة.

وعملت زيارته التي استغرقت عشرة أيام على إذكاء النشاط الشعري في لبنان وإثارة بعض القضايا الشعرية وتعميقها.

وكان الترحيب بالشاعر السياب بالغا. فقد اجتمع إلى عديد من الأدباء والشعراء اللبنانيين، وأذيعت له مقابلة مع الآنسة فايزة طه على محطة الإذاعة اللبنانية، ونشرت له كل من جريدتي "النهار" و "الجريدة" حديثا وافيا عن حاضر الشعر ومستقبله في العراق وسائر العالم العربي.

ثم جاءت الأمسية الشعرية التي دعا إليها "خميس مجلة شعر" في المنتدى الكبير بجامعة بيروت الأميركية خاتمة توجت هذه الزيارة التي تأمل مجلة شعر وندوتها الأسبوعية أن تتكرر مثيلاتها، فتعمل بذلك على تأدية ناحية من رسالتها في تعريف شعراء العالم العربي، بعضهم إلى بعض، وشد أواصر الألفة بينهم من أجل تحقيق نهضة الشعر العربية نحو مستقبل لائق.

في الأمسية التي أحياها بدر شاكر السياب في بيروت، قدم للمختارات الشعرية التي ألقاها بهذه الكلمة:

"لو أردت أن أتمثل الشاعر الحديث، لما وجدت أقرب إلى صورته من الصورة التي انطبعت في ذهني للقديس يوحنا، وقد افترست عينيه رؤياه، وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل.

"والحق أن أغلب الشعراء العظام كانوا طوال القرون، أنماطا من القديس يوحنا. من دانتي، إلى شكسبير، إلى غوته، إلى ت.س.إيليوت وايديث ستويل.

"وإذا تذكرنا أن الدين والشعر نشأا توأمين، وأن الدين كان، وما يزال، وسيلة يستعين بها الإنسان لتفسير ظواهر الطبيعة وقواها الغامضة ولاسترضاء هذه القوى المجهولة من جهة، ثم لتنظيم العلاقات بين البشر من جهة أخرى، أدركنا أن تفسير الحياة وتنظيمها، أو تحسينها بالأحرى، ظلا، طوال أجيال عديدة، من أهم أغراض الشعر وأهدافه.

"وكما تلاشت الحدود بين الغاية والوسيلة في الدين، تلاشت هذه الحدود في الشعر أيضا. فنحن نؤمن ونتدين لا سعيا وراء فائدة دنيوية، ونحن نقرأ الشعر لا بحثا عن متعة مادية. ولكننا نعلم أن الدين غاية نبيلة وكذلك الشعر.

"وقد حاول الشاعر، المرة تلو المرة، أن يتملص من الواجب الضخم الملقى على كتفيه: تفسير العالم وتغييره. ولكنها محاولات لم يكتب لها ولن يكتب لها أن تنجح أو أن تستمر. فتهاوت مدارس وحركات شعرية بكاملها، غير مخلفة سوى شاعر هنا وشاعر هناك، لعل لهما من القيمة التاريخية أكثر مما لهما من القيمة الفنية.

"من رأي الشاعر الناقد الإنكليزي الكبير ت. إس. إيليوت أن الشاعر العظيم يزعج قارئه، أكثر مما يبهجه. إن قراءة قصيدة عظيمة نوع من أنواع المخاض، من أنواع الميلاد. ولن نولد إلا من خلال الألم. أنه ميلاد الروح.

"إننا نعيش في عالم قائم، كأنه الكابوس المرعب. وإذا كان الشعر انعكاسا من الحياة، فلا بد له من أن يكون قائما مرعبا. لأنه يكشف للروح أذرع الأخطبوط الهائل، من الخطايا السبع، الذي يطبق عليها ويوشك أن يخنقها. ولكن ما دامت الحياة مستمرة، فإن الأمل في الخلاص، باق مع الحياة. إنه الأمل في أن تستيقظ الروح. وهذا ما يحاوله الشعر الحديث.

"وهناك مظهر مهم من مظاهر الشعر الحديث: هو اللجوء إلى الخرافة والأسطورة، إلى الرموز. ولم تكن الحاجة إلى الرمز، إلى الأسطورة أمس مما هي اليوم.

"فنحن نعيش في عالم لا شعر فيه، أعني أن القيم التي تسوده قيم لا شعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح. وراحت الأشياء التي كان في وسع الشاعر أن يقولها، أن يحولها إلى جزء من نفسه، تتحطم واحدا فواحدا، أو تنسحب إلى هامش الحياة.

"إذن فالتعبير المباشر، عن اللاشعر، لن يكون شعرا فماذا يفعل الشاعر إذن. عاد إلى الأساطير، إلى الخرافات التي ما تزال تحتفظ بحرارتها لأنها ليست جزءا من هذا العالم: عاد إليها ليستعملها رموزا، وليبني منها عوالم يتحدى بها منطق الذهب والحديد. كما أنه راح، من جهة أخرى، يخلق له أساطير جديدة، وإن كانت محاولاته في خلق هذا النوع من الأساطير قليلة حتى الآن.

