تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > الأقسام الأدبية ( شعر, نثر, قصص, نقد ) > ساحة القصص والروايات

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 17-01-2009, 10:16 AM   #1
حضرموت
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حضرموت
 
تاريخ التسجيل: Sep 2000
المشاركات: 6,167
حضرموت is an unknown quantity at this point
افتراضي عزيف الجن

رياض الأسدي





عزيفُ الجِن























رواية







ما كان ، محض غبار مرّ في الفم ؛البنتان الصغيرتان تركضان أمامي على أرض من سخام متماوج زلق . وما سيكون,محض دخان يتطاير بعيدا الآن . قبالتي . هذا ما ظهر لي في هذه الوهدة على اقل تقدير . أما كلّ ما تبقّى من الامر كلّه في هذه اللحظات المتسارعة : هو صرخته الطويلة ، المروّعة ، التي تشبه شهقة قوية لموت مفاجيء ؛ هناك ؛ وهو يهوي إلى تلك البئر القديمة المهجورة حيث سكنت جثته أخيرا ، ولم تعد تؤرقني ، في ذلك القعر الذي حسبت أن لن يكتشفه أحد من بعدي . فنطزة بليدة : ما كان . دائما .

روحه التي خرجت من جوف البئر ـ وحدها ـ رأيتها سرابا ليليا فريدا متطايرا على غير هدى وهي تبتعد عني ؛ روحه السابعة كما أظن ؛ كانت آخر ما خرج من الجوف العميق ؛ وهذا ما بعث نوعا من الطمأنينة في نفسي . مات مات ؛ بعد أكثر من ثمانمائة عام او يزيد قليلا من العلاقة معي ومع غيري من الناس . وبدا قعر البئر بعد ذلك مثل ثقب كوني أسود يبتلع كلّ شيء في لحظة واحدة : آآآآآآآآآآآآآآآ : صوته الذي ملأ المكان يشبه نهاية أرضية شاخصة يصعب مغادرتها بسهولة . ثم هدأ كل شيء . و صرخت : صبآآآآآآآآح ! وداعا .

سكون مباغت . غريب . كأنما لم يحدث حادث قتل عمد أبدا . ريح عجيبة تهبّ عليّ بروائح معارك قديمة : صوت الدان لما يزل في رأسي ، وصهيل الخيول النافرة ، وطعم الدخان الأسود . ولكن بعد هنيهة ، بدا كأن زلزالا خفيفا دغدغ قدمي على حين غرة في هذه المنطقة ـ خارج المدينة ـ التي لا تقع عادة ضمن الخارطة الزلازلية للعالم ؛ لم يشعر بالهزة أحد غيري , فتحرّكت الأرض قليلا اخيرا ، ما أبدع ذلك ، لذيذ جدا ، وهيمن على الفضاء القريب جنح موت مقبل : موت سماء أعرفها جيدا ، وغضبة مكان . كان قعر البئر الأسود الغامض يشبه آخرة ما ،من طراز آخر : نهاية لما كان منذ زمن بعيد ؛ والنون إبحار في لجة ؛و غرق هذه المرة . في وقت استمرت فيه البنتان الصغيرتان تركضان أمامي على بساط رملي احمر وهما تتصايحان : سعدة سعدة ، حفصة حفصة ، فأرقبهما قبالتي مثل فيلم سينمي باهت ، هاهما ، تتلفتان إلى الخلف وجلا من قتل مباغت يطاردهما أو من خطف يطوّقهما ؟ ؛ تظهران لي في الاوقات العصيبة دائما ؛ وتظهر لحظتئذ الساعتان الذهبيتان الملتصقتان على جبينيهما اللماعين بغتة , فأحاول ان ادرك الزمان الذي هما فيه والزمن الذي ساؤول إليه بلا جدوى . والزمان الذي انا فيه اصعب . والركض الذي يتوجّب عليّ أن أركضه خلفهما أقسى بعد ذلك .

لم احاول اللحاق بهما ، وتسمّرت في مكاني . أعرف الزمن من جبينيهما ، ومن خلالهما ، في هذه الركضة ؟ أية حال تناط بي بعد القتل الذي مارسته عند البئر المهجورة ضدّ واحد من أقرب اصدقائي إلى نفسي . صباح . و أيّ زمن هذا الذي تريدانني ان ألحق به الآن أيتها البنتان الممسوستان الراكضتان دائما ؟ لا علاقة بين القتل والظهور الليلي لكما على اية حال .

هل هي مزحة أخرى من مزحنا الكثيرة في ذلك الصيف التموزي الرطب ؟ أن تجتاحني هواجس غريبة , وأهواء عجيبة فأقعى كلائذ بالرمل مما فعلت أخيرا ، وتطوح بي الرؤى العنيفة ـ هكذا بغتة ـ في تلك المزرعة النائية الوحيدة والواقعة في آخر المدينة مثل وحش كبير رابض تحيط به أشجار أثل صحراوي عنيد . كنت مسطولا" حتما . ولم أكن أعي الاشياء جيدا ـ كعادتي ـ في السنوات الاخيرة بعد طردي من مهنة الطيران الحربي . كان يقهقه طوال الطريق إلى البئر ، ويذكّرني بلا جدوى مهنتي السابقة ؛ وأنها لم تضف لي إلا عناء مضاعفا . توحش الارض ووحشة السماء .

لم أرتجف أثناء القتل أبدا، كانت لحظة واحدة من الدفع المباغت على الظهر أمام فوهة البئر .لتذهب على القعر ، أيها الصديق القديم : قرون من الصداقة لم تمنعني عن اداء تلك المهمة الخاصة . وداعا أيها البوقي العفن في جيش السلطان . وصرخت البنتان الصغيرتان بصوت واحد : قاتل قاتل! . و لم أخف . ولم تهزني صرخته المدوية هناك ، وهو يهوي إلى القعر المظلم كذكرى طويلة امتدت مئات السنين ؛ يداي هما الوحيدتان اللتان كانتا ترتجفان في تلك اللحظة : قتلته بكلتا يدي أخيرا . استطعت أن افعل ذلك . منذ قرون وأنا أنتظر هذه الساعة . البنتان تقتربان مني رويدا رويدا ، وتحملقان بي .

قبة أرضية من غبار تهبط على المكان كلّه . أنجزت كلّ ما قررت ان أفعله منذ قرون مذ كان يقود السباهية والتفنكجيه والسيبنديه إلى جنوب الدولة العلية ، ليصبحوا من الملاّك الجلبيه وقطّاع الطرق المملوكين ؛ كان طعم مرارة السمك العفن في فمي ، ورائحته تفوح مني . القبة الترابية فوق راسي تتسع و تتسع ـ وارأساه ـ حتى تكوّن عالما لم أر مثله حتى ف أكثري أحلامي رعونة . وأرى ( جولده ) كلبة اسكندر الطباخ الممسوخة وسط القبة تهزّ ذيلها علامة قدوم أحد ما .. ثمّ تنبح ( جولده ) بصوت أبح : حححح ححح ححو صوت لم يسمع به احد ولا ( ماحود ) : وهذا الأخير : كلب أسود رافقنا طوال قرن او أكثر من الزمن . ثم ( هوبر ) كلب ( الكرنل )(1)المدلل بأقراطه الذهبية ، وطوقه اللماع الذي يرافقها دائما يقعى في جانب آخر من القبة .

هل كان صباح هو الوحيد الذي يستحقّ هذه النهاية المفجعة التي صنعتها لـه ؟ روث أحصنة ،ولفائف شعر نسائي ، وعلب حليب صغيرة صدئة تتقاذف في كل زاوية من أرض لم أتعرف عليها بعد . توهّج أصفر مقيت . والفانون بلا رتاج هنا . المرضى بالطاعون قابعون في المارستانات المهجورة . قارة سوداء مطعونة من أولها إلى آخرها . بلدان ملعونة . و رائحة جثث لم تتعفن منذ ألف عام خلت . ثمّ ريح مسك جنوبية . هبوب جنة قريبة تحتويني لحظة ، ولحظة تغادرني على عجل : هبت هبوب الجنة وينك يا باغيها !

ريح هوجاء قوية ما فتئت تعوي فيّ على الرغم من كلّ ما حدث : هياكل وأنين : رواق طويل يشبة قاووش مستشفى مهجور للإرسالية الإنجيلية ؛ كنت أسير فيه ، ومارلين في انتظاري بلا نهاية حاملة مشعل زيت خافت مثل بنت ضوئية في ليل عاصف . أسير فيسير تحتي كلّ ( النـهر الميت ) الذي يشخص قبالتي الآن ، فجاة ، منذ سني الصحراء السبع ، حيوات أخر : أراها لأول مرة و لم يسمع بها أحد غيري . مارلين ( السستر )(2) تبتعد ، فأصيح بها ، من جديد : ماآآآآآآرلين ؛ ضجيج وعراك ، وقرقعة سيوف،وسنابك خيل, وصهيل , وصراخ نساء ثكالى ، وأعواد مشانق،وهياج عامة لا ينتهي . حمامات تركية لمعالجة ألم المفاصل ، ونساء محظيات عاريات ، وسلطان ضخم واحد يشبه تمثال من حديد يجلس على دكّة السباحة المرمرية ، هناك ، خلف مرآة الجريان اليومي لهذا الذي ندعوه : الوقت الأرضي : بدأ كلّ شيء معي . هكذا .

سار في زقاق طيني يفضي إلى جامع الزبير الكبير وهو يأتزر إزارا أبيض بلون الثلج . إنه ( المهاجر البصري ) الرجل الذي ما فتيء يظهر لي بعد ان غادرني الجميع ممن عرفت قبل قرون . الخرقة لما تزل في يده ، و ( الكان ) معه , وهو يصيح بي : هل قتلته ؟ عباس ،هل فعلتها حقا ؟ أيها الرجل ، أخيرا . وأقول : قتلته يا سيدي . وأنت هل رأيت السلطان في الحمام ؟ عورته نائمة . والمحظيات يداعبنها ، بلا جدوى يا بصري يا مهاجر .

واصلت السير نحو ضؤ أصفر وحيد كاب في بداية المزرعة ، وبدا حينما أقتربت منه باهتا يتراقص متوحّدا بفعل ريح خفيفة أعقبت الزلزال على بـاب خشب أزرق كالح ،ملأ الرمل حذائي تماما ،حتى وجدت صعوبة في مواصلة السير على ذلك النحو المفجع . و لا شيء بعد ذلك مطلقا : الساعة الذهبية تدقّ على الجباه الغضة : كانت الثامنة بعد الثالثة والخمسين ، بعد الألف الثالثة عشرة والنصف . و كنت متوحدا عن كلّ ما حولي حتى عن المترائي المراوغ العنيد الذي لحق بي وقتذاك في تلك الليلة التموزية الرطبة ؛ لكني شعرت بأني أقرب إلى نفسي أكثر من أي قرن مضى ، وأن خفّة ما لحقت بجسدي : أذهب إلى القعر أيها الفاني ، صباح بن ليلى المعيدية ، هناك ، حيث لن يكتشفك أحد في تلك البئر المهجورة ، هاهاها ، ولن يبكيك أحد قط غير أمك الحنون ، هناك ،في ملهى الفارابي , لا أحد ولا ماحود لك الآن أبدا . لم تعد تعيّرني ببعدي عن السماء الدنيا . وحارسك الوحيد وحارس أمك ( ماحود ) يسير إلى جانبي الآن ـ أيضا ـ بعد أن مسخ في كلب أسود . أنظر . لن أراك ثانية وأنت تخطف قبالتي بسيارتك الشوفر الزرقاء المكشوفة صائحا : عبآآآآآس هيا .. ول ول ( ماحود ) هل تريد أن تعضّني أيها المسعور ؟ أرجو ان لا تخبر الناس عن جثة صباح القابعة في البئر هناك .

الهواء مشبع بالرطوبة ، عبأ قميصي الأبيض مثل بالون صغير . لن أطير هذا اليوم . لا قمر في هذه الليلة ، ولا نجوم ،ولا غيوم , ولا فضاء ؛لا شيء في سمائي الآن على الإطلاق . كانت السماء تبدو مثل ضؤ نهائي أخير أيضا ـ ولا نجمة لي ـ لا نجمة لي في هذه الأرض الدائرة : أنا عباس بهلوان الطيار الفريد في سماء المدينة الذي صفّق له الناس كلّهم وهو يحلّق بطيارته في العيد الاول لثورة ( الزعيم ) : عباس ابن صديقة الخبازة الذي قابل ( الزعيم ) وهو لما يزل شابا يافعا وربّت على كتفه وقال : أريدك دائما سبع .

و ها إني قد ألقيت بصباح صديقي القديم منذ قرون من على كتفي أخيرا ، مرة واحدة ، مثل ثقل حديد مبهم وضع عليهما منذ ألف عام ، هنا ، دفنته ، في هذه البئر ؛ هويت به من على كتفي المزدانين بالنجوم الذهبية وشارة الطيران الحربي . لم يعد كلّ ما كان مهما ، بعد ذلك كثيرا ، ويستحقّ الحديث عنه . وداعا إلى عمق الأرض أيها المأفون الذي يخرج لسانه لي في كلّ خطوة ،لست آسفا" على ذلك . كما إني لا اعرف سببا" مقنعا لفعلتي معك أيضا ؟ ربما أستطيع ان اجد لي تفسيرا لي حقيقيا فيما بعد . المهم . ألقيت بالثقل الذي أنؤ به ليل نهار ؛ فكل ما حدث هو محض هوس أنتابني في لحظة ما ، و ما كان لي ، وما هو كائن لي الآن هو ملكي ، وحدي , لا يشاركني فيه احد من المخلوقين الاصدقاء القدماء الاحياء والجدد الذين يجرّبون حظوظهم .

لكن صباح ـ حتى بعد موته ـ بدأ يتلاعب بي ، ويطاردني ، وحدي : عجب لا نهاية له ، كان : يعمي البصر مثل ضؤ كشّاف حاد ، ومن اول نظرة ، فلا يكاد يرى شيئا محددا . قتلت صباح ابن المعيدية ، ولم أقتله في نفسي ,تخلصت من جسده فقط ، ولم أنجُ ، ولم أهدأ ؛ وكيف يهدأ من كان مثلي ؟ نجوت من روحي فقط وهذا أفضل ما حققت تماما. كلّ شيء في قعر البئر الآن . أما ذلك الحلم الغريب المتعلّق بتلك البنتين الراكضتين اللتين تظهران لي بغتة ـ في آن ـ فهو لم يفارقني . وكنت أحسب بأن الخلاص من صباح سوف يحول دون رؤيتهما في الأقل ؛ فكم انا قليل المعرفة ، وكم انا فقير الحال ؛ وها أنذا أراهما من جديد .

ـ من أنتما ؟ وماذا تريدان مني ؟

ـ ....

ـ هل أنتما من الانس أم من الجن ؟

ـ .....

ـ أذهبا أذهبا !

وداعا" صديقي القديم : لست نادما على أية لحظة عشناها معا . . وليس ثمة ما يمكن أن أقوله لك الآن : غير وداعا". فلاشيء غير الغياب دائما ، هنا . السماء تلاحقني ، والأرض تهزأ بي ، في كلّ خطوة أخطوها ؛ ( التابعة التابعة !) أعرف ذلك جيدا ، منذ أن دفعت به إلى أسفل البئر ؛ ولا شيء مؤكد بعد ذلك إذ لم يحدث أيّ تغيير .. لكنه كان هو آخر ما يمكن أن أفعله على أية حال ؛ أبكي ؟ أبك أبك من أجل نفسك في الاقل أيها الطيار ، ومن اجل العماء الذي أنت فيه الآن . ربما يخفّف البكاء من هول الحادثة قليلا ، وربما يكون للدمع مغزى لحظة انسكابه ، ولكن المهم ما بعد ذلك من شفافية الروح وقلّة الالم . و لم أستطع البكاء أيضا . لن أفعل ذلك مطلقا . مثلي لم يبك منذ قرون عديدة . ما أشد تصلّبي ، وما أقبح نفسي . التصلّب المفعم بالكره لكل شيء هنا . ذهبت الريح وحلّت في العالم سكونية تشبه الابدية الماثلة للعيان في الارض .لكني راض عن كل ما حدث ، ولا طريق للندم : فما حدث في تلك الليلة لا معنى لــه ، أدرك ذلك جيدا ، ولكنه كان لابدّ منه : صباح ، صديقي ، أبن الراقصة ليلى المعيدية في ملهى الفارابي ، العتيقة ، (الردّاحة ) الاصلية في كلّ الحفلات الصاخبة بعد الساعة الثالثة , حيث بيدأ في آخر الحفل ( ردح العمارة المعروف ) وصبوح ذلك الوسيم الأبيض المرمري الآتي من بلاد بعيدة مثل ومضة في الرأس ؛ ذو الشعر الأسود الفاحم المرجّل على طريقة " الفس" الخاصة ، المتمايل في مشيته ، المتبختر يصعد المسرح وسط تصفيق السكارى ؛ وداعا" وبلا أي دمعة . لاشيء غير صورته الآن معي : صورة لا معنى لها ، غائمة ، ولا تكوّن أي طريق لي .

بكاء أهوج في ملهى الفارابي , يشبه العواء الليلي : آآآووووآآآيييآآآآهه آآآووو الراقصة المعيدية تنوح على وليدها : مات في عزّ شبابه ، صبوح . وصوتك ما يزال هنا ، معي : ماما . مائة دينار ، أريد أنواط حمر ، من فضلك ، أبو الخمسة دموية , ماما ، أصدقائي ، أحبهم ، وأولهم : عباس بهلوان الطيار المطرود من الخدمة ( الداكيري )( 3 ) العنيد . من كان بلا اصدقاء يا امي ؛ لا حياة لـه ،ولا ممات ، ولا رؤية ،أصدقائي هم عيوني في هذه المدينة ؛ أنفق عليهم أمي ، ليش لا ، بجالك ،بجال جمالك الفتّان ، ما شاء الله عمرك أربعون عاما وأنت في عزّ جسدك ، ورقصك مصيبة ,خبال . أصدقائي كلهم فقراء ، وأنا أتبعهم لأنهم فقراء : عباس ومارلين وحسين المؤذن السرفندي الذي رآى ما كان ، وحبش وفطم وزريفة وكلّ ( الداكيريين ) المعدمين . صبوحك زعلان اليوم . لالا ، مو كلش . لكن البنات يطاردنني ماما : أنا أجمل شاب في المدينة على الأطلاق ..أنظري ولدك الجميل , هاأها ، مو أجنن : سيارة شوفر زرقاء مكشوفة يزينها تمثال إمراة عارية في المقدمة ، أريد ، وشعري يتطاير في الهواء : سمسم . خو ،ماما ، ابن كوتي ،هذا الباكستاني ، خو مو احسن مني ماما . والله كوتي شنو ؟ شفت ما شفت ! وشنو شاف ؟ نحن الذين راينا الاول والآخر ـ مو تحشش حقّ وحقيق ؛ أنا شفت اكثر من كوتي الف مرة . و لا تقولي ممسوس . أنا أعظم من كلّ هؤلاء , ماما . أنا صباح ابن ليالي المعيدية علم يرفرف في أعلى سارية في المدينة ، و تشرفني ( معدنتك ) ليالي ، حبّي الأول والاخير ، في هذا العالم الفاني ، أنام على صدرك إلى الابد ، ماماتي ، وأنت تدلعين صباح وهو ابن العشرين ، المهم : أبنك الوحيد في هذا العالم صباح ، وبس . سيغادر يوما ما ، وسترين ذلك ، وستبكينني دما أسود . وما كان كان ، وما سيكون : غير مهم صدّقيني, صباح هو سلطان الزمان الآن : صباح إبن ليالي الردّاحة في ملهى الفارابي ... صباح وكفى .. أما من يأتي بعدي فهو هباء مثل ( نفّاش برّ ) : كابتن عباس ، أو كوتي ، أو نجية طويق ، وحتى سرهيد الأسود و زريفة و فطم ؛ كلهم ؛ يتطايرون امام سيارتي الشوفر الكشف في كل الأتجاهات ، وأنا أسير مائة وعشرون كيلومترا باللوفة ! ، أنا صباح البهلوان الحقيقي لهذه المدينة ، وليس هذا الطيار المطرود المتحذلق الذي تعمل امه خادمة في بيت آل طويق اليهود الذين أغلقوا بابهم ولم يعد يراهم احد بعد أن رفضوا التسفير .. ما عداي مجرد فزّاعات بساتين محطّمة . صدقيني ماما . و عندما ظهرت لي تلك البنتين الغريبتين الصغيرتين : عبالي حلم ، لأول مرة ، أو أنا محشش طوخ ، ولكن عندما تكررت الرؤية لهما تيقّنت : أن كلّ شيء هو حقيقي تماما . ولكنهما ظهرتا لي مرة واحدة عيانا فقط ؛ وهذا ما يؤرقني أمام عباس الذي يراهما في كلّ يوم تقريبا ؛ وهذا ما يعذّبني ماماتي أيضا ؟ ففي رأسي دار كلّ شيء ، وبدا ان ثمة ما هو أمتع من هذا الذي نسعى ليل نهار ومن أجله .. ولم أستغرب , فقد كانت الساعة الذهبية على الجبهتين الصغيرتين تشيران إلى زمني دائما ، أنا ، وحدي ،صباح ابن ليالي ؛ هذا ما صرّحت به أخيرا إلى كلّ اصدقائي لكني لم أجد فيهم إلا الاستغراب والجفاء . لكن عباس ـ وحده ـ كان يرى فيّ ما لا يرون . ولم اكن ارغب في ان يشاركني الرؤية قط .

صباح كفى ، صباح دعني : انه مجرد قوس من رماد عتيق أنظر إليه جيدا : رمال موحشة وفراغ . دعك . ربما أوهمت نفسي بأن فيه سرّا باتعا ، صدقني ؛ نحن مجرد حشاشين تخرب عقلاهما : كانت مزحة نريد لها ان تكون شغلنا الشاغل بسبب العطالة و أيام البؤس ؛ لا سر في هذا المكان أبدا ؛ كلانا من أشاع ذلك أيام التحشش المدوخة ، هل تذكر؟ مزحة مجرد مزحة يارجل ، اوهوو ؛ كذبة ؛ صنعناها معا ونصدّقها ، وتريد مني ان أصدّقها الآن ؟ لماذا تصدّقون حتى مزاحي الثقيل ؟ وهي من مزحنا الكثيرة ، والله ؛ اغمس قدميك العاريتين هنا ، هنا ، وتحسّس النهايات كلها : ماذا تجد ؟ ها ؟ ماذاتفتقد ؟ ماذا ترى ؟ ها ؟ قل قل ؟ هل ترى شيئا الآن ؟ ترى ترى ؟ ؛ أنت مجنون آخر مثل خالي حسين المؤ ذن السرفندي ـ من أين جاء بهذا اللقب ؟ ـ الذي ما فتيء يروي لنا حكايات غريبة عن بنتين تائهتين في أزقة الكوفة من العصر العباسي الثاني و إلى يومنا هذا الذي نحشش فيه ، وما كان لك قبل ألف عام ، يا معوّد ! ؛ الساعات الأخر الفريدة على الجباه والمؤشرات الدائرية العديدة على الجباه : خلقنا في الزمان ونودّع في الزمان . . هل تجرب ؟ جرب وسترى .. لنجرب معا ـ هات سيكارة ( معمّرة ) : هذه هي العجوب حدّق فيها مايا : تراها جيدا :ماذا ترى الآن غير الرماد تحت القدمين ؟ ها ؟ سأرى يوما ما ما كان ، هه هه هه ،مزحة . أرجو ان تكف عن صداقتي يا صباح إن كانت لغرض الشبع من الرؤيا ، لأننا سنخسر بعضنا يوما ما . وسترى ياصديقي ذلك :

{ ركبناالزورق ، وسرنا في نهر ( الأبلة ) ، ورأينا طوال أربعة فراسخ : حدائق وجواسق ومناظر لا تنقطع على شاطئيه ، ويتفرّع من هذا النهر ترع كلّ منها في سعة نهر حتى بلغنا ( شقّ عثمان ) وهي امام ( الابلّة ) نزلنا واقمنا }( 4 )هووووو!

و لاشيء غير رمل رمادي عفن و غريب أخرج من تنور مهجور توا :العجوب التي تسرقنا وقت التحشّش تلك هي ما تشغلنا الآن : أنت لم تفعل شيئا مهما, ولا أنا ، كلانا رجلان ممسوسان، فأنا لم أفعل ما هو مطلوب مني ؛ ومن أجل ان يخرج ( الصوت ) من رأسي .. أخررررج ! أنت ، اولا ؛ ولذلك لا بد لك من أن تغادرنا ،جميعا ، هيا ، غادر مملكتي : آآآآآآآآآآآآآآآآآآ ! . فكل ما جرى بيننا هو محض دعابات نسائية ، وغلمانيات مبتذلة : احرث العبسة ؛ اتبع الطريق أيها ( التابعة الجن ) ، هنا المكمن ؛ رقّص العجيزة ؛ هذه وظيفتك العزيزة ، ثمّ لنرقد في جوف الجوف ؛ العمق وحده دائما ، رؤى ، العمق اللزج ذو الرائحة النتنة . عمق السماء الرمادية لا نهاية لـه . الوحدة اللذيذة قبالة السور العالي ، هناك ، وصوت البوق التركي يعوي في جموع العسكر النتظم والذاهب إلى المجهول . أما تلك القفشات : ساعد الصرصر على التحرر . إعمل برنامج ثوري . وزّع المنشور قبل أن تلقي به في التنور . وأنا وأنت وهي ؛ جواهر العالم ووجودنا كلّه ـ ياللعذاب ـ هو الباقي . مارلين وحدها : هذه الرومية الآتية من بلاد الصرب عام 1705 : الأسيرة الصليبية التي أشعلت كل هذه الحرائق بيننا . . قالت مارلين :

ـ قتلته ؟ ها ؟ فعلتها يا ابن خادمة آل طويق ؟ لم تستطع أن تحتمل واحدا أهم منك .

ـ هل تقانينني بابن ليلى؟ حسنا ،أذن ؛ فقد فعلت ذلك ببرود عجيب .. هل تفهمين ؟!

ـ إبن الخرء ، لا، أنت سكران ، أو محشش .. ليش ؟ ولك ليش ؟

ـ فعلتها , وفعلتها . قتلته بكلتا يدي هاتين : ماذا فعلت ؟ ها ؟ كفي عن هذا الهراء الآن ؟ فقد حدث كلّ شيء بسببك أنت ..

ـ يايسوع ! وما شأني أنا ؟

ـ لا أدري لم فعلت ذلك ، صدقيني ، مارلين ، كأني لست نفسي .. لماذا دفعت به إلى جوف تلك البئر المهجورة ؟ شيء محير ، لا أفهمه ، كان من أعز أصدقائي ، صباح ، وأنت تعرفين ذلك جيدا .

ـ سيبندي سيبندي !

ـ أي مزاح كان ؟ أي مزاح كان ؟؟ أنت سبب ذلك المزاح القاتل .

ـ أريد أن أتقيأ.. دعني .. ليتني أستطيع ذلك الآن : التقيؤ هو الحل الآن .

ـ ماذا فعلنا ؟ ماذا فعلنا جميعا" ؟

ـ كم أنت مخبول ؟ ؛ منذ ان حدّثتني عن ذلك الحلم المتكرر الذي يراودك كل ليلة وأنت لست طبيعيا . ماذا ترى؟

ـ وما علاقة الحلم بما حدث ؟

ـ لا أدري : أسأل نفسك ..

ـ رؤيا البنتين اللتين تظهران لي ؟

ـ أجل .

ـ أراهما في اليقظة هذه الايام !

ـ ماذا تقول ؟!

ـ صدّقيني .

مثل كتلة سوداء رأيته يهوي ،كان لما يزل في العشرينات من عمره ، عطره بروفسي نسائي ،انثوي في كل شيء ، صبوح المتغنّج ، يلمّع شعره بدهان غال يقال بأنه أستورد خصيصا" له من باريس ، وأنا , المع شعري ( بياردلي ) أخضر مثل دهان مكائن . وآخر مرّة أصرّ على أن أدهن شعري من دهانه الخاص ، فبدوت وسيما جدا في نظره ، قال : هآآآي كابتن ( كسّرت ) عليّ . ثم اشترى لي قميصا" اميركيا" , و ألبسني أحد بنطلوناته الضيقة ، وصاح : ها هوصديق "الفس" برافو ! أنت يا عباس ياصاحبي تستحق الكثير لولا ادعاءاتك (المسقوفية )(5) التي أودت بك إلى الطرد من القوة الجوية ، ولولا أنك ( أحمر داكيري قح ) لأصبح لك شأن كبير في هذا العالم ؛ لكنك ضيعت الخيط والعصفور ، أغاتي ، كابتن . أمثالك في بلد آخر ينامون على الحرير الهندي ، ويحتسون الشمبانيا ، وليس ( المسيّح ) البذيء هذا ، أيها الطيار المطرود من القوة الجوية سابقا بسبب اشتراكك في انقلاب عسكري مزعوم ، والمعيّن ـ حديثا ـ لرشّ الجراد الموسمي خارج المدينة . ياصديقي ، لا أحد يقيم صداقة مثلنا ابدا . أتدري كم هو مبهر أن تكون معي طوال الوقت ؟ هاهاها ! ، وأن نغوص معا"، كلانا ، في هذاالبون الشاسع الذي نزعم فيه بان الكلمات المجردة يمكن أن ثؤثر في الاشياء : ذلك هو المهم عندي في هذه اللحظة : أن نطير معا ، ونعيش معا ، ونتقاسم كل المتع معا ؛معا ( للوحة ) فالصداقة ياصاحبي أفضل ما تكون في جوف هذا الوحش الكبير الذي تربينا فيه منذ قرون . صدقني . وانا صديقك الوحيد في هذا العالم ، منذ أن كففت عن ارتياد السماء حيث لا احد معك ، وانت على الارض حيث لااحد معك أيضا ـ إلاي . اهرب ثمة من يريد القبض عليك . أمي قالت لي ذلك البارحة .























































لم أصدقه . كان يهذر كثيرا ؛ كأنه يعرفني منذ قرون خلت . لاحقتني صورته في المنفى الصحراوي سبع سنوات . بكيت كثيرا مع نفسي ؛ في نومي ، و في يقظتي ، وعند السور العالي ، هناك : أرى بلوزته السوداء ذات الرقبة ، وبنطلونه الأسود ، وساعته الرولكس اللماعة ، وسيارته المكشوفة ، وذلك الشعر الأسود الفاحم الذي تداعبه الريح الجنوبية الشرقية. عيناه لوزيتان كبيرتان مثل كشّافين بحريين مطفأين . تذكرت ذلك الان.. يالعينيه الغريبتين تلك وهو يجول بهما في المدينة بحثا عن النساء . ثرثار دائم .. ومبتذل في دعاباته كلّها . كان الجنس محور أحاديث تقريبا : بابا يا سياسة يا نجاسة . طز . عباس : أحنه وين والسياسة وين ؟ عش حياتك ، صداقاتك ،ساعاتك ، أخي : السياسة لعبة الفقراء هنا ، في هذه المدينة ، ولعبة ( الزناكين ) ، هناك ، في الغرب ، أفهمني .. أنا سافرت كثيرا.. أنتم مثلي .. ثمّ أعلن انتماءه للبظر وحده .. وصاح بصوت يقلّد فيه النساء المتغنجات : المهبل هو الزعيم الأوحد ! صدقني مرة أخرى . كلنا خرجنا منه . كم أنت ( دماغ يوختر )(6) : لا أحد مثل البظر يتحكم بهم : يدخلونه ويخرجون منه ، وهم إليه صائرون ..ثمّ يخطب فجأة : أيها السادة إليكم هذه العادة غير السرية : أحبوا النساء تفلحوا ، هاهاها !وفي الليل تشلّحوا وتسلّحوا وانبطحوا ( عساكر افندم مضبوطات ) وكل خطاباته طويلة و لذيذة وطنانة : إنني وإنني و إنني ! وأنا أقول : طنني وطنطني وطنطلني ! ها هاها . كان صوته : ياأبناء ( شعبي الكريم في بستان قريش ) إنني أحد أبناء زمرتكم ، هي هي هي ؛ زمرة تحشش ، وتنام ، وتتناكح ... وتموت . ولا شيء بعد ذلك ابدا .

يا للذؤابتين المترنحتين على جبهته العريضة ، وهو يلقي علينا خطبه اليومية المملة . كان صباح لا يعرف إلا قليلا من الإنكليزية لكنه سافر إلى لندن و برلين والقاهرة وبيروت عدة مرات وجاب العديد من البلدان الأوربية . قلت :

ـ وكيف كنت تتفاهم معهم هناك أبو لسان ؟

ـ بفلوسي .

ـ لا أفهم .

ـ عندما تسافر معي ، ذات يوم ، ستعرف كلّ شيء .

ـ أسافر معك ؟ ليت ذلك يحدث قريبا يا صديقي ، أريد ان أهرب من هنا لكني ممنوع من السفر .

ـ تستطيع ماما ليلى أن تفعل الكثير ، ماما أهم ( سياسي ) في المدينة .. هل تنكر ذلك أيضا ؟

ـ لا ، يابه ، لا .

لم اعد أرى تلك الذؤابتين المترنحتين الغريبتين بعد ألقائه في جوف البئر . تبا لكلّ وعوده . وتقيأت بعنف .. وضاق بي المكان حتى رحت اعدوا طوال الليل في صحراء الزبير باتجاه المدينة . أسير أحيانا ، وأعدو أخرى . ثمّ أقف لأتأمل نفسي قليلا فلا اجد ثمة ما يستحق فيّ .. ولا ألبث حتى أواصل العدو من جديد ، فوصلت بيت مارلين في الصباح الباكر قبل ذهابها على مستوصف الامراض الصدرية . قالت :

ـ ما بك ؟ أيها الحشاش ، لم تطرق الباب بقوة ؟

ـ قتلته !

ـ قتلت من ؟

ـ صباح !

صدقيني يا مارلين : أنا لا اعرف ما الذي حدث فعلا ، لم تكن مجرد مزحة , أو هوسا حلّ بي على حين غرّة ، كنت في وعيي الكامل حينما ألقيت به إلى جوف تلك البئر .. و كنت أعرف تماما ماذا فعلت بالضبط معه ، لكني شعرت ـ ولأول مرة ـ بأني مجرد قط مبلل ومطرود بعد الحادث و ها هو الكلب ( ماحود ) يتربّص بي ، يطاردني ، فعدوت كلّ هذه المسافة البعيدة طوال الليل .