"غير أن هناك فئة من النقاد والشعراء، ما تزال ترى أن في الإمكان التعبير عن هذا العصر، تعبيرا مباشرا. وهناك الكثير من القصائد التي عبرت عنه بصورة مباشرة، دون أن تفقد ماهيتها كشعر.

"وقد تأثر الشاعر العربي الحديث بكل هذه التيارات، لأنه فتح نوافذ بيته جميعا، لكل الرياح. وفي الوقت الذي فقد فيه التافهون من الشعراء شخصياتهم، وأصبحوا مجرد مقلدين لهذا الاتجاه أو ذاك، نجد نخبة طيبة من الشعراء المحدثين، تدرك أن الاقتباس غير التقليد، وأن العالم كله، لا قيمة له، إذا ربحناه، وخسرنا نفوسنا.

"وعلى كل حال، فما زلنا في بداية الطريق، ما زلنا نحاول ونجرب، وقد ننجح في هذه المحاولة وقد لا ننجح. ولكننا واثقون من شيء واحد: أننا سنمهد الطريق لجيل جديد من الشعراء، سيجعل الشعر العربي، مقروءا في العالم كله".
_____________________________

المصدر : نظرية الشعر 5- مرحلة مجلة شعر، القسم الأول/ المقالات/ تحرير وتقديم : محمد كامل الخطيب/ منشورات وزارة الثقافة - دمشق 1996 (عن) مجلة شعر س1 - ع3 - 1957



__________________
(( غير قابل للكسر ))
سهاء النهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-10-2002, 03:26 PM   #9
و ط ن
وطـــن السنابل
حــمدان الحـارثـي
 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: يتوضــأ ..جنــوبـا ..!
المشاركات: 930
و ط ن is an unknown quantity at this point
Lightbulb مؤلفاته.......





الكتب الشعرية

أزهار ذابلة- مطبعة الكرنك بالفجالة- القاهرة- ط ا- 1947 -1
أساطـير- منشورات دار البيان- مطبعـة الغرى الحديثـة- النجف- ط 1- -2
حفار القبور- مطبعة الزهراء- بغداد- ط ا- 1952 -3
المومس العمياء- مطبعة دار المعرفة- بغداد- ط 1- 1954 -4
الأسلحة والأطفال- مطبعة الرابطة- بغداد- ط ا- 1954 -5
أنشودة المطر- دار مجلة شعر- بيروت- ط 1- 1960 -6
المعبد الغريق- دار العلم للملايين- بيروت- ط ا- 1962 -7
منزل الأقنان- دار العلم للملايين- بيروت- ط ا- 1963 -8
أزهار وأساطير- دار مكتبة الحياة- بيروت- ث ا- د. ت -9
شناشيل ابنة الجلبي- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1964 -10
إقبال- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1965 -11
إقبال وشناشيل ابنة الجلبي- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1965. 13- قيثارة -12
الريح- وزارة الأعلام العراقية- بغداد- ط ا- 1971 -13
أعاصير- وزارة الأعلام العراقية- بغداد- ط ا- 1972 -14
الهدايا- دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربي- بيروت- ط ا- 1974 -15
البواكيرـ- دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربـي- بـيروت- ط ا- 1974 -16
فجر السلام- دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربي- بيروت- ط ا- 1974 365
-17
الترجمات الشعرية

عيون الزا أو الحب و الحرب
عن أراغون- مطبعة السلام- بغداد- بدون تاريخ
قصائد عن العصر الذري
عن ايدث ستويل- دون مكان للنشر ودون تاريخ
قائد مختارة من الشعر العالمي الحديث
دون مكان للنشر ودون تاريخ
قصائد من ناظم حكمت
مجلة العالم العربي، بغداد - 1951

الأعمال النثرية

الالتزام واللالتزام في الأدب العربي الحديث، محاضرة ألقيت في روما ونشرت في كتاب الأدب العربي المعاصر، منشورات أضواء، بدون مكان للنشر ودون تاريخ

الترجمات النثرية

ثلاثة قرون من الأدب - مجموعة مؤلفين، دار مكتبة الحياة- بيروت- جزآن، الأول
بدون تاريخ،و الثاني 1966
الشاعر و المخترع و الكولونيل، مسرحية من فصل واحد لبيتر أوستينوف، جريدة
الأسبوع- بغداد- العدد 23- 1953


جهة الشعر



وطــــــــن
__________________

[ALIGN=CENTER]
" يحـــــاور ...أنثـــــاه !!"
حمـــدان الحــــــارثي
atheir2@hotmail.com [/ALIGN]
و ط ن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-10-2002, 02:11 PM   #10
و ط ن
وطـــن السنابل
حــمدان الحـارثـي
 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: يتوضــأ ..جنــوبـا ..!
المشاركات: 930
و ط ن is an unknown quantity at this point
Lightbulb الجواهري يتحدث........!