هل انا حاقد يا مارلين ؟ وهل يمكن للغيرة بين رجل و رجل ان تفضي به إلى قتل ؟ ليتني كنت ترابا قبل هذا، ليتني كنت سرابا ما , فأنا لا أعرف ما أريد حقيقة ، و يمكنك أن تطردينني الآن من بيتك ، هيا ،أدفريني بقدمك ،لن أقول وداعا" أبدا ؛ لماذا أنت ساكتة ؟ ها ؟ مارلين !؟ يمكنك إخبار الشرطة أيضا إذا رغبت ، أنت حرّة . . سأسلم نفسي الآن لو أردت ذلك . لماذا انت ساكتة بحقّ المسيح ومحمد ! ، قولي أية كلمة من أجلي ، أنا ، عباسك البهلوان ، أبو الطيارات ، في تموز ، حبيبك الوحيد ، هل أصبت بالذهول مثلي ؟ شنو انسطرت ؟ حسنا حسنا ،أنت غير مصدّقة لما تسمعين مني ، حقّك ، أنا ، نذل وخسيس ، بس ، دعيني أنام عندك الآن . طيب . لا ترغبين في ذلك ؟ ساذهب إلى فطم ، هل تمانعين ؟ لا مكان لدي بعد الآن ، و ( ماحود ) سيأكل اليتي .. أعرف ذلك إنه حيوان متوحش ومدّرب . كم انا مخبول ، لكني لست نادما على فعلتي ،أبدا أبدا ؛لن أندم على ذلك ما حييت ، ولن اخاف ؟ أرجوك ، قولي ولو كلمة واحدة من أجل كلّ ما كان بيننا من حبّ : ماذا أفعل ؟ ماذا فعلت ؟ أنا لم أعد أعرف نفسي .. و لا أحد ولا ماحود معي . يطاردني ( ماحود ) .. منذ زمن بعيد .. دائما" دائما". هو هكذا : كلب تركي شرس . كوني معي في هذه اللحظة في الأقل ، يا حبيبتي .

ـ أخرج ، وبس .

فطم : هي كل ما تبقى لي على أية حال ، وزوجها حبش الابهق يحبّني ، سأذهب عندها ، لا تنظري إلي هكذا . ذلك القوس العجيب الذي يحتويني على غير ما أتوقّع دائما : قوس الرماد :النهر الميت القديم الذي يفضي إلى قصر الأبراهيمي من جهة الغرب : هل تفهمين ؟ ياله من أرث منذ ألف عام ! أحمله وحدي . و يا لها من حياة طائرة مترترة : بررررر : رشّ الجراد الصحراوي . و السماء في هذه الوهدة بالذات ضدي ـ أيضا ـ أكثر من أي وقت مضى ؛ لا سماء معي منذ ألف عام .. أي سماء أي سماء . مارلين . ولم أعد أستطيع الوقوف ، ساعديني .

ـ برّه .

ولا النظر إلى الأعلى : كم أنا مرتاع وبائس : أن يكون الإنسان أرضيا دائما ، ترابيا : هو العذاب الأكبر . هل ألقي بنفسي في البئر وراءه كي ترضين عني أيتها الحمراء الصربية الاتية من الجبال النائية ؟ قولي أيّ شيء حتى لو ضربتيني بقبقابك . قالت بصوت مبحوح :

ـ أنت خائن يا عباس .

ـ هو خائن أيضا ، صباح ،ذاك ، وأنت خائنة مثله . جميعنا خونة .

ـ وأنت مريض .

ـ ماذا تقصدين ؟

ليلى المعيدية صرخت وسط الملهى المزحوم بالرواد السكارى ، ثم شقّت زيق نفنوفها الاحمر التفتة ،لم تكن ترتدي كلسونا ، كانت تنوح عارية ، وهي تصرخ بصوت مبحوح : صبوح صبوح ! أويلي ، ماذا فعلت لكي تموت في بئر مهجورة ؟ وجدوا جثتك بعد أيام ؟ لم أعد ارى شيئا" بعدك صبوحي: دنيا خراب خراب ، من بعدك ، وليدي .. أويييلي ! و يقال بأنها أصيبت بالعمى بعد سماع ذلك الخبر .. ما أبشع ما فعلت ، وما ألعن ما أنا فيه . حدث كل ذلك في مدّة من الزمن غريبة ، وبلا أي توقّع من أحد . ربما كانت قدرا ، ما ، لكني لا أؤمن بالقدر ؛ و بدا العالم على وجهه البرونزي الباهت القديم : طننننن : الصحن الذي يقرع أثناء بدء المنازلات في ملاعب روما القديمة : وجه كالح و مريب يبعث على التقزز ؛ وحتى تلك الكثبان السود من عفونة الداخل والخارج التي خبرتها ؛ أصبحت جبالا أنؤ بحملها ليل نهار، فأرفع راسي كديك هراتي عنيد يحدق في المدى دقيقة ، ثمّ يعود إلى مراقبة دجاجاته المقأقأة ، لكني لا أستطيع الصياح الآن ن ولا الركوب اليومي الدائم ؛ وها انذا اكون مرة أخرى ،من جديد ، نفسي ، عباس بهلوان . لكني قاتل هذه المرة .

فراغ زمن ، وفراغ روح . رائحة روث أحصنة رطب . أيها الحصان الجامح ، المتوحّد ، في هذا السباق الأرعن .. خسرت كل ما املك في ( سباق خيل ) الساعة السادسة ( حصان أعرج في سباق سنوي ) ؛ ربما يكون لتكّسر القشرة السطحية تحت قدمي وقع زلزال الآن ؛ ففي أزمان سحيقة ، أثر ما ،مثل غوص القرى العنيف في الجوف ؛ كان هو ، رأيته هو هو ، على سطح هذا النهر الميت ؟ يركض ودشداشته بيضاء هفهافة ، وتركض قبله بنتان صغيرتان .. وليس ثمة قرى و حقولا و غابات نخيل الا في رأسي الأجوف هذا : ما رأيت هو حلم أضغاث ، لا أكثر ولا أقل ؛ شطح من رؤيا ؛ وها أنذا أرقبها متلألأة بعيدة مثل سفينة ضؤ ؛ وها انذا أراها من جديد ، على الرغم من كل ما هو قائم ومروع : يتعرج وادي النهر الميت نحو الغرب , بعيدا عن تيجان النخيل النائية الممتدة على طول الشط الكبير ؛ يمكن لطياري مكافحة الجراد الموسمي مراقبته على نحو واضح من هذا العلو ، وهم يبحثون عن مواطن تكاثره: تلال صفر ذهبية تبدو مثل بقع متحركة . . اراها اراها : قادمة . الان . رش رش رش DDT ؛ قيء أرضي آخر . الجراد المقلي و المحمص في تلك المساءات لفقراء المدينة طعام مفروض ؛ أيها المتلذذ سينبت لك جناحا جرادة كبيرة ، يوما"ما ، وستطير ، ويسمع لك أزيزا حادا في السماء على بعد كيلومترات : بهلوان العصر والزمان ـ أيها الافاق الصغير الحالم بالعلية ـ كم أنت حزين ومتأمل؟ أخشى عليك يا ولدي من الهوى ؛ أيّ سّر يسكنك لست ادري ؟ تعلّم أن تغتسل بغير ماء الاشنات هذا ؛ أصبحت ولدا" وتغطي عورتك؟ ها ؟ هيا ابعد عنك كلّ جذام أجدادك الصحراويين أولئك ؛ ففي أيام جويريد القارصة ، في الصحراء ، ثمة ما يكون . . هناك أيضا .

هيا أحن رأسك ، أي أي أي ،حسنا ، دنّق للقاع ، كلّش ؛ إنك تفعل ما أريد لأول مرة في حياتك , ولد عنيد رأسه مثل صخرة صلدة ، ياالهي ماذا أفعل لـه كي يطيعني ؟ إنه مثل أبيه تماما : صحراوي لا يتعلم ، وعنيد مثل حجر صوان ، لكنه ولد ذكي ، ما شاء الله هذا الشعر الكث الذي يشبه صوف خروف أسود صغير شعرك ، وهذه الهامة القوية هامتك ؟ من أي بلاد أنت ومن أي قبيلة ؟ هذه الصلابة في صدرك ممن ورثتها ؟ هيا أنحن
إلى الأرض إلى الأرض ، دنّق ، ها ، غبير ، ولد عجيب . أما هذا الصندوق الكبير ، المنجّم ، القديم ، فلا يصلح الا لوضع كتبك ودفاترك . بس لو كنت اعرف ماذا ولدت حقا ؟

ترررر ، مؤشر نفاد الوقود يقترب من النهاية .عباس عد الى المطار الان . ها . ماذا تقول ؟ وجه امك على الارض ؟ المدينة القديمة فبل الف عام تراها ؟ الأخ هم محشش ؟ ،شنو ؟ ثوب مارلين عند النهر ؟ بنتان صغيرتان طائرتان ؟ يمعود أستر علينا بهلوان . مو بالشافعات قبلنا تشتغل برش المبيدات ، أيها الحربي ! ، عد إلى المطار ابن اليهود .

الابار المهجورة فوهات براكين خامدة . دورة للمرة الأخيرة ثم أعود بعد ذلك . لحظة هبطت إلى الأرض غاب كلّ شيء بغتة ، وبدا كأني في حلم في الاعالي دائما ؛ العمق السماوي المهيب . لكن الذيل الابيض ورائي هو علامتي التجارية . ترررررر . غيمة من سموم على الأرض . الموت للجراد . وبعدئذ أحمل حقيبة سوداء رسم عليها طائرة بيضاء ذات محركين ضخمين . داعبني المهندس المسؤول عن الصيانة ،الأرمني ريمون ، قال:

ـ كابتن، سستر مارلين باح! , تعرف ؟

ـ أنجب!

ـ والمسيح كابتن .

ـ ماذا سمعت بالضبط ؟

ـ منذ متى لم ترها أنت ؟

ـ منذ أسبوع تقريبا . ماذا حدث ؟

ـ خو ما تزعل ؟ ؛ صاحبك ، صباح ددو ، طار بها إلى الموصل .

ـ أنت كاذب !

ماذا رأيت هذا اليوم غير كثبان رملية كانت في الأصل قرى" مطمورة من العصر العباسي الثاني ؟ لاشيء في الحقيقة . تملّكني الزمن مرة أخرى ، وأسرني بقوة ؛ في رحلات مكافحة الجراد حيث تبدو الأشياء على حقيقتها . والعواء لما يزل في جوفي في كل رحلة تقريبا"، وصوت المحرك المترتر لم يستطع أخفاءه أحد . الهوكر هنتر المندفعة ترصد قوافل البدو القادمين ـ النجادة ـ من عمق الصحراء: كان أبي .

النجادة أجدادك ؛ أبوك هو المتحضّر الوحيد بينهم . ياه ، من كان يتخيل بأن يكون بين أولئك البدو الشرسين مثل أبيك ومثلك ؟ طيار حربي :الأول في امتحانات الخامس العلمي في العراق ، و الأول على دفعته من طلبة القوة الجوية العراقية في لندن ؟ لكن الفضل كلّه يعود الى بيت طويق وحدهم ؛ انهم حزام ظهر لي ولك . وأنت يا عباس حزام ظهري للزمن . غسلت هدوم ، وكنست الأرض , ونظفت تواليتات ، وطبخت وحملت حطبا للموقد على ظهري ، يووووه ، كله من اجلك ياولدي .خاتون خاتون هذا ولدكم عبوسي ـ حيلتي في هذه الدنيا الرديئة ـ نجح الأول بزودكم ـ وأذاعوا أسمه في الراديو ، أفيش ،ما أكبر حظي خاتون ، وهو ، وليدك أيضا" ، ولولاك ما صار ولا تصور ؛ هو من دمكم ولحمكم والله شاهد ورسوله . عباس ـ باجي ـ يريد أن يصبح ضابطا" في الجيش العراقي ، يما أشكبر أسمه ، وليس لدي إلا الله وأنتم خاتونتي . قالت نجية وهي تنفخ نرجيلتها الفارسية :

ـ أم عباس أنت من كل عقلك أو من نصف عقلك ؟

ـ خاتون أنا خادمتك ، ربع عقل .

ـ أبويي يريدون أبن باشا ، أبن شيخ كبير ، أبن موظف عالي جناب .

ـ أنتم أهله وفيكم البركة .

ـ أشقد يريد مصاريف مال معاملة ؟ أشقد يريد ( شفعة ) ؟

ـ فدوة فدوة !

ـ نشوف أبويي ، أشوف ناحوم أش يقول ( بهلقنقينة )( 7 ) .

ـ ابوس قدمك خاتون . باجيتي .

ـ باجي باجي ! صار هوسة عليّ صديقة !

حقيقة ، مارلين ، أنت لا تعرفين ماذا يعني أن يكون أسلافي أتوا من الصحراء ؟ كنت لا اؤمن بذلك ، ظننته محض وهم من أوهامي الكثيرة في هذه السنين ؛ فما الذي يمكن أن تلد الصحراء في هذا الزمان ؟ لكني الان ـ وبعد أن تعلمت الطيران ـ هاأنذا أراهم أراهم ؛ راكبين جمالهم وخيولهم وحميرهم . يسلكون كل الطرق المؤدية الى ( سور ذاري ) حيث يقبع بيت جدي القديم : قصر الإبراهيمي : القباب البيض الصغيرة ،والبوابات الخشب الغليضة ذات المسامير التي تشبه رؤوس محاربين من عل ، وجامـع (جؤجؤ السفينة )، و (غبرة الجمل ) ، و( مقام الحسن البصري ) أنا لم اصدق ما رأيت في البداية ؛ لكن ما كان كان ، ولم أكن سكرانا" ، ولم أكن محششا" ؛ فتحت طبقات الرمال النائية هنا ك فظهرت المدينة القديمة كلّها على حقيقتها ؛ كنت هناك: عباس بهلوان الطيار . قالت مارلين :

ـ أوهام ، كلّ ما كان : أصبحت محششا كبيرا .

ـ ربما .. ضعي ( كولي )( 8 ) واهرسيه جيدا" مع تبغ السيكارة .

ـ أعرف هذه الشغلة جيدا .

ـ أصبحت خبيرة يا حبيبتي .

ـ بفضلك . . وأخشى أن تسؤ حالتك يوما بعد آخر .

ـ أنا سيئ منذ زمن دقيانوس

ـ دقيانوس؟

ـ لا أدري . . يقولون هكذا دائما .

ـ هكذا ،أصبحت تردّد الكلمات ..

ـ نفّذ ثم ناقش !

ـ والله ؟! وأنت تردد كل ما يقال هذه الأيام مثلما تسمع ؟

ـ هذه الأيام فقط . ريمون علمني ذلك .

ـ ريمون مرة أخرى .. يا يسوع !لم يعد النقاش معك مجديا أبدا .

ريمون مهندس صيانة الطائرات ، القصير ، مثل رأس فجل أعجمي ، ذاك ، حاول قتلي إذ وضع سكر في البنزين ، وقبل أن أقلع بدقيقة جاء من يخبرني بذلك ، لم أصدّق ، قال : تذكّر سقوط طائرة عجيل الجميلي ،كابتن . أمسكت ياقته وكدت أن أودي به ، تلوّى مثل جرو . و صرخت :هل تحاول قتلي يا ريمون ؟ هل نسيت بأني بطل الجنوبية بالملاكمة ؟ ها؟ . كان البنزين ممزوجا" بالسكر اللندني . أليس كذلك أيها الأرمني ؟ ثمّ سجلت الحادثة ضدّ مجهول .. ولم أعد أرى ريمون إلا نادرا .

ـ كدت أن أموت هذا اليوم يا مارلين .

ـ وهل تخشى الموت حقيقة ؟

ـ لا أدري .. ترى ماذا ستفعلين من بعدي ؟

ـ لا شيٌ .

ـ ألن تحزني ؟

ـ قليلا .

ـ قليلا ؟

واختفى ريمون بعد مدّة قليلة . قيل بأنه سافر إلى ديترويت في الولايات المتحدة . فلم يتبقّ من أراقبه في هذه المدينة القديمة غير كلاب أسكندر و ( منصور الراقوص ) و تومان الأسود محترف الإعلان عن الأفلام الجديدة وهو يسير مترنحا راقصا امام قطعة خشب صغيرة : خنيجر ونعيمة الفيلم العراقي الجديد : بوس و رقص ،مايوهات وقرص . أطول يوم في التاريخ : حرب وضرب . هتلر وزعتر . ونبح ( ماحود ) عن قرب ، فقال تومان : بشهادة ( ماحود ) . سقوط الأمبراطورية الرومانية . هرقل الجبار والصحن الطنان : طننن طننن طنننن! أقوى المصارعات بالسيوف والرماح . وكان صوت" الفيفرا يملأ الشوارع المزحومة وهو ينفخ فيها من انفه العريض ، وثمة ولدان يحملان قطعة الخشب خلفه دائما . كان صباح ومارلين من المولعين بمراقبته أيضا ، وهو يتلوّى دائرا قرب ساعة سورين . قال صباح : كأني أعرفك منذ قرون يا عباس .. ها هاها.. تومان الوحيد الذي يعيش بعمر واحد . هل تشعر بذلك أحيانا ؟ قلت : لا . قال : لكني ، ومن أجل الحقّ وحده : أراك من ( السيبنديه )( 9 ) العتيقين ، هناك ، هل ترى ذلك ؟ تنام على الأرصفة بعد سكرة أو تحشيشة أصيلة . تمام .

الكثبان الرملية الصفر اللزجة .الصقلبي الفاتن ، كشكول المعارف : صورته وحده في تلك الظهيرة الرطبة من آب لا تنسى وهو يقود سيرته المكشوفة الشوفر الزرقاء اللماعة . الغارق في الغربة الدائمة ؛ تماما مثلما يفعل كل اولئك الذين يظهرون على الشاشات الكبيرة : رفع كلتا يديه ، وصاح : أنا الفس هل من مبارز ؟ من لايعرفني فقد عرفني . لحظتئذ : عرفت بأنهم قد جاؤا به من ريف الصرب : شاب أبيض بلكنة مميزة يلثغ بالراء ،كان (سلاح سز ) ولذلك عمل بوقيا" في جيش الحاج ( بكتاش )( 10 ) ، لم يكن مقاتلا قط ، و كلّ ما رواه : كان لغيره .. ثمّ اشترك في حصار فيينا ببوقه وحده .

التلال الصفر اللزجة، كرة أخرى ؛ ومن أجل اثبات وقوفك قبالة العالم ، أيها البوقي ـ قلبت قدور الحاج بكتاش بحثا عن التمرد فقط ، ولا احد يعرف حتى الآن كيف أتبعك كلّ اولئك الجنود المماليك الصرب من ( أورطتك )( 11 ) ايها المتنازل عن الموت ، صباح ، أعلن ، اليوم ، هنا ،أمام ( أسد بابل ) الذي طالما سخرت منه في سكراتك وتحشيشاتك عن : ارتباطي بك رابطة صداقة أبدية . والسلام ختام . قال :

ـ أنا ؟

ـ أنت أنت .

ـ لكل هذا الهراء الذي نقوم به ؟

ـ ليس بهراء ، وسترى .

ـ كيف ؟

ـ أعرفك منذ سقوط القسطنطينية !

ـ حشّشت ؟ خو ما حششت ؟

ـ قبّلني ،قبّلني !

ـ حسنا حسنا . هذا العباس ، مثل خاله ( المومن ) السرفندي ألم أقل لكم ذلك أيها ( الداكيريون ) ؟ هل تأكدتم الآن ؟

ـ هل ترى ما ارى ؟

ـ نحن أمام ( الداكير ) الآن فما الذي تره ، مو خبّلتني ؟

ـ بنتان تائهتان في أسواق الكوفة ، وخلفهما خلق كثير ..حييل !

ـ بدات تخطرف كابتن ..

ـ صدّقني ..شف شف .

ـ الوزن عالي هذا اليوم : كم ( كولي ) ؟

ـ لم أعد أرى شيئا .

كان يمضغ لبان أبو السهم ، نسائي في سليقته ، ومتغنّج ؛ منذ أن خرجت من الصحراء وصوته معي . صباح ابن ليلى . من المستحيل أن أنسى . أما هذه المدينة المقوّضة التي تقترب حثيثا" مني فليس ثمة ما يحول بيني وبينها بعد الآن ؛ الآن تجتاحني كلها على نحو لم أعهده من قبل ؛ أخوض اخوض في لحظة واحدة فقط :آنويتي المفجعة الغريبة هذه ؛ يا لقوس الرماد هذا الآتي من قلاع الصحراء البعيدة ، ويا للتيه الدائم هناك . أصيح : أين أنت يا مارلين الآن ؟؟

مارلين من جديد : تمضغ لبانا محليا ( بستج ) دائما". حصانان عجفاوان وشمس حارقة في السباق الاخير ، غاضبة مني دائما : السجن والمستشفى ، السجن والمستشفى ثانية : كلاهما من جديد أراهما : غيبتان . وسارت العربة على طريق شبه متماوجة ـ هاأنذا قادم أيتها الافرنجية الداعر ، فلم تعد الصحراء تحول بيني وبينك . ولاشيْ يوقفني عن النوم معك إلى الأبد…

كان الحوذي الوسخ يرمقني بنصف عين ـ عمي ، درهم .. ما يخالف ..هل أنت معلم منقول .. سق وأسكت .. حاضر عمي .. أأنت موظف بريد ؟ سق وأنجب .. بلي عمي .." بيبسي وكوكا بالبلد حجي مشن ما نريده عمي " هل تعرف ذلك عمي ؟ ابن الخرء . د .. تتشاقا ؟ هاي شبيك ؟ قابل انا ما أعرفك ؟ تعرفني ، وحدي ، أم تعرفهم جميعا ؟ كل المدينة تعرف الحكاية والله العظيم . وأنت هل تعرف من هو اغاورد ؟ ها ؟

لنتذكره الآن في هذه الظهيرة القاتلة . هل تعرف ذلك البدين :مأمور السير: هناك، هل تراه ؟ لالا . حدّق جيدا" أيها الحوذي .لالا .إذن لماذا تذكّرني بما تريد فقط ؟ لأني أعرفك تماما عمي . هاهاها . كل المدينة تعرفني ؟ مزحة أخرى ؛ اغاورد لا يعرفه إلا القلائل : كان يجلس كالأوزة في الطرزينة : يمرّ قبالتنا ـ نحن ( أخوة الداكير ) ـ كل يوم تقريبا" ؛ يدخن سيكارا" ضخما" " جرود " ينغمس في تقليد الإنكليز دائما" : يدفع الطرزينة أربعة عمال اشدّاء من ( المصاليخ ) من " اللوكا" إلى داره الواقعة قرب ( آصف بن علي ) يرفع قبّعته للمرقد الموجود بين خطوط السكك فيصلي العمال على النبي .. قال ( الداكيريون ) : باش كاتب قذر نحن ( أخوة الداكير ) في انتظاره .. وقررنا قتله في ذلك اليوم . . لكن الموت كان أسرع منّا ، فقد لفض اغاورد أنفاسه بعد أن وضعت لـه زوجته زريفة كمية من الزرنيخ مع السمك المقلي الذي يحبّه .. قالت مارلين :

ـ وما علاقتي أنا بذلك أغاورد مات ميتة طبيعية ؟

ـ لا علاقة لك ؟ ألم تكن زريفة القرعاء ـ زوجة اغاورد المدللة ـ صديقتك المقرّبة ؟ ها ؟ هل تريدين ان تكوني بطلة برأسي الآن ؟

ـ أيها المعتوه ! أنت مخبول رسمي حقا .

باصات خشب مسرعة . هرج شوارع لانهاية لها . باب باص خشبي جانبي مفتوح دائما" ولايظهر منه غير كوع صبي . هاهي بناية الاطفائية : ترن ترن ؛ الصرائف : أحترقت . أسكنوا الناس في أطراف المدينة . النهر والبلامة الحالمون : مارلين ها أنذا قادم من جوف الصحراء أخيرا ؛مثل فارس منكسر : فراء ثعلب على كتفين عاريتين ، وخصر مثل خاتم سليمان . النصرانية . البيضاء العجيبة . والفارس المنتظر . سينما الحمراء : اللوج الخامس : تنام مارلين على كتفي في شتاءات العهد الجمهوري الجديد ، ولا نعير أهمية للصفير ..أصبحت الصرائف أكداسا من رماد بعد الحريق الاخير . قالت :

ـ البارحة ، جاءت زريفة القرعاء .

ـ زريفة مرة أخرى ؟ ما ذا تريد ؟

ـ قالت كلاما" غريبا" .

ـ ماذا قالت تلك البدينة ؟

ـ إنك لست لي !

ـ كيف ؟ هل لاْن ديننا مختلف ؟

ـ لا. وهل تؤمن أنت بأي دين ؟

ـ ‍‍‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ماذا إذن ؟ هل تريد أن تغتال واحدا منا هذه المخبولة ؟

ـ زريفة ليست قاتلة ، ولا مخبولة , أنت الذي شنّعت عليها كلّ ذلك أمام الداكيريين . الحشيش أكل رأسك . هي قالت ذلك .. وهذا كلّ ما في الامر .. وقد رأت ذلك في الطالع ..

ـ الطالع؟! يا لبؤسي , و يا لكارثة الداكيريين .

كان صباح يجلس خلفنا دائما"، وهو يرتّب شعره بمشط يحمله في جيب بنطلونه الخلفي ، لم يعلق بكلمة على الرغم من سماعه كل أحاديثنا.. اللوج محجوز طوال السنة ، سواء حضرنا أم لم نحضر ، فقد كان لصباح وأمه ملك نصف السينما الحمراء . فيلم "أطول يوم في التاريخ " رأيناه معا لمدة اربع ساعات متواصلة . كانت مارلين تجلس بيننا وقد فرشت ذراعيها على كتفينا مثل صديقة ودودة . وبعد العرض ‍سرنا نحن الثلاثة على مسنّة النهر ـ متلازمين ـ وصفير البلامة مستمرّ طوال الطريق . كان من الصعب رؤيتنا منفردين في تلك المدّة تقريبا ؛ وهاهو النهر قبالتنا مرة أخرى ؛ وهاأنذا أسير وحدي الآن ، لاْول مرة ، منذ أن القيت به الى جوف تلك البئر . صوت طائرة هوكر هنتر قريب ، رفع الحوذي رأسه واضعا" يده على جبهته ليستطلعها جيدا .. كانت مجرد نقطة سوداء بعيدة في سماء مبهمة . مازلت أحنّ الى العلو ؛ العلوّ لعبتي الاثيرة دائما", فأحدّق من جديد في بناية المتصرفية ، و فضاء ملهى الفارابي ؛ والسماء الرمادية القلقة ، حتى اختفت الطائرة تماما .

ـ ما الذي تحدّق فيه أستاذ ؟

ـ ....

ـ طيط في طيط ‍، مو ؟

ـ ماذا تقصد ؟

ـ سلامتك ، عبد الناصر و ضرطها !

ـ وما علاقتي أنا ؟

ـ تتشمم الرائحة !

ـ كم أنت ..

ـ خو ما زعلت ؟ أغاتي : د.. نشاقا ، حتى في مصائبنا . ولا تهتم عيوني : أين كنت أنت و العرب راحوا وطي ؟

ـ وما علاقتي أنا بكل ذلك ؟

ـ ألست الطيار الوحيد في المدينة ؟

ـ كم أجرتك ؟

ـ عمي ، خليها على حسابي ، لأني عرفتك : عباس طيران ! متى خرجت من ( القلّق )( 12 ) ؟

ـ الآن .

ـ مبارك . على كل حال . بس ترى الذي تبحث عنه غير موجود .. وداعتك ، الولاية كلها تعرف حكايتك من طقطق ..

ـ ماذا تقصد ؟

ـ أقول : في أمان الله ، هم أحسن وهم أسلم .

كانت العربة تغوص في زحام السوق ، وأنا وحدي أقف في وسط جمع من الناس الذين كانوا قد تجمهروا حول المذياع في مقهى قريبة ، وكان بإمكاني ان اسمع مارشات تتوقف لحظة ليلقي مذيع بيانا عسكريا . و لا أحد يعرفني ؟



















هل أصبحت لي حكاية معروفة حقا" ؟ أية لعبة جائرة تمارس ضدّي ؟ خويّك خانك ، صدقني ، والسستر معه في السيارة المكشوفة ، الشوفر ، أضحك أضحك . لكني انا الذي أوديت به إلى تلك البئر المهجورة أيضا ، وأنا الذي قتلته بكلتا يدي هاتين .. لكن صباح طنطل لـه سبع أرواح .. وكأني أرى المدينة لأول مرة ، مشدوها": خيوط عنكبوت لانهاية لها في سمائي . حقيبة سفر صغيرة وبنطلون أسود وقميص أبيض مبقّع بخرائط ماضي أجوف . جرذان الخندق . مهيلات الهنود . يافطات الفنادق الرخيصة . المطاعم الرديئة . ساعة سورين . الباعة المتجوّلون للفلافل والسمبوسة الهنود . أسد بابل الرابض مثل تشكيل حجري غامض : تجلس تحته بنتان بثوبي ( دم الشهداء )( 13 ) . مقاهي قبالة الشط . السكائر الروثمان والكريفن وخفاف الإسفنج الملونة . باكيت غازي من فضلك .كم أرغب بالنوم الآن أكثر من أي وقت مضى ..لم يستقبلني احد على باب السجن ، كنت وحدي دائما .

و رأيت كنّو من جديد ، السائق السكير بمنبّه باصه الخشبي الأزرق : طاط طير الجنة طاط طاط فوق بيت مهنا طاط طاط ماكو مثله ماكو منه طاط طاط طاط !! مارلين يا حبيبتي، يا زهرتي : كانت خاتمة أهزوجته الدائمة . اخرج كنّو رأسه من شباك الباص وصاح :هوب هوب يا اللابسة المينيجوب!( 14 ) كللووووووش ! سحابة سوداء تحوم على رأسي بجناحين كبيرين كأنما جاءت من مكان بعيد جدا ؛ من الماضي الموغل في القدم . كانت مارلين السافرة الوحيدة التي تجوز سوق الهنود صباحا".

ريح حارة ونزقة . وجوه كئيبة وجباه متغضنة ، منذ ألف عام وقوس الرماد يتّسع ويتّسع في ظهري .قماش دماء الشهداء :احمر منقّط بالأبيض .بناية الإطفاء الكالحة والسيارات الحمر الهامدة . مستوصف السل الرئوي . كان من الصعب أن أنسى موت أمي في تلك البناية : الوجه الكركمي والعينان الذابلتان . لقاءات الخامسة عند ساعة سورين .هل المنشورات السرّية جاهزة ؟ ساعتي ( الأولما ) تشير إلى الخامسة وخمس دقائق : العقارب الخضر ميتة والمينة الرمادية باهتة . كان يجلس قبالة صندوق زجاجي صغير ، قال :

ـ هذه ساعة صدئة خويا .

ـ أعرف .

ـ كأنها كانت في مقبرة . من أين أتيت بها ؟

ـ ماذا تقصد ؟

ـ غبار الدنيا كلها في ماكنتها . أنظر .

ـ أصلحها فقط .

ـ لا ادري ..ربما لن تحيا ثانية .هل تملك غيرها ؟

ـ لا .

ـ ما تصير ، هذه الساعة .. ماتت .

ـ ربما . ولكن حاول ، أرجوك . إنها هدية قديمة وعزيزة .

ـ بابا هي ساعة ( ستوك ) .

ـ أنت مصلح فاشل .

ـ العفو ! شنو تقصد ؟

ـ هاتها !

هكذا تنسى المدينة بهلواناتها بسرعة . حدّق في وجهي جيدا" أيها الساعاتي العجوز . لا أعرفك . لقد جئت من الصحراء الآن ؛ هل جربتها ؟ الاستواء اللانهائي في كل الاتجاهات : التيه ؛ لازمن هناك قط . أبتسم فبانت أسنانه المتآكلة . ثمّ أتكأ ظهره إلى كرسي حديد صغير ، وطفق يقهقه على نحو متواصل قائلا" :

ـ عرفتك الآن !

ـ عفيه !

ـ يامعوّد :البهلوان بهلوان ، ومن لا يعرفه ؟

ـ طز ، بمن تعرفه ، و طز , بمن لا تعرفه . اصلح الساعة فقط .

ـ ليتني أستطيع ذلك .

ـ يعني شنو ؟

ـ الم اقل لك : ماتت !

وتوقّف صباغو الأحذية عن عملهم ،وتلفّت بعض رواد المقهى القريب .ثمّ عاد الجميع إلى ما كانوا فيه .. كان الساعاتي تفوح منه رائحة العرق .. وصاح فجأة : بررررر! اعترتني رغبة عارمة في صفعه ، فرفعت يدي قليلا" فاضطرّ إلى السكوت. وغادرت المكان على عجل .

هاهو آخر بهلوان يتكيْ ظهره وحقيبته الى حائط دائرة الجوازات القديمة ؛ من لندن إلى الحبانية : سجل الطيارين الماهرين : لحظة أحلق فوق الجموع المتحشّدة وهي تموج بالقرب من "الجسر الأحمر" : ألعاب الطيران البهلوانية في الرابع عشرمن تموز العيد الأول للثورة . الشرفات غابت .الشناشيل ورائحة الخشب القديم إبان الأيام الماطرة . لا ضؤ في الأفق الآن .. غبار ما كان غبار ما سيكون .. وغثيان دائم .اختفت أصص الصبار الأخضر من الشرفات الآثيرة : لا شراشف بيض ، ولا ملاءات ترفرف هذا اليوم .صحت : مارلين مارلين مارلين! ‍‍‍‍ مثلما كنت أفعل في الأيام السابقة . و‍‍توقّف بعض المارّة محملقين في الأعلى . مارلين . ففتح شباك صغير في الشناشيل الكالحة وأطلت منه عجوز بملأة مشجّرة لمّاعة وصحت بصوت محشّرج :

ـ مارلين!

ـ ...

ـ مارلين !!

وقالت العجوز بصوت ممطوط ولهجة صعبة :

ـ ماذا تريد ؟

ـ السستر .

ـ من أنت ؟

ـ كابتن عباس .

ـ أباس منو؟

ـ عباس عباس طيران .

ـ السستر فنش !

ـ شنو ؟؟

ـ بعيد بعيد .
ـ أين أين ؟
ـ بعيد بعيد !

ـ لا أفهم .. هل سافرت ؟

ـ قطمه بريشو !

ـ مذا يعني ذلك ؟

ـ رماد على رأسك .

وأغلقت الشباك بعنف . مارلين . كانت تعرف بأن ما حدث لنا سيحدث حتما": حياتنا يا عباس سيلتهمها خرطوم ضخم كبير ،أكبر من خرطوم سيارة الأطفاء طبعا . لا مكان لنا في هذا العالم . صدّقني ولو مرة واحدة . ماكنة يوسف السوداء ـ تلك المترترة ـ لن تطبع لنا بطاقات دعوة للزواج . خلقنا كي لا نورّث الأرض شيئا" . كلانا . رائحة سمك مقلي . بكاء مرّ . وآذان قريب .مارلين هل تعتنقين الإسلام من أجلي ؟ صباح ، الآبق ، جعل من اختلاف ديانتينا مشكلة ..إنه مجرد عابث حسود . لا تصدّقيه . إنه مجرد ثري من بظر أمه . هذا الصباح يريد ان يدحرني . بوقي الصرب القديم . سلاح السز . مارلين لا أعرف أحدا" غيرك في هذه الوهدة . ولم يزرني ثمة أحد في المعتقل إلا أنت وأمي والخال حسين . أمي ماتت دون أن أعرف ، علمت بموتها بعد عامين .. أية لعبة كانت ، وأي هوس ؟ كنت أهذي طوال الوقت ؛ واللعبة لمّا تزل ماثلة الآن : نشرة أخبار الظهيرة . السلام الجمهوري طرم طرم ططرم ..الموسيقى نفسها التي كنت أسمعها في ظهيرات الصحراء دائما .. هباء كل ما كان .. دائما ، [ يالزارع ( بذرنكوش ) أزرع لنا حنة ، دكّ الحديد على الحديد تسمع لـه رنّه ] ولا أحد معي في هذا الكون يا حبيبتي ؛ ولكن حتى أنت تنكّرت لي الآن ؛ تناسيت كلّ جدالاتنا العقيمة ، كلّ حماقاتنا ، بعد استياف الدخان ، معاركنا الدائمة ، وعناقاتنا الليلية الساخنة ؛ أنت يا مارلين كارثتي الكبرى .. (أخوة الداكير ) لم يكوّنوا إلا جزءا" قليلا" منها . أما أنت ياصباح أما انت ياصباح ‍‍! فلا شيء غير ذلك الدوران المقيت للمروحة الإنكليزية السوداء التي لاتكفّ عن الضجيج في تلك الغرفة الشناشيلية الصغيرة ؛ كنا عاريين تماما على ذلك السرير الهزاز .وكنت ترقبنا من حيث لا ندري قلت :

ـ أنت كلّ حياتي الآن .

ـ سمعت هذا كثيرا". ولم أعد أهتم .

ـ هذا السريرالحديد الهزّاز .. مركبتنا الكونية يا عزيزتي ، وكلانا فوقه ؛ كم سخرت منا تلك الآلة السوداء ، راقبتنا بما فيه الكفاية ، ترينها ؟ ، ها ، لم يسخر احد منا مثلها ، ونحن عاريين تماما تحتها ؛ ياللمروحة الطنانة !

ـ سيقتلك الحشيش يا عباس .

ـ وأنت ماذا سيقتلك يامارلين ؟

ـ أحلامي .

ـ بم تحلمين هذه الأيام ؟

ـ لن أخبرك ..

ـ لنتزوج يا عزيزتي ربما يكون الزواج حلا لنا .

ـ القضية لا تتعلق بالزواج أبدا" .

ـ ماذا أذن ؟

ـ لا أدري .. لا أدري .

نم الآن ، من أجلي ، من أجلنا ، ومن أجل حبنا الغريب .منذ أسبوع وأنت في هذه الحال : تصرخ : قتلته قتلته! وعيناك متورمتان . ماذا حدث بالضبط ؟ ها ؟ لا أفضل من استراحة الجسد يا حبيبي ؛ لتذهب كلّ أوهامك الى قعر الجحيم ، وليذهب ( أخوة الداكير) الى خانة اللهب الأزرق . .المهم هو أنت ، صحتك ، اغاتي ، حياتي ، (خوشويستي ) . دعك من صباح الآن . دعك من كل شيء ، المهم ، أنت وبس .السترة السوداء ، وربطة العنق الحمراء القانية ، والحذاء المزيط . نفنوف أبيض هفهاف . شكرا" لكلّ الحب الذي أودعتنيه . نم نم الآن ،نم نوما عميقا ، وسأذبح لك طير الحمام الزاجل المهاجر الذي تتعشقه دائما ، نم في عيوني ، و في بدلتك الجديدة التي خاطها الباكستاني العجوز ‍..أرضنا بعيدة .. لكن سماءنا قريبة .. [ هذا مو أنصاف منك غيبتك هلكد تطول , الناس لو تسألني عنك شرد أجاوبهم شكول !؟ ]

و رأيت صباح يخطف بسيارته المكشوفة بالقرب من ساعة سورين تداعب الريح شعره الفاحم . الآن هل أنت متأكد من أنه صباح إبن المعيدية صديقك القديم الذي ألقيت به في البئر المهجورة هناك ؟ استرخِ قليلا" وفكّر بمن ألقيتَ هناك حقيقة ؟ هل تعرف ما حدث بالضبط : قواك العقلية ضعيفة في السنتين الأخيرتين من قلعة الرمال . حقك حقّك ؛ رجل غيرك ربما يصاب بالجنون… رأيته بلحمه ودمه ، صباح ، يا معود ، المدينة تراه كلّ يوم تقريبا"؛ صباح نفسه ؛ يامارلين يابطيخ ! مشكلتك ليست صباح وحده .. ركز معي : كم أنت فنطازي ، وكم أنت ضعيف ؟ استرح هنا ،هنا ، على هذه الدكّة الأزلية !! هل تذكرني ؟ هل نسيت ذلك أيضا" ؟ أوهو ، كابتن كابتن! ، يامعود ، مازلت لاتؤمن بشيئ ؟ هاها ، الصحراء طحنتك طحنا" ،ملعونون ، لكنك بقيت ذلك المطيور الذي عرفته وخبرته . أجلس يا فتى الرمال . أنت يا أبا العبس لاتؤمن حتى بنفسك، ومن الصعب أن يقرّ لك أي قرار .

ـ هل جئت إليك لكي تسمعني اسطوانتك ؟

ـ لكل واحد منا اسطوانة خاصة .

ـ طنطنطن !

ـ طنطنطنطن!!

ـ استرح استرح .

طريقة التفكير بالعالم والحياة والناس . يامعود يا ( أخوة الداكير ) يا ضراط !. هاهي "عمتك " الأولية والتالية :نجية طويق ، داعيتك المصمودة ، وراعيتك العتيقة ؛ هل نسيتها هي الأخرى؟ حدّق جيدا" .. هاهي :

ـ عمة نجية ، عمة نجية !

ـ منو؟

ـ أنا .

ـ منو منو؟

ـ عباس .

ـ عباس منو ؟

ـ ابن صديقة الخبّازة ، عباس بهلوان .

ـ آآآآآآ أشقد متغيّر أبويي ، ماذا تريد ؟

ـ لا شيئ خاتون .

ـ زين . آجل ، في أمان الله .

وغادرتني دون أن تلتفت . لّاتزل تستوفي الإيجارات بنفسها وسط غمزات النساء وقهقهات الصبيان اللاهين : يهودية يهودية !وكانت تردد : نعم أنا يهودية لكني مولودة هنا منذ ستة ألاف عام .. حيل صدّوق حيل أشقد دنيا عجيبة : عباسك الوحيد طار طار وحطّ في مكان بعيد ، يا عيني،أين هو الآن؟ أشقد أنت تعيسة صدوق !.. كانت نجية تملك شارعا" بأكمله : المحلات والعمارات والخانات، وهي لما تزل تتهادى في مشيتها وقد جازت الثمانين عاما". لا تثق بأحد من الناس ، ولا أحد معها ، كما إنها لم توكّل أيا" من المسلمين لاستيفاء أموالها كما فعل آخرون من اليهود .كانت عبارتها الدائمة :" كم عليك من الدين أبويي ؟ سجّل. أنت سجّل . تمام ." لكنّ المراباة بقيت في دم نجية طويق حتى أشيع عنها إنها تملك في بيتها ما زنته عشرة كيلوات من الذهب الخالص من مراباة الحرب العالمية الثانية . قلت :

ـ أليست النقود هي مشكلتنا المزمنة يا مارلين ؟

ـ كلا .

ـ الفلوس ونصف !

ـ ربما .

ـ سآتي بكل النقود هذه الليلة .

ـ تسرق ؟

ـ سأسرق نجية .

ـ يا للمسيح !

ـ أنه جزء من كفاحنا الطبقي !

ـ والله ؟ أيها المناضل !

ـ نحن ( أخوة الداكير )

ـ لا أوافق .

ـ والحل ؟

غادرت بنت نجية طويق بسرية تامة حيث ظهرت ـ لأول مرّة ـ في نيويورك بإسم هيلين موذر : راعية اليهود الفقراء في كلّ أنحاء العالم . ولم تعد مشاركة الأم نجية في تظاهرات 1948 غير ذكرى غير محبّبة لنا جميعا .. تعرف نجية الآن بأنها كانت مجرد ترس في آلة ضخمة وخفية . كان بيت نجية مقفلا" لأعوام عديدة حتى أعيد فتحه في عام 1959 . هل أطرق الباب مرة أخرى ؟

ـ منو ؟؟

ـ أنا . عباس .

ـ يا عباس ؟

ـ إبن صديقة .

ـ يا صديقة ؟

ـ خادمتكم العتيقة أم عباس .

وفتح الباب فرأيت ( سرهيد ) قد وضع كلتا يديه على البرواز ، كان يبدو مثل صخرة سوداء ضخمة كبيرة ، و في طوله الذي جاز المترين ، وبدا خلفه شيء لماع ، غريب ، كذيل طاووس ضخم . . وأشار لي برأسه أن أغادر بسرعة . كنت أعرف سرعة غضبه . فغادرت مسرعا دون ان التفت .









































كانت الطريق بعد مغيب الشمس تفضي إلى خان كوتي حيث ينام العشرات من الهنود المسلمين والباكستانيين القادمين لزيارة المراقد المقدّسة في النجف و كربلاء و الكاظم و سامراء ؛ يأتون جماعات جماعات ، رجالا" ونساء" وأطفالا". قرأت على يافطة النزل بالأوردية والعربية والإنكليزية: استراحة كوتي للزوار . قال صاحب النزل الباكستاني وهو يمشّط لحيته الكثة ، ويرتّب طاقيته البيضاء الصغيرة :

ـ ما يصير ،بابا ، ما يصير .

ـ ليش ؟

ـ أنت عراقي . اذهب إلى اوتيل.

ـ لكني لا أملك بيزات .

ـ مشكل ..

ـ فقير .

ـ رحْ مسافرخانه أذن .

ـ خذ ربع دينار .

ـ إذا ربع ، ما يخالف !

لم أكن أملك إلا دينار وربع ، أعطيته الربع الذي لففته مثل سيكارة ، ثم حشرت نفسي مع أكثر من مائة زائر و نمت كسمكة مصفوفة . لم أجرؤ على محادثة أحد . كان المناخ ملبّدا بغيوم غامضة تعصف في رأسي . و كنت غريبا" وسط أحاديث لانهاية لها طوال الليل : الروائح العطنة لزيت الشعر ، والفساء الدائم ، والضحكات المفاجئة المتزامنة بالتلميحات حولي . من أكون هنا ؟ ومن وضعني بينهم ؟ و لم أسمع إلا بإسم كوتي وهو يأمرهم بالنوم : كوتي يقول نوم ، خاموش !( 15 ) ،لكنهم كانوا يعودون غالبا" إلى ثرثرتهم بعد خروجه مباشرة . وبعد اكثر من ساعة جاءني من يحمل إلي رغيفا" من الخبز والسمبوسة الحارة ، وقال : نان نان نان !( 16 ) فأكلت رغيف الخبز البائت على مضض وأنا مضطجع وسط قهقهات متواصلة لا معنى لها ، و تردد اسم كوتي في الدقيقة الواحدة مرّات عديدة . كان كوتي اسما"شبه مقدّس بالنسبة للزائرين جميعا :

كوتي هندوسي من عائلة ثرية تعمل في تجارة عبر البلدان الشرق أوسطية ؛ لكنه وفي ليلة استوائية ماطرة جلس التاجر الكبير و رجل الاعمال من نومه مذعورا" وصاح : رأيته رأيته ! ؛ رأيت الأمام علي … وفي الصباح الباكر ذهب إلى أحـــــد علماء الدين ليشهر إسلامه على الناس ..وسخّر كوتي منذ ذلك الوقت كلّ ثروته لتوسيع التجارة بالسفن وبناء الجوامع والحسينيات ، ثم انشأ شركة سياحية كبيرة لاستقدام الزائرين إلى المرقد المقدس الكــبير في النجف . وفي أيام الخميس من كل أسبوع والأعياد يمكن رؤية العشرات من العميان والمعاقين والفقراء وهم يجلسون قبالة باب حسينية كوتي الكبرى للتزود بالرز والماش المطبوخ أو الحصول على قطعة قماش "جيت " قبل العيدين . ثمّ وقف ( أخوة الداكير ) وقد احتسوا ما يكفي من العرق لمناسبة قدوم عيد الفطر ، وصاح أحدهم :

ـ هاي بهاي ! ، أضرب ، ها هم ، باوعوا ، العراقيين يستجدون الهنود .. وقال آخر:

ـ طرقاعة . وقال آخر :

ـ كاز كاز . وقال آخر :

ـ كوتي يرعى فقراءنا ويطعم مساكيننا!

ـ أين الحكومة ؟

ـ يا حكومة يا ضراط .

ـ أعطني سكينا ، وسترى ما انا فاعل به هذه الساعة .

ـ ليمت كل هؤلاء الخونة .

ـ واولهم كوتي الكلب .

ـ و لنحرق اوفيسه !( 17 )

وهجم بعضهم على الرجل الباكستاني الذي يشرف على التوزيع ، وطرحوه أرضا" ، مما جعل بعض الفقراء يصرخون و يزدادون عويلا" وهم يتدافعون امام باب الاوفيس ، و كأنما يرون المشهد متكررا .. ثم دعوا الله أن ينتقم من ( أخوة الداكير ) وصرعاتهم غير المجدية . كانت تلك هي المرّة الوحيدة التي أشاهدهم فيها بمثل ذلك العنف .. قلت :

ـ كفاكم خراطيش أولاد القحبة . فقال أحدهم :

ـ لنقتل كوتي ، ونخلص . صحت :

ـ وهل يحل ذلك مشكلتكم ؟ أيها المافونون .

ـ إذن ليوقف كوتي حسناته عن فقرائنا . ياللعار .

ـ مو بكيفك .

ـ كوتي عميل .

ـ وما دليلكم ؟

ـ … عرضه ! . هتفت :

ـ و هذا ( بستان قريش )( 18 ) : طول وعرض !

ـ وهذا حفل ( منصور الراقوص ) : طول وعرض أيضا ؛ تاتي الناس من كل حدب وصوب لمشاهدته . مو . فلتكف عن هذه التسميات التي لا نفهمها الآن ؟ وقال آخر :

ـ ولتطفأ الأضواء كلها في ( بستان قريش ) ، كما تسميه ، ولنبحث عن الايادي غير الخشنة فنقطعها .. قلت :

ـ أين ذهب عنكم ( منصور الراقوص ) الآن ؟ ها ؟ هيا اذهبوا لمشاهدته . يوجد عرس قريب .

ـ هل تسخر منا يا كابتن عباس ؟

طالما رأيت السيد سعيد ـ زوج أمي ( بالمتعة ) ( 19 ) ـ يأتي إلى مكتب كوتي لتسلّم ( حقوق الخمس )( 20 ) التي كانت بضع دنانير في كل عام ، حيث يقوم السيد سعيد بالانحناء مرات عديدة رافعا" كفيه البيضاوين بالدعاء لكوتي .. وهو يصيح : "اللهم أرضَ عن كوتي ، الولي الصالح ، وأكشف لـه الغطاء كلّه .. اللهم واغضب على ( أخوة الداكير ) ومن لفّ لفّهم ،اللهم فرّق شملهم ، وشتت جمعهم . آمين . أما أنت يا عباس ابن صديقة الخبّازة فقد خرّبك الأنجاس ؛ وكأنّ أمك المسكينة لم تتعب عليك حتى أصبحت في عين كبيرة : طيار . وعمتك نجية هل نسيت فضلها ؟ أبويه أحنه شنو والسياسة ؟ أبوك باشا أم عمك وزير ؟ الله يعطي آل طويق .. ايها الزنديق ـ جميعكم زنادقة ـ لا تؤمنون إلا بأنفسكم ، خارجين عن الدين .. هل تعتقد بأن أموال السيد كوتي منه ؟ إنها من الله أرسلها له .. تموتون وعيونكم شاخصة على ما في ايدي الآخرين .

لم أنمْ ، كنت أسمع الشخير المتواصل وأشمّ رائحة العفونة التي ملأت الغرفة .سمعت أصوات نساء باكيات وترنيمات هندية تأتي من مكان غامض من الخان ، ثرثرات خافتة وصراخ أطفال رضّع .جاء الجميع من أماكن بعيدة طلبا" للنجاة من قسوة العالم . كان المسؤول عن الخان يأتي في كلّ ساعة تقريبا" ليتفقّد نزلاءه وهو سكران .وقبل الفجر بقليل صاح بنا : نماز نماز نماز ! سلاة سلاة سلاة ، يا علي يا ولي الله ، فجلس الجميع للصلاة إلا أنا ، فقد بقيت أرقب كلّ شيئ بعينِِ هلامية .ثمّ وزّعت شورباء حارّة بعد ذلك .وبعد أقل ّ من نصف ساعة توقّفت ثلاث سيارات كبيرة وهبّ الجميع حاملين اليها الصناديق والصرر وهم يتنادون : زيارة زيارة! جلوجلوجلو!( 21 ). لكزني المسؤول عن الخان ، وقال : تروح للزيارة ؟ فقلت : لا . وتكدّس الزائرون في السيارات الثلاث ، ورأيت بعضهم يتسلّق الأسطح مقرفصين. زمّر السائق إيذانا" بالانطلاق . وقرأت على جانبي السيارات : شركة كوتي للسفر والنقليات ( ذ.م.م ) بغداد ـ مكة المكرمة ـ دمشق ـ تركيا ـ عمّان ـ بيروت . ولا أدري لمَ لمعت في عيني كلمتي مكة المكرمة على نحو ِِلم اعهده من قبل ، وكأنني أقرأهما لأول مرّة في حياتي .

قلت : مكّة مكّة . وردّد خادم الخان خلفي : حج حج حج . وأخيرا" ظهر كوتي بباب المكتب ملوحا" بيده النحيفة والصغيرة : ها هو كوتي من جديد ؛ أرقبه بعد سنوات من الرقاد الصحراوي المميت ، الضئيل الذي ما يزال يأتزر بأزار أحمر ذي خطوط صفر متوازية . ورأيت نجية طويق وهي تقف بعيدا" محملقة بالسيارات المغادرة ، وهنّ يزأرن بصوت واحد تقريبا" مثل حيوانات حديد خرافية . وكم رغبت في رؤية السيارة الشوفرليت الزرقاء المفضلة لدى صباح وهي تخطف بعيدا" في تلك اللحظة : وهاهو صباح ابن المعيدية أخيرا" : أراه بلحمه ودمه ؛ أعرفه ، هو بسبعة ارواح ! ، فليس ثمة أحد في كل أنحاء المدينة يشحط بالعجلات مثله ، و لا أحد يزمر مثله : بوقان مميزان معروفان : نحن الذين فقأنا عين الحوت وأخرجنا القمر : كانت تعني نغمة بوق سيارته . قلت :

ـ عمة نجية !

ـ شكو بعد ؟

ـ خرجت .

ـ عرفنا عرفنا !ألم يقل لك ( سرهيد ) أن لا تتصل بنا بعد ذلك ؟

ـ إي .

ـ ماذا تريد الآن ؟

ـ سلامتك!

ـ أمك ماتت ، وليس لديها عندي أية مستحقّات .

ـ أعرف .

ـ بعد شكو ؟؟

كانت في الأصل صورة مكبّرة أراني إياها ناحوم وأنا في الصف الخامس الثانوي ، وقد أحتفظ بها مثل حرز حريز : في الوسط جلست الأم نجية طويق ، امرأة في الثلاثينات تتزين بماسة كبيرة ذات طوق أسود ،وهي تضع يدها على ذراع الكرسي متشبثة بقوة ، كأنما ثمة قوة ما غامضة يمكن أن تسحبه منها في أية لحظة إلى الخلف . وعلى الجانب الأيمن وقف زوجها ناحوم : كان يبدو في الستين من عمره : وجه طولي مكفهرّ ـ كان قد توفي بالتدرن الرئوي بعد التقاط الصورة بشهر واحد ، مما حدا بنجية أن تطلق تنهيدة تشبه مواء القطط كلما تأملت تلك الصورة ، وهي تردد:ناحوم ناحوم ؛ ولا أحد عرف سرّ تلك الصورة حتى بناتها .. كان ناحوم يضع على رأسه قبعة تشرشلية دائما . كما يمكن مشاهدة كوتي على الجانب الأيمن من الصورة وهو في زيه الهندي التقليدي قبل إشهار إسلامه ، وكذلك مارلين ، الفتاة الحمراء ، وهي في العاشرة تتعانق مع هيلين موذر إبنة نجية التي سافرت إلأى أميركا ، واستقرّت في نيويورك كراعية لفقراء اليهود في العالم . أما في أسفل الصورة فقد ظهر رأس أمي فقط بجرغد أسود مزين بخزامة كانت قد اهدتها لها نجية لمناسبة نجاحي . في حين راحت مارلين وهيلين تطوقانها بأياديهما المزينة بالأساور : الخادمة والمربّية العربية . وعلى ظهر الصورة : كتب بحروف طابعة إنكليزية قديمة :coolies family and .(22 )

كانت الصورة قد أصبحت في حوزة أمي بعد أن أعطتها نجية إليها في ظرف خاص . فوضعتها صديقة الخادمة في حرز حريز ، وأغلقت عليها في صندوقها المنجّم مثل شيء ثمين . كان السيد سعيد يعتقد بان تلك الصورة مجلبة للخير أيضا . ولذلك فقد ورثها عن امي ، ولم يقبل أن اراها بعد وفاتها ابدا . قال السيد سعيد بصوته النسائي ذي التأتأة الأليفة : " باوع عباس زين : رجل مثلك : كان يمكن أن يكون شخصا" آخر مختلفا" تماما" ؛ بهلوانا" غير مزيف ( عنتيك ) . مثلما هم ( العالم ) في هذه الصورة . ثمّ نفخ في نرجيلته الفارسية . ولم اعهده من قبل بهذه السحابة من الجدّية الزائدة والاهتمام بأشياء تخصّ أمي . وأضاف : " لا تركض يا ولدي وراء الوهم ، عش يومك ، وأغتنم فرصتك ، أنت ذكي في المدرسة فقط ، أما في الحياة فأنت بغل بلدية ؛ بغل طائر ؛ لا تقدر الأرض التي تسير عليها : وهذا ما اراه فيك دائما . أمك المسكينة ماتت في تلك البناية القذرة : المستشفى الجمهوري . ولم تفرح بك أبدا" . الناظرة إلى الصحراء لم تفرح في موتها . عملت طول حياتها خادمة مطيعة وأمينة لدى آل طويق ، لم تتذمر يوما" ، ولم تقل أف مرّة واحدةََ طوال حياتها المليئة بالكدّ والتعب ، من أجلك أنت ، وحدك ؛ كانت ـ رحمها الله ـ تحلم بأن تراك في العلية دائما" كما تمنت . هل تفهم ماذا يعني أن يكون مثلك طيارا" بين هذه الزريبة من الناس ؟ ؛ ابن خادمة آل طويق في السماء في السماء ! ها؟ الدنيا تسير بالمقلوب مع الجميع إلا معك ، أنت وحدك ، فهي عادلة حتى أصبحت منهم نغل أبو عشرة فلوس) (23 ) أفهم يا فهيم :كتب المأفونين ، أولئك ، الداكيريين ، لا تنفع إلا في محرقة ( الكردواله ) ( 24 )، هناك ، ليتطاير منها دخان أبيض يتدفأ به السيخ في الشتاء . ماتت أمك وهي تنوح : عباس عباس ! كنت ، يارجل ، كلّ الدنيا بالنسبة لها . كنت وجودها كلّه . أي لعنة الله على هكذا أمومة : شرطي صاعد وشرطي نازل ، والكتب والمنشورات في التنور . (مسقوفي ) هل تعرف ماذا يعني المسقوفي ؟ ؛ إنه الرجل الذي يضاجع أمه وأخته وأبنته وعمته وخالته ؛ أيها العار؛ أعوذ بالله من غضب الله ..لماذا ظهرت الآن ؟ وماذا تريد من هذه الارض ؟ هل ما زلت تحلم كما هو خالك ( الشفية ) السرفندي ـ الله يكرّم ـ بخزائن الأرض ؟

أحصنة الزمن الغابر الوحيد الباقي هنا . وسط الرواق . حزينة . و لا صهيل . و لاشيء غير روائح الروث في المكان . هل رأيت شيئا" غير ذلك الصندوق الأسود ؟ ماذا يوجد فيه ؟ أنت تفتّشه ، وحسين المؤذن يضع رأسه فيه ليل نهار ؟ من أنتم يا آل عويتي ؟ ها ؟ عن أية رائحة تبحثون ؟ وأنت ؟ شكو ؟ هل خرجت من ( النقرة ) بجمجمة أخرى ؟ إخبرني مو صارت رطينة عليّ : أنا الذي أعرفها وهي طائرة . من أنتم ؟ مجاذيب ؟ طناطله ؟ مجانين ؟شنو ؟ مو صارت عليّ أكبر ( دندره ) عبالك مو متزوّج بالمتعة ؟

ـ لا تكن قاسيا" معي هكذا .

ـ أنت لم تجرّب القسوة بعد حضرة الطيار المفصول .

ـ كلّ هذه الالام ولم أجرّب بعد ؟!

القسوة الحقيقية ، هناك ، أيها الأبله ، في ساعة ما ، هول كامل ؛ لحظة نقف حفاة عراة ، جميعنا ، على حافّة هاوية سحيقة : عذاباتنا وآلامنا وآمالنا الأرضية ، حماقاتنا ، تناسلنا ، آه ،كلّ ذلك : هاوية هاوية : أنت وصديقك الداعر ذاك ، صباح ، وتلك النصرانية ، وأخوة الداكير ، وحبش الأبهق وزوجته فطم ، والمؤذن المجنون ؛ جميعكم : سراب ليل ؛ ما كنتم وما ستكونوا ..

ـ لكنّك لم تخبرني بموت أمي وأنا في ( النقرة )( 25 ) .

ـ وما نفع ذلك بالنسبة لك ؟

ـ ليتني كنت ترابا .

ـ و هل يهمّك ذلك حقا" ؟

ـ وماذا تحسبني يا سيد ؟

ـ يا لعذابات أمك وأنت في سجن الصحراء .. ويا لوقوفها بإنتظار أبيك الغائب في الصحراء .

ـ كانت الوحيدة التي تزورني .

ـ ومارلين ؟

ـ لم تأتِ إلا مرّة واحدة فقط .

ـ أراك تبكي لأول مرّة في حياتك ..

الصحراء بكاء طويل . روح مقبوضة . أطرق باب الله . يمكن للأبوب أن تفتح مرّة واحدة . عجيب أمرك . ما أنت ؟ ها؟ قل قل .. رأسي صندوق أسود فارغ . ساعة عدونا على مزلقة نهر الكوكا أسندت رأسي إلى جذع نخلة عجفاء ثم ّ صحت على حين غرّة : يا عباس ! . أطرق أطرق أطرق حتى تدمى كفيك .. طرق ليلي عنيف .. آنذاك : كانت معارك أفواهِِ نارية ؛ وغوص أبله في جوفِِ أحمق ؛ زعيق بيزنطي دائم . التيه . تعلمت أن لا جدوى من كل ّ تلك النقاشات الفلسفية الطرشاء حينما كنت في صحراء فارغة إلا من نفسي .. التأمّل وحده كان يكفيني أكثر من أي ّ وقت مضى . والليل الصحراوي المبهم : لا أحد لا أحد معي ، هناك : سماء لزجة لا نهاية لها : الرافض العتيد ـ التحريفي ـ ذبابة بقر طنّانة ، الأعلام الحمر المرفرفة في الاول من آيار . وجموع العمال الخارجة من المسفن . والمطالبة بالحرية .. كان صباح وحده الضاحك الكبير ، هناك ، وهاأنذا أنام في الذكريات البعيدة .

منذ أن طوّرت علاقتي بذلك المأفون ، و الأشياء تكتسي معنىََ آخر . كان علي ان أكون أكثر حذرا وأكثر ذكاء منه ، لكني حششت في كل شيء حتى خدعت ، وخدعت نفسي ؛ كم انا غريب و فارغ : صفيحة صدئة في أعلى المزبلة . قدّمت مارلين استقالتها الأخيرة مـن (اخوة الداكير ) بعد نقاش عاصف مع الجميع تقريبا . و كان صباح وراء ذلك حتما" . أصبحت استقالتها خلخلة لنا جميعا . قلت :

ـ أيتها العاهر !

ـ انجب !

ـ لماذا فعلتِ ذلك ؟ هآآآ ؟ هل تعتقدين بأننا كنا في نزهة إلى الأثل ؟ نحن حاملون كلّ آمال الشعب !

ـ لا , بالله .. بكيفي .

ـ عرفت عنا كل شيٌ .

ـ والله ؟ عبالك عندكم مدافع أبو خزامه ، يا معود !

ـ سيكون .. سيكون لدينا كل القوة في يوم ما ، هل تفهمين ؟

ـ من دبش ! سمعنا .

ـ اسحبي استقالتك الآن .

ـ لن أفعل ذلك أبدا" .

عدمي تافه . زير نساء . مغرور . أسطه تخريب . برجوازي صغير قذر .صاحبك هذا . كيف تسلّل إلى صفوفكم ؟ أنتم مجرد فزاعات بساتين مهجورة . فطم حلّت محل مارلين الخائنة . جيد . زياط أحذية أنتم ؛ في صباح باكر وعلى أرصفة الميناء . هذا الصباح ، صباحكم ،أنتم من قرّبتموه . ربما يكون مدسوسا عليكم من ( الشعبة الخاصة ) فقد استطاع وفي مدّة قصيرة أن يبعثركم , وهو لم يقرأ كتابا" واحدا" في حياته ، الطرطور المأفون ، عن أيّ التزام ، وعن أية تضحية يمكننا أن نتحدّث بعد ذلك ؟ تشربون شايا" ثقيلا" ثم تحششون في ( جليم ) ( 26 ) واحد ( تحريفيون ) : هذه الزجاجة المكسورة للكوكا كولا : هي كل ما تعرفون ، قنادر مقطّعة ، تطوّحون بأنفسكم إلى ما لانهاية ، طناطل لتغيير البلد ،ما شاء الله ، ماذا يمكن أن يحدث بعد إضراب عمال الأسكلة الأخير ؟ ها ؟ هل فكّرتم ؟ فطم في المقدّمة ومارلين وراءها ، المطرودة من ( اخوة الداكير ) ، وزوج فطم حبش البالون القواد يصيح : حي ميت ( نجم ) نريده ؛كان ( نجم ) قائدا نقابيا أميا وهو أفضل منكم جميعا ، لأنه ببساطة كان صادقا مع نفسه ، أما أنتم فمن الصعب الركون إليكم بأية حال من الأحوال ، أنتم هوسة دائمة . طرطرة . و ربما يكون أحد "السرّيين " المرتبطين " بالشعبة الخاصة " هو الذي أودى بكم ؛ هذا الأبهق الغريب لا أطمئن إليـه أبدا ، وهذه السستر اليهودية الأصل راقبوها ، وقدّموا عنها تقارير يومية . وكان الرفيق ( سلام ) قد أزبد وأرعد ، وخرج لا يلوي على شيء . ولم اره بعد ذلك أبدا حتى سمعت بإعدامه وانا في ( النقرة ) .

مارلين هددت بالانتحار في حالة تعرّضها إلى ضغوط أخرى . و فطم نقلت المنشورات السرية في كلسونها الوسخ كما تفعل في كلّ مرة . كانت النصرانية امرأة من قش رطب . ثم أعلن الأبهق : زوجتي فطّوم في ( خدمة ) جميع ( أخوة الداكير) : نحن المناضلون الحقيقيون وبس ، وما عدانا مجرد بورجوازيين صغار . هكذا هم ( اخوة الداكير ): حملوا دفاترهم وأقلامهم وورقهم بسرية مطلقة ، و في ليلة واحدة الى بيت الأبهق ، وفي الليلة الثانية أحضروا الرونيو الإنكليزي القديم ووضعوه في مكان سرّي من الطابق العلوي ، وربما بنو عليه حائط ، فقد كانت فطم حذرة أكثر من زوجها . وحينما تعرض الداكيريين إلى خرق أمني آخر ، بعد اعتقال نجم القائد العمالي ، كانت الأصابع تشير إلى صباح ومارلين من جديد . قلت لها :

ـ أنت وراء كشفنا للشعبة الخاصة يا قحبة ! .

ـ مستحيل .أنا لا أفعل ذلك ولو قطعت إربا إربا .

ـ إذن هو صبيّحك .

ـ ولا هو صباح . أفهم .

ـ من يكون إذن ؟ الشعبة الخاصة تعرف عنا كلّ شيء الآن .

ـ الله أعلم ..

ـ ماذا تقولين ؟ الله أعلم ! ، هل أصبحت ( مثالية ) على حسابي أيضا ؟

ـ ماذا أقول ، والله حيرتني .

ـ لا تقولي شيئا والسلام . المهم : ماذا نفعل الآن ؟

ـ الله أعلم الله اعلم الله أعلم ، هل اكتفيت الآن ؟

ـ هل ستذهبين هذا اليوم إلى بيت نجية لزرق تلك الابرة الدورية ؟

ـ أجل .

ـ أريد ان أفهم سرّ ذهابك اليومي إلى بيت نجية خاتون .

ـ أسأل أمك أولا !

ـ وما شان أمي بذلك ؟

ـ عجيب امرك يا عباس : تريد أن تجعل من الناس حولك مثلك دائما .

نوبات سأم صحراوي قاتل ، عطش مرير لمسافات طويلة . ( منصور الراقوص ) يرقص في رأسي . هناك . و الذئاب وحدها اكتشفت محاولة هروب أحدنا من المعتقل الصحراوي ؛ ولا شيء غير بوصلة صدئة وخرق ملابس ممزقة . عواء وهاد فارغة . أسوار عاليات . أيام الحفر بالملاعق ليلا " وسكائر المزبّن ". قطع شطرنج من عجين متيبّس . الزيارات المتباعدة الحزينة . كم كرهت المربعات والمثلثات والدوائر هناك ، كنت دائما في المربع الأول من المسافات البعيدة ، ولا خطوة واحدة إلى الامام ؛ الخطوط المتوازية وحدها رفيقتي الخاصة . ومازلت أسند رأسي إلى حائط اللبن المتهاوي ( دقوا أيها العبيد منصور في نشوة الدوران ) أتأمل قطعة القماش المعلقة قبالتي : ثلاث غزالات هاربات في المدى البعيد : كلّ واحدة في اتجاه لانهاية له : أية نهاية أية نهاية ؟ قال السيد سعيد :

ـ مازلت متعبا" ، أعط لنفسك قليلا من الراحة .

ـ اجل . تحتاج نفسي إلى هدأة .