انطباعات:

انطباع
الجواهري ......

لقد كنت يا بدر جسرا ذهبيا حيا يعبر عليه بثقة و إعجاب،

ولطف و اعتزاز كل هذا الموكب الساحر من دنيا السعر العربي الفخم الضخم
الخالد المنحدر عبر العصور إلى الضفة المقابلة من الأرض الجديدة
التي تجاورت، وتفاهمت مع القمر في أجرأ محاولة، و أخصب تجربة حاولها
الموهوبون للتدليل على أن الموسيقى في الحداء العربي وانسياب النغم
ورقة الصياغة ومتانة السلاسل الذهبية
إلى جانب نعومتها يمكن أن تنصب كلها في قوالب جديدة متطورة مستساغة
دون أن نقصد أي شيء من خصائصها، ودون أن ترتج بها،
وتتنافر معها، وتفيض عليها أو تتقلص عنها تلكم القوالب،
و دون أن ترفضها الأرض الجديدة التي تحط عليها




جهة اشعر

وطن




__________________

[ALIGN=CENTER]
" يحـــــاور ...أنثـــــاه !!"
حمـــدان الحــــــارثي
atheir2@hotmail.com [/ALIGN]
و ط ن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-10-2002, 06:45 PM   #11
سهاء النهدي
الــغارديـنــيــا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2002
الدولة: حكموا أن .. لا وطن !!
المشاركات: 47
سهاء النهدي is an unknown quantity at this point
افتراضي

(( مقدمة ديوان "أساطير" ))

ليس ما أكتبه الآن مقدمة، إنما هي خواطر تتجاوب في نفسي، وأنا مقدم على وضع هذه القصائد، التي يحويها هذا الديوان، بين أيدي القراء. والقراء يختلفون في أذواقهم الفنية،وفي نظراتهم إلى الشعر وإحساسهم به؛ اختلاف شاعر عن شاعر، وأديب عن أديب، أو أكثر من هذا.

ولهذا كان إلزاما على أن أسجل بعضا من هذه الخواطر، علها تعين على فهم هذه القصائد والانفعال فيها من صور وأحاسيس.

وأول ما يلتقي به قارئ هذا الديوان، نوع من الموسيقى، لا عهد به لأغلب قراء الشعر في العراق.

لقد ثار أكثر من شاعر في كل بلد عربي، على تلك الموسيقى الرتيبة، التي تأثر الشعر العربي بها، وتناولت الثورة، في أول عهدها، وحدة القافية، ثم تعدتها إلى الأوزان فهجر كثير من الشعراء المجددين البحور الطويلة، واستعاضوا عنها بالبحور القصيرة، إلا في القصائد التي تستلزم الفخامة.

وقامت دعوة إلى "الشعر المهموس" كان أول من قادها الأستاذ الكبير محمد مندور.

وهناك فريق آخر من الشعراء، ثار على وحدة الوزن، منهم الشاعر الكبير المرحوم؛ إلياس أبو شبكة في "غلواء" و "إلى الأبد" وبعض القصائد من "أفاعي الفردوس" والأستاذ خليل شيبوب في قصيدته (القصر القديم والحديقة المهجورة)؛ وشعراء آخرون.

ولكن الانتقال من وزن إلى وزن سواه، كثيرا ما يسبب "نشازا" في الموسيقى لا تقبله الأذن الحساسة.

وللأستاذ مصطفى عبد اللطيف السحرتي، بحث ممتع عن الموسيقى في الشعر الحديث، في كتابة القيم "الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث" نود للقارئ أن يرجع إليه.

وقد لاحظت من مطالعاتي في الشعر الإنكليزي، أن هناك "الضربة" وهي تقابل "التفعيلة" عندنا، "مع مراعاة في خصائص الشعرين من اختلاف" و "السطر" أو "البيت" الذي يتألف من ضربات مماثلة في النوع للضربات الأخرى في بقية الأبيات، ولكنها تختلف عنها في العدد "في بعض القصائد"

وقد رأيت أن من الإمكان أن نحافظ على انسجام الموسيقى في القصيدة، رغم اختلاف موسيقى الأبيات، وذلك باستعمال "الأبحر" ذات التفاعيل الكاملة، على أن يختلف عدد التفاعيل من بيت إلى آخر.

وأول تجربة لي من هذا القبيل، كانت في قصيدة "هل كان حبا" من ديواني الأول "أزهار ذابلة" وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولا عند كثير من شعرائنا الشباب، أذكر منهم الشاعرة المبدعة الآنسة "نازك الملائكة".

وهناك شيء من الغموض في بعض القصائد؛ ولكنني لست شاعرا رمزيا وقد كنت مدفوعا إلى أن أغشي بعض قصائدي بضباب خفيف، وذلك لأنني كنت متكتما، لا أريد أن يعرف الناس كل شيء عن حبي الذي كانت كل قصائد هذا الديوان صدى له؛ فقد كانت "موحية" هذا الديوان، تغضب أشد الغضب، إذا أنا ذكرت شيئا عن قبلاتنا ومواعيدنا، وكثيرا ما مزقت بعض القصائد التي كانت تشير إلى شيء تأبى هي أن يعرفه الناس.