ـ عليك نور .

ـ نور !

ـ ماذا قررت ان تفعل بعد إعطاءك " البراءة " من الداكيريين ؟

ـ لاشيْ . أرجوك سيد لا تذكر "البراءة " أمامي مرة أخرى .

ـ هل تدخن ؟

ـ كرهت التدخين تماما .

ـ معقول ؟

سيكارة غازي أخرى ؛ ترتجف اليد والأصابع المصفرة . أعتدل السيد سعيد في جلسته قليلا، ثمّ طأطا رأسه كمن يفكّر في أمرِِ عسير .. وما لبث حتى أفرج عن ساقيه القصبيين الخاليين من الشعر تماما". ودفع بعمته السوداء إلى الوراء قليلا ، وبدت على سحنته علامات حزن تاريخي غامض . في البداية عمل السيد سعيد بائع ترب حسينية في المدن المقدّسة ، فاكسته تلك المهنة لباقة دائمة . كان يستقبل الزائرين صائحا : مزورجي مزورجي ! وفي ليلة ماطرة من آب التقى مصادفة بكوتي الذي اشترى منه كمية كبيرة من الترب لإحدى حسينياته التي بناها حديثا" بعد أن حدق فيه طويلا . قبّل السيد سعيد يد كوتي على غير عادة السادة .. وقال : في خدمتك مولانا . فأعانه الاخير على الالتحاق بإحدى المدارس الدينية لإعداد القراء الحسينيين .. لكن ( الأجرومية ) كانت عقدته الكبرى ؛ فلم يستطع ان يتعلم قواعد اللغة العربية أبدا ، وعدّ هذا الامر من النوازل التي حلّت به . وعندما حظي بقبول أحد الشيوخ الدينيين لتعميمه كان ذلك بدعم من كوتي أيضا" . ثم سافر إلى أقصى الجنوب لجمع الصدقات و ( أموال الخمس ) وليقرأ المقتل في العشر الأوائل من محرّم ، وعلى أرواح الموتى .. كانت مهنة شاقة ،تحتاج إلى تنقّل كثير ، حتى أنه كان يدعو الله بأن يجعل لعزرائيل مكانا بالقرب منه ليكسب قوته اليومي . . ولفّ مسبحته الحسينية على ابهامه الأيمن ، وطفق يقبّلها منتحبا" ، قائلا : السلام عليك ياسيدي ومولاي يا أبا عبد الله ! أسمع : أنت ياعباس ـ عين القلادة ـ لكنك طرت طرت ، عبالك الدنيا ستؤول اليك ، فهي لأهل البيت لم تدم .. أفهم . علموكم أشياء ملعونة ، كرهتك يوم ذاك كدم أسناني ؛ أما تلك الترديدة : ماكو مهر بس هذا الشهر والملا ذبّه بالنهر ! فهي من صنيعك أنت ، وحدك ،أنت يا عبيس من قام بكلّ هذا الهراء .. ولن أنسى لك ذلك قط . قلت :

ـ وحدي ، أنا ، عملت ، ذلك ؟!

ـ أنت والداكيريون جماعتك : حرق !

ـ هل تريد أن ندخل في مهاترة الآن يا سيد ؟

ـ لا . ولكن عليك ان تلقي نكلّ ذلك من على كتفيك ، وان تبدأ كإنسان عادي مثل الجميع في هذه الدنيا .

ـ ماذا تقصد إذن ؟

ـ تزوج .. كفاك عنادا" . كفاك ركضا وراء تلك السستر الحمراء وأصدقاء السؤ .

ـ كلا .

ـ الأسطوانة العتيقة .

ـ همم !

ـ طالما رأيتها مع صباحك ذاك في سيارته المكشوفة والريح تلاعب شعرها الأحمر .

ـ صباح .. قتلته !

ـ يا معود ! د.. طر .

ـ بيدي هاتين .. بيدي هاتين .

ـ د .. قم !

ـ اوووف . أنت لا تصدقني . ألقيت به إلى جوف بئر .

ـ تعال ..

ذهب أبوك إلى الصحراء ولم يعد قط ؛ قيل وقتئذِِ : أنه ذهب للحج ؛ وقالوا للتجارة ؛ وقالوا للبحث عن أصله .. ولا أدري ماذا أراد بهذه الأخيرة لكنه ـ ولله الحمد ـ ممسوس مثلك ، لكنه لم يلتق بأهل الداكير ، ولو فعل ذلك لأصبح واحدا منكم ، لأنكم جميعا من طينة واحدة . ومع ذاك فإن أباك مهووس ، ولكن على طراز آخر : ذهب دون أن يخبر أحدا" , حتى أقرب الناس إليه ، كمن أقترف جريمة شنيعة ، وهرب من عارها .أية جريمة قام بها ، الله أعلم . كان رجلا ضخما مثل ( سرهيد ) العبد ، ورأسه صخرة ، أما إذا تحدث فإن صفيرا ما يخرج من خياشمه ،لم التقه مع أمك إلا مرة واحدة في النجف . وأياك أياك أن تتلقى ضربة من قبضته ، فأنت لن تقوم بعدها أبدا ( جنحيت )( 27 ) من زلم الاول . وعندما غاب بقيت أمك ترقب الصحراء سنوات وسنوات لعلّ الريح تأتيها بخبر ، أو يظهر من جوف الصحراء مَنْ يقصّ لها حكايته أو مصيره .

ـ هل كنت تعرفه ؟

ـ مو شغلك .

أبوك يا عباس ،انشقّت الأرض في لحظة واحدة وابتلعته ن لم يكن آدميا ، كان من الجن بيننا . ابتلعته في ليلة عاصفة والزعيف لا ينقطع ، والثرثرات الفاجرات تنطلق من كلّ حدب ، سبحان الله ، وأنا كنت أحسبه من البشر ، حتى أمك لم تكتشف حقيقته غلا بعد ان غادرها فجاة .

ـ كيف عرفت كلّ ذلك عن أبي ؟

ـ من امك رحمها الله .

ـ وأنا من اكون ؟

ـ أسألها ..

ـ لا أفهم .

ـ دع الطابق مستور الآن .

ـ أريد ان أفهم الآن !

ـ استغفر الله العظيم ربّي واتوب إليه !

ـ هل أنا ابن جني ؟!

ـ الله أعلم .

ـ وهذه الاشياء التي اراها ، ما هي ؟؟

ـ الم نقل : الله أعلم . قبض ريح .

و هكذا أعلنت الجدّة معتوقة بعد سبع سنوات من الانتظار الغريب : أنها لم تكن ريحا" نعرفها ، ولا غبرة شهدناها ، ولا حتى هبّة من ذلك النوع الذي يشبه الحلزنات المتصاعدة الدائرية المعروفة لدى العرب : فساء ابن آوى ؛ كانت شيئا"ما آخر مختلفا" تماما" عما كان : ريح حمراء تميل إلى الاصفرار قليلا"، جاءت من مكان سرّي في بحر ظلمات من الأرض كانما النهاية ؛ فركض الرجل في كل الاتجاهات وصرخ بكلّ ما آوتي من قوة في كلّ الاتجاهات ، وهي تتبعه بعنف ( تابعة ) حتى رفعته من الأرض مثل قشة تبن وذهبت به إلى لا مكان .. هكذا يمكن أن يقضي بعض الناس . سيكارة أخرى ؟

ـ كلا .

ـ دخّن دخّن .

أما أنا فلم أكن إلا قارئا" حسينيا" صغيرا" ، وها نحن ـ يا ولدي ـ في وسط جنة أمك صديقة ، أرض عويتي الأبراهيمي النجدي ، وهاهو بستانه الذي ورثته عن أبيك بعد غيابه في الصحراء .استرح استرح . يرتفع السكّر كثيرا" هذه الأيام ، سيقتلني ، حتما ، يوما ما ، وسيفرح من يفرح من الداكيريين ، جماعتك , وووووو ، من الصعب ان يبقى بني آدم أكثر من حظه في السنيين .. و عزرائيل سيزورني قريبا . ليتني أعرف السرّ الذي يطوّح بخالك السرفندي ؛ لم يعلّمني شيئا ذلك المؤذن ؟ لكني والشهادة لله : رايت الكثير من الناس العامة والخاصة ن مبهورة بحكاياته . وعندما كذّبته : لم يكن ذلك بيدي ، أبدا ، كان كوتي ونجية والمتصرف وراء ذلك ؛ فقد أصبح مثار العامة وعزيز الخاصة في المدينة . وعندما جلس يحدّث على المنبر وهو يصرخ : تعالوا لتروا ما رايت .. اتخذ القرار لطرده . أصبح خطرا على الامن العام مثلما يقول المتصرف . ساموت وفي قلبي حسرة .. قل لي هل تؤمن بالموت ؟

ـ لا.

ـ تبقى مسقوفي . ألن تموت يوما ما ؟

ـ ليس في هذا القرن ؛ ربما في قرن آخر .

ـ أنهجم بيتك ابن صديقة ! كلّكم أصبحتم سرفندية برأسي .

ونهض من مكانه كالملدوغ . رأيته يبول جالسا عند جذع نخلة عجفاء .





















هدؤ غريب : لاحركة للنخيل الكثيف ، هناك ،اخضرار مطلق . كلاب اسكندر النبّاحة المتوحشة السود تتخاطف في المكان ،هناك ، ثمّ تربض ساكنة على غير عادتها ، ولم تعد تنبح مرة واحدة في صباحات الجمع الحزينة . كان الخال حسين يعرف كلّ لغاتها .

ـ كم لغة للكلاب يا خال ؟

ـ كثيرة .

ـ كيف ؟

ـ بعدد قبائلها .

ـ الكلاب قبائل ؟

ـ وحمائل وبطون ..

ـ ومن علّمك كلّ لغاتها ؟

ـ هي نفسها .

ـ هاهي ترقبك وأنت تعمل في الخميرة ؛ فماذا تقول لك الآن ؟ اخبرني ..

ـ إنها تسأل عنك ، وتستفسر ، وعما إذا كنت هو أنت من يطير في الهواء بجرادة من فافون ؟

الغطس في"خميرة الطين والتبن " أيام ما قبل هطول المطر . كان الخال حسين يدوس بقدميه العاريتين الخميرة : طين لزج ، وأقدام متجمّدة تخوض بلا هوادة : السقوف الطينية وميازيب الصفيح التي تبدو مثل السنة طويلة معقوفة إلى الأسفل دائما" . ها هي أرض عويتي من جديد ، وها هي قبائل الكلاب : اخضرار جاذب نحو مكان غامض وعواء خاص : وو وو وو وو وو وو . فطم زوجة حبش الأبهق ، تعوي وهي ترتدي ترتدي نفنوفا" بنفسجيا" . تقول بأن سوادا" ما قد لحق ببطنها بها بسبب كثرة استعمالها " للجويت " ، ولا احد يعرف سرّ تعلقها بتلك المادة الصبغية حتى هي نفسها . قالت ذات جمعة بان " جويت " وضع خطئا" في طست ملابسها ، وهكذا أصبحت تحلم ب( أم مساحي )( 28 ) على شكل كلبة سلوقية كبيرة ؛ تطاردها في أحلامها ، كلّما ارتدت ذلك الثوب الجويتي الغريب لأخافة وطرد ( أم مساحي ) عنها ؛ كما أشار عليها بذلك السيد سعيد . ورائي ورائي . يووووووه . مصيبة . أنت أيها الأبهق الكلب الدنفش من دعا عليّ بذلك حتى تزوجتك ، صلوات !، يا لك من زوج (خرّوعة ) لا تعرف طرد ( الجنانوة ) عني .

كانت تتردّد على بيتنا الطيني القديم في كلّ أيام الجمع تقريبا" ، وهي تغني : مو قلبي جويته بنار يابويه ! . وحينما سألت أمي السيد سعيد عن سرّ زيارات فطم المتكررة ؟ لم يحرِ جوابا" .. وقلت لـه : أريد أن أعرف الآن : لماذا كانت تأتي إليك فطم ؟ الناس تسأل . قال لي : أخبرك الآن وما تزعل ؟ قلت : لا .. فأجاب : أوهو ، أنت يا عباس تبحث في دفاتر عتيقة . كانت والدتك ـ رحمها الله ـ تشكّ فيّ لأنها لم تعد مفيدة لي في الفراش . كانت تلهث بصوت غريب كلّما اقتربت منها . لا أهم سرّ ذلك . لكنه صوت يشبه الصفير المتقطّع . قد يكون نوعا من تقليد زعيف الجن . وفطم كانت مريضة . وزوجها الأبهق ، ذاك ، حمار ،أنت تعرفه ، لا يجيد شيئا في الحياة ؛ مسيكينة ؛ تأتي إلى دارنا ـ الله يسترها ـ من اجل أحلامها فقط . فقد كانت( أم مساحي ) قد أحالت حياتها خرابا" ، أويلي عليك فطم ، لا أحد يساعدك غيري الناس شايلتني وحاطتني . . هل هذا حرام ؟ كنت أفسّر لها أحلامها في كل ّ جمعة ، وهي ترتاح لتفاسيري . لكنها لم تعد تأتيني في الجمع الأخيرة بعد ان ألقي عليك القبض عليك . ثمّ انقطعت عني نهائيا . ربما وجدت من يفسّر لها الأحلام أفضل مني تلك الأيام حتما". فطيرة . دبة . أنتم ورطتموها بأشياء أكبر من رأسها . يا لكم من متشككين ؛ أما زوجها فهو دريع ابن دريع . طرن . أنت يا عباس لمْ تبعْ لهذين المسكينين غير الأحلام وحدها ، وكلانا نعمل في مهنة واحدة : ذات مرّة جاءتني فطم بحلمها بعد ذهابك إلى الصحراء بأسبوع ، قالت : ثمة نملة كبيرة بحجم جرذ نهر تتسلق ساقيها البضّين وهي تخبز ؛ تتسلقها من تحت ثوبها الجويتي ذاك ، أجل ، أنا نفسي رأيت تلك النملة أيضا" في بيت آل طويق : تسير على درابزين الطابق العلوي ؛ ولله في خلقه شؤون ! أنت لا تصدق كعادتك . وهذا غير مهم بالنسبة لي . قلت :

ـ شنو حضرتك ابن سيرين ؟

ـ أنا ؟ رجل فقير : أفسّر للناس كلّ ما كان ويكون والسلام .

ـ أنت أيضا معنا في هذه المعمعة ياسيد ؟

ـ هل تستكثر ذلك عليّ ، صحيح إني لا اعرف كثيرا في القراءة والكتابة ؛ لكني سبع السبمبع في الحساب ؟

ـ كيف ؟

ـ أحسب الدنيا حساب حقيقي ؛ الذي لي والذي عليّ ، وأنت ، يا عباس فشلت في ذلك دائما . مو صحيح ؟

ـ صحيح .

أركض على مزلقة ( نهر الكوكا ) من جديد ، وتجتاحني رغبة القفز إلى جوفِِ لانهاية لـه . وقبالة القنطرة المؤدية إلى دارنا القديمة قال السيد سعيد :

ـ أعبر أعبر .

ـ لا .

ـ أعبر . وسترى .

ـ لا أستطيع .

ـ أي معتوه هو أنت ؟ أي شيْ حملته صديقة في بطنها ؟

وعبر السيد سعيد القنطرة دون أن يلتفت ، في حين تراجعت أنا الآخر إلى الوراء ، كنت أرقبه وهو يختفي في جوف الدار مثل سراب . و نبحت كلاب اسكندر بصوت ممطوط جميعا . عبر هذه القنطرة نفسها الخال حسين مؤذن الحسينية ذات يوم ، دون أن يلتفت إلى الوراء قط . قال للسيد سعيد :لن أعبر هذه القنطرة ما دمت حيا" هوووو . و لم ادرك ما الذي عناه وقتذاك ..؟ ثمّ واصل سيره على غير هدى .. وأنا أتبعه : خالي خالي ! حتى اختفى وسط الأحراش البعيدة مثل سراب آخر . ومنذ ذلك اليوم استمرّت كلاب ( الكرنل ) بالنباح طوال الليل والنهار . كان الخال حسين ، الوحيد ، الذي يقترب منها دون أن تؤذيه . كيف أمكنك يا خال أن تفعل ذلك ؟ يقال : أنها من نسل ذئاب . فأجاب ضاحكا" :أنا لم أكسب ودّها يا ولدي ، هي التي تحاول أن ترضيني دائما" ؛ وهذا سرّ آخر احفظه عني ؛ ربما يكون آخر سرّ لمؤذن حسينيتكم .

أما عندما جاءوا بذلك الكلب الأسود الضخم ، هوبر ، من البحر ، في يوم مغبر بدت الشمس فيه مثل قرص ناري أحمر ؛ نزل معه اثنان من ضباط البحرية الإنكليزية ، و ربّتا على رقبته ، ثم أسرّا باسمه إلى السيد الجديد ( الكرنل ): (هوبر الكبير ) كان أسمه الكامل ، ولقن الكلب كلّ شيْ تقريبا" وهو في بومباي : من معرفة السيد إلى النباح على الغرباء بطريقة معينة . كلب من سلالة نادرة : كانت قبيلة كلاب لم يسمع بها الخال حسين من قبل على الرغم من جميع معارفه التي أمتدت ألف عام ، وكلّ رحلاته التي قام بها . كان ( هوبر ) يفهم كلّ شيء مثل البشر غالبا ، وينظر إلى المستقبل كبني آدم ، فقد أحصى كما أعلن أسكندر : ( كلشي وكلاشي ) وكلاشي هذه الأخيرة هي السرّ في كلبيته النادرة .

وما لبثا ( الكرنل ) وطباخة أسكندر أن طوقاه بطوق من ذهب كتب عليه أسم المالك الجديد : ( الكرنل روبي : ضابط الارتباط البريطاني ) حيث وقف على مسطحة خشب وحوله الخدم ( الليفي : المحلّيون ) والطباخون الهنود والحرس السيخ الذين تفوح منهم رائحة دهن الشعر دائما . كان اسكندر كبير الخدم والطباخين ومدير المنزل وحافظ أسرار (الكرنل). و لم يكد هوبر يسمع آذان الحسينية وهو يسير في المدينة حتى طفق يهزّ رأسه بتلك الطريقة التي تنمّ عن الغرابة في تسلّم اصوات بعيدة لم يسمع بها قط ؛ أما عندما قاده أسكندر في جولة تفقدية في المدينة لسماع الاغاني من كرامفون مقهى المختار : فقد بدا سعيدا وهو يهزّ ذيله و رأسه المزين بقرط ذهبي في الأذن اليسرى على نحو يدلّ على الرضا والقناعة بالمكان الجديد .

أقول : كان كلبا" فريدا"لم يشهد له الميناء مثيلا،من قبل ومن بعد ، وهو فأل خير للكثيرين . وبدا كأن حدثا سيقع في المدينة منذ يوم قدومه . اما يوم قرّر (الكرنل ) أن يصوغ لـه قرطا" آخر في أذنه اليمنى : أصبح هوبر الراقص الذي يتكلم الإنكليزية باللكنة الهندية ، و يعرف المناداة بالأوردية ؛ فكان يوما آخر من ايام اسكندر الطباخ لن ينساه طوال حياته الحافلة بخدمة الضباط الانكليز منذ الحرب العالمية الاولى . و حينما أصيب هوبر بمرض " قمل الكلاب " أحضر لـه ( الكرنل ) الطبيب بوتا من الفاو بواسطة " الميل " على الرغم من كونه طبيبا بشريا لمعالجته بسرعة . و قال أسكندر طباخ (الكرنل) العجوز بصوت ينمّ عن ثقة كاملة بما سيحدث :

ـ " صاحب " أنا لا أفهم في الحيوانات كثيرا . أرجوك . كلّف غيري لهذه المهمة ، للكلاب أناس خاصّون ، وهذا

الكلب : روح الدنيا بالنسبة لك ياسيدي .

ـ shutt up! . هل تظن ( هوبر ) حيوانا" من حيواناتكم أيها الغبي ؟

ـ وما هو إذن يا سيدي . دعني أفهم جيدا : ما هو ؟!

ـ إنه ( هوبر ) أفهم : دماغ سز !

ــ وماذا سأفعل له إذا ما مرض يوما على سبيل المثال ؟

ـ لن يمرض هوبري أبدا .

يومذاك ، عرف اسكنر تماما المهمة الجديدة التي أسندت إليه . ولذلك حرص على إبلاغ جميع أعيان المدينة ، بلا استثناء ، للسلام على ( الكرنل ) و هوبره الجالس على فراش وثير مكوّن من الستان الأحمر ودانتيلا مذهّبة . كان الكلب قد مرض فعلا مما حدا ب( الكرنل ) أن يعاقب أسكندر عشرة ايام للوقوف بباب مرقد ( عبد الله بن علي ) متمنيا الشفاء العاجل للكلب . ثمّ تمنى لـه الشفاء كلّ اعيان المدينة بعد سماعهم بعقوبة أسكندر حتى شاركه بعضهم توسلاته وتضرعاته . وحضروا إلى بيت ( الكرنل ) متمنين طول العمر و السلامة والشفاء العاجل للكلب الذي بدا محملقا بكلّ ما حوله . وانتحى بعضهم تعبيرا عن الحزن العميق على كلب ( الكرنل ) إلى جانب الغرفة وطفقوا يبكون بصوت مسموع ، مما حدا ( بالكرنل ) ان يقول : ( ديكو ديكو ) ( 9 2 ) اسكندر كم أنت حاسد . فبكى الجميع ما عدا المتصرّف .

ونذرت النساء اللواتي لا ينجبن أن يوزّعن خبزا" و خضار في اليوم السابع من مقتل ( العباس ) إذا ما شاء الله وحبلن في العام القادم .. ومن أجل أن يختفي القمل الأصفر اللئيم عن جلد هوبر المسكين بكين بحرقة أمام باب ( الكرنل ) . لكن الكلب استحال لونه إلى بقعِِ بيض تميل إلى اللون الوردي كثيرا من جهة الرقبة . وبكى ( الكرنل ) بصوت مهيب حينما علم ان لا جدوى من طبّ بوتا البشري ، فراسل لندن لأحضار طبيب بيطري على حساب القنصلية . لكن الاخيرة رفضت الأستجابة لطلب ( الكرنل ) الذي وصف موظفي القنصلية بالاوغاد المتصلّبين .

وأعلن ( الكرنل ) عن عزمه على تقديم استقالته بعد خدمة جلّى للامبراطورية والبحرية . كان ( الكرنل ) من اوائل الضباط البحريين الذين أظهروا كثيرا من التسامح مع الكلاب والسكان المحليين على حدّ سواء . و شرع يكتب لأصدقائه في بومباي وكلكتا لأول مرة في حياته ـ منذ أن غادر لندن في الحرب العظمى الاولى ـ لما آل إليه حاله وحال كلبه المدلل . لكنّ اسكندر بقي ينادي هوبر بالأسود الفاحم ، ويستشيط غضبا" من سماع كلمة ( أجرب ) التي عمل أطفال الميناء على ترديدها كلما رأوه يسير خلف ( الكرنل ) بسلسلته المذهبة و عجيزته المبقّعة وصوته المبحوح في النباح لالخافت : ححو حححح وو حو حححححح . كان أسكندر يصيح : فيّ ولا فيك ( هوبر ) . ثم أعلن وسط جمع من معارفه : إن لهوبر طاقة جنسية مضاعفة بعد اصابته بالمرض ، واوضاع غريبة ، بعد إصابته بالجرب ؛ إذ انتفخت بطنه على حين غرة وظهرت لـه أثداء متدلية .. وهكذا أصبح لهوبر ما ليس لغيره من اللبائن تعويضا له عن الماساة الصحية التي المت به .

وأمر ( الكرنل ) بأن يحرص اسكندر على إيقاظه ليلا" كي يشهد ولادة أوائل الجراء لهوبر الذكر سابقا . وحينما استيقظ ذات ليلة ماطرة ذهب على عجالةِِ إلى بيت الكلب فاركا" عينيه مثل طفلِِ غرير ،مستبشرا ، وهو يكرّر خلف اسكندر: خاموش خاموش دماغ يوختر!( 30 ) أفعال آخر زمان : دنيا مقلوبة ؛أسكندر ، شف شف ، عجيبة ، ولكن لِمَ لا ؟ ألم تلدْ فطم زوجة الابهق ، تلك ، القحبة ، ولدا" برأس خنوص قبل شهر ؟ كلّ شيء ممكن هنا ، ( صاحب ) والله ؟ ها؟ أولم يدفنه السيد سعيد بكلتا يديه في ليلة عاصفة ؟ للعاصفة علاقة أيضا بما كان ( صاحب ) فلماذا يتعجّبون من هوبر ؛ إنه حسد عيشة ، والله . . و ليس ثمة ما هو غريب هنا , أبدا ، وليس هناك ما هو غير معقول أو عجيب كما تقول يا جناب ( الكرنل ) : نحن في آخر زمان ، وفيه يحدث كلّ ما لم يكن في الحسبان . ( فضيلة أصبحت أفضل ) أقرأوا الصحف ، الآن ، وسترون النساء رجالا ، والرجال نساء ، وكلّ ما هو عجيب في هذه الدنيا .

وكان حسين المؤذن قد شنّ هجوما مباغتا ضدّ كلاب ( الكرنل ) كلّها بعد ذلك إذ اعتبرها سبب كلّ الأمراض التي تصيب الناس في الميناء والمدن والقصبات المحيطة به ، وعمد على اظهار ذلك في وقوفه أمام باب ( الكرنل ) في كلّ يوم جمعة ، محذرا الناس من مغبّة المرور من أمام بيت ( الكرنل ) أو النظر إلى كلبه الاجرب الغريب ، وقال : إنها ليست كلابا ؛ هي ذئاب متوحشة ، جاء بها لإخافتنا ، نحن الفقراء ،ولكي لا يعبث أحد في أقفاص دجاجة او بيوت أرانبه . أفتعل كلّ هذه الحكاية واخترعها يساعده طباخه اسكندر العجوز .

ويوم أحضر السيد سعيد ،العارف ببواطن الأمور هذه ، مكبّر صوت كبير من بغداد ليصدح بأول آذانِِ من خلاله يرفعه حسين المؤذن ، وقف خلف اللاقطة السوداء الطويلة ، وهو يتحسس ظاهرها بلطف مفتعل ناقرا عليها بعقيرته قائلا": اللهمّ اشهد : بانّ هذا أول آذان يرفع بمكبّر صوت أهداه لنا الفاضل الكريم ( كوتي ) الذي رأى مولانا في منام صحيح ، فكان لـه الايمان والإسلام ، ليطل الله في عمره ، وليبقه لفعل الخيرات ، وللمسلمين ، ولخدمة أهل البيت صلوات الله عليهم ، آمين يا ربّ العالمين . وكرر خلفه المصلون : اللهم صلّ على محمد ‍‍وآل محمد . اللهم وأشف ( الصاحب الكرنل) ما الم به ، وما أصابه ، فهو من ( الذميين ) ويجوز الدعاء له بالسلامة .

قلبي أرض خربة يا خال . ألوب . وهذه الكلاب تعوي ليل نهار في راسي ، كلابي ، وكلابهم ، في الليل كله وفي النهار جلّه . علّمني مما رأيت ، علمني : هل ان الركض على أرض اخرى يمنع ما اسمع ، او يحول دون ان أرى تلكم الرؤيات : هل ان الحجارة البيضاء تغسل روحي ، هناك : عشرون ناحية في كلّ منها كثير من القرى والمزارع وهي :حشان شربه بلاس عقر ميسان المقيم بهر حرب شط العرب سعد سام الجعفرية المشات الصمد الجونة الجزيرة العظمى مروت الشرير جزيرة العرش الحميدة الحويزة المتفردات .. أين أنت يا خال ؟ رأسي صندوق اصوات كثيرة .

وكان السيد سعيد قد بدأ بالأنزعاج وهو يسمع المؤذن حسين يتمتم بالاسماء القديمة للمدينة ، وظن بانها من الدعوات السيئات عليه ، فأشار بسبابته : أن أطلق الآذان .. فلعلّ كلاب اسكندر يقلّ نباحها ولعل ( الكرنل ) يشفى من كمده . كان صوت الآذان يغطي المساحات الخضر البعيدة لأول مرة في تاريخ أرض عويتي النجدي .

عبر الخال حسين القنطرة حافيا" تنفخ الريح دشداشته : جسد أسمر نحيل ورأس أفعواني صغير . ردّد بقوة : رأيته رأيته حقا يقظة ، وحقك ، رأيته ! .لكنه لم يفصح عما رأى حقيقة .. رمقته بطرف عيني ، فبكىبحرقة ظاهرة ؛ و كنت أراه لأول مرة بهذه الحال السريعة من اللحاق بالآتي البعيد . قال السيد سعيد حينما لاحظ اهتمامي بامر الخال حسين : إياك إياك يا عباس أن تتعلق بشيٌ مما يقوله ذلك الأفاق الرائي ! ، اسالني عنه ، دعي ابن دعي : جاء من (الصحن المقدّس ) لا يملك إلا دشداشة مرقّعة ، فآويته و أكرمته ، وأنا الذي علّمته الآذان ، وقراءة القرآن التي يحسده عليها كلّمن سمعه .. أنا .. لكني ، أنا ، نسيت ، دماغي ، مو دفتر ، ولم يكن يدرك من امر الدين ـ هذا السرفندي ـ أي شيء ؛ والآن ، يرد أن يكون مثلي . . هل تقبل ؟ أنا السيد سعيد بفخذه .. حسنا" ، ليفصح عما رأى وليخبر الناس بسرّه الباتع : السربوت ! . أبو الكلاب . يريد ان يحدث فتنة بين المسلمين . وهذه الكتب التي معه : زبالة ورثها عن مخبولين عتيقين . زير خل . وليس فيها بسم الله الرحمن الرحيم . لا تخدعْ بمسكنته وصمته الطويل ولحيته ورؤيته ؛ إنه ساحر ومشعوذ ودجال وصاحب ( كيف ) ( 31 ) سابقا ، أسألني أجاوبك: عندما يمسك بالدينار بين أنامله يحترق : واحدة من الاعيبه التي تعلمها من الهنود في ( الكردواله ) الأبليس ، مؤذن آخر الزمان ، يريد أن يستولي على الحسينية بهذه الخزعبلات ـ بَهَي بَهَي ـ إنه لا يعلم سطوتي بعد . ساخبر كوتي والمتصرف إذا لزم الامر ، قابل هي فرطنه ! وسار خلف الخال حسين الصبيان ، وهم يرمونه بالحجارة والصلابيخ صائحين : هـ هـ هـ مخبل ! . أبو الهيعه وطردناه ! . طردته من نعمتي و بيتي .

ليس لهذا المؤذن وجود بيننا الآن . تقوست النجمة الشمالية نحوي ، في ذلك اليوم الذي غادرت فيه الحسينية و أنارت لي كل شيٌ دفعة واحدة ؛ النخلة العجفاء تجاه النهر ، الإنحناءة الفريدة ذوءابة روحي ، هناك ، يسمع في كل ليلة جمعة ثمة نواح غريب من جوفها . نخلة المؤذن حسين . وضعت النساء الحناء على كربها البالية . ولكن في ليلة حارة اشتعلت النار فيها فجأة . كانت الأصابع تشير إلى السيد سعيد دائما . ترى أين يمكن أن أجد الخال حسين الآن ؟ وأي أرض غيبته ؟ لم يترك لنا خبرا" ، ولم يعرف عنه اثر .

اصفرار عجيب في وهدة المغيب هذا . وصوت السيد سعيد يرتفع بالآذان في كل وقت بدلا منه . نباح كلاب اسكندر يتعالى مختلطا" بالآذان دائما . والحمائم السود تنوح على الأسطح الطينية الواطئة . إلى أين ؟ .أرض الله واسعة . القنطرة المكونة من جذوع النخيل الميت . وصوت غناء حزين : " جا وين اهلنه ؟ جا وييييين ؟ " سعف متيبّس . امسك يدي ، امسك جيدا" ، هل تسمع النبض في قلبي ؟ ارفع الرسغ إلى أذنك ، تسمع تسمع؟ ؛ هاهو الآذان يخرج من قلبي : الله أكبر الله أكبر ، لا هو إلا هو ، هل تيقنت الآن ؟ سبحان الله . تخرج قدم واحدة من مستنقع الغراء الأصفر الغريب ؛ من الصعوبة تكرار ذلك ؛ القدم اليمنى العارية وحدها أولا . أعوي : وووووووو !. وتعوي معي كل كلاب اسكندر السود والبيض والمرقّطة ؛ تحيط بي في كل وقت .. هوبر يتقدّمها . عو .. عو.. عو .. كلب ( الكرنل ) الاجرب ، يا لها من مهمة شاقة أخيرة . لم اعد ارغب في رؤية احد ما في ارض عويتي . ليت أمي لم تمت . وليتني لم استمع على كلام السيد سعيد حول كلّ ما دار حول غياب أبي في الصحراء ؟

و أنا رأيت ما في خزانة أمي الأبنوس حقيقة : كان كتاب البحار السبع ؛ لاشيٌ مثله ، ولا علم بعده : كتب بلغة ارامية قديمة ؛ لكلّ بحرِِ باب : باب العاصف ، باب العميق ، باب السبحان ، باب الفرج ، باب الأبواب . وتحت الكتاب الضخم ثمة سيف قديم علاه الصدأ ؛ كتب على الغمد :لا اله إلا الله وعلى الجهة الأخرى محمد رسول الله . وشعر مقصوص لبنتين . انا رأيت كل ذلك . لكن السيد سعيد أنتفض وكذبني . وقتا ، ما ، غريبا ، يكون ، فيه ، العبد .. أستغفر الله لي وله . فصرخ السيد سعيد : قل قل إبن ( الردي ) ماذا يكون العبد ؟ ها ؟ هل تخشى الناس ؟ قل قل إن كنت رأيت حقا . وفي الخزانة أشياء يصعب البوح بها الآن . عباس أنت لا تصدق ما رأيت الآن ، صحيح ، لكن روحك تتوق إلى الرؤيا ، أعرفك ، مثلما عرفت أمك وأباك ؛ وحينما تراها ، تلك اللمحة الألهية : هووووووو ! سيترأى لك كلّ شئ ؛ يأتي ذلك الغريب الذي يحمل منجلا" ذهبيا" ، المتلفّع بالسواد الدائم ، الآخذ دائما" : فأفكّر فيه في كل ّلحظة : يتعقبني كظلي . خذني خذني ، فيقول أنتظر ، وهو يراني وأراه منذ زمن الصحراء : عيناه محمرتان عجيبتان أخّاذتان على نحو يشعرني بالغربة المريرة من حدوث كلّ شيٌ ، كلّ شيٌ . ماذا تريد ان تعرف اكثر من هذا ؟

ـ خطرفة .

ـ ماذا ؟

ـ خالي انت مريض .

ـ مستحيل . انت هو المريض !