وقصيدة "أساطير" في هذا الحب، ولكنها توشحت ببعض الغموض الذي تزيله المقدمة النثرية لهذه القصيدة، وكذلك الحال في قصيدة "اللقاء الأخير" ولولا بأنها خانت هذا الذي كانت تسميه "النبي الوديع" لظلت هاتان القصيدتان غامضتين، دون مقدمة يفهم منها القارئ ما أقصده.


وهناك ظاهرة أخرى في هذه القصائد، هي تنادي المعاني وتداعيها، ومزج الوعي باللاوعي، وتلوين الأمل بالذكرى، وهذا يظهر في القصائد: (في القرية الظلماء)، (في السوق القديم) و (نهاية)، (لقاء ولقاء)، و (اتبعيني) وغيرها.

ولا بد من أن ألقي ضوءا على موقفي من المرأة وإحساسي تجاهها، ليتم الفهم على وجهه الأكمل:

فقدت أمي وما زلت طفلا صغيرا، فنشأت محروما من عطف المرأة وحنانها.

وكانت حياتي، وما تزال كلها، بحثا عمن تسد هذا الفراغ، وكان عمري انتظارا للمرأة المنشودة، وكان حلمي في الحياة أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنينة.

وكنت أشعر أنني لن أعيش طويلا؛ لهذا وجب على القارئ أن يربط بين (رئة تتمزق) وكثير من قصائد الديوان.

وهناك ظاهرة لعلها أهم الظواهر في هذا الديوان، تلك هي أن البيت ليس وحدة للقصيدة. فالمعنى يتسلسل من بين بيت إلى آخر، سالكا عددا من الأبيات. لهذا وجبت مراعاة "علامات الترقيم" وإلا تعذر فهم القصائد، ومن بعد تذوقها.

وقبل أن أختم هذه المقدمة، لا بد من التعرض لمشكلة كثيرا ما ثار حولها الجدل، تلك هي رسالة الفنان في المجتمع. أنا من المؤمنين بأن على الفنان دينا يجب أن يؤديه لهذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه.

ولكنني لا ارتضي أن نجعل الفنان وبخاصة الشاعر- عبدا لهذه النظرية، والشاعر إذا كان صادقا في التعبير عن الحياة في كل نواحيها، فلا بد من أن يعبر عن آلام المجتمع وآماله دون أن يدفعه أحد إلى هذا.

كما أنه من الناحية الأخرى يعبر عن آلامه هو، وأحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها، أحاسيس الأكثرية من أفراد هذا المجتمع. وبالإضافة إلى ديوانين من الغزل أصدرتهما "أزهار ذابلة" وهذا الديوان؛ لا تزال لدي مجموعة ضخمة من الشعر الاجتماعي والإنساني ستطبع في المستقبل القريب.

وبعد فهذا قليل من كثير، مما أردت أن أقوله، وأرجو أن تسمح الظروف فأقول في فرصة أخرى، ما فاتني قوله لآن.

__________________________________

* المصدر: نظرية الشعر/ 5- مرحلة مجلة شعر - القسم الثاني: مقالات/شهادات/ مقدمات - تحرير وتقديم : محمد كامل الخطيب. منشورات وزارة الثقافة - دمشق،1996 (عن) مقدمة ديوان (أساطير) : منشورات دار البيان - مطبعة الغري الحديثة في النجف - سنة 1950.



__________________
(( غير قابل للكسر ))
سهاء النهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-10-2002, 06:50 PM   #12
سهاء النهدي
الــغارديـنــيــا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2002
الدولة: حكموا أن .. لا وطن !!
المشاركات: 47
سهاء النهدي is an unknown quantity at this point
افتراضي

(( مطر في جنازة السياب ))

بقلم: كامل عبد الله

كان يوما بعيدا لكن الذاكرة لاتزال تحتفظ بشيء من ملامحه ، حين وقعت عيناي على ملحق ادبي اصدرته صحيفة «الجمهورية» العراقية استذكارا منها لبدر شاكر السياب يومها لم اكن اعرف بدرا ولا كنت أعرف مكانته في ساحة الشعر العربي المعاصر ، حملت تلك الصحيفة التي خصصت ـ على ما اتذكر ـ ثماني صفحات نصفية تابلويد الى والدي ـ رحمه الله ـ مستفسرا عن ذلك الناحل الذي تطفح من عينيه ملامح الأسى الشفيف وصورته على غلاف ذلك العدد من الجريدة.