واصل الخال حسين سيره على غير هدى عبر قنطرة النخل وبستان اسكندر ، وام تنبح عليه الكلاب كعادتها ،وكانت ترقبه بصمت غريب . ريح جنوبية شرقية رطبة . وألق متبق في العيون الذابلة . شمس كركمية أخرى . لا أخضرار لا أخضرار . كاني لم أعش هنا من قبل . كأني لم أولد . كيف تحول كل هذا على حين غرة ؟ . هل انتقلت عدوى الخال حسين إليدون أن أعلم ؟ السعف المتيبس . والقنطرة الميتة . الله . الله . ربما أجد شيئا آخر ، هناك هناك ، أين أين أين؟ النهر الصغير الآسن . لا شيء دائما . ماذا يوجد في خزانة امي الحديد غير ملابس عفنة كان جلها من أسمال نجية طويق وبناتها . من جاء بقبعة عازر هنا من ؟ يا لأمي ورغباتها التي لا تنتهي . العائلة الكبيرة . مرحى . كتاب ضخم في الكلدانية . صورة المسيح مذهبة على غلافه . الله . موت النخلة العجفاء . بركة بول تحتها . ليلة أتكأت ظهرها اليها وتوجهت صوب الشرق ، أمي ، وولدتني , كان حدثا مهما في ارض عويتي النجادة . سرير الأم الحديدي ، من عطايا آل طويق أيضا ، هاهو ملقى وسط الحوش تحت الشمس والمطر . الصدأ خرائط لا نهاية لها . السرير بحتوي على حروف قديمة . أن يكون المرء طيارا يكتشف أشياء يصعب على أهل الأرض ـ عموما ـ أكتشافها بسهولة . أرتجفت . وسرت على عجالة . كنت احمل السرير على ظهري . تعبت . فألقيت به في بركة مياه قريبة . هل أركض الآن ؟































































النساء المتلفعات بالسواد الأزلي . والرجال الغمورون بمياه التأمل الدائم للآفاق النائية . البخور الهندي والحرمل ورائحة (الخضيرة ) الدائمة التي تفوح من النساء . يا لأبواق سيارات الخشب العابثة هنا . كنّو السائق الذي يظهر رأسه الصغير من الشباك المربع صارخا" : هييييي ‍. هييييي. هييييي ! . ها هو البهلوان من جديد معكم أخيرا .. حشرت نفسي في المقصورة الأخيرة من الباص . الوجوه المغموسة بفقر الدم الجنوبي ( الانيميا ) أفواه الديرم والشعور المغسولة بالطين خاوة . الجراغد والعمائم والشيلات و رائحة الخضيرة النفاذة . طفق كنّو السكير يعلن عن نفسه في كلّ مرة أراه ، وغنى عن غدر الأصدقاء وخيانة الأحبة بلهجة ( عمارية ) بحتة ، ثمّ ختمها بأغنية شائعة : غريبة من بعد عينك يا يمه محتاره بزماني ‍‍.. فصاحت النساء : يبوووو ‍. ثمّ هتفت عجوز من المقصورة الوسطى : كنّو أيها الأرعن الأسود ألا تكفّ عن ترويع النساء ؟‍‍‍

ـ وماذا أفعل لهن وهن درجن على البكاء يا ماما ؟ حاكيني يا يمه يبووووي

ـ ولماذا تذكّرهن بأمهاتهن ، أيها السكير ؟

ـ الأمهات كلّ شيٌ في هذه الدنيا الفانية : يمآآآآآآو ! هل أمك على قيد الحياة داده ؟ فهميني يا يمه .. سخام !

ـ لا شأن لك بأمي .. أيها الاسود النتن . ولكني سمعت بأنك حضرت جنازة أمك سكرانا" . هل هذا صحيح ؟

ـ أجل .

ـ أنت لم توقرها أيها الأبله .

ـ صحيح صحيح . طاط طاط طيير الجنة ‍،ماذا تقولين : لو علمت يا مونرووووو بان أمي كانت تسكر معي ،علّمتها

على الأبيض وحياتك ، ها ، ماذا تقولين ؟

ـ امك ( العبدة ) تسكر معك أيضا ؟ يبوووووي ! ليتك تموت أيها السكير لتكتشف كم أنت واهم ، وكم أنــت

عابث .

ـ سأموت يوما" ما ، ساموت في ساعة ما ، في لحظة ما ؛ ومن هنا ، وحتى تلك الساعة الفريدة : سأسكر و

سأستعد لها : هووووب! نازل .

أخرج زجاجة صغيرة من جيبه ، وشرع يلوح بها بيده اليمنى في حين راح يمسك المقود باليسرى وصاح : تحيا مارلين.. مونرووون ‍‍! . يحيا الآتون من الصحراء دائما ، يحيا الداكيريون ، يحيا بهلوانات الطائرات القدما ء المفصولون السياسيون جميعا، يحيا كنو العبد وأمه السكيرة ، يحيا كل عبيد الوطن السود والبيض و ( المولّدين )( 32 ) .والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته : طن طن طن ططر طنطن .. ثم أخرج رأسه صائحا : هييييي حليب أبو البنت ! قالت العجوز :

ـ هل تسبني أيها السكير ؟

ـ لا وروح ماماتي !

ـ قواد ‍. أنت لا تختلف كثيرا عن ( منصور الراقوص ) أو شلتاغ الكاولي .. أنتم بلاء هذه المدينة .

ـ يابلاء مو كلذ النساء مينيجوب دم الشهداء ، بعد شنو ؟

ـ إنزلني الآن شاذي .

ـ باي باي . خاتون .

ـ مجنون من يصعد في باصك مرة اخرى .

وهبطت تحمل سفرطاسا" لماعا" ذكّرني بأيام الاعتقال في الصحراء . قال كنّو:

ـ أستاذ عباس الأجرة واصلة أغاتي ؛ على حساب حجية مونروووون !

ـ شكرا" كنو . لم تتغيّر .

ـ ولم ؟ ها ؟ ولم التغيير ؟

ـ ( عفطي )( 33 )

ـ بس لوني نفطي ، هه هه هه ،متى خرجت من ( القلّق ) أبو العبس ؟

ـ الآن .

ـ هسّ هسّ ؟

ـ تقريبا .

ـ لا بالله ! فهل تعرف ما حلّ بسسترك العظيمة أم شعر الكلبة ؟

ـ لا. أنت هل تعرف ؟

ـ خسارة ابو العبس ، ملعون أبو الصداقة خويا .درلم درلم درلم ، ملعون ابو الوفاء !

ـ أي .

ـ في الموصل ،هناك ،أخويي ، رأوها الجنود ، في ( الدواسة ) ، هي بهي ! ، مارلين أم الشعر الأحمر . تحارشوا

بها فلم ترد ، وصاحوا بها : بهلوان بهلوان ! ، لكنها لم تلتفت ، تصوّر ، كأن الأمر لا يعنيها يا أخي ، تصوّر،

اخيرا .

ـ حقا"؟

ـ وشرفك العزيز كابتن .

ـ لم أعد اثق بشيء يا كنو . ولم أعد أفهم شيئا . رأسي منفوخ .

ـ اسأل ابن المعيدية ، صبيّح ،صاحبك ،ذاك ، ما صدّق تدخل ( القلّق ) واستلمها ، وداعتك ، عنده ، هو وحده،

كل أخبارها ، النذل ـ أسمح لي !

ـ صباح مات .

ـ شنو ؟ صبوحي مات . هاي شنو ؟ عمي دعاية سينمائية .

ـ قتلته ، أنا .

ـ هلو ! قتله .

ـ صدّقني .

ـ هم دعاية , كابتن !

ـ نازل نازل !

ـ لا ، قتله ! خلاص !، لو خل ..أص! ؛ من .. ياللساني الفلاّت ..هسسسسسسا . يابه ما تنزل وتخلصنا .

كان ثمة ذيل من العربات الرمادية الحديد تمر قبالة الباص مما دعا كنّو الى احتساء بعض العرق من زجاجته وهو يتأمل هدير العجلات السود وسط الرمال . صحت :

ـ نازل ! هنا ! .

ـ صار ، أشبيك ، إنزل ، طيران .

وغاب الباص وسط غيمة من غبار متطاير . أهبط هناك . السير في الطرقات الموحشة من جديد . و زحمة الأسئلة الدائمة .

لن أسال أحدا" بعد الآن ، فلم يعد لكل الأسئلة أي معنى بعد ذلك . كنو غاب تماما . مارلين غابت . صبوح غاب . أمي غابت في جحر . الخال حسين غاب في شقّ بعيد . الداكيريون غابوا جميعا تقريبا ؛ وحدي الآن وحدي .

هاهي قلعة الرمال تظهر أخيرا ، مثل شاشة سينما مطفأة : المدينة الواقعة على طرف الصحراء : سور ( ذاري ) القديم المكون من رمل تاريخي متراكم ؛ كان أهل ذلك الزمان قد كثرت تجارتهم ، وفاضت أموالهم حتى صبغوا حيطان بيوتهم بالزعفران الفواح ، فبدت أماكنهم كجنات صغيرة وسط الرمال . ثم جاءت تلك الريح الصفصف العاتية القوية في ليلة واحدة فاحالتهم إلى كثبان رملية ناعمة و متباعدة . من يجرؤ على وضع الزعفران في بيته بعد ذلك ؟ وقصر الإبراهيمي هو الوحيد الذي لم يتزعفر آنذاك ولذلك بقي قائما إلى الوقت الحاضر . الترف يأكل ما كان .جد تي جدتي . حصارات البدو وهزائم الفرس : سيوف معلقة على الحيطان ، وبنادق شوزن ، وماطليات ،وبرانو ، وشوامي وصخريات ودبابيس وقامات مكدّسة عند الزوايا المهملة ،حراب صدئة و متناثرة ؛ كل ما كان محض أخبار غير موثّقة ومتضاربة أحيانا": هذا القصر محض حكايات وأخبار شتى بالدرجة الاولى . وكل ما يقال عنه محض اختلاقات .

و الشيوخ القوالون تحت سور ( ذاري ) ، الممسوسون بنقل ما كان : لحظة ذرّت الرمال في الأعين في ليلة هوجاء ، لم نجد جيـــش ( خان العجم ) في الصباح .. لا مدافع , ولادانات سود , ولا صهيل خيول نافرة في ليل أهوج ؛ لم يكن ثمة عاصفة قط ، هذا ما رواه القوالون ، فزمن العواصف المدافعة اختفى إلى الأبد ؛ وجاء زمن من يضربون الأرض بأقدامهم ويغنون ..لم يكن طاعونا" قط ، كان شيئا ما يشبه الطرد اليومي المميت من الارض ، فالبلاءات كلها خبرتها ؛ كان محض قذى حارقا في العيون منذ الصباح إلى المساء، ولا شيٌ بعد ذلك : يفركون عيونهم حتى تسيل منها الدماء السود ، صارخين ، و يتساقطون الواحد تلو الآخر ، في مشهد حرب لا ينسى ؛ كأنهم أعجاز نخلِِ خاوية : جنود الخان . لا تؤاخذني يا بني ، لم أعد أذكر كلّ شيٌ بالتفصيل . الضبّ واليربوع كان طعامي . ذاك زمان لـه عيون وآذان. أما تلك الغربان السود الواقفة على السور ، المتهيئة ، تلك تلك : تراها ؟ . لا . الطائرة على غير هدى ؟ ، والناعبة على السور ، هناك ، بالمئات ؟ ها ؟ هناك هناك . ما ألعن بصيرتك يا رجل .

ـ هل رأيت كنو الأسود في طريقك ؟

ـ رأيته يا جدتي .

ـ ما يزال هو ، منذ أن ذهبت إلى الصحراء .

ـ هو .

ـ هل فكّرت في ذلك ؟

ـ لا .

ـ أنت كما هو أنت أيضا .

ـ لا .

ـ هل أنت متاكّد ؟

يأتي الغراب وحيدا" غالبا" فارشا" جناحيه من الفضاء البعيد ، و يطلق صوتا" يشبه الفحيح السماوي . ثم ينقضّ حاملا" أي شيٌ على الأرض ، في خطفة واحدة مهيبة ؛ كان الغراب الواحد ـ آنذاك ـ بحجم شجرة سدرِِ قديمة ، أو أكبر من ذلك أحيانا ؛ أجل يا ولدي ؛ أنا نفسي ـ جدّتك العودة ـ ذات مرة حملني غراب كبير أسود ، مخيف ، كأنه الغيمة المدردمة ؛ وطار بي نحو جامع جؤجؤ السفينة ، فلم أصرخ , ولم أطلب النجدة ، فقد بدا هذا الامر غير مجد مع هكذا طيور . ثمّ طاف بي حول النهر الميت ؛ الشقذ الذي كنت تراه وانت تحلّق بالطائرة . هل تذكر ؟ كان يقبضني بمخالبه الحديد ؛ عيناه تومضان بالشرر ، وجناحاه يصفقان كالرعد ؛ ساعتئذ رأيت ( قبة البصري ) من علِِ لأول مرة وآخر مرة في حياتي . ثمّ طار بي حول حشان وشربه وبلاس وعقر وميسان و نهر حرب : كانت الجثث مكدّسة في النهر ، والناس يتخاطفون . صراخ بهيم . و معركة لما تحسم بعد . والدنيا طيران . فلم أستطع ان اسأل احدا . والغراب يعلو إلى (رعبول) ( 34 ) . ولا سعد ولا سعود . لا شيٌ أجمل من الطيران إلى ( رعبول ) يا عباس ، مو ، هل تعرف ؟ حتى إني نسيت ما يفعل بي وقتذاك . هل يحدث ذلك لك ايضا وانت في السماء ؟ و قلت : مددك يا بصري ،مددك ، وخرقتك ، مقامك ، ومنزلتك ، ملاذك ، ومسكنك ؛ فسمعني الغراب و ردّد خلفي: مددك وعسكرك!. وعاد بي من حيث حملني . فلا أذكر الكثير مما كان بعد ذلك . أعذرني . لكنها كانت التجربة الاولى في الطيران بالنسبة لي . هل شاهدت الغربان الآن ؟ هاهي في السماء تأملها : قبة من غربان . لكنها ليست كغربان ذلك الزمان .

وكشفت العجوز عن ظهرها الأبيض الناحل الذي يشبه ورقة سجل قديم ، فبان عمودها الفقري مثل نصل سيف، وأمكنني أن أرى أيضا" آثار أظفار الغراب في تلك الظهيرة من آب : خمس ندبِِ ظاهرة كضربات مهماز حديد . واضافت : في زماننا ذاك الذي لم تدرك منه شيئا" بعد : كانت الغربان لا تسرق البشر فحسب ، بل كانت تتكلم لغتهم بلهجة أهل صحراء الباطن ، وكان من السهل ان يصادق الرجل غرابا ، او يماشي سبعا ، أو يكلّم بوما . لكن الغربان وبسبب الحروب والمجاعات كانت أقرب للناس في تلك الايام . غربان ليس لها مثيل قط في هذه الدنيا ، الآن ؛ قبائل وأقوام ، بيوتات وجماعات ؛ وعلى الجباه السود الطائرة علامات مثل دمغات لتمييزها عن بعضها؛ والنساء ـ في زماني ـ يأتين كاملات البلوغ ، وأثدائهن كالرمان الصغير منذ أن تلدهنّ امهاتهن : للمراة ولادة واحدة كلّ ثلاثة أعوام ، كانت ، والرجال من الطول سراهيد سراهيد ؛ انظر إلى الأفاريز كم هي ضخمة ، وإلى الأسوار كم هي عالية ، وإلى الأبواب كم هي كبيرة ، والراشونات كم هي بعيدة ؛حدّق فقط : كان من الصعب على أبناء الأبراهيمي أن يدخلوا غرفهم دون أن يحنوا رؤوسهم ، عماليق ،والله ، وكانوا يضربون الحديد حتى يكون عدة وسلاحا لهم ، عجيبون ؛ عاشوا في دار حرب دائمة وأيام غبار خيول غائمة . فماذا تريد أن تكون يا ابن صديقة ؟ ها ؟ مثلهم ؟ يابه د .. ول !

وكانت الدنيا دول والرجال عمل و الصور كثيرة . الأسحار الأسحار . الامطار . أخرها ؛ لا يحضرني الآن ، يووووه ، نسيت ، ألف عام ، أو أكثر ، حيل ، ليل ، ثمّ سألت الغراب من أي الأقوام العجيبة أنت وما أسمك ؟ فقال : أنا دريعم ؟ وهذا يكفي . فسالته ثانية : وهل أنت مسلم أم نصراني أم يهودي ؟ فلم يجب . وهل أنت تعبد الله الواحد الأحد أم ما زلت كافرا ؟ فقال : مدد ! قلت : أنت مسلم إذن ، هل تصلي و تصوم وتزكّي وتجاهد ؟ فقال : لا أعرف على وجه الضبط ، لكني : مدد مدد ! . ما أنت ؟ ؛ حيّرتني والله . شنو ؟ طنطل ؟ ثمّ توسلت إليه بحقّ النبي الهادي المهدي المبعوث للأنس والجان أن يعيدني إلى أهلي سالمة ، ودعوته إلى الإسلام فقال سأفكّر بالأمر .. وما لبث أن عاد بي بعد سبع دورات كاملات في سماء المدينة والريح تداعب كلّ جسمي . وعندما وضعني على الأرض ، وفي المكان الذي حملني منه بالضبط , وسط الحوش , كانت الدماء قد ملأت ظهري ، وحمدت الله وأثنيت عليه ، وطار ، وخلدت إلى نومِِ عميق ـ لم يكن نوما"، لا لا ، النوم أعرفه ؛ كان سيرا ما على أرض صفراء لزجة ولاصقة مثل خوض في وحل سميك : هذا هو ما يعرف ب ( بستان قريش ) : ما أن أرفع قدمي حتى تلتصق الأخرى دون أن أخطو خطوة واحدة إلى الأمام ،ي ي ي ي ي ، كم رغبت بالسير ؛ الأقدام خلاصي ، وقتئذ ، كانت .

طنازة , يا جدتي , طنازة : كلّ ما كان . أعرف بأن لا أحد مثلك أبدا . وكل ما كان في عهدك هو مختلف تماما . لكن ما كان قد كان يا جدتي . ولم يعد منه ثمة شيء . وها أنتذا تجلسين تحت سور ( ذاري ) في كلّ وقت تحت المقبّبات اللواتي ستنهار على رأسك يوما ما : وحدك أيتها العجوز لا قريب ولا معين إلا الله . هأها . الدكّة الترابية العتيدة التي ترتقينها من الصباح إلى المساء ـ هي قبّتك ـ بانتظار حدوث شيٌ ما ، ولم يحدث ما تحلمين به ، أبدا" ، وهذه لم تكن دكة ؛ كانت تلا"من رمل كبير لمراقبة القوافل الآتية من صحراء نجد ، وللحراسة والرؤيا أيضا ، ولكن بعد أن بالت عليها بنات آوى وعاثت بها الكلاب وخربتها الجرذان ، أصبحت هكذا كما تراها الآن ؛ المائتا عام الأخيرتين من العبث الأهوج للصوص وقطاع الطرق والجندرمة والغزاة ، والريح والمطر الـــذي يشبه السيول الجارفة تخرب كلّ شيٌ هنا . أصبحت ربعة يحطّ عليها دريعم وجماعته ،ثمّ ملئت بالذروق الذي يشبه خروج الخنازير البرية . أنا وأنت يا جدتي ننظر بعينين ملؤهما العشو النهاري إذ تترآى لكلينا الأشياء متداخلة ومموّهة ، لا لون لها ؛ كأنما تسبح في آتون من مياه متحركة .كلانا في محنة واحدة تقريبا"يا جدتي .

إذا أتيت في المرة القادمة يا عبوسي ما عليك إلا أن تناديني : يا جدتي يا جدتي ، وعندئذ سوف أظهر لك من أي مكان فلا ترتعب . الغربان لم تعد تأتي كسابق عهدها لكن النعيب يملاٌ المكان ، أسمع أسمع ؛ م م م م م م ، ول ول ول ول ول ! ، عاث اللصوص بكل شيٌ ، كما ترى ، حتى لم يعد ثمة ما هو صالح للسرقة ؛ أما هذه الأسلحة التي تراها الآن فقد اعتدت أن أخفيها في أماكن سرية من القصر ، لكنها ما فتأت تتناقص يوما" بعد آخر .. لم يبق السراق أي شيء تقريبا هنا . آه يا عبس لقد أكلني الزمن أنا أيضا" ( الزمن تابعتي الكبرى يا ولدي ) ـ هوو ـ لكني على الرغم من من كلّ ما كان فأنا الوحيدة التي لم يثلم الزمن منها شيئا" حتى هذه اللحظة التي أحدثك فيها . فما أتعستي وما أشدّ غربتي وأنا احيا كلّ هذا الوقت الطويل الذي يشبه اللانهاية أحيانا . وكم احسد الموتى على موتهم ، والاحياء على مصيرهم : أن ترى كلّ ماكان في ألف عام . عذاب آخر لم يجرّبه أحد إلا سيدنا نوح . لا تشغل بالك بما كان ، وما سيكون ، وكن مثلي : كلانا نطير في مكان واحد يا بني وهذا ما ستعرفه لاحقا .

ـ ألوب ، في الليل ، ألوب ، في النهار .

ـ لا تكترث كثيرا .

أين هم أصحاب القصور ؟ ترى دنياهم و آخرتهم في خرائبهم .. يآآآآآه . أمثالك من الهالكين الفانين الذين شبع الدود من عيونهم يأكلون الزمن نهما" ، وما يعلمون بأنه هو آكلهم في النهاية ، وهو خادعهم ، وهو صاحبهم ، وهو عدوهم ؛ اسألني أنا التي عاشت مئات السنين ـ جدّتك ـ وحدّق في التلال والكثبان الرملية هذه في بقايا قصر الابراهيمي، ولتحفر عيناك فيهما عميقا" .. ماذا ترى غير الزوال الفريد : السابقون واللاحقون ، الغائبون والحاضرون ، الفائزون والخاسرون ، الحاكمون والمحكومون ، النائمون والقاعدون ، القاتلون والمقتولون ، وأنا وأنت والناس أجمعون : مذعورون مذعورون ؛ كأنما يطاردهم ذلك الأخذ الفريد بمنجله العجيب . أما أولئك الذين يأتون ليلا" إلى الجدة معتوقة من مهربي السلاح والخمور والغنم ، يحيونني ، رأوني أم لم يروني ، فأنا بالنسبة لهم تعويذة دائمة : أجلس القرفصاء عند الباب الشرقي هذا أو في السرداب ذي البئر القديمة ككرة سوداء وحيدة ، مسيكينة ، و لا أحد لي إلا الله في هذه الغبراء الشنيعة الطويلة ، وأنت يا بني من لك ؟ لا أحد لا أحد مثلي؛ كلانا من جحر واحد كنا . فليس لك ( رديف ) يا عيني عليك, ربية ولا تغمض ، مسيكين ؛ كلانا جربنا الطيران ، لكننا لم نر شيئا" كبيرا ومهما ، ولنر الآن ما هو مبهر . هل يريد أن تجرّب ؟

ـ كلّ عمري تجارب مريرة .

أجل . عمك السيد سعيد هـو من كان يزعم أنه يرى أشياء مختلفة فينا . لا تجارب لذلك الدعي دائما ، وسيموت بالسكري كالناس .كان يكره كلّ شيٌ فيك ، وفي أمك ، وفي أبيك . لم يكن ابوك جنيا قط . وهو ينعتك دائما بالولد المطيور : كأن لك جناحين كبيرين من ريش غربان قديمة . من الصعب أن تتخيل الآن حال أمك وهي تعود إلى تأمل الصحراء من جديد ، في أنتظار ولدها بعد ان أنفقت نصف زمانها في انتظار أبيك . ياللوعة : الرجل ذو الوجه المدور الآتي من المدى المحمر الضارب إلى الصفرة غالبا : كأن الشمس خلفه وقت الغروب ،يأتي من بين الرمال .. لكنها فقدت عينيها في السني الأخيرة ـ ياعيني ياصديقة ـ فاستحوذ على صفائح الدهن الحرّ ، ودنانير ( الصاحب ) الزرق ، وراتبها الذي تتقاضاه من آل طويق لمدة ثلا ثين عاما : ذلك الغريب الذي جاءت به والدتك من ( الصحن ) . هووهووه . وأمك ـ ما شاء الله ـ كانت ترتدي ثوبا"هاشميا"وجرغدا" أسود : الوشم من السرّة إلى ... ومن أسفل الحنك : نجمة وهلال نجمة وهلال ؛ أبوك غاب إلى الأبد مثل سراب ـ لا تزعل . كان في البداية تاجر شاي وسكر وقهوة يذهب ببضاعته إلى البدو ليبيعها هناك في عمق الصحراء ،ثم يعود بصفائح السمن الحرّ ـ انهدم حيلي يا عباس : اختفى كأن الأرض انشقت وابتلعته في ليلة معتمة ؛ لم يقتله قاطع طريق ، ولم تلدغه عقرب ، ولم يأكله غول ،ولم يخطفه غراب لأن عهدها قد ولّى , ولا سقط في بئر مهجورة , ولم تأخذه صيحة ؛( واعليه ) عليه أختفى ، ( واعليه ) عليك : كنت أعلم بأنك كنت الأول في المدرسة ، وحيده في هذه الرحلة ، وأنت تتقلب في تلك الجرادة الحديد الكبيرة : بررررربررررر يحمل أبوك تنك السمن الحر إلى آل طويق .. كل عام ، ولأنك كنت الأول على جماعتك دائما" ؛ آثر أبوك أن يذهب إلى الصحراء ـ آخر الدنيا ـ لكي يأتي لك بالدفاتر والكتب والأقلام والأحذية الجديدة و لكي تبدو مثل أبناء الكبار ـ والكبير هو الله . أما عندما تعلقت بتلك النصرانية فقد غسل يده منك إلى المرفق ، وقال لأمك : أصبح ولدي داكيريا في امان الله ؛ وغاب في وهدة من الزمن ، وبقيت أمك في الانتظار المرّ مثل هذه الظهيرة القائظة ؛ لعله يظهر من طرف الصحراء في هذه الساعة أو تلك : سنين وسنين ، والزمان أعجب ما يكون بيننا ، حتى ذهبت بعد سبع سنوات فوضعت على رأسها الحناء وتزينت وهي تمضغ ( الديرم ) وقد تجوزت الخمسين ن وبعد ان تيقّنت تماما : أن لا ظهور له .تعرّفت وهي وسط نساء ( الصحن الكبير ) على السيد سعيد المزورجي . وتاكّدت : أن ليس ثمة أمل لها فيك ، ولا في أبيك ، وقد شاب شعرها كلّه .

ـ كنت قد أسهمت في عذابها .

ـ إي إي .

وخاصة بعد أن عاشرت ذلك الصباح أبن المعيدية ، وأصبحت لا ترى إلا معه كأنه ظلك ؛ قررت أن تتزوج من السيد سعيد أخيرا ( بالمتعة ) ، فقد كانت لا ترغب إلا في ستر نفسها ،أجل ، و كانت ترغب في ( إهانتك ) أيضا ، حقها، فكل شيء أصبح للسيد سعيد، وهو الوحيد الذي كان يستطيع أن يفسّر لها أحلامها منذ ان انتحى بها جانبا في الصحن الكبير: ذات مرة تكرر حلم لأمك مرات ومرات حكته لي على الرغم من أنها لم تكن تحكي أحلامها لأحد أبدا : كانت ترى بأن ولدها الوحيد يهوي في أرض لا قرار لها ، عميقة ، وهي تصرخ : ولدي ولدي ، وهو يهوي قريبا منها ؛ قال لها السيد سعيد : أغسلي يدك منه ، راح راح ، فتزوجته بسبب ذلك الحلم فقط . ماذا تريد أن تعرف اكثر من هذا ؟ بماذا تريد أن تملأ هذا القحف العنيد ؟

الأيام طنازة ، والفراق كبير . المهم : أكلم الغراب الكبير ، أو أكلم الغراب الصغير ، أيام غارقة في الغور ، د..رح !، جئت في وقت متأخر ، ( مسودن ) ، ( صفره ) ، على بالك أيام أول ، د..طر ! ، xxxx ، ديوث ، أنجب ، لا تراددني طرن ، والدكة الترابية هذه التي تجلس عليها ابتعد عنها الآن ، لم تعد لك ؟ هم مسودن مثل خالك ؟ هذه الارض ـ والعياذ بالله ـ كلّها من الرأس للأساس مسودنه وانا لا استغرب ذلك أبدا : وهذه الأرض مسكونة ، عجيبة ، تدري أو لا تدري ، ( قاع قريش ) ، هي ، وهذه الدكة كانت كثيبا من رمل مات عليه جمع من ( الصحابة ) أنا رأيتهم : يتقاتلون بالسيوف والدماء تشخر من أجسادهم ، هووووووو ، هنا ، في هذه الغبرة من الأرض ، و الدم ملأ ظهري ؛ يقطر على الارض فيكون دملا وطاعونا وضفادع سود تأتي من السماء ؛ عجوز تختزن كل هذا القدر من الدماء عجب آخر، أووووي! ، كلها طنازة في طنازة ،بعدين ؛ رششت الماء مائتي عام فأصبح الكثيب دكة للجلوس ، هنا ، أجلس أجلس ,الله ،دشت دشت( 35 ): عريضة وفارهة ومرشوشة بماء الورد ، مربعة عصاري ، للسوالف التي لم تحدث قط وللحكايا الطنازة ؛ أنا رأيت ما كان وما حدث ؛ الله ، و ( ذاري ) ، الجد الكبير ، هو الذي رأى كل شيء : و ( الصحابة ) ، وهم يتقاتلون ، والدماء تشخر منهم ، رآها ، و الغربان التي كفت عن الحضور منذ أن أصبح قصر الأبراهيمي بن ذاري يسكنه الجن واللصوص والغرباء الآتون من الصحراء . حسنا لم يعد ثمة ما يسرق منه على أية حال في هذه المدة الاخيرة من قروني .

ـ وما سرّ هذه الاسلحة ؟

اما هذه الأسلحة التي تراها ـ الله يكرّم ! ـ فهي مجرد خردة من الماضي ، لكني لا اظهرها إلا لمن كان من دمي ولحمي وظهري ونسلي ؛ وأنت يا عباس أول من أظهرها لـه من غير دمي ولحمي ونسلي ،أنت لست مني !، يوووه لماذا اخبرك بذلك الآن ؟ : وأنت يا عباس من دم ولحم ونسل آخرين . فهل تستطيع انت تنكر ذلك أيها الولد العاق ؟ ما كان وما سيكون هو عجب بالنسبة لك ، وليس لنا ، نحن المولودون قبل الف عام .

ـ أنا ولدت قبل الف عام ايضا .

ـ واهم كبير من قال لك ذلك .

لكن الامر كله كان خدعة لنا جميعا أيضا ، و دون أن يعرف أيا منا إلام تؤول هذه الخدعة في النهاية ؟ لا تشغل بالك بما سيكون ، وسوف تنجو ـ صدقني أنا التي عرفت ألف عام ـ من نفسك ، ومن ( العالم ) : ( العالم ) بيت بلاء ، وبيت هوسه ، طناطله , هل تفهم ؟ أين أصحاب القلاع الحصينة والأسوار المنيعة ؟ يحسبون أن أسوارهم مانعتهم مما سيكون حتما . وأين أصحاب الخيول المسومة ؟ أولئك الذين يقفون في بدايات الموت ، والصدامات ؟ وأين هم الأنبياء والشهداء والصالحين ؟ وأين الطغاة والمارقين والقتلة ؟ بقوة الله زال كل شيء .. مثل رمال هاربة في ليلة عاصف : هباء ما كان وهباء ما يكون ..( نفّاش بر ) وبقوته سيحال العالم الشاغل لكم إلى فناء يوما ما ، الذاهبون دائما اكثر العارفين ، والغائبون الذين رأوا كل شيء وحدهم ؛ بقوا غائبين عنا ؛ فافهم الحكمة من كلّ ذلك ؛ أم إنك تظن أن هذه ( الطرطرة ) لا نهاية لها ؟ وهذه الغبرة دائمة ؟ واهم صغير أنت أيها ( المطيور ) , و لا قبّة لك . كلنا واهمون في الحقيقة إذا ما اردتها كاملة ؛ ولا فرق كبيرا بين الآتين والذاهبين ، والأولين والآخرين : خرائب وعجائب . لماذا أتيت أيها الطيار الغرّ إلى هنا ؟ ها ؟ من أجل ان تعرف أي شيء ؟ : خرائب يد عابثة حكيمة أحيانا . هل أنت متأكّد من رغبتك في محادثتي بعد كل ما كان بيننا ؟ يالك من كبش ( فاتحة ) . أي ي ي ي ي . أذهب . دعني . لم أحادث أحدا منذ قرون على أية حال هنا . تعال تعال .

هذه قلعة الأبراهيمي ، تراها ،هه ، تحولت إلى مأوى لمهربي السلاح والحشيش ، والعرقجية ؛ يأتون ليلا مثل السحالي الزاحفة ، زرافات ووحدانا ، لا يلقون بالتحية علي كما كانو يفعلون في القرون الاولى ؛ كأنهم لا يعرفونني في هذه الايام السود : أن لا سلطة لي عليهم ، فمن يستمع على جدة مهووسة ، أنا الجدة معتوقة بنت ذاري الكبير . فأجلس القرفصاء ، هنا ـ لا تسل عن كل الأيام السود منذ البداية ـ وهم يدخلون ، وهم يخرجون ، الاخيرون وحدهم ، حارشوني منذ البداية ، نكحوني الواحد بعد الآخر ن وما قالوا عجوزا لا تحتمل : أردت الموت ، فلم أشهد أبشع منكم منذ ألف عام او يزيد .

وبعد ان هرمت ، جلست ، كما ترى ، ولن أخفي عنك ـ ياولدي ـ بأن بعضهم كان يضاجعني ، وسطهم وهو يقهقه ؛ يجوز أو لا يجوز نكح العجوز !؟! وكنت أتقبل ، أتقبل ذلك ، ولا حيلة لي ؛ لأن المضاجعة في كل عصر هي المضاجعة طبعا : هل سألت نفسك لم كان النسل مع المضاجعة يا عباس ؟ ولأني لا حيلة لي ، كنت أستمتع بالعالم هذا بكل أشكاله و ألوانه ، ولأني أريد أن أرى نهاية كل هذا الشعث الغريب والمفجع ؛ ما علينا ، خو ، ما ضجت ؛ ومرة واحدة حبلت من أحدهم ، كانوا يظنون بأني لن أحبل منهم ، جهلة بي ، دعهم ، فولدت بعد تسعة أشهر كاملة : وزغة كبيرة ، مثل تمساح ، هاهي تقف بلقرب منك . لا تحارشها فهي تنظر لك الآن ، إنها شرسة وأبنة زنا كما تعلم، وفي أحدى غرف القصر ترقب وتسمع وترى كل شيء ، جدتك زانية ـ يا عباس ـ وتحبل وتلد في آخر زمانها يا أبو المرؤة شفت .

ما علينا . هل تعشيت ؟ انت لاتعرف الليل من النهار مثلي . في سرداب البئر ، هناك ، تجد خبزا متيبسا وتمرا زهديا يتعطف به علي المارة وعابري السبيل ، منذ قرون ، هييهيي! ، يا الله ، مهظوم مطرود غريب ، مثلي ، أنت . ليس لك ( رديف ) في الحرب ، فلكل فارس من البدو ( رديف ) خلفه يحميه ويذبّ عنه ، وليس شرطا ان يكون من عشيرته ، وأنت يا عبس لا ( رديف ) لك أبدا ، مثل كل أفراد أسرتك الذين تنسب غليهم لا ( رديف ) لهم ؛ وتظن بان ظهرك محمي دائما . ما أضعف عقلك . إنها حرب حرب ، هل تفهم ؟ أبوك أيضا لا ( رديف ) لـه ياعيني ( ربية ) ولا جاء ولا ظهر من وسط الرمال البعيدة ، أبدا ؛ جميعنا : في الرمال ، و لا أحد لنا في هذه الوهدة ، لودققت في الامر جيدا . المهم . ماذا تريد مني أيها الطيار البهلوان في هذه الزيارة ؟ ولماذا انت ساكت ؟ هل فقدت لسانك في الصحراء ؟ يا لعذابي بصمتكم : كل سكتة وراءها مصيبة . ولكن ، ومن أجل ان تعرف ما جرى وما سيجري لنا ، لا بد لك من وقفة : قف هنا معي ، عفيه ، وتعلم مني ، وتذكر في الأقل صفائح السمن الحر التي كان يرسلها أبوك لآل طويق ، يا لك من ولد ضعيف الذاكرة ( دهن البدو ذو الرائحة شبه العفنة ) ويقولون عنك شاطر في المدرسة ؛ أنت طرن ابن طرن . القنادر المزيطة ، ودنانير ( الصاحب ) كلها ، لم تصنع منك رجلا حقيقيا ، أنت من ( نفّاش برمتطاير ) . والأولاد الذين حلم بهم أبوك ، وظنّ أنهم سيكونوا من ظهره لم يثمروا إلا عنك ، وحدك ، يالفجيعته بك ، ويا لفجيعتنا جميعا. أما من أسرّ في أذنه بأنه عقيم ؛ فهذا لن يعرفه أحد من المخلوقين الأنس قط . وأنت يا عباس لست ( بيضة عقر ) مطلقا ؟ هذا ما أعرفه الآن في الاقل ، ولن أقول أكثر من ذلك لكي لا أعكّر مزاجك ، مزاجك برتقالي ، مو ؟ ، وان أفلت لساني أكثر من هذا ، فأنت خارج من الصحراء توا ، وأخشى أن تعرف كلّ ماكان فتقع في هاوية لا قرار لـها : هج هج الزلمة أبوك هج من زمان . و انظر إلى نفسك في المرآة من تشبه من آل طويق ؟ هج هج ! . هسّ يا لساني الفلات . ناحوم الأعرج ؟ كلّما رآني ضحك ضحكة صفراء ؛ فهو يعلم جيدا بأني أعرف كلّ شيء . هل تظن بأنهم بعثوا بك إلى إخر الدنيا سواد عين خادمتهم ؟ يا لك من أبله .

ـ أنت معتوهة يا جدة . ماذا تقولين ؟!

ـ لست جدتك ! تأدّب الآن . أنا لا أعرفك : إبن صديقة .

رأتك أمك وانت تتقلب في تلك الطائرة الورواريه في عيد الجيش ، فطارت من الفرح ، زغردت ، حتى ظن الناس بأنها ممسوسة . دعها تنام في تربتها مستريحة الآن . سيأتون في الليل حتما ؛ متشحين بالسواد ، راكبين على الجمال والخيول ، متلفعين بالخرق البالية العفنة ، ترتسم على وجوههم القسوة والعناد . وأنت هل أتيت كي تراهم يا عباس ؟ المسافات المغبرة والريح العابثة ، أعرفهم ،الباحثون عن كنوز الأبراهيمي : لا كنوز لا كنوز ! وأنت هل أتيت من الطريق نفسها ؟ الجامح من الخيول التي لا تعرف الهدأة . هناك . الموت هو الحكم . لو علمت . ولكنك ، لا تؤمن به أيضا . وهذه ام مصائبك . صفّرنا . ولم يعد ثمة ما يستحق الحمل من قصر الابراهيمي بعد ذلك ، أليس كذلك ؟ . وها انت ما زلت تركض وتركض ، وتركض و خلفك بنتان تائهتان غريبتان ، الا تراهما ايها الطيار هذه الايام ؟ أنا رايتهما تلحقان بك وتلحق بهما .

ـ ما سرّهما يا جدة .

ـ ليتني كنت أعرف ..

الريح هي الريح ، والعمى هو العمى ، والعالم غير ما ترى .. من يستطيع ان يفتح عينيه في العاصفة ؟ أنت تريد ذلك . يا لك من مخبول . الذاهبون والآتون والذين يجلسون على دكة الأنتظار : كلهم واهمون . آت آت . الدروب زائلة معوجة؛ والدروب التي يظن أصحابها بأنها ( سلايمية ) هي متعرجة أيضا . لا شيء عدل أبدا ، ولا أحد يعرف ما يكون غيري : ذئاب برية ، وحسب . ووووووو ! . النصرانية خرج منها النغل ذو الأست النحاس ( ابو عشرة فلوس ) : يجلس فتدور عيناه في كل الإتجاهات : فرحت به . وعندما سألها القس أرميا من يكون أباه ؟ سكتت . منها جاء الطمث على ثوبي هذا : أنظر . وووو . وووو ! . هربت . يداك ملوثتان بالدم أيضا . قتلته ؟ . أجل : انت قتلته ، وأنا أشهد بذلك . لكنه لم يمت . أظفارك ، تأملها : دم أسود قديم : دم حيض منذ قرون .. يووه رطينة .. وما اتعضت ولا لنت يا عباس ، ولا استحييت من نفسك في الأقل ؛ لأنك بلا قبّة فوق راسك . يالك من ( مطيرجي ) ، يووه . العمى دائما ؛ حتى ترى حتى ترى . . هل ما زلت تأكل بيدك أم ان آل طويق علّموك الأكل بالملاعق والسكاكين ؟ المهم . ما ستراه عباس . نغل مارلين .

ـ هل تشتمينني الآن ؟ لم أعد أفهم . . أي طفل ولدته مارلين وانا في الصحراء ؟

ـ طفلك .

ـ أنت كاذبة ، ولا تريدين إلا تشويشي ..

ـ كلا .

ـ ما الذي يمكن ان أسمعه أكثر من هذا ؟

ـ ستخبرنا ..

ـ لست إلا إبنا وحيدا للنجدي ، وصديقة الخادمة في بيت اليهود . ماذا حدث أكثر من ذلك ؟

ـ ألم أقل لك إنك لا تعرف من الامور إلا ذيولها يا ابن الخبازة .

ول ول . اللعب المريضة . جميعا ، تشربون من بئر واحدة مهجورة . مالحة . الماء غور . والريح بحر . وأنت ، هناك ، وحدك ، تصرخ ، وما من مجيب ، ملعنة دائمة . آلهي سيدي مولاي : لا تضع عنهم أثقالهم في الدنيا أبدا . صديقة ماتت قهر : و لا ركائب آتية من الصحراء ، ولا طائرة في السماء . قهر قهر .أشتكت منك حتى الخيول الهاربة على طول النهر الميت ، وقالت : ولد مطيور . والنصرانية تضحك منك . لم أرها . تلك . العاهر . أنا تعبت وصديقة ـ يما آآآ ـ عمت . عمت عيني عليها ما أكلت شيء .. كانت تتقيأ كبدها في الايام الاخيرة . أنت لم ترها . هكذا رحلت عني . كانت هنا معي ، في هذا القصر العتيق بعد ان هجرها السيد سعيد ، واشاع عنها : موبؤة . وكان قد تركها بعد ان حذر آل طويق أيضا . لم يكن بها أي ورض معد . لا ، مو ،سل . لا ، مو ، سل .. قهر أسود .

ـ سأذهب إلى الخال حسين .

ـ خال الخلخلك وصواب الكحلبك ! هل جئت كلّ هذه المسافة لتقول لي ذلك ؟

( خاوجي ) آخر . دعي . خالك ، هذا . بس أعرف أين . طحل ! . مدّ يده إلى السماء في ظهيرة من آب ، وصاح بأعلى صوته : رأيته رأيته . ولم ير إلا صوت ( العباس ) في رأسه . ثم صعد يؤذن في الناس ضحى . ممسوس آخر . بررره ! . ولكن النساء هن اللواتي رفعن نجمه بين الناس ، فجئن يتبركن به ، ويطلبن ( المراد ) منه . وهو لم يمتنع ، واستمرأ عمله ، وظن بأنه ولي حقا ، وما هو بولي ، وما هو بصالح . وعندما حبلت بنت المختار بدعوة منه ، ركض الرجال والنساء للتبرك به . سبحان الله . مزقوا ثيابه فأخذ كل واحد قطعة حتى تركوه شبه عار . وعندما كان يؤذن تبدأ النساء بالصراخ والرجال بالنحيب والعويل حتى بطلت صلاتهم ، وعمّ اللغط بينهم ، عندئذ قال السيد سعيد : أحدث المؤذن بيننا فتنة . ولا بدّ من فعل شيء . هذا ضدّ الدين . قال :

ـ ماذا تريدون أن تفعلوا بي ؟ ما أنا إلا مؤذن لا حول له ولا قوة .

قال السيد سعيد مع جمع من المعمّمين :

ـ أيها المؤذن أحدثت فتنة بيننا . والناس لا تكفّ عن ترديد حكاياتك . ووجب عليك النفي أو التعزير .

ـ وماذا تريدونني أن افعل ؟

ـ أن تكذّب كل ما قلته للناس ، وأن تكفّ عن ذلك نهائيا .

ـ وإن لم أفعل ذلك ؟

ـ أخرج من هذه الارض . أو عليك التعزير .

فذهب يتامل أرض عويتي النجدي من جديد بعد أن اختار النفي . .























































في اليوم العاشر من محرم ، أركبوا الخال حسين فرسا بيضاء ، وألبسوه عمة خضراء ودشداشة مبقّعة بدم ( ضاربي القامات ) ثم ساروا به في الشوارع المكتظة بالناس على الجانبين ، الأسير المريض ،تطوّقه السلاسل السلاسل الحديد ويحيط به والجند الأموي المتشح بالثياب الحمر البراقة . وجمع الهاشميات خلفه : وأماماه وسيداه واحسيناه . يوووه . خالك .حصان بري جامح آخر . مدّ يده إلى السماء في ظهيرة رطبة وقال : خذني خذني . وحينما صعد يؤذن في الناس ، كان ما يزال مادا يده .. وساعة هجم عليه ( اليزيديون ) مرة أخرى ، كانت الدنيا من غبار أهوج ، في تلك الظهيرة . صرخت النساء : يبوووو . وصرخ هو : آآآآآآآآآآآآآ . لا أحد مثله ، ولا أحد أنقذه . كانوا حاملين سيوفهم وبلطاتهم ويركبون خيولهم وجمالهم وبغالهم . وفي يوم ( الدفنة ) كان الخال حسين وقف مطأطيء الراس ، حزينا ، خائر القوى ن أصفر الوجه بعد أن طلي بالكركم ، حتى ظن الناس بأن ( السجّاد ) كان فيه حقيقة . . تحيط به الفوانيس واللوكسات والعيون في صحراء ( الدفنة ) ، وصوت ( العباس ) لما يزل في رأسه . وحينما أنتهى الجمع من دفن الحسي المظلوم في غاظرية كربلاء من جديد ، صاح السرفندي باعلى صوته : رأيته رأيته . وما رأى إلا نفسه ، وما أتعب إلا إياها . فصرخ الجمع الحاضر : الله أكبر ! .

يأتي في آخر الزمان . كلنا نراه يبطل كلّ شيء في السماء والأرض : يحقّ الحقّ ويزهق الباطل ، وتقتله إمرأة يهودية .. ولا أحد مثله . يخرج في يوم جمعة من سردابه ، ويفتح للعالمين بابه ، الله ، البيارق الخضر والأعلام السود ، وانا جدتك معتوقة معك ، وأنت معي وامك معنا ، والدنيا كلّها تصيح : يا حسين . كلنا ( نرجع ) في يوم واحد بأذن الله ولا احد مثلنا أيضا . عجب . الأرض خلاء والسماء خواء . والدنيا غير الدنيا . والناس نيام . لم يعد ثمة ما تبحث عنه جدتك مذ ان كانت في آخر ( دفنة ) حضرتها معك، وآخر طين خاوة وضعته على رأسها ورأسك ورأس امك . غبت .

ـ أنت الأخرى أيضا ؟

ـ أنا الأخرى .

ـ أين ؟

ـ في جوف الأرض دائما .

ـ لكني أراك الآن .

ـ أنت واهم دائما يا عبوسي .

صراخ وعويل من جديد . تتقدم الجموع ( سفينة النجاة ) المضاءة بالشموع النجفية وأغصان الياس الفواح . لم أبحث عن أحد بعد صديقة يا عيني . يأتي الموكب مخترقا منطقة البلدية ، ومارا بالقرب من ( المتصرفية ) على طول النهر حيث يبدأ الضرب بالقامات على نحو أقوى قبالة بناية ( المتصرفية ) تماما فتسيل الدماء وتصرخ النساء : وأماماه وا سيداه وا مولاه واحسيناه واعباساه حو حو حو ! وبوق أهل القامات يصرخ بصوته الأبح المخيف الذي يعلن عن خروج الموكب : طو طو ، طو طو ، طو طو ! أريد أن أنام الآن . نم أنت . الطعام ليس مهما . منذ قرون لم أذق طعاما .. الأكل أبغضه لأنه من البطر الذي تعلّمه بني آدم في آخر الزمان .

أنا ، خرجت من دار السيد ، دارنا ، ودار أبي وأمي ، لا أحد لي ، لا ناصر ولا معين ،
وحدي ، حيرة ، وكان خالي مجرد صائد طيور ، ولا نسب لـه في ( الهواشم ) ، الناس ممن تعلّقوا به كانوا قد أشاعوا ذلك : دشداشة بيضاء ، وزيق مفتوح ، وصدر عار تكسوه غابة من الشعر الابيض الكثيف . كانت بطنه تتقلّص على نحو غريب وهو ينطق ب ( الله أكبر ) ما أنا إلا مؤذن فقير لا شان لي بالناس وبكم . وحينما تأتي فطم زوجة الأبهق بطعام لي ، كانت تريد مقابلة السيد سعيد دائما ، كانت تعطف علي ، وتتصدّق علي بالدشداشة والنعال ، لأني مهبول بنظرها و كما كانت تناديني غالبا ، تعرفها ، تلك : تطرق شباك الحسينية ثلاث طرقات متتاليات : طقطق طقطق طقطق ، فيقول السيد : منو ؟ ، فتجيب بصوت خافت : أنا فاطمة! . ثم يفتح السيد سعيد شباك الخشب فتدخل منه فطم مثل دبة واضعة قدمها إلى الداخل ، وتقول : أسحبني . كان السيد يسحبها متلفتا . . أنا لم أر ماذا يحدث في الداخل ـ ولا اتهم حظي وبختي ـ لكني كنت أنصت بين وقت وآخر إلى نحيب متواصل يشبه النشيج احيانا .. ثم ينقطع فجأة ، و يعاود ثانية . هل كانت فطم تبكي ؟ هل كانت تتطبب ؟ أم إن صوت السيد قد تبدّل ؟ يختلط الصوتان حتى يصعب الفصل بينهما . الله أعلم . وعندما سألت السيد من باب الفضول عن ذلك الامر ، نهرني وقال : مو شغلك ، أنت خليك في آذانك وبس ، أفتهمت ! . ولم أفهم . نحيب نحيب عبالك ملحمة في عاشوراء . ولا سرّ في ذلك . فقد كان الناس جميعا يعلمون بمجيء فطم إلى السيد ليلا أو في أوقات الظهيرة . ولم يسأله أحد عن ذلك قط ؛ حتى قال هو نفسه : بأنه كان يعالج جنا فيها ، يأتيها في كل وقت ، ولم يخرج ذلك الجن منها سنين ..

وما انا إلا صائد طيور برية . طيور ماء سود ، تأتي في موسم معين من السنة . ولم أر إلا ما رأ يت ، ولم أسمع إلا ما سمعت . ولم أكذب في حياتي قط . ولست وليا ولا من الصالحين . أعوذ بالله من الإدعاء . أكتم ما كان ، دائما . ولم يمسني جن أو لي ( شريكة ) كما أشاع عني ذلك السيد سعيد . وحينما امر جن فطم ان يحلّ بي .. قبلت . ولم يحلّ بي شيء منه قط . ولم أعاشر طنطل . طرون . كلّ اولئك الذين أشاعوا عني ذلك. قالوا وقالوا ، والأقوال لا ضريبة عليها ولا مكوس . بثور على الوجه : بقايا جدري .جلد من غبار متطاير . غبار من جلد على وجوههم . جميعا . يمكن ان نكتشف ذلك في النهارات الصيفية اكثر . وحينما أنصب الشباك في الليل حتى الصباح الباكر في بستان عويتي يضحكون مني ؛ إذ كيف يستدعي الطير ، ويعمل على اصطيادها ؟! ولم تأتني الطير سراعا بنفسها إلا مرات قليلة ، ترفرف حولي ، وأنا جالس أسبّح الألف العاشر : لا إله إلا الله : حمائم غريبة لم يرها احد في أرض عويتي لامن قبل ولا من بعد . ولا أتذكر حقيقة بم ناديتها ، لكني رطنت بالسريانية : آلوهي لم شبقتني ( 36 ) ؟ ، وما أنا بساحر أو مسكون ، أو عرّاف . مسيكين من أهل القبلة . يرى الناس فيّ ما لا يراه في نفسه غالبا . وحيد ، ولا أحد لي ولا ( ماحود ) ألقي ( بسليتي ) في شطّ العرب في فصل الشتاء فتأتني برزقي من الله وحده ؛ حتى نادى المنادي : ان مولاك الحسين أشتاق إليك كثيرا! ، وأنا كنت أراه في نومي مخضبا بدمه من الوريد إلى الوريد ، حاملا الرضيع ،على أرض كربلاء ، يا بووووويا ! ها أنذا قادم ياسيدي ومولاي . حاضر . فأذهب مشيا من الهور إلى القباب المذهبة . هناك . أزحف زحفا كسحلية حال رؤية الفضاء المقدّس من بعيد . والناس تتصارخ : مكتوف مكتوف ! وما انا بمكتوف ولا مجذوب ولا مسكون ، لكني محب .

وعندما كنت أغيب عن الوعي أياما طويلة وسط الصحن العلوي ، لم يسألني أحد عما رأيت وعما كشف لي : كنت أسمع آذان الفوق ، وأصلّي صلاتي المفروضة ؛ كذب من قال غير ذلك .. وبعد أن أستيقظ أجد أمك تبكي عند رأسي وسيد سعيد يهدهدها : هذا الاخ ( الشفية ) سيموت يوما ما بخبالاته . ليته كان اخا لك حقيقة , لكنه أخ في الرضاعة. ولا أعرف حتى هذه الساعة أين رضعتما ؟! قال : أنا وامك رضعنا من نور واحد . ظللنا ؛ فكنا إخوة ، ونودي في العلى : أن صديقة ( شدد الدال هنا ) و حسين أخوان في الله . ومذ كنت يا عباس في ( النقرة ) وهي لا تكفّ عن البكاء حتى عميت ، المسيكينة ، و انت عباس الطيار البهلوان ( بالنقرة ) ، وأنا أبكي عليك ليل نهار معها . هور العاصي ماؤه مني .. والطيور حواصلهن دمعي . والسمك كلّه مني ، والنبات . . أنا دمعتي حسينية ساكبة غطت السماء والأرض والكائنات كلّها . ماذا حدث لنا ؟ . ماذا فعلنا ؟ . أووووه . قال لي السيد سعيد : أنت أيضا أيها ( المعيدي ) تريد أن تعرف ما الذي حدث لنا أيها المخبول رسمي ؟ والله زمن ، والله حالة . أين المتصرّف من مثل هؤلاء الأدعياء ؟ قم !

وما أنا إلا مؤذن لي صوت ياتي بالتائه ـ كما يقال ـ قبل أن يأتي السيد سعيد بهذه ( السمّاعات ) التي أفقدتني مكانتي عنده وعند الناس : تقف أمام كرة حجرية مثل صخرة حمام سوداء ، فيسمع صوتك حتى آخر الدنيا : يا لملاعيب الأنكريز التي لا تنتهي ؟ عجائب . لماذا يكره عباس الأنكريز وهم من علّمه الطيران بجرادة الفافون السوداء تلك ؟ هذا ما لم أفهمه قط ، ولم يعلمني السيد سعيد سرّ ذلك ، على الرغم من إني قد أتقنت بقوة ـ الله ـ لغة الطير جميعا .. وقال السيد سعيد :

ـ أبن القندرة ! ، تريد ان تبث الإشاعات ضد الحكومة من حسينيتي هذه المرة ؟

ـ والعباس ، سيد ، أنا شنو والحكومة شنو ؟

ـ إبن الخرء ! ، كل يوم لك طنطنة ، والناس ماذا تقول ؟ الحكومة عندما تسمع بك ماذا ستفعل بي ؟

ـ هم الحكومة ؟! هل تتدخل الحكومة في ما أرى أيضا ؟

ـ لا يا مطي ، بابا الحكومة تتدخل حتى في عدد شعرات استك!

ـ اوهو ، عن الغلط ..

ـ الصحيح : أن تسكت عن كل الذي تراه ، والذي لم تره .. ماذا تريد ؟

ـ أشتر لي نعال اسفنج .. من شارع الكويت .

ـ بس ؟ بسيطة , في العيد ، ولكن أسكت الآن .

ـ يا عيد ؟ هل أبقى حافيا إلى العيد؟

ـ زين . بس أسكت ، ها ؟ هاي شلون طلابة صديقة خانم !

ـ سكتنا سكتنا .

و لكني لم أسكت . ذات مرة : رأيت فطم نائمة فوقي ، وانا في أشد حالات غيبوبتي.. تعجّبت : كانت تريد لجنّها أن يحلّ بي ، وتلك أوامر السيد سعيد . وعندما سألتها : لماذا تفعلين ذلك بي ؟ قالت : أعلمك أعلمك ! كانت تظن بأني ( عنين ) . مصبية هؤلاء الناس . عجبة . في كل زمان لهن رغبة وهبة وسالفة . لكني ، انا ، وحدي ، سالفتي سالفة !

السدارة الزرقاء ـ سدارة غازي ـ والنجمة المذهبة التي صاغها لي آل طويق ، والبزة العسكرية الخاصة بالطيارين ، عجبة كل ذلك ، وامي التي لم تسعها أرض ولا سماء ولا دنيا ـ هي الوحيدة التي عاشت عمرا واحدا فقط ـ وكانها في كل يوم تربح ( يا نصيب أبو الألف دينار ) كان كل ذلك غريبا ولم يألفه أحد منا ؟ ويوم جاء( الأنضباط العسكري ) وطوق البيت ، شاهرين رشاشاتهم ، خرج السيد سعيد بدشداشته قائلا : شكو شكو ؟ أصبح كل ما كان رملا لا نهاية له أمامي . قال : وأمك أصبحت ذاوية كليمونة قديمة . فقد كنت كل عمرها ، وحيلتها في هذا العالم الفاني سريعا ؛ فهي لم تتعلم البقاء طويلا ؛ وتلك مشكلتها الكبرى.. كنت يا عباس مرادها ، وسلوتها في عقود أنفقتها في خدمة آل طويق بكل أمانة وحرص ، حتى عدّوها واحدة منهم . رمل صيفي حار . وأقدام عارية متشققة . نحن . ( مقندل ) وتغني (الجندول ) أو ( عليمن يا قلب تعتب عليمن ) لزهور ؛ تلك تكررها كل يوم ؛ ويوم جاءوا بالكرامفون في مقهى ( أبو دميعة ) حفظت كل ذلك .. يا لها من حياة . والسيد سعيد ذهب إلى المقهى ـ ذات يوم ـ وكاد ان يكسر الكرامفون بعصاه لولا أن أخذ علي ميثاقا غليظا ألا أذهب إلى تلك المقهى ثانية حيث يدور فيها صوت الشيطان .. لكني بقيت أذهب إلى المقهى سرا , فأسمع ما يقال من أغاني ، وما يتداوله الناس من أخبار، وأضحك في سرّي من ولعهم بالدنيا وتهافتهم عليها ، فبعد المائة ـ لو يدركون ـ سيتحول العالم إلى خرابيط ، وعندما عرفت بأن عباس من جماعة الداكيريين، عرفت بانك مثل امك في حظ عاثر واحد ،وعمر شارف على النهاية مهما طال . وكل آل طويق من عمر واحد كذلك .

راهنت عليك بنصف عمري . الولد الاعجوبة . أن يكون لي إبن أخت في السماء فهذه نكتة الدنيا ، أنكتت مرة واحدة ، ولن تتكرر بعد ذلك ؛ وهذا ما أكتشفته صديقة في عمرها الواحد المؤلم ، فذلك ما لا يمكن أن يكون حتى في الأحلام صديقة . وماذا تفعل الآن في الصحراء غير الأنتظار المرير ؟

دنيا ليل . عواصف رمل قاتلة . مريض انا كنت أيضا ؛ وأمراضي كل خمسين عاما . . خالك لا يراك لا يراك ، وهو الذي رأى ما كان وما سيكون . . ثم رأيتك ـ سبحان الله ـ في كل مرة تاتيني من الصحراء اراك على نحو مختلف؛كانك سورة ماء في منامي . أبكي أبكي . والصندوق المنجم فارغ هناك ، وسيد سعيد يهددني بالطرد من الحسينية ؛ فارغ تماما : لا كتب مدرسية ، ولا سيوف ، ولا بنادق شوزن ، ولا حتى سكاكين معقوفة ( دجنات ) . فارغ فارغ . وفي جوف الليل اجلس وحيدا ابكي ، و صديقة تبكي معي كذلك . أصلي وأبكي مثل طفل . وجرذان النخل اولئك الرماديون ؛ الآتون من كل الامكنة ،الحنادس ، الغرباء ،عمّ يبحثون ؟ جاءوا إلى الزبير ، ورأوا كنوز الابراهيمي عند الجدة معتوقة, مشكلة ، جلدي من غبار فطار ؛ عليهم وأعمى بصيرتهم ، لم يروا ( الآلة العجيبة زمبور المصيبة ) . وسألوني الجرذان عن ماكنة تخرج الورق المطبوع ؛ وسألوا أمك ، وسألوا السيد سعيد الذي أعلن بأن لو رآها لحولها إلى مرجل نار على رأس كل من اتى بها . قالوا لي سوف نعلقك من قدميك ، وعلقوني ، ساعة او أكثر ؛ و كنت أؤذن فيهم طوال الوقت : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ،حتى غبت عن وعيي ، ولم أعد اذكر شيئا بعد ذلك ، من يوم الماكنة التي لم أرها إلا مرة واحدة في حياتي .

ـ ماذا فعلوا بك ؟

ـ لاشيء .

ـ وما هذه الجروح على ظهرك ؟

ـ جر وح .

ـ حتى أنت يا حسين المؤذن داكيري ؟

ـ حتى ، أنا !

ـ و هل أنت خائف ؟

ـ إي .

ـ وعباس ؟

ـ أخذوه .

ـ إلى أين ؟

ـ الله أعلم .

هل الماكنة من كنوز الابراهيمي الآن ؟ لالا . تدار باليد ام بالكهرباء ؟ لا أدري . عجيب : أن تكون ماكنة لها كل هذه الرنة والحنة . وسألوني عن أبيك : هل هو ( مصلوخي ) أم ( ذبّاب جرش ) معهم ؟ قلت : ( ذبّاب جرش ) . قالوا : وأنت ؟ قلت : لا عشيرة لي ، مقطّم ! . ولست إلا خاله في الرضاعة . صفعت . وقالوا : هل هناك عراقي بلا عشيرة ؟ أأنت عجمي ؟ قلت : لا . لكني من عشيرة ( بستان قريش ) فضحكوا و تركوني . ثمّ جاء بعد ذلك جرذا كبير مبلل دائما : أنا رأيته : سمين ، أحمر ، تركماني ؛ كان يسير مثل بطة تريد أن تبيض . كنا في موقف واحد : أكثر من عشرين ، وكنت أصلي بينهم ، الوحيد تقريبا ، وكانوا هم يقرأون أناشيد عن السجن والحرية والعالم ؛ وانا لم أسجن منذ عصر ( المهلب بن أبي صفره ) فقد ألقيت في جبّ الأمير ذات مرة . وقال شيخ الجرذان : هذا شنو ؟ قالوا لـه : (واحد داكيري ) قال : (داكيري) ويصلي ؟! وبعد يومين أخرجوني بعد ان كفلني السيد سعيد . وبكيت بباب السجن ؛ كأني أبكي لأول مرة في حياتي هذه ، لأن ( الداكيريين ) المنشدين كانوا هناك فقط ، ولا يبكون جيدا مثلما أبكي أنا أيضا . فلم أبك منذ ألف عام على الأقل .

ـ وهل كنت ممن عاشوا طويلا أيضا ؟

ـ أنا لم أكبر منذ ستمائة وخمسين عاما .

ـ كيف ؟؟ ما هذا الهراء ؟

ـ أسأل الحاج ( بكتاش ) ؟

ـ ومن يكون هذا ؟

ـ واحد .. في فتح السور البيزنطي .

ـ في فتح السور ؟!

ـ قل لمهرج السور العالي ان يسكت الآن ؟

ـ أسكت ..ولك ..

وقلت :لكنه زمن بعيد ياخال ؟

ـ البعيد هو إبليس .

ـ وهل تعرف صبا ح أيضا منذ ذلك الوقت ؟

ـ أعرفه : كان ( سلاح سز ) يعمل في مطبخ اليوزباشي : مهرج .

ـ كلنا كنا هناك إذن ؟!

ـ تقريبا ..

ـ ومارلين ؟

ـ أسيرة أرمنية .

ـ وأنت ؟

ـ سرفندي !

ـ وهنّ ؟

ـ بنتان يتبعهما جند كثيف ، قدنني إلى ( شق عثمان ) يوما .

ـ ونحن ؟

ـ غرباء غرباء غرباء .

ربما أخفى الأبراهيمي كنوزه في تابوت لا يرى من عهد موسى ، أو وضعها وديعة لدى ولي معروف من أولياء الله الصالحين . ولذلك فإن اولئك الملعونين من الباحثين عنها لن يجدوها ابدا . وعندما طردني السيد سعيد من الحسينية ، جئت إلى هنا ، إلى قصر الابراهيمي ، ورأيت الجدة معتوقة ، قالت :

ـ لم لا تتزوج وتكمل نصف دينك أيها المؤذن ؟

ـ وهل أتزوج ، وأنا في هذه السن ؟

ـ مازلت في قمة رجولتك يا مؤذن .

ـ لا .

ـ تزوج أبنتي هذه : خير وستر ..

كانت تقف عند الباب الخلفي من القلعة ، شابة يافعة ، في الرابعة عشرة من عمرها تضع خمارا ذهبيا على وجهها . قلت :

ـ من أبوها ؟

ـ إنها ابنتي ... ألا يكفيك ذلك ؟

ـ الأب ، مهم ، يا معتوقة .

ـ غير مهم الآن . أفهم .

ـ عجيب . وعندما يصبح لي أبناء : ماذا اقول لهم ؟ من هو جدّهم ؟

ـ لا شيء .. راقبها جيدا .. أنظر أيها المؤذن ما انت مقدم عليه . .

ـ لا لا.