منذ ذلك الحين بدأت علاقتي بالسياب ، انسانا وشعرا، وقُدِّر لي ان اعرف بعد ذاك ان صحيفة أسرتنا «الحرية» التي كانت ايام الخمسينيات والستينيات صوت الحركة القومية العربية في العراق ضمَّت بين أركانها «السياب» واحدا من ابرز العاملين فيها، يوم كان مطاردا مفصولا من الوظيفة الحكومية، ويوم ان كان يبحث عن فرصة للعيش بعيدا عن أعين رجال الأمن وهم يطاردون الشاعر الكبير، ولعلها كانت مفارقة كبيرة باعثة على الأسى والضحك أن يكون بدر شاكر السياب مطاردا حتى من قبل رفاقه الذين يشاطرونه الانتماء السياسي لكنهم لا يشاطرونه حسه الوطني ورؤيته الثاقبة .

واليوم يستذكر شعراء العراق وادباء العربية المجتمعون في مهرجان المربد الشعري الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب حيث مر يوم الرابع والعشرين من الشهر الحالي الذكرى السابعة والثلاثين لوفاته.

لقد كانت رحلة شاقة محزنة هي حياة السياب لم يعرف فيها الفرح ولا مرة واحدة حسبما اسر الى احد اصدقائه القدماء .

تربع السياب على عرش الشعر الحر في العراق واكد الشاعر من خلالها ان حركة الشعر الحر اكثر من مجرد اصطلاح وعروض، اذ كتب في عام 1954 قائلاً: ان الشعر الحر اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين بيت شعر واخر، انه بناء فني جديد واتجاه جاء ليسحق الميوعة الرومانسية وادب الابراج العاجية وجمود الكلاسيكية.

كان السياب في مقدمة الشعراء العرب الذين خاضوا غمار مغامرة تجاوزت نظام الاوزان والقافية الواحدة في الشعر العربي القديم واسهموا في ولادة الشعر الحر الذي تحرر من قيود القافية والوزن.

ولد السياب عام 1926 في قرية جيكور جنوب محافظة البصرة التي تعد اشهر قرية في الادب العربي الحديث إذ تغنى بها الشاعر وبجدولها الصغير بويب المتفرع من شط العرب ووصفها بانها جنة ذات نخيل، وما زال بيت الشاعر السياب هناك قد اكلت العديد من اجزائه السنون كما مازال شباك غرفته الطينية في القرية يطل على النهر الصغير الخالد الذي قال عنه انه الدانوب في نظره.

كانت طفولته سعيدة يحب مراقبة السفن والمراكب وهي تصعد الى البصرة او تنحدر الى الخليج العربي وتركت حكايات جدته انطباعات عميقة الاثر في نفسه جسَّدها شعراً فيما بعد .

اتم الشاعر دراسته في مدرسة المحمودية في قضاء ابي الخصيب المعروفة بشناشيلها ذات النوافذ الزجاجية الملونة والمزينة بالخشب المحفور بالزخارف العربية وكانت هذه الشناشيل المنتشرة في بيوت اثرياء البصرة وبغداد موضوع قصيدته شناشيل ابنة الجلبي التي خص بها محبوبته ابنة احد اثرياء البصرة وانهى دراسته الثانوية في ثانوية البصرة للبنين وكان من الطلاب البارزين فيها وتعد قصيدته غريب على الخليج التي كتبها من اقدم قصائده المخطوطة وفيها عبر عن اساه العميق لضياع احلام حبه، وليس كثيرا ان يطلق على هذه القصيدة تسمية القصيدة الوثيقة لدقة ما يصور فيها الشاعر خلجات نفسه وأحلامها .

التحق شاعرنا بدار المعلمين العالية في بغداد ودرس فيها اللغة الانجليزية وبرز من خلال النشاطات والمجالس الادبية التي كانت تقام في بغداد وفي دار المعلمين العالية بدأت شهرة السياب تزداد وكانت قصائده تتداول بين الطلاب.

وتأثر السياب بالادب الاوروبي، وكان بودلير اول شاعر غربي يتعرف على شعره من خلال ديوانه ازهار الشر وكان الشعراء الانكليز الرومانسيون من امثال كيت وبايرون وودرورث من مصادرة المهمة الاخرى.

وبينما يؤرخ النقاد للشاعر الانجليزي اليوت من محتوى قصيدته الطويلة ذات الايقاع والاجراس الخزائنية الارض اليباب فإن المؤرخين يتحدثون عن السياب رابطين قدرة الشاعر وتاريخه وحياته بقصيدة المومس العمياء التي يقال انها قصة مومس عمياء كانت تسكن احد احياء بغداد القديمة ابان الأربعينيات من القرن الماضي.

عمل السياب بعد تخرجه مدرساً في عدد من مدارس العراق منها ثانوية الاعظمية ثم موظفاً في مصلحة الموانيء العراقية بعنوان رئيس ملاحظين لكنه جوبه مرات عديدة بالفصل لمواقفه الوطنية، وهنا تكون اتجاهه السياسي واصبح للشعر وقع الصاعقة في الكثير من الاوساط وداهمه رجال الامن اكثر من مرة وكان يمرق بجسمه الناحل الى السجون ليخرج منها مكبلاً بالاحزان والمخاوف والاشعار ايضاً.