ـ إذن أخرج من داري . . ماذا ترى ؟

ـ إننا نختلف منذ زمن سحيق ، أليس كذلك يا معتوقة ؟

وخرجت من القلعة . ودعتني ، فبان ذيلها الرمادي من تحت نفنوفها ملتويا يخطّ على التراب غريبا عجيبا ، والريح تعوي في الخرج وفي رأسي . والجدة تبكي دون أن تطلق صوتا غير فحيح غريب من آن لآخر . لن أخبر أحدا . وأغلقت باب القلعة خلفي بعنف . لم أسمع قوة ضربته منذ حصار الفرس الأخير . ومن الدريشة الجنوبية بقيت تراقب أيضا هي والجدة ، حتى لم أعد أسمع شيئا من كلامهما بعد ان جزت ( سور ذاري ) الشرقي . وشجرة سدر كبيرة تسير ورائي . والقلعة تبتعد . ولا احد الآن خلفي غير أخضرار وحيد . ثمّ ظهر الفجر بزقزقة عصافير مسبّحة صخابة ، مع صوت آذان يتردّد في رأسي وصحت في الصحراء: غرّي غيري غرّي غيري !. و كررت معه الآذان بصوت عال في الفضاء القريب . أبريق قديم من الصفر فقد مصبه .كنت أتوظأ به . ثمّ أصبح ماء الوضؤ هورا كبيرا ، خرجت منه بنتان صغيرتان غريبتان تقودانني من كلتا يدي ، أخيرا .

































































حبش الأبهق : هذا اللون لن أنساه : بثور الجدري القديمة التي تشبه حبيبات العدس السود ، والشعر الأشيب الذي بدت من خلاله آثار الأصابة بالثعلبة . المسخ المتورّم . كانت فطم تعدّ لنا شاي ( كوجرات ) وهي ترفل بثوب( مهير ) مشجّر رماني ، وتفوح منها رائحة دجاج مسلوق غالبا ؛ وتلك حالة لم أجدلها تفسيرا بعد ؟ ، كما إني لم أجرؤ على مساءلتها . جسد فطم البض أراه وسط قهقهات الأبهق البليدة ، وهو يشكو لي ظلم الدنيا ، وفداحة وقع العالم عليه في دار الاموال المجمدة القديم . أووف ! بيت يهود عتيق ، بيت مسكون ، هل يعمل اليهود في السحر أيضا ؟ يعملون في كل شيء , فلماذا يتركون السحر ؟ ؛ ولم أعد أرى إلا بعين واحدة ، مريضة ، هذه ,سحروني , والناس تركض وتركض على غير هدى ؛ كأنما وراءها الموت ، وانا واقف في مكاني : مثل ( شبّة فقر ) : أنا لا أخشى الموت ، صدّقني ؛ لكني أخشى التحول الذي سيكون ، وما بعده ؟ ، المهم بعدين بعدين شيصير ؟ . ورطة أبو العبس هاي الدنيا ، ولكن ان يكون الرجل بعين واحدة ، ولا يرى جيدا : يتحسّس تحسّس الطفل الرضيع : تحسّس مثلي ، تمام ، أبدأ : واحد أثنان ثلاثة هيييي. كان يرتّب المائدة على نحو يوحي بقدرة قديمة على الخدمة في البارات والملاهي . أم صباح : نور عيني ، حياتي : إذا صعدت على الخشبة ، وهزّت بطنها ، ينقلب العالم كلّه مرة واحدة ، ويصحو كل سكارى الملهى شبه النائمين . ولا احد أيضا . كنت أغسل ملابسها الداخلية ، أفففيييش ! ؛ ورد ؛ بنت القحبة ! ، حتى ( المتصرف ) خبلته ، لعبت برأسه : تهزّ هزا متواصلا، وهي في الأربعينيات من عمرها الحافل بالرجال ، والحفلات ، والإنغماس باللذائذ إلى الأذنين . كانت تتطوى مثل حية هندية مدرّبة . ولم يكن لديها إلا صبوح ، أي ، لا يابه لا ، مو ابنها ، ربّته ، وجدته على عتبة جامع في يوم ممطر : هذا كل ما في الامر ، كان الولد قد تعلّم النوم بجانبها حتى أصبح رجلا . وعندما استهجن صبري صندوق امين ذلك ، ضحكت وقالت : لا يحرم علي ّ! ، ففهم وأشاع فكرة تبنّيه .. كان صبري من عشّاقها القدماء ؛ لكنها لم تسرّ أحدا بذلك غير صندوق أمين البصرة :الله يخلي صبري علّمني ما ينبغي على الام أن تفعل . ورطة . ليلى تعرف نصف أهل ( بستان قريش ) : الملك ، رحمه الله ، هيء هيء هيء ، بعد روحي ، ها ، ددو ددو ، راح شاب ، طببباااااه , بالعمود مال الكهرباء ، ( وطنجي ) كان ، واعليه ، مو ، دعاها إلى بغداد ،ليالي ، أراد أن يرى الدح على أصوله . وداعتك ، كيفت ، كللللوش ، حفلة ملك ، مو شويه ، شنو ما شنو ؟ حلم علم؟ أبيض أبيض ، كان ، يبرق ، ويهز ، و يطططن ، طلب منها ان ترقص لـه وحده على دجلة ليلتها ؛ لبّت ليالى الدعوة, ورقصت عارية ـ ربي كما خلقتني ـ بحضور بعض السادة الوزراء ،مو هشكل ؟ إي إي ، فراهة أبو العبس : الملك سكران ، والوزراء يزوعون ،ويهزّون : ععععع!، هو ، وحده صبّوح , كان معها ، وحدي انا ، سبحان الله ، لم أشهد ردحا مثل ردحها , ولم ترقص في أي مكان مثل هذا الرقص الجنوني . وكان الملك ( مقندل ) والسادة الوزراء (يطوطحون ) ، وجيب ليل . لكنها ، رحمها الله في الصباح ـ وهذه بالشرف العزيز ـ كانت تغتسل ، وتتوظأ بأبريق بلا بلبولة ،ثمّ تتوجّه إلى القبلة في صلاة فجر خاشعة ، قلما رأيت لها مثيلا . مؤمنة كانت . ليالى ، تلك ، المعيدية ؛ لها ( طلعات ) لا يعرفها احد . كانت تاخذ ولدها صباح معها في كل سفراتها إلى بغداد ، لأعتقادها به .. خطية .. ماتت مرة واحدة ، وهذا يكفي الآن .

ـ هل ماتت أم صباح أيضا ؟

ـ أولم يخبروك ؟ نعله عليهم أنذال ..

ـ لا لا.

ـ المسكينة : أحرقت نفسها ، بالبنزين ، أهوووو ، نار وشرار ، حيل ، راح الجسم ذاك حرامات حرامات ، بعد أن سمعت بخبر صبوح !

ـ وما حدث لصباح ؟

ـ عجيب ! هل خرّب السجن صندوقك الفريد هذا ... مثلي : صباح ، صديقك ، ابن ليلى المعيدية ـ خلّينا ساكتين وجد في بئر قديمة ، والرائحة عوع ، وقد تعفّنت جثته ، هاي شيبك كابتن ؟

ـ وهذا الحكي الذي أسمعه ليل نهار عنه ؟!

ـ يا حكي ، يا معوّد ، ( جننني ) ، ومات ،هذا الصباح ، ومارلين ، طابت نفسها منك ، وفطم لم تعد ترى أحلاما مزعجة عن ام ( مساحي ) والدنيا ، خابت ، وأنا وسكرت ، بعد شنو أغاتي ؟ رح رح بطريقك ماكو هوب !

ـ وما شان فطم بموته ، لم أعد أفهم يا حبش ؟

ـ أوهو يسسسوي نفسه ... ما .. يدددري : كافي كافي ، كابببطن !

دشداشته بيضاء ناصعة ، وغترته حليبية مغموسة بالمسك الأعجمي ، وساقاه بيضاوان متضخمان كان مصابا بداء الفيل منذ الصغر . ولم يكن يرتدي سروالا داخليا كعادته . فظهر انتفاخ خصيتيه المتدليتين . وترنّم بأغنية قديمة :أنا وخلّي تسامرنا وحكينا .. أبو جميلة كنيته المحببة إلى نفسه. صمته كريه ، وكلامه لعنة ، وغناؤه خشن مثل شخير سكران ، مبهم أحيانا ، وغريب ، وقد يضيف كلمات فاحشة من عنده لم يسمع بها احد من قبل . أما عندما يسكر من الصعب أن تفهم منه شيئا غالبا . كما ان محاوره لن يدرك جملة مفيدة واحدة وهو صاح وهو صاح . ربما يفتعل ذلك الامر إفتعالاكبيرا . وهو كثير التحول من أمر إلى آخر و بلا مبرر معقول أو مقدمات ، وتلك الصفة توقع من يستمع إليه في مشكلات فهم صعبة جدا .

حدّثني عن ماكنة الثلج التي ورثها عن ابيه ، وعن الداكيريين ، ومشكلات العمال ، وسرقات السائقين ، وعبث الصحة في جملة واحدة عباس ، هو ، الثلج ، بمم ، من الداكيريين ، خرء ، طلايب ، بينهم ، والباكو ، ذول ، هم خرء ،من الصحة للثلج . ) الغناء الاجش هو المتواصل الوحيد الذي يجيده فقط . ( خنيجر ونعيمة ) ددو ، ددو ، ددو ، شفته ، ها ، حلو ، ددم ددم ددم . وحضر ، في ذلك اليوم ( سلطان المنكوب ) صاحبي ، وغنّى لنا عن المقابر والأحباب الذين ذهبوا ، والنساء الخائنات ، عمي ، أنا ، بكيت ، حيل ، وبكى المنكوب ، وصار الحفل مناحة . فرغّبت المنكوب في المجيء إلى الدار ، لكنه رفض بسبب ارتباطه بحفل آخر .

عبالك سينما بيت فطم . والله . كل شيء عندنا : كرامفون. وتلفزيون ـ بس إيران ـ أيكو . وصندوق ثلج . ودراجة هوائية. وماكنة خياطة لم أستعملها مرة واحدة في حياتي ؛ أخذتها للدعاية . رطينة . أشترينا التلفزيون من محل ابن زلخا : غالي ، بس ، زين . أما اهم شيفي البيت هو أولئك اليهود الذين يظهرون في البيت كلّ سبت . أنا هنا ، والله، رأيتهم ؛ أربعة ، إي ، أربعة ، بس ، يجلسون على السلم هذا ، مو بالتلفزيون ، لا خويّي ، والله ، خفنا ، أنا وفطم، وسألناهم : أنتم أنس لو جن ؟ قالو : أنس . قلنا : السلام عليكم . قالوا : شالوم . وأنا كنت سكران طوخ وفطم محششة .ثم صعدوا إلى الطابق العلوي واحد وراء الثاني ؛ وطار غبار من جلودهم عبالك عاصفة ، شنو . وهتف :

ـ تريد ، تقندل ، عباس , هسّ ؟

ـ كلا .

ـ لماذا جئت أذن ؟

ـ هيج ..

ـ هلو ياب !

ـ هلو داد .

ـ اتركها ، بابا ، هاي ، مارلين ، سرطان ، أفهم ، مو ثوبك ، خل تروح ، ابوسك من ....!

ـ لا أستطيع .

ـ أوهو ! كم عمرك ؟

ـ ألف عام !

ـ هممم.. بدأنا .

{ والابلة التي تقع على النهر المسمى بها مدينة عامرة ، وقد رأيت قصورها وأسواقها ومساجدها وأربطتها ، وهي من الجمال بحيث لا يمكن حدّها أو وصفها . والمدينة الاصلية تقع على الجانب الشمالي للنهر ، وعلى جانبه الجنوبي يوجد من الشوارع والمساجد والأربطة والاسواق والابنية الكبيرة ما لا يوجد أحسن منه في العالم . وهذا الشق الجنوبي يسمى ( شق عثمان ) والشط الكبير الذي هو دجلة والفرات مجتمعين والمسمى شط العرب } ( 37 )

ـ مو عليّ هذا الحكي !

ـ صدقني .

ـ أوهو ! هم قام يطنطن .

ـ د.. أنجب عاد!

بدا مهووسا وهو يأكل ( المزة ) بشراهة وهو يمزج الماء بالعرق المستكي : أبيض كل ما كان ، أبيض كل ما سيكون ، ونحن وحدنا ، هنا ، ياصديقي القديم أبو الخضر ، كلانا أخترعنا الليل ؛ ليل طويل يعرفه أهل القبور ، والناس بعد كل هذا العرمرم نيام ، جميعا ، ولن يستيقظ أحد لأن الديك القابع تحت ( التخت ) نائم أيضا . لا ديك في الحقيقة غير صوت له : عييعو ! . الساعة الدقاقة اختراع مفيد على أية حال . كان مجرد منبه أوتوماتيكي صديء في رأسي ، وداعتك ، أغاتي ، الليل طنطل ، ولا أحد مثلنا ، جرْ جرْ ،عوافي ، سبع ، تراهم يتخاطفون بيننا ، ساعة وساعة ، أو ، أقل ،أو ، أكثر ؛ لبثوا معنا : ضحكوا بصوت عال ، أكلوا وشربوا ، وتسامروا ، وتعاركو ، وتناكحو ، وأورثوا الارض لغيرهم ، مساكين ، و ( طرون )( 38 ) ، لا يعرفون ما جرى ، أما نحن ، نحن هنا ؛ و هذه الالف ليلتنا ، فقد رأينا ما كان كلّه . كلانا . معا : التوهّج الأزرق الذي يشبه اللهب البعيد . كتب مرصوفة . وصراخات عبيد . جدب . وعري . وجوع . وتيه . لهذا الأخير وحده عذاب فريد . وأنا وانت في الأقل الآن ، قد رأينا كل ما كان ، مو ؟ , وداعتك ،أبيض ، عسل ،الجواني الباطن ، ما أحلف بداعتك لو تنقلب الدنيا طناطل من جديد: ليل ليل يا خويا ، ليس لـه حدّ ، وليس لـه عدّ . طام . وليس ثمة نجمة واحدة في السماء ولا غيوم . العمى . المصورون يعرفون كل شيء ، عنا ، مو ، عندهم ( الجامات الأصل ) كلها ، ما قبل ما يكون ؛ المصورون الجالسون في العلى ، هناك ، الذين يرتدون قبعات من خوص ، وحولهم زغب الطيور ، لا جرم بان ما كان عظيما ووارفا ، وفي حال قيامهم ، ذهبوا ، لتنقع بالماء خيالاتنا على ورق ، فنخرج إلى الدنيا : ها أها . انتهى . شنو هالسرعة . آخر صورة شمسية . لا ترمش . هكذا ما كان . قلت :

ـ كافي !

ـ لا مو كافي .

ـ وتوتوت ؟

ـ ما أوتوت . هسّ .

ـ عود ليش ؟

ـ بكيفي . متى ما أريد اوتوت أوتوت .

ـ رح بواهسك ، أغاتي . بدون هوب همين ..

ـ جرْ .. جرْ .. جرْ .. جرْ .. ( أبو السلمبح )!( 39 )

عرض ( ستربتيز ) آخر ليلة ، يايابه ، كل واحد تحته عصا من عصا !. رائحة روث قديم . وفي الصباح أدارت على جسمها بنزين سيارة صباح . طرقاعة . آخر صورة في الليل معي . ليتك كنت معنا ، لفزت برؤية ، طاح حظ الوقت . كم عمرك ؟ ها ؟ مرلونه الملعونة ، هم تخرط مع غيرك ، طبعا ، نم ، نم ، في الليل قبل النهار ، وكن ، كن ؛خخخخ في آخر الدنيا ، ما فاز إلا ..خخ ، بعدين تعرف ، عبالي ، صدق ، يفتهم ، كابتن . بس نفخت عليه : طار كله بنفخة واحدة ولم يتبق منه شيء على الأرض . طار طار . السيد ذاك . مصنوع من غبار أيضا ، كلّه ، ومو بس جلده ؛ كله كله : داخل خارج . غبار غبار . فطم قالت عنه : ( سرسرلوغي )( 40 ) . ليش ما ادري . عود السيد يفسّر الأحلام ؛ هو حلم مقطّع ، ووسخ ، وعتيق ، فيلم هندي . وحتى تومان أبو القطعة الاعلانية ، الأسود ، أبو الغلمان ، ما أعلن عنه ؛ لكني ، أنا سأعلن عنه ، وحدي : السيد: طار طار مثل غبار .

ـ حششت ؟ خو ما حششت ؟

ـ كلش .

و سمعت فطم تترنّم بأغنية أنت وين ، واني وين ، أشكد فرق بين الأثنين .) وقالت : بالله خلوني ساكته ، ترى أقلب عاليها سافلها ، صار قرن وأنتما هنا ، سكرتما ، وحشّشتما ، هل تريدان ان تموتا في بيتي ؟ أنت ولك حبّوش رح نم ، هسّ ، بسرعة .

ـ بلي خانم

ـ يمه ، أشكد دثو ؟

ـ مو أنا نايم من قرن فطم ، خلّيني .

ـ ول ول !

ـ هيهيهيهي . تصبحون على طنطل !

وكانت تحاول أن تظهر مفاتنها لي بعد أن أصبح وزنها يقرب من مائة وعشرين كيلو غرام . تدخل المطبخ بسرعة ، وتخرج بسرعة ، وهي تتغامز بتلك الطريقة السمجة في الدعوة إلى المضاجعة .. قلت :

ـ فطوم .

ـ بلي .

ـ أين خالي حسين السرفندي ؟

ـ المؤذن ؟

ـ أكو غيره ؟

ـ ب.. كسي ! لا أرض له ولا سماء منذ ان غادرنا .

وخرج الأبهق من الحوش يهزّ عجيزته على طريقة تومان ، وهو يترقّص وسط السوق معلنا عن فلم جديد ، وكان يضحك بصوت عال لم أسمعه من قبل واضعا كأسه على رأسه دون أن يسقطه : كانت تلك واحدة من عروضه القديمة في ملهى الفارابي على أية حال .

ـ أين يمكن أن أجده ، فطم رجاء ؟

ـ أنت شنو ؟! كابتن ، تريد تتخبّل ؟

ـ إي .

ـ أسأل السيد سعيد ، هو ، الذي يعرف عنه كلّ شيء .

ـ يا معودة !

ـ ش مدريني ش مدريني يكبر عبوسي ويجيئني .. ( هجع !)( 41 )

و أثناء الرقص المفاجيء لها سقطت من على رأسها ملاءتها فبانت قرعتها بيضاء مشوّهة . وحينما تنبّهت لذلك ، ارتبكت ، وأسرعت بوضع الملاءة على رأسها ، وقالت :سودة . سأشتري لي باروكة ، في المرة القادمة . ماذا تقول يا عباس ؟

ـ بكيفك .

ـ مو أحلى .

ـ لا ادري .

ــ يبووي منك ! ما تنام ؟ قابل تبقى إلى الابد تفكّر في ( شق عثمان ) على قولة السرفندي ذاك .

أول مرة ذهبت فيها يا أبو العبس إلى ( شق عثمان ) ، كان ذلك في أيام ( أبي صفرة ) تعرفه ، هذا ، القاسي ، هربت من الجند ، وقالوا ، خارجي كلب ، وما انا بخارجي وقتذاك ، وما كنت حروريا قط ؛ لكنها الرغبة في المعاندة الدائمة، والتشبث بالآتي . . وكان وجهي اصفر .. و بحث عني الجند والعامة والخواص في كل أرجاء الهور فلم يجدوني . كانوا يمرون بالقرب مني فلا يروني ، والبنتان الغريبتان معي ،وأفراس النبي تئزّ حولنا ؛ أرى أقدامهم وأشمّ روائحهم ، وهما تقفان بالقرب مني ، تلوذان بي ، والجند يتبعهما في كلأ مرة يرونهما فيها . . كان ( شقّ عثمان ) ملاذا حصينا من ماء واخضرار . احفظ هذا ، يا ولدي عن السرفندي . أما في المرة الثانية فكانت مع (الكرنل ) : يومئذ كان موسم البط البري . وأرسلني السيد سعيد معه للمعاونة في جمع الصيد الذي تقوم به الكلاب السلوقية . و عدنا بالطيور التي رماها ( الكرنل ) بالصجم فقط . أما انا فقد كنت أدعهوها فتأتي إلي سراعا ، والله . ثم قلت وداعا يا طيوري . فذهبت . والله . لا أكذب . لا أكذب . احفظ هذه عني أيضا . قلت :

ـ هذه الحكاية سمعتها ألف مرة من الخال حسين . وأجابت فطم :

ـ لكن الكرنل أكّدها .. رآى الطيور بنفسه وهي تجتمع على ظهر المؤذن .

ـ همم أنت علينا ، مو ، ملينا ، من هذا الحكي ،لم يؤكده غير ( الكرنل ) وكان أربع وعشرين ساعة سكرانا طوخ .

ـ أنت لا تؤمن بشيء ، أنت ومارلين وحتى صبيح . كلكم من طينة واحدة ، وسخة ؛ عبالكم الدنيا ما ترون : عمي هووووب ؛ وقد تهون مارلين عليك قليلا ؛ أما أنت وصبيح : يبآآآآآي !

ـ وما أخبارها هذه المارلين : يبآآآي ؟

ـ فص ملح وذاب عبوسي . وشرف الداكيريين كلهم !

ـ أريد أن أرى سبب ذهابي إلى الصحراء الآن .

ـ موجود . ببطن عيني . السبب العجب غير .

ـ زمبور .

و صعدت إلى الطابق العلوي على سلّم حجري تآكلت درجاته حتى أصبح من الصعب أرتقائه بلا التمسك بقوة في درابزينه الزلق المسود . بيوت يهود . رائحة السبوت . ها . ماذا . فطم فطم . تعالي ، معي . ساعديني بنت القحاب . أوهو . هذا المكان فنطزة . وبقيت فطم تتأملنا . ساعدته على الصعود بتؤدة وهو ينقل قدميه بشدة مثل أخطبوط بشري مريض . مازلت أسمع طقطقات علك فطم . رائحة دملوك نفاذة . ساعدني . هكذا نصل على أية حال إلى النهاية دائما ، اويلي . الوحش فينا ، ها ؟ . كأنما رأس حيوان هو ؛ في ؛ أنا : أربعة رؤوس حول السرير الخشبي . لماعة . سوداء . كانت . يا صديقي . نصل نصل ، حتما . دائما . لكننا ، حينما نحاول ننسى : هذا كل ما في الامر ، ما أتعس شغلتنا التي أوكلت إلينا ، ها ؟ .

وفي زاوية شبه مهملة أزاح الأبهق ، ولأول مرة كأنما يظهر آلها من حديد ، الغطاء الخاكي عن الرونيو الخاص بالداكيريين. مترب . هو . كأن العالم كله فيه . الخلاص . ما زال بعض الورق عالقا فيه . حسنا . الآن . ثم ضحك بملء شدقيه حتى بانت كل أسنانه المتكسّرة . قهقه بصوت يشبه قأقأة الدجاجة . في كل ركن رأس ، والله ، كنت أكلمهم كل سبت ؛ ينزلون على السلّم . الأربعة . هيا . تأمل صديقنا القديم : هآآآآي ، عمي ، شنو ، بعدك . مشكل . أسأل : لماذا تخاف الحكومة من ( زمبور ) ؟! ، بس ، والله ، مشكل ، عجيب عجيب . خذه الآن ، أغاتي ، لم أعد أريده ، من جاء به ؟ مارلين ؟ ربما . شبعت راشديات بسببه . لو علموا بمكانه السابق لأعدموني ، يبوووووي ، فطم ، تحبه ، عبالها إمام ، أو ولي ، لطّخته بالحناء قبل سنين ، أنظر . والله . عبالك فد شيء مخلّص من السماء جاء! وتقدمت من الرونيو ورفعته بكلتا يدي و ألقيت به من عل ، فصرخت فطم :

ـ مخبل . وقال الأبهق :

ـ دعيه ، خلّيه ! زمبور زمبوره .

ـ لا ، المكينه ، ملك مارلين وحدها .. لماذا تفعل ذلك ؟

ـ يراد لك هلهولة !! زعر زعرررررر ! .

وجلس الابهق عند باب غرفة في الطابق العلوي ، ثم زحف مثل سحلية إليها دون أن يفه بكلمة . وبما إني لم أشاهده بمثل هذه الحالة من قبل فقد تسمّرت قدماي ، و هتفت فطم :

ـ ضربته .. والله ضربته !

ـ من هي ؟

ـ بنت معتوقة ..

ـ كيف ؟؟

ـ هذا الابهق بعد عشرة السنين كلها ، تصور ، تزوج .. عليّ .. تصور .. الأبهق ،حبش يفعل ذلك! آخر زمن !

ـ لا أفهم ..

ـ ثمّ طلقها .. بعد أن حبلت منه ..

ـ من هي ؟؟

ـ بنت مزعتوقة الجدة ؛ تلك السحلية .

ـ الابهق تزوّج عليك سحلية ؟!

ـ إي إي ، وهذه هي مصبيتي .

ـ ثمة أشيء حدثت لم تكن في الحسبان قط ، وأنا في الصحراء .

ـ إي إي إي ، هل ننام الآن ؟

ـ لا .

ـ تغيّرت كثيرا .. تحوّلت عنا ، أي صحراء أخذتك ؟

ـ لست أدري ما اقوله لك يا فاطمة .

ـ هل أخصوك وأنت في السجن ؟

ـ سأخرج الآن .

ـ لماذا ؟

ـ أكره رائحة الدجاج ..

ـ والله ؟ أنت ما زلت معها تلك ؛ تلك الخائنة !

وأطبقت الباب خلفي بقوة .









وحدي مرة أخرى ـ أنا الآخر ـ قبالة العملاق الأسود ( سرهيد ) ذو المائة عين الذي كلف بحراسة العربة القديمة المذهبة السلطانية ذات الخيول البيض في القرون الخمس الأخيرة ؛ تحول إلى طاووس عابث صخّاب ومحيّر ؛ يتبختر بذيل طويل يلتمع تحت وهج الشمس الصباحية بدوائر ملونة خلابة ؛ كلون عيونه المائة العجيبة شبه المتداخلة . ولم يعد مجرد حارس بعد ان اوكلت إليه مهمة جديدة في قصر الأبراهيمي المنهار تمثلت في تقديم المعلومات عما يجري خارج المنزل ، والذهاب إلى السوق لجلب الخضار والخبز يوميا تقريبا . كان ( سرهيد ) لعبة اخرى لما أعرف أصولها بعد على الرغم من كلّ هذه القرون التي عشتها وخبرتها .

أنتهت لعبة الداكير أخيرا بأختفاء مارلين وصباح وغياب عباس في الصحراء ، ولم يعد ثمة أحد موجود في الساحة المرئية لي ، في الأقل ، أنا ،الآن ،أنتهى كل ما يتعلّق بالزمن في الوقت نفسه ، ولم يتبق من كل ما كان إلا نفسي . وها هي فرصتي الأخيرة أيضا في الحصول على مأمى بعد أن طردني السيد سعيد : أما ما يكون بعد ذلك ، فهو محض كذبة أخرى تضاف إلى سلسلة الأكاذيب الكبرى التي نسجت حولي . و ( سرهيد ) يعرف ذلك أيضا ، لكنه مخاتل ، عنيد ، على اية حال . كان يقف وقد وضع كلتا يديه على برواز الباب الرئيس محرّكا ذيله الكبير البغيض بتلك الطريقة التي ذكّرتني بذيل البنت السحلية في قصر الابراهيمي المهجور . ماذا تريد بعد ذلك ؟ ها ، أنت ههي ؟ ما يمكن أن يحدث قد حدث . وكل شيء على ما يرام . ماذا تريد هههي !؟ ؛ قالت كلّ عيونه التي تحدّق بي . ثم هتف :

ـ أشطح !

ـ لا شيء .. لم أعد ابحث عن أي شيء .

ـ ولّ من هنا !أنت شنو ؟ ماكو اكل عندنا اليوم ، الخانم مريضة .

ـ أنت لا تعرفني . أنا عباس . و لي في هذا البيت حصة ..

ـ ولّ .. ولّ .. د.. شف هذا ؟!

ـ أسأل الجدة ..

ـ لا جدة لك هنا .. أفهم .

فهمت . لكن عباس لم يفهم شيئا عن : عصبة المدافعين عن الفقراء اليهود . وجماعة المدافعين عن الحرية الجنسية . ومارلين التي تعرّت أمام الجميع في حفلة حشيش صاخبة في مزرعة لأحد الداكيريين الجدد . ويوم حبلت زريفة من أحد الداكيريين ، ونادت بعد شهور من حملها وولادتها : إبن من هذا ؟ لم يجب أحد منهم ؟ كنت شاهدا على ذلك . وعلى الرغم من كل ما كان فقد تزوجها ( أغاورد ) الذي كان متعلّقا بها على نحو لا يصدّق . سألته :

ـ ما الذي تجده في زريفة هذه المتسوّلة جنسيا ؟

ـ لا شيء.. تقريبا .. سوى الرائحة أيها المؤذن .

ـ كيف ؟

ـ أنت لا تفهم علاقتنا بعد : هذه قضية كبيرة .

ـ لكنها تكرهك ؟ هل تعرف ذلك ؟

ـ أعرف .. وأعرف : بأنها سوف لن تتوانى عن قتلي إذا ما سنحت لها أية فرصة .

ـ أيها الأبله ! لم كل هذا العناء المخيف ؟ يا لرجال آخر زمان .

ـ مازلت : لا تفهم .. أنت ( الله أكبر ) وحسب .. إفهم : أريد أن أراقبها ليل نهار .. وهي في فراشي .. وهي تضع لي طعامي ، وأنا في حمّامي ؛ أتوجّس خطواتها ، وأنا نائم .. وأنا ساهم .. وأنا غافل ، هل فهمت ؟ إنه شيء آخر مختلف من التوقّع .. رائحة دملوك العصر .. ربما .. الدملوك الذي يهرق ، ربما ، في أية لحظة : انا .

ـ كم أنت مجازف ؟

ـ بعمر واحد ..ما زلت لا تفهم أذن .. وهذه مشكلتك !

وحدي مع هذا ( السرهيد ) الذي يحول بيني وبين القصر . كان السيد سعيد قد هددني بالموت في حالة عودتي إلى أرض عويتي . وبدا القادم غامضا . صاح بي :

ـ برّه .. برّه !

ـ أنا .. حسين المؤذن .

ـ أعرف .. برررره !

وأنت تجوس الرمال العجوب : تذكّرني : في كل حبة رمل عالقة عالم قائم : كون . ويوم طاردتك الطواويس في الحديقة في ( قصر الأبراهيمي ) كنت لما تزل صغيرا تحبو ، والدنيا ، كلها ، كانت ( صديقة الخبازة ) و 0 الجدة معتوقة ) وانا، أليس كذلك , أيها الداكيري العنيد ؟ غادرت الطواويس السطح ، والقصر الصحراوي كله ، ولم يتبق غيره الآن ؛ كما ترى : ( سرهيد العبد ) و لا احد هنا ، أفهم ، ( دبش )( 42 ) بس نوم :خخخخخخخخ ! وطلع من الصحراء فتائل ، وراءها فتائل من الريح اللولبية المتصاعدة ، وأنت ترقب كلّ شيء ، بويا ، تضرب في أرض التيه ، ولا أحد معك ، منذ البداية ، حتى امك أقرب الناس إليك ، تخلت عنك في النهاية : يئست تماما . وها أنت تجوس الآن على رمل لا تعرف نهايته من جديد . يا لك من عنيد ؛ كأن الدنيا محض خراب كبير وجد من أجلك أنت فقط ؛ متاهة من يباب : كل ما كان : فرطنة . النوم السعيد .اليقظة القاتلة . هنا . ولا شيء غير النوم في النهاية ؛ يالها من مزحة ثقيلة . هذه . الهنا . ومن البؤس أن تكون هذه هي آخر أشواطي معكم .

الطائرة وحدها ، صوتها ، يمكن أن يحيل كل شيء إلى حقيقة يمكن الأطمئنان إليها على الاقل . جرادة الحديد تلك المبربرة ؛ قمينة بان تريك العالم كما هو ؛ تعبث به اليد الكبيرة الهدّامة من عل . . ولا احد .. غير يدٍ واحدة عظيمة ، فمن تكون أنت ايها الحشرة الارضية الصغيرة ؟ وحدها اليد ، هناك ، بتلك الاصابع الضخمة العجيبة مثل بلدوزر سماوي يمكن أن تحيل كل ما يكون إلى هباء ، في النهاية ، ولا شيء بعد ذلك البتة ، أيها المتطفّل الغرير .

كم هو عمر الطاووس هنا ؟ لا جواب : وهذا هو المؤلم فيك : أنك لا تعرف دائما وابدا ؛ لكن الجدة معتوقة قدّرتها بقرن واحد وعدة سنين لكل طاووس . . ويوم أختفت ، من القصر ، لم يتبقّ غير ( سرهيد ) هذا : طاووس الجدة الوحيد المتبقّي . هذا الاسود الزنجباري ـ هو القوة ـ التي يمكن الاعتماد عليها في منع اولئك المتطفّلين من امثالنا .. هنا . واللصوص المتحايلون الآتون من عمق الصحراء . ولصوص المدينة الجدد . و كنو و تومان الأسودان العابثان الذين أحالا المكان إلى ملعب فض للاولاد التابعين اللاأخلاقيين ، خلفهما . هل فهمت الآن ؟

وقال السيد سعيد : من تبع تومان من الاولاد فهو مأفون ،وابوه مسؤول عنه ، وامه محاسبة . ومن عمل مع كنو في باصه الخشب ( سكن ) فهو داعر مثله ، وهو خارج عن الأسلام ! . هذان الملعونان لو رحلا عن المدينة لأصبحت اكثر هدوءا وأقل بذاءة .. ولكن ماذا يمكنني أن أفعل غير الارشاد ؟ وسأل أحدهم :

ـ وما حكم الشرع في ( سرهيد ) ياسيد ؟

ـ ضعيف العقل ، لا يؤاخذ ..

آخر خط للرمال . أية قوة عادت بك إلى هنا ، وأية رحلة غريبة أنتهت بك هنا أيضا ؟ أيها المؤذن الغريب : من الصعب أن أراك معذبا هكذا ، وقد أقترحت عليك الزواج من ابنتي .. قلت :

ـ إخبراني ما أسمها هذه العروس المقترحة فقط ؟ فقال ( سرهيد ) :

ـ هل أخبره يا جدتي ؟ صاحت :

ـ لع لع لع ! لا تفشي الأسرار بسرعة هكذا .

ـ وماذا أفعل له خاتون ؟ هل أقتله ؟

ـ لع لع لع!

ـ ماذا أفعل أذن ؟

ـ دعه ؛ إنه مني ، على الأقل ! . فأردف ( سرهيد ) :

ـ إذهب فهي تغيّر رأيها بسرعة . وأردفت :

ـ أنت واهم كبير يا مؤذن ، فإن غيرك ، أهم منك ، يريدها زوجة : هل تظن بان نسلي سوف ينتهي من الارض : كم أنت واهم !

حرقة السماء . و حرفة الارض . ما معنى دموعي بعد كلّ هذه الرحلات العجيبة الغريبة اللانهائية : أن تكون نهاية لكل رحلة ، فسوف تحضّر نفسك للإنتقال . وحسنا تفعل ذلك فقد قلت كل ما عندك ولم يستمع إليك إلا خلق قليل ؛ هذا هو شأن العالم يا مؤذن : أذن أذن أذن .الليل والنهار ، والعمر الواحد القصير المحسوب بالأيام والساعات ، والخيبات والانكسارات ؛ كلها من منبع واحد ، أليس كذلك ؟ ؛ بحر من ضراعة : كم جثوت على الأرض وطلبت (النجاة ) ممن ؟ وما كانت ذنوبك : من يكن بلا ذنب لن يولد في هذا العالم ؟ ولا ذنوب ولا ذنوب ؛ لكنها العادة في العويل والبكاء المرّ الطويل . ومن كان يركض وراءك كل هذه القرون السود ؟ هل رأيته ؟ وكم بكيت في أنصاف الليالي الشتوية الحزينة ؟ ولا احد معك في جوف الحسينية .

كنت أسمعك وأنت تتهجّد بالقرآن : أقرأ بأسم ربك الذي خلق ، خلق الأنسان من علق .. نجّني مما أنا فيه ومنه وعليه يا سر السقط من عل سرّي ! . أنت . ثمّ بكيت بحرقة . وعويت مثل ذئب جريح في صحراء فارغة . وغادرت لا تلوي على شيء ، والقهقهات الغريبة خلفك : هههههه مخبل ! . أريد أن أعرف ، أريد أن أكون يا خال مثلك ..

ـ مخبل ! لن تسطيع معي صبرا .

ـ سأحاول .

ـ وإن حاولت .. لن ترى أبدا ما رأينا نحن ..

ـ من أنتم أذن ؟

ـ لن تعرف ذلك ما حييت ..و إن عرفت فاكتم .

ـ لماذا ؟ هل هو حكر لكم ، أنتم ، وحدكم ؟

ـ كلا . لكنه المقدور .. لنا .. وحدنا .. وليس لكم : نحن آخر الاحياء في الأرض الباقون بينكم .

ـ وما هذا ؟

ـ هذا ما لم تؤمن به قط أيها الداكيري .

ـ هل هو التناسخ ؟

ـ الم أقل لك إنك لن تفهم إلا الظاهر ؛ وهذه هي أم مصائبك .