وقد لاحقته لعنة المرض الذي الم به اضافة الى لعنة الاضطهاد وتعرض للحرمان الدائم والالم حيث ظل اواخر حياته متنقلاً من مستشفى الى اخرى داخل العراق وخارجه الى ان اختطفه الموت في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1964.

وعلى الرغم من ان حياة الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب لم تمتد طويلاً، إذ انها لم تتواصل سوى لثمان وثلاثين عاما الا انه خلف ثروة شعرية احدثت انعطافاً كبيراً في مسار القصيدة العربية المعاصرة وتمثلت بالدواوين والاثار الادبية منها ازهار ذابلة الذي كان محط مشاكسة للعديد من النقاد حيث قال بعضهم انه ارخ للشعر الحديث في العراق بينما قال اخرون ان نازك الملائكة سبقته الى ذلك في قصائد مبكرة لها، اضافة الى دواوينه الشعرية الأخرى اساطير انشودة المطر، المعبد الغريق، شناشيل ابنة الجلبي منزل الاقنان اقبال، قيثارة الريح، اعاصير والبواكير.

كتبت عنه مدينته البصرة في صحيفتها الاسبوعية قائلة: لقد مرت الاحداث كثيرة في حياة الشاعر فتراه يعين في دائرة ما فيفصل منها ثم يلغى قرار الفصل فيعود الى الوظيفة ويسافر ويعود ليودع في السجن ثم يطلق سراحه ليسافر وهكذا ..رحلة عجيبة اسطورية لا تكاد تشبهها رحلة لشاعر في عصرنا الحديث .

عاش ايامه الاخيرة غريباً مريضاً معوزاً تخلى عنه اصدقاؤه الا صديقا واحدا هو الشاعر والصحفي علي السبتي .

بعد ان يئس الاطباء في البصرة وبغداد ولندن وباريس وروما وبيروت من شفائه يعود نصف حي الى البصرة لعله يجد في المطر والنخل والماء ورائحة جيكور شفاء لمرضه، غير ان الدهر ما انفك يلعب مع الشاعر الحزين لعبته الشهيرة، لعبة الحياة والموت او لعبة الموت والموت،

فيسافر الى الكويت حيث يكون الشاعر علي السبتي بانتظاره ليدخل المستشفى ثم ليخرج منه يائساً من الشفاء غير يائس من الشعر، فيطبع ديوانه شناشيل ابنة الجلبي وحين يوهم نفسه بقليل من الصحة يكتب لصديقه الاستاذ عبد المنعم الجادر رسالة يحن فيها ويشتاق الى بغداد يرغب ان يجلس على دجلة ساعة او يمشي ولو بعكازين أحمقين في شارع ابي نواس، يشرب الشاي في مقهى الكسرة، لكن الشاعر يحلم دائماً فالموت يتوعده ويتربص به، الموت الذي افزع القديسين والجبابرة معاً، كان بانتظار الشاعر،

ففي 24 يناير1964، حين كانت السماء تلم باطرافها مسودة بسحب قاتمة وثقيلة، توقفت سيارة نوع مرسيدس ملطخة إطاراتها بطين لا يزال رطبا، وقطرات من مطر على زجاجتها الامامية يقودها علي السبتي، عليها صندوق يضم جثمان الشاعر قرب مسجد في البصرة القديمة ثم تكمل سيرها الموحش نحو مقبرة سيد التابعين الحسن البصري في الزبير... لم يكن الموكب مهيباً، ولم يحمل الشاعر على عربة مدفع فهو لم يكن زعيماً في فصيل لفرسان يوماً ما، ولم يكن ابداً غير شاعر تفخر الانسانية به، اعطى عمره القصير كتاباً ليظل به خالداً ابداً .

لم يتبع الجنازة سوى ستة رجال غير ان المطر ما انفك يرافق الشاعر حتى ووري التراب لكن المشيعين جميعاً كانوا يرددون :

في كل قطرة من المطر

حمراء او صفراء من اجنة الزهر

وكل دمعة من الجياع والعراة

وكل قطرة تراق من دم العبيد

هي ابتسام في انتظار مبسم جديد .


__________________
(( غير قابل للكسر ))
سهاء النهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-10-2002, 02:07 PM   #13
سهاء النهدي
الــغارديـنــيــا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2002
الدولة: حكموا أن .. لا وطن !!
المشاركات: 47
سهاء النهدي is an unknown quantity at this point
افتراضي

(( غريب على الخليج ))

الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام، على الأصيل

وعلى القلوع تظل تطوى أو تنشر للرحيل

زحم الخليج بهن مكتدحون جوابو بحار

.من كل حاف نصف عاري

وعلى الرمال ، على الخليج

جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج

ويهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج:

أعلى من العبـّـاب يهدر رغوه و من الضجيج"

صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى : عراق

كالمد يصعد ،

كالسحابة ،

كالدموع إلى العيون

الريح تصرخ بي : عراق

والموج يعول بي : عراق ، عراق ، ليس سوى عراق

البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون

والبحر دونك يا عراق


* * *


بالأمس حين مررت بالمقهى ،

سمعتك يا عراق

وكنت دورة أسطوانه

هي دورة الأفلاك في عمري، تكور لي زمانه

في لحظتين من الأمان، و إن تكن فقدت مكانه

هي وجه أمي في الظلام

وصوتها،

يتزلـّـفان مع الرؤى حتى أنام

وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب

فاكتظ ّ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب

من الدروب

وهي المفلية العجوز وما توشوش عن (حزام)

وكيف شق القبرَ عنه أمام عفراء الجميلة

فاحتازها .. إلا جديله

زهراء أنت .. أتذكرين

تنورنا الوهاج تزحمه أكف المصطلين ؟

وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين ؟

ووراء باب كالقضاء

قد أوصدته على النساء

أيدٍ تـُـطاع بما تشاء، لأنها أيدي الرجال

كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال

أفتذكرين ؟ أتذكرين ؟

سعداء كنا قانعين

بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء

حشد من الحيوات و الأزمان، كنا عنفوانه

كنا مداريه اللذين يدور بينهما كيانه

أفليس ذاك سوى هباء ؟

حلم ودورة أسطوانه ؟

ان كان هذا كل ما يبقى فأين هو العزاء ؟

أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه

يا أنتما

مصباح روحي أنتما

و أتى المساء

والليل أطبق ، فلتشعا في دجاه فلا أتيه

لو جئت في البلد الغريب إلىّ ما كمل اللقاء

الملتقى بك و العراق على يدي .. هو اللقاء

شوق يخض دمي إليه ، كأن كل دمي اشتهاء

جوع إليه .. كجوع كل دم الغريق إلى الهواء

شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولاده

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون

أيخون إنسان بلاده؟

إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟

الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام

حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق

واحسرتاه ، متى أنام

فأحس أن على الوساده

ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق ؟

بين القرى المتهيبات خطاي و المدن الغريبة

غنيت تربتك الحبيبة

وحملتها فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه ،

فسمعت وقع خطى الجياع تسير ، تدمي من عثار

فتذر في عيني ، منك ومن مناسمها ، غبار

ما زلت اضرب مترب القدمين أشعث ، في الدروب

تحت الشموس الأجنبيه

متخافق الأطمار ، أبسط بالسؤال يدا نديه

صفراء من ذل و حمى : ذل شحاذ غريب

بين العيون الأجنبيه

بين احتقار ، و انتهار ، و ازورار .. أو "خطيه"

و الموت أهون من "خطيه"

من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبيه

قطرات ماء ..معدنيه

فلتنطفئ ، يا أنت ، يا قطرات ، يا دم ، يا .. نقود

يا ريح ، يا إبرا ً تخيط لي الشراع ، متى أعود

إلى العراق ؟ متى أعود ؟

يا لمعة الأمواج رنحهن مجداف يرود

.بي الخليج ، ويا كواكبه الكبيرة .. يا نقود




ليت السفائن لا تقاضي راكبيها عن سفار

أو ليت أن الأرض كالأفق العريض ، بلا بحار

ما زلت أحسب يا نقود ، أعدكن و استزيد

ما زلت أنقض ، يا نقود ، بكن من مدد اغترابي

ما زلت أوقد بالتماعتكن نافذتي و بابي

في الضفة الأخرى هناك . فحدثيني يا نقود

متى أعود ، متى أعود ؟

أتراه يأزف ، قبل موتي ، ذلك اليوم السعيد ؟

سأفيق في ذاك الصباح ، وفي السماء من السحاب

كـِسـَرٌ ، وفي النسمات برد مشبع بعطور آب

وأزيح بالثوباء بقيا من نعاسي كالحجاب

من الحرير ، يشف عما لا يبين وما يبين

عما نسيت وكدت لا أنسى ، وشك في يقين

ويضئ لي _ وأنا أمد يدي لألبس من ثيابي-

ما كنت ابحث عنه في عتمات نفسي من جواب

لم يملأ الفرح الخفي شعاب نفسي كالضباب ؟

اليوم _ و اندفق السرور علي يفجؤني- أعود




واحسرتاه .. فلن أعود إلى العراق

وهل يعود

من كان تعوزه النقود ؟ وكيف تدخر النقود

و أنت تأكل إذ تجوع ؟ و أنت تنفق ما تجود

به الكرام ، على الطعام ؟

لتبكين على العراق

فما لديك سوى الدموع

وسوى انتظارك ، دون جدوى ، للرياح وللقلوع




الكويت 1953

__________________
(( غير قابل للكسر ))
سهاء النهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-10-2002, 02:13 PM   #14
سهاء النهدي
الــغارديـنــيــا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2002
الدولة: حكموا أن .. لا وطن !!
المشاركات: 47
سهاء النهدي is an unknown quantity at this point
افتراضي

(( أزهار وأساطير ـ ديوان شعر ))

"إلى مستعيرات ديوان شعري"


بيــن العــذارى بــات ينتقــل

ديــوان شــعر ملــؤه غـزل

أنفاســي الحــرَّى تهيـم عـلى

صفحاتـــه والحـــب والأمــل



وســـتلتقي أنفاســهن بهــا

وتــرف فــي جنباتــه القبــل

بيــن العــذارى بــات ينتقــل

ديــوان شــعر ملــؤه غـزل



وإذا رأيـن النــوح والشـكـوى

كــل تقــول: مـن التـي يهـوى?


وسـترتمي نظراتهن على الـصــــــــفحــات بين سطــوره نشــوى


ولربمـــا قرأتـــه فــاتنتي

فمضـت تقـول: مـن التـي يهوى?



ديــوان شــعري, رب عـذراء

أذكرتـُـهــــا بحبيبهـــا النـــائي

فتحسســـت شـــفة مقبلــة

وشـــتيت أنفـــاس وأصــداء

ديــوان شــعري رب عـذراء

أذكرتهـــا بحبيبهـــا النـــائي



قــد بــت من حسـد أقـول لـه

يــا ليــت مـن تهـواك تهـواني

ألــك الكــؤوس ولـي ثمالتهـا

ولـــك الخــلود وإننــي فــان

يــا ليتنــي أصبحـت ديـواني

لأفــر مــن صــدر إلـى ثـان



ســأبيت فــي نـوح وتسـهيد

وتبيــت تحــت وســائد الغيــد

أولســت منــي? أننــي نكـد

مــا بــال حـظك غـير منكـود?

زاحــمت قلبــي فـي محبتـه

وخــرجت منهــا غــير معمــود



أأبيــت فــي نـوح وتسـهيد

وتبيــت تحــت وســائد الغيــد?



__________________
(( غير قابل للكسر ))
سهاء النهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-10-2002, 02:17 PM   #15
سهاء النهدي
الــغارديـنــيــا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2002
الدولة: حكموا أن .. لا وطن !!
المشاركات: 47
سهاء النهدي is an unknown quantity at this point
افتراضي

((من ديوان المعبد الغريق ))

( شباك وفيقة )

شـــباك وفيقــة فــي القريــه

نشـــوان يطـــل علىالســاحه

(كجليل تنتظـــــر المشــــيه

ويسوع

وينشــــــر ألواحــــــه -

إيكـــار يمســـح بالشـــمس

ريشـــات النســـر وينطلــق

إيكــــار تلقفــــه الأفـــق

ورمــاه إلــى اللجـج الـرمس -

شـــباك وفيقــة يــا شــجره

تتنفس فــــي الغبش الصـــاحي

الأعيـــن عنـــدك منتظـــره

تــــترقب زهــــرة تفـــاح

وبـــــــويب نشـــــــيد

والـــــــريح تعيـــــــد

أنغــام المــاء عــلى الســعف



***


ووفيقـــة تنظــر فــي أســف

مـــن قــاع القــبر وتنتظــر:

ســــيمر فيهمســـه النهـــر

ظـــلال يتمـــاوج كــالجرس

فــــي ضحــــوة عيـــد,

ويهـــــف كحبـــــات النفس

والـــــــريح تعيـــــــد

أنغـــام المـــاء (هو المطــر)

والشــمس تكركــر فـي السـعف

شــباك يضحــك فــي الألــق ؟

أم بــاب يفتــح فــي الســور

فتقــــر بأجنحــــة العبـــق

روح تتلهـــــف للنـــــور ؟

يــا صخــرة معــراج القلــب

يـــا "صور" الألفـــة والحــب

يـــا دربـــا يصعــد للــرب

لـولاك لمـا ضحـكت للأنسام القريه

فــــي الــــريح عبــــير

مـن طـوق النهـر يهدهدنـا ويغنينا

(عوليس مـــع الأمــواج يســير

والــريح تذكــره بجـزائر منسـيه

"شـــبنا يــا ريــح فخلينــا")

العــــالم يفتــــح شـــباكه

مــــن ذاك الشـــباك الأزرق

يتوحـــد, يجـــعل أشـــواكه

أزهـــارا فــي دعــة تعبــق.

شـــباك مثلــك فــي لبنــان

شـــباك مثلـــك فــي الهنــد

وفتـــاة تحــلم فــي اليابــان

كوفيقـــة تحــلم فــي اللحــد

بـــالبرق الأخــضر والرعــد.

شـــباك وفيقــة فــي القريــه

نشــوان يطــل عــلى الســاحه

(كجليل تحـــــلم بالمشـــــيه

ويســــــــــــــــوع)

ويحــــــرق ألواحــــــه.


__________________
(( غير قابل للكسر ))
سهاء النهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
لا شيء

أدوات الموضوع
تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

أضف ايميلك هنا لتصلك مواضيعنا يوميا:

Delivered by FeedBurner


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:13 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م
ابشر