لأعد من جديد إلى أرضي . لم يكن وطنا محددا ، لا وطن لي في كلّ العالم . دائما . لكنها أرض خضراء واسعة آوي إليها وأختبيء فيها من غوائل الزمان ، وتقلّبات الدهر ، وهجمات الغرباء ، ولعنة الدنيا ؛ و هي التي علّمتني أن يكون لي حصنا من ماء واخضرار ، صنعه الله ، وليس بنو آدم . أعرفها وتعرفني منذ أن طاردنا فرسان ( آل عثمان ) هنا ، ومنذ ان اتخذنا من الماء والبردي والقصب حصنا . آخر خط للدفاع لنا هو في هذا المعقل المائي من الارض . نحمل الطيور المائية إلى أهل الكباشات ، ونرفع المرادي والطراريد محيين : أن ما زلنا أحياء على الرغم من كل ما حدث ، وما كان ، وما سيكون .. كان يضع ذيل دشداشته في حزامه المصنوع من القنّب . وقد فتح الزيق إلى آخره كأنما كان في معركة قبلية. شعر صدره أبيض ثلجيا . وذراعاه ترتجفان .من الصعب أن نحدد عمره في هذه الايام لكنه يبدو شيخا ناهز الثمانين عاما. ذكّرتني أضلاعه الناتئة وشعر لحيته الكث الابيض بأولئك القديسين القابعين في غياهب النسيان . أحبه منذ الصغر، ولا يمكنني ان أنساه قط . كان الوحيد الذي زارني في المعتقل الصحراوي من الرجال ثلاث مرات متتاليات ، حتى أمي لم تزرني إلا مرتين : كانت تجد باني قد خيبت كل آمالها بسبب العمل مع الداكيريين . و حتى مارلين لم تزرني إلا مرة واحدة فقط .

كنت أقف على حافة كباشة آل وطي . أدفع البلم بقوة ، وقفز الخال حسين منه وكأنه إبن عشرين عاما هذه المرة .ثم أحتضنني باكيا . ها نحن من جديد يا خال . العالم يحتوينا من جديد ، والآلام تطاردنا . منذ الف عام ونيف . منذ ألف عام والعويل على موائد الطعام وفي ايام الأعياد . بكيت لأول مرة على صدر امي ، وانا الآن ابكي على صدرك . قال : أبك .. ابك .. ربما يساعدك البكاء على الفهم . وبكيت بحرقة كأنما لم ابك منذ قرون .. من كان يطير على سعفة خضراء ، هل تؤمن به ؟ هل رأيته من قبل ؟

ـ ماذا تقصد ياخال ؟

ـ من كان بقتلع شجرة السدر حتى أصبحت تسير وراءه ، هل تراه الآن ؟

ـ لا افهم ..

ـ من الذي وضع سيفه ، وعبر عليه آلاف الحجيج في مكة ، هل تشاهده الآن ؟

ـ لا .. لا افهم .

ـ أنت ما زلت أنت . لم تتعلم .

ـ دعني معك ، لا مأوى لي . و لا عالم .

ـ لن آوي عصاة .. انت تعرفني .

ـ هل اغادر أذن ؟

ـ لا.. ولكن لتجرّب روحك معي .

ـ كيف ؟

ـ مو شغلك ..

ريح رطبة عفنة مثل دملوك خشب قديم ومتعفّن هذا المكان . نساء هواء هباء ؛ يأتين ويذهبن بلمح البصر ، كأنما هنّ البرق الخاطف : يصعب أن تمسك بإحداهن مرة . جسدها مزلقة ـ ووضعني على المزلقة ، وقال : لا تزلق . ليتني كنت أعرف قبل هذا كل ما حدث ، ولكن ما كان كان . الختام . متى خرجت من جوف الوحش الصحراوي ؟ هذا هو السؤال المر . أما ماذا فعلت طوال السني السبع ؟ فلا أحد يسأل أبدا . لا وقت لا وقت . لي . بعد الآن . وكم أشتقت إليك وأنت في الصحراء ؟ يطنطنون . من الصعب علي أن أبدأ وحدي في هذه الحال . طيور خائفة ، وصفائح سمن فارغة . و لا أحد مرة اخرى . أجلس ، يا ولدي . لا . الجلوس لغيري .شبيك ؟ تسودنت ؟ ماذا تريد أن تكون أيها الطيار ؟ هيا أجلس مثل الخلق ؛ في الجلوس بعض التأمل المفيد .. أثبت . و كان يمسك يدي طوال الوقت . يد ساخنة دائما ، كمن مصاب بنزلة برد شديدة . متى خرجت ؟ هل سرت بمحاذاة النهر الميت ؟ تجفل الطيور منك الآن . لا شيء . خلف السور العالي وسط الصحراء . لعبة . كل ما كان . هوسة دائمة . هل قابلت جماعتك الداكيريين ؟ أجل . وجئت ؟ . وجئت . الحمراء . رأيتها ؟ لا أعرف عنها شيئا . وصباح ؟ لا أدري لا ادري .. ربما قتلته . ربما . هل كنت محششا في تلك الليلة ؟ كلا . كلا . أي رجل أنت يا عباس : لا تعرف كوعك من بوعك ، قل لي : كيف نجحت الأول في قيادة الطائرات ؟ هل أغادر ؟ لا لا . آل وطي . حدق بهم ؟ تعرفهم ؟ لا . كيف ؟ أنا لا أعرف أهل هذا الزمان جيدا وتلك سؤتي . وأنا سؤتي : السستر !

ـ يا سستر ؟ مو دوختنا .

ـ لن يهدأ لي بال ..

ـ كم أنت واهم . من تعلّق بأمرأة ضاع منه الدليل ..

ـ ربما هربت معه .. هل تظن ذلك ؟

ـ من ؟

ـ صباح !

ـ أولم تقتله ؟!

ـ أجل ..

ـ فكيف هربت مارلين معه ؟

ـ هذا هو العجب كله .

ـ لا عجب ولا هم يتعجّبون ..

لوح الخال حسين ببندقيته إلى المنتظرين على الكباشات القريبة ، فلوحوا لـه من بعيد علامة حصول الجميع على صيد وفير . كنت أدفع بالمردي بكل قواي وأنا ألهث . قوة جديدة لم أعهدها من قبل تسري في جسدي . و رأينا عن بعد ثلة من الرجال يحملون تابوت على بلم يتبعه عدد من الأبلام مثل رأس حربة ، وفي وسطها تعوي نساء مجللات بالسواد . توقّف الخال بغتة ، وذكر الله ، وسبّحه سبحا طويلا بصوت عال ، ثمّ تأمل السماء بضع دقائق وتنهّد قائلا : هوووو . وقرأ الفاتحة . ثم سلّم على التابوت من بعيد . كان الموت بالنسبة للخال حسين شغله الشاغل منذ ان عرفته وانا صغير . قلت :

ـ هل تعرف الميت ؟

ـ يموت الكثير بالملاريا هذه الأيام . الموت هو الباقي دائما .

ـ وهل تخشاه ياخال ؟

ـ الأنبياء حسبوا له حسابا ..

ـ وأنت ؟

ـ ومن تظنني ؟

ـ أسأل .

ودوت سلسلة من الأطلاقات النارية هنا وهناك تحية وداع للميت . للموت في هذه الاماكن وقع خاص ؛ فهو خلاصة اخيرة لما سيكون . حضر ثلة من الرجال الملثمين حاملين البيارق الملونة ، وراحوا يهزّونها بطريقة تجعل من القبعات الصفر في أعلاها تصدر خشحشة متواصلة . وتوالت أصوات اطلاقات نارية جديدة من بنادق إنكليزية قديمة ومسدسات على نحو أكثر من السابق . أقترب الخال حسين من الموكب مسافة قليلة , و أخرج بندقية ( برنو ) وشرع يطلق النار.أحتفال الموت الماثل دائما . وهوّس معهم من بعيد . كان موكب النساء إلى جهة اليسار محتشدا ، وقد لففن العباءات على بطونهن مثلما يفعلن في ايام الحصاد أو الصدامات العشائرية . وتوسّطت الجمع المتقافز احداهن وهي تذكّر بمناقب الميت لاعنة الموت الذي باغته ، والذي لم يبق غير الثعالب والكلاب السائبة . قال الخال حسين :

ـ المرأة التي تتوسط النساء ، تلك ،تراها ، هي حسنة .

ـ ومن تكون ؟

ـ زوجة الميت . سيكون لها شأن معك

ـ معي ؟

ـ اجل . معي ومعك . احفظ ذلك عني .

كانت امرأة في الثلاثين ، عفرت رأسها بالرماد ، وتمرغت بالمياه الآسنة بما يكفي . وصاحت : أروح وياه ، أروح وياه! لكن الموكب واصل سيره إلى سيارة حيث وضع التابوت عليها ، محاطا بطلقات الوداع الاخير . ثمّ واصلنا رحلتنا إلى جوف الهور ثانية . قال :

ـ الهور ، عباس ، مأوى ،وحصن ، ومخبأ ، هل تعرف هذا ؟

ـ أعرف .

ـ ستتعب .. عن بقيت معي .

ـ ربما . ولكن لا حلّ لدي .

وانغمسنا من جديد في مسارب الهور من جديد .







































































هذا الاخضرار المطلق الممتد بلا نهاية . كوخ متوحد وسط عريش محترق . دخان سماوي متصاعد . أراه . يتقرفص قبالته غير وجل . ولع السنيين الألف كلّها تعتمل فيه : الكيس الذي يغلّف به القرآن وخبز الرقاق خلف ظهره ، والعصا التي يذبّ بها عن غائلة الزمان . والله ، ونور أبي القاسم محمد الذي ملأ الكون قبل خلق الكون ؛ خلق الخلق كلّهم : الأنس والجان والملائكة من أجل عينيه النورانيتين . أثنا وسبعون حرفا . والحرف الثالث والسبعون احتفظ به لنفسه . فقط . سبحان من علّم العلم المحمدي وعلّمه . تعلّم مني : قضي الامر من زمان . في عالم الذر , ما قبل البذر . كانت الباء سفينة . وكان الباب نقطة . الباب الثالث عشر . من اللوح النوراني . وانا الذي رايت كلّ شيء قبالة الصحراء حيث توقّفت مليا ، فكانت مقبرة ـ دار سلام ـ كبيرة ، بكى بحرقة كانما سيفقد عزيزا عن قرب ؛ كانت الدمعة الواحدة الساقطة من خده الكريم لا تسقط على الارض ؛ فلو سقطت واحدة ـ على الارض السفلى ـ لأحدثت فوهة بركان لا تخمد حممه إلى يوم القيامة ، بل ترتفع على السماء وهي بثقل جبل أحد . رأيته : آخر مرة . وبكيت لبكائه ،وشهقت لشهقته ، أي سيدي ومعلّمي ومولاي ، لم هذا البكاء ؟ قال :أمتي . وسكت .لم أسأله إلا في سرّي ؛ ففي فقده أضحت الدنيا مجرد ( خرزة ) تنطلق على غير هدى من يد مجنون قابض على شعرة . وقال معلمي القديم : اليوم أقبلت الفتن . وغدا ستبدا المحن ، وبعد غد بحار دماء . وما فتنت ولله الحمد والمنة . وما حملت إلا ما ترآى لي ،وما حلمت ، وما داخلني شكّ أو شيطان ، وكتمت ذلك عن الناس اجمعين . فانظر أين هو موضع فضّ السرّ ، و نهاية الكتم .

كان ربعة بين الرجال ، أكحل العينين ، خضّب شعره ولحيته بالحناء ، صادقا ورعا مستقيما كسيف يماني . لم أره إلا مرة واحدة عيانا . لكني كنت أشاهده في كلّ منام تقريبا . وحينما فتح الباب أطلق زعيقا طويلا ، لم اسمع به من أي باب آخر في الدنيا . النور ملأ وجهي وكياني ونفسي . هناك . يتكور كلّ ما كان في لحظة واحدة رغما عن الزمن الحمحمة هذا . و رغما عن كلّ الساعات والمزاول والدندنات . في الساحات . هو الذي قهر الزمن ولوى عنقه ومنه أخذنا وعلى طريقته سرنا . أشرب كأسك ماء قراحا . وحدّق :كأن العالم محض ( دعبلّه )( 43 ) . في عيني . قيعان وراءها قيعان وبلدان بعدها بلدان . أه . في (الدعبلّة ) ـ أنت تقف ودائرة تعول ـ يرى كلّ شيء دفعة واحدة ؛ وما كان وما يكون . انزع ثيابك الآن ، كلها ، ثياب الرجس فاهجر . وحدّق في الأفق الأول ، ولا تهجر . وحدك . هناك . وسط النور السماوي الاخّاذ . ماذا تسمع غير هبوب ريح ؛ هي ريحه . وتشمم . مبارك أنت .

قلت : أريد أن أرى ما كان وما يكون بعيني ، ياخال ، ولا أريد موعظة ، ولا مثالا , ولا حديثا ، ولا قولا مأثورا من بشر أو قولا من قبلهم تلقيه عليّ : أريد أن ارى الآن : ما كان وما يكون . قال :

ـ إذهب إلى الخرائب القديمة ، وسترى : الاول والاخير .

ـ أنظر يا خال ..

كانت تغطّي وجهها بخمار أسود كي لا يعرفها أحد .تركض بنتان غريبتان على الكباشة ، وتختفيان مثل لمح بصر قبالتي . وصوته : هل رأيت ؟ هل رأيت ؟ كانت تدفع ببلمها نحو كباشتنا الصغيرة التي يتوسطها كوخ من القصب العتيق وبضع سخلات مع تنور طيني صغير ، وثلاثة كتب خطّت بماء الزعفران لم أستطع ان اميّز حرفا واحدا منها على الرغم من ان السرفندي ينفق جلّ وقته في قراءتها . و بدت المرأة وهي مجللة بالسواد جنوبية سامقة وقوية ، جاءت من عمق زمني غائر في القدم . سحبت البلم بقوة وهي تهبط منه . قالت بصوت خافت:

ـ يصبّحك بالخير .

ـ أهلا .

ـ ( المومن ) هنا ؟

ـ مو هنا .

ـ بلمه هنا .

ـ تجدينه قرب ( الشريعة )( 44 ) ، من أنت ؟

ـ حسنة .

ـ ومن تكونين ؟

ـ حسنة ..

وأماطت اللثام عن وجهها المليء بالوشم . تتراكض البنتان من جديد من مكان آخر من الكباشة . كان بإمكاني ان أتأمل عينيها السوداوين الواسعتين ، وسحنتها السمراء السومرية . حاولت ان تبتسم لكنها لم تستطع لسبب أجهله ، وشرعت في ازاحة جانب من الخمار عن وجهها من جديد . وأردفت :

ـ جئت إلى ( المومن ) من اجل ( دعا ) ( 45 ) .

ـ أذهبي إليه . .

ـ لم أنم منذ أسبوع ..

ـ لماذا ؟

ـ رجلي مات .

ـ أعرف ..

ـ قالوا بأنك كنت تطير في السماء ؟

ـ إي .

ـ يمه الخلا ! من رخصتك .

أعادت اللثام على وجهها مرة أخرى , وسارت باتجاه ( الشريعة ) حافية ، كان بأمكاني ان الحظ الشقوق الظاهرة على كعبي قدميها . ثم التفتت نحوي كمن تستطلع شيئا ما . ورمقتني بنظرة غريبة مباغتة تمتد جذورها إلى الاف السنيين . بدا كأن الخال حسين كان بانتظارها قرب حزم من القصب والبردي القريبة من الكوخ ؛ كانه على موعد مسبق معها .. ولم يلبثا ان أختفيا عن النظر بغتة كانما ابتلعهما الماء أو تواريا عني في مكان سرّي من أجمة قريبة .

بدت المسافة بيني وبين غيابهما طويلة مثل الذهاب إلى زمن آخر غائص في المجهولية : كان البردي يزحف نحوي كجنود صفر متراصين مسلّحين ، يحولون دون تقدمي إلى الجوف والبنتان الغريبتان تتقدمانهم . في وقت راحت الكباشة تهتزّ على نحو لم اعهده من قبل . ان تعيش زمنا غير زمنك فهذا يعني : ان تتحرك الأشياء كلها تحت قدميك كزلزال من سبع درجات أو أكثر ؛ فتموج الأرض لحظات فقط ، لتظهر دواخلها في لحظات أخرى فائرات : الساكنون في الجبال والهضاب يعرفون ذلك جيدا ؛ وحينما تغوص الاشياء مرة واحدة ، فجاة ، وتظهر أخرى غير منتظمة أكثر عنفا وبشاعة وقسوة ؛ عندئذ ستعرف انك قد حللت في عالم آخر من الوجود وإن كان يبدو لك على سطح الارض ؛ إلا إنه عالم آخر دائما ؛ و ما هي إلا لحظات كما ترى ويبدأ زلزالنا ، نحن ، هنا . أنظر : الزلزال آية عظمى ، كذلك ، آية أخرى ، أعجب ، لو تأملتها : نخرج في لحظة واحدة من الجوف ، ولا احد غيرنا . بيد ان بني آدم عجولون ، غير متأملين ، غالبا ، وسفهاء في الرؤيا ، ومفرطون في النوم أيضا .

ما أشد حاجتنا إلى ما يقوّي البصر لدينا . العمى . العمى العام . فما الذي يمكن أن يحدث لو ان قدمك حملتك إلي في لحظة واحدة ، وكأنك الآتي من بعيد ، بعيد جدا ؟ الطيارون ، هم نحن ، ياعباس ، ولستم أنتم أبدا ؛ أنتم ممن تركبون جرادات الفافون ، تلك ، وتطوفون بها الارض ؛ في محاولة اخرى ومن نوع آخر لتقليدنا ؛ لكنها طريقنا ، نحن، وتلك ، طريقكم ، ولكلّ وسيلته في الوجود العالي ، على أية حال ، وحدنا ،ووحدكم ؛ لعبتنا ولعبتكم ؛ فمن يبقى على الأرض ، ومن تكون له الغلبة في النهاية ، بعد فناء العالم ، هذا ، نحن ، نحن . دائما .

هيا أرفع قدميك إن استطعت ، هأها، ام إن تلك قضية تحتاج إلى مهارة كبيرة من مهاراتك في التدرّب على العلو ـ ارتفع ارتفع ـ هذا هو المكان الذي يضيق فيه النفس ، ويزيغ عنده البصر، وتخفّ فيه الروح ، ويتعلّم الجسد كلّ المهارات العالية : ارتفع ارتفع ، من جديد ، ولا تخف ،حتى تبلغ المراد من المتعة الصافية : متع زائلة كلّ ماكان في أرضكم الخراب ، ودروب قاتلة ، قنافذ متقافزة ، ويرابيع ، وكلاب سائبة ، وغربان حائمة ؛ ما كان ؛ العالم ؛ هذا هو مثلما ترى : رمل ناعم يخدعك لحظة تضع قدمك عليه . هل تشكّ الآن ؟ : جرف هار . وبيت سار . وطيران أكيد . ررررررر ومقام حميد . عند مليك مقتدر . صلّ على محمد وآل محمد . يا لك من طيار فقير في الحال والنظر . فرْ فرْ ،منه إليه ، مثل هارب من وحش كاسر أو زلزال مروّع .

تفكّر في جسد مارلين الآن يالك من ولد: وانت تعلوه : تأمله : خرء وبول في الوسط ، وأنت تنغمس فيه : دم وقيح :طمث من اوله على آخره . لكنها الرغبة في طيران آخر : نفس متسارع ، ولهاث لا نهاية لـه : طرْ طرْ ، ففي كلّ مرة انزلاق وراء انزلاق . و ركض و راء ركض أعمى على أرض من جليد بأقدام عارية :

الجنود يلاحقونني ، والزمان ، والبنتان الغريبتان تتراكضان ، أمامي : الغوث الغوث ، يا صاحب الغوث : البحر مليء بجثث المسلمين والهاربين إلى برّ المغرب ، ولا أحد معي ، عقل سود ، ولفائف حزن على الجباه .. هربت من هناك إلى المشرق ،المشرق ؛ لعلّي : أرى : ما يكون ؛ فكانت أسوار ( فيينا ) عصية علينا ، وكان ، الموت ، كلّه ، عند السور الاول ، ذاك : جند السلطان يلهجون : الله الله الله الله ! . والأبواب مغلقة و ( الدان ) ( 46) الأسود كالمطر يسقط من السماء القريبة . الصراخ . كان خصيان السلطان ـ بعد ذلك ـ من اكثر المعنيين بالموت في قصوره على البر والبحر ؛ عند سماعهم تلك الحكايات عن النصر ، والنفاذ إليه عن طيب خاطر ، وبقوة الوجود الفض نفسه .

وكان ( سرهيد ) الخصي الوحيد المتبقّي منهم إلى الوقت الحاضر . هل تعرف ذلك ؟ أم إنك بدأت با لتظاهر بعدم الفهم؟ لم أكن أعرف هذا الامر من قبل ـ حتى أنا ـ لكن البنتين هاتين الآتيتين من جوف الهور , اللتين تبعتهما ، هما اللتان علّمتاني ذلك ؛ كلّ ما كان ، يا رجل : عصر تعلّم فيه الخصيان ما كان ؛ وليس ثمة زمن أخبرتاني به ، ولا مكان إنما هم خصيان السلطان الواقفون على الدفة . يالي من عارف فقير أيضا . مثلك . أما أنت يا حسين القرّاء المنحدر من تميم المعروف بالخازن الكوفي السرسفندي ؛ يامن تعلّمت على ابواب القبلة وابواب خراسان وأبواب المغرب منذ ألف عام ، فلا تعرف أشياء كثيرة عن العالم الأدنى ، هذا ، فكيف بك في معرفة ما كان : اللهم لا تجعل الدنيا مبلغ علمي ، ولا كل رجعي . ولا كلّ همي وشأني .

الطبول تقرع ، والخيول تفزع , وبوق الحرب يعوي ، والموت لا يكف عن ترديد رائحته في كلّ مكان ؛ للرائحة تلك وقع أقدام . في السرايا المتقدّمة والاورطات والسقايات ؛ تئن الرائحة بصوت : زززز ، والحاج ( بكتاش ) يصرخ : يا نصر الله يا نصر الله ! . ولا نصر غير طبول قارعة ، وأبواق ، فارغة : طووووط والدماء مسفوكة ، ورائحة العفونة دملوكية فريدة تفوح عن بعد ، بعد كلّ معركة عارمة ( شيّوبة )( 47 ) : رائحة بني آدم الموتى الصرعى في المدى بين المدافع السود والخيول النافقة والدخان ، من الطرفين ، والخدعة تبدأ في طرف واحد ؛ الوهم الذي يبثه سادة الحروب الذين يبدأون لعبة الإختفاء خلف الموتى دائما ؛ تلك الخدعة التي تملأ الامكنة كلها في العالم في إثر كلّ احتدام مباشر : الصخور والبحار والهواء والحيوان والنبات ، ولا تملأ الكتب الآدمية : أنت يا أبا علي السرفندي لا ترى إلا ما في الكتب وحدها ، وقد أفنيت عمرك الذي جاز ألف عام في تأمّل كتبك القليلة التي تحملها معك مثل كتب سحر قديمة : وهذه واحدة من مصائبك . . ومثلمة في طريقتك .

يمدّون لي حرابهم المدماة فألحسها ، ويصرخون : إرجع إرجع . ولا ارجع . وما أنا بعائد قط إلى مكاني حتى تحدثونني عما جرى ؛ ولا جواب . ما أصعب ان نكون نحن العارفين المعروفين الراسخين في الامر ، الظاهرين للناس ؛ ونحن بكلّ هذا الفقر . لكن ( السي بندية ) يتقدمون على غير هدى تخشخش أغمدة سيوفهم ،و يتبعهم ( التفنكجيه )( 48 ) ، والفرسان المولوية الذين لم ترتجف لهم عين ولا زاغ لهم بصر، ولم يرف لهم جفن ساعة على الرغم من الهول كلّه ؛ فقد تعلّموا أن لا يهابوا مثل هذه المواقف ، ولا ينامون في هذه السوالف قط ،فالولاء لسلطان البرين والبحرين هو هو ، الباقي ، في كل الاحوال ،وهو كظل الله في الارض ، والموت في سبيله ( خلاص ) آخر لهم من عالم أكتظ بالعنف والقسوة والغياب الحتمي غالبا . كان ( صباحك ) من ( السرسريه )(49) المتمردين الذين هربوا من سوح الوغى في حصار فيينا ، وساروا في الوديان حتى بلغوا مع جماعة مارقة في ( بستان قريش ) :

ولم تكن أرضا ؛ الأرض نعرفها تماما ، تسير عليها أقدامنا ، وتطعمنا ، وندفن فيها ساعة ، ثم نغيب حيث لا يسمع بنا أحد ، ولا ينادينا باسمنا أحد . كان ـ في الأصل ـ بساطا مطويا ، أحمر قانيا ،مثل ريح تحت الأقدام . ثم فتح لنا بغتة ، و دونما سبب واضح ، فخرجنا منه على حين غرة ، وخرج معنا الآلاف المؤلفة من الزنج العاملين في سباخ البصرة الواسعة ، والزط ، والتائهين ممن لا أصل ولا فصل لهم ، والممسوسين بأرض تأويهم ، والفاتحين المدججين بالسلاح ، والسفلة ، والغجر : تقرع سياط الجند العباسي ظهورهم ؛ فيسقطون صرعى ، وتدوسهم سنابك الجياد وهي تصهل ؛ قيل لهم : هاهو ( بستان قريش ) فاعملوا بقوة ، وأعلموا : هنا نهايتكم . . ولم يكن بستانا حقيقيا فهو يشبه الأرض الجرداء في هندسته فقط ، وبدا طويلا وعريضا ، ومتعرّجا في أعلاه ، ولا وقت لتأمله ، ولم يكن يبدو لي ـ لأول وهلة ـ أن ثمة نهاية معلومة لـه أثناء ركضنا على أديمه معا ( ومنذ أن لامست أرجلنا سطحه مباشرة ) ومنذ أن خرجنا على حين غرة من تلك المياه الضحلة والمليئة بالاشنات في وسطه ، مما حدا بنا أن ننفض عنا ما علق بنا من بقايا نباتية أثناء عدونا المتواصل : وهذا هو كلّ ما في الأمر الآن ، في الأقل ، وكما نذكر ـ كلانا ـ في هذه المرة ، من خروجنا ؛ فالأوقات التي ظهرنا فيها غير ملائمة غالبا لقول كل شيء ، و في حالة العدو كما هو معروف ؛ لكنها ساعات ليست غريبة جدا على أية حال ، ويمكن ل ( بستان قريش ) أن يأوينا مع آلاف الزنج الهاربين من عمل السباخ ،والقبائل غير الموالية , وكذلك أولئك الجند المطاردين والخارجين عن الطاعة في كل الأماكن والأمصار .

ولم يذكر ( البلدانيون ) شيئا في رحلاتهم عما جرى للزنج قط ،ولا للجند ، ولا للزط ، ولا للنساء اللواتي يجلبن من بلاد فارس ومن أقاصي مرّاكش ، البربريات الناعمات ، ولا لتلك الظواهر التي تستحق النظر ، واستهوت سماع العامة ـ ربما وعلى حدّ علمنا ـ ولم يدون مسجلو الحوادث حسب الأيام والشهور والسنوات أي شوط من عدونا هذا ـ نحن جميعا : بيضا وسودا وملونين ، عربا وأعاجم وبلا أنساب ـ ولم يشيروا إلى أية مدينة مررنا بها ـ هنا ـ في تلك الظهيرة من آب ، في حين ، أن ما حدث لنا لم يكن حدثا عابرا ؛ بعد أن شاهده العامة والخاصة والزنج والجن والملائكة وربّ العزة على عرشه ، هناك ، في العلى : أن يا الله نجنا مما نحن فيه و ارحمنا مما نحن عليه ، راعنا وانظرنا ،واسقنا شرابا نرى فيه ما نرى ، ويكون الركض لنا حسنة في ميزاننا ، واللهاث خفيفا ، والوصب قليلا ، فيمكننا أن نسمع في ( بستان قريش ) هذا الزعيف والرفيف والصفير ،يا الله ! ، ولذلك فقد علم بنا القاصي والداني والوسيط ، فلحظة تبعنا كل ذلك العسكر العرمرم الذي أثار ما يكفي من الغبار وراءه اهتزت الأرض ـ كما هي تهتز الآن ـ على غير عادتها هنا ، و في هذه الأماكن بالذات ، وبدت الأشياء غريبة ، و أكثر لمعانا عن ذي قبل ، وأصعب رؤية أيضا ، فنفرك عيوننا كي نشاهد ،ولا أحد ، وننام كي نشاهد ؛ ولا أحد أيضا . خسرنا خسرنا . ولم نعد نشاهد ـ بعد ذلك ـ أيا من الزنج والزط ..

ولحظة تبعنا ذلك الرهط المغامر من العسكر الذي لم يتورع عن تطويق المدن والقرى والوهاد والواحات ، حتى كان من الصعب علينا أن نلتقط أنفاسنا قرونئذ ، وأصبح الركض ، هو كلّ ما يمكن أن نقوم به . فخاضها خلفنا الحرس والعسس والعامة الذين يرغبون بمعرفة ما سيجرى لنا على حدّ سواء ، وفي وقت واحد تقريبا ؛ أمكننا أن نرى (صاحب الشرطة ) وهو يستعرض رجال العسس في ليلة البحث الأولى عنا نحن البنتين التائهتين العاملتين . وكان عسكر ( أمير المؤمنين ) أكثر صرامة وأشدّ عنفا في البحث والتقصي عنا ، فاستجوب كلّ من له علاقة بالأمر، أو ليس له أية علاقة أيضا . وكان يمكن أن نجد على طول الطريق الراكضة معنا : مئات الرؤوس المقطوعة ، والجثث الممزقة إربا ، والبيوت السخام للعامة والزنج والزط والعرب ، والقرى المحترقة ، والمدن المنهوبة .

وحينما أكمل الحرس استعراضه في الكوفة قبالة قصر( الأمير ) أثار فزع العامة من جديد على نحو أكبر ، وبدت الأمور أكثر أهمية ، وأشد رهبة منذ أن خرجنا من جوف تلك المياه . ثم غادر بعض العامة إلى الصحراء طلبا للامان ، في حين كان الخاصة يجهّزون أمتعتهم للمغادرة إلى مدن أكثر أمنا ، وأبعد شقّة عن خط سير الجند و عما يمكن أن يعيث به أولئك في كلّ الجهات التي واصلوا فيها البحث عنا . وبين الاستعراض المهيب للعسكر وهياج العامة ، ظهرنا ، هذه المرة و على نحو أوضح من كل مرة سابقة ، وفي وهدة من الزمن فريدة : البنتان السمراوان الغريبتان التائهتان في أسواق الكوفة اللتان تمسك كل واحدة منهما بيد الأخرى مثل أختين توأمين ، وهما تركضان على غير هدى ، وبلا تعارف مسبق ، ولا صلة قربى بينهما سوى أنهما خرجتا من الماء معا.

وعلى الضدّ مما أشيع عنا لدى العامة : من أن قوى خفية كانت وراء ظهورنا ـ تتبعنا ـ في هذا الوقت بالذات من القضاء النهائي على الزنج وحتى ظهور مدافع الفرنجة في الشرق ؟ فظهر أن ليس ثمة تدبير سابق بين أي من أولئك الزنج أو السحرة أو المشعوذين أو الصوفية الشاطحين التائهين في الفلوات ، أو أولئك الذين يعيشون أعمارا ـ بقدرة الله ـ فوق أعمارهم ليروا ما لا يراه أحد من الخلق أجمعين ؛ ولا أيا لأولئك الكتبة المعنيين بالمقامات السرّية التي تكتب بخاصة لإشعال الفتن أو المشاحنات بين العامة ، أو إنشاء ( الفرق السرّية ) ضدّ ( أمير المؤمنين ): المسألة ببساطة هو سؤ فهم شبه متعمّد ولعين ، بين أولئك (الرواة الكذبة ) و ( البلدانيون ) و ( الكتبة ) و( النساخ ) و ( الورّاقون ) وحتى بعض أولئك ( القراء ) الذين لم يعمدوا إلى وصف كلّ ما كان في البلدان من حوادث عابرة ، أو مكائد سافرة , ولم يقوموا بتدوين الحوادث إلا من غرفهم في دار الخلافة ،ولم يكلفوا أنفسهم عناء زيارة البلدان التي كتبوا عنها ؛ كما لا يمكننا أن نتهم أولئك ( القرّاء الفقراء ) الذين تكتظ بهم أسواق الكوفة الهائجة في إحداث كلّ ما يدخل الغضب إلى قلب ( أمير المؤمنين ) ، فالقراء كانوا محض كوّات زنابير طنانة ؛ وكل ما كان منهم أنهم أشاعوا أثناء قراءتهم للقرآن ما حدث للبنتين العجيبتين من متابعة وفشل في إلقاء القبض عليهما من العسكر وعسس وعيون الأمير في الكوفة.. وهذا هو كلّ ما في الأمر.

وإن لكلينا ـ نحن البنتين التائهتين ـ ( شارة ) معينة في الجبين الأيمن تشبه سعفة ذهبية متحركة بحسب أوقات النهار .. ويمكن لكلينا ـ على وجه التحديد ـ أن تتعرّفا على بعضهما من خلال النظر وحده ، وهذه من الأشياء التي لما يدرك سرّها بعد ( الكتبة ) فالبلدانيون لم يعيروا مثل هذه الأمور التفاتا ، وبدت محض تخرصات جائرة ، كما قبع كتّاب الحوادث في إخفاء كل ما يمكن إخفاؤه رغبة في ( إجماع المسلمين ) على قول واحد ، ويبدو بأني ـ أنا نفسي أيضا ـ أخشى أن لا أصل إلى جوهر ما حدث ؛ وهذا يعود إلى جهلي المطبق بهذه الأمور حقيقة ، وغفلتي ، ورغبتي في الحصول على بعض المال دائما من ولاة الأمور ، أو الميسورين الراغبين في معرفة المستور .. ناداني :

ـ يا صاحب المقامة ! أنت ما أسمك ؟

ـ حسين ، يا سيدي!

ـ في أية مقامة تقول هذه الأيام ؟

ـ البنتان التائهتان في الكوفة والجند الذين يستلّون السيوف المعقوفة خلفهما .

ـ مقامة جديدة لم نسمع بها من قبل ؟

ـ ليست مقامة ؛ بل ما يقال في الزمان . .

ـ هممممم ، اسمعنا إياها إذن..

ـ على الرحب والسعة يا سيدي .

والله اعلم بسرّهما ، وهو الولي على حالهما ، العارف بشأنهما ، وتابعهما ، المطّلع ، الخبير ، الجبار ، المتكبر سبحانه .. أما أنا فلا شأن لي من قريب أو بعيد إلا في نقل الخبر وتدوين ما كان ، وتحري النظر ، والتدقيق ، والابتعاد عن الضرر ما أمكن إلى ذلك سبيلا ، فلا حصة لي من هذه الدنيا غير دراهم معدودة من فضة يلقيها عليّ سيّد مبجّل سمّاع لما أقول.. وما يرد عنهما ـ كلتاهما : سعدة وحفص ـ هو محض اختلاق مني ! لو شئتم التعمّق ، أو أردتم التحقق ، فطالما فكّرت : ما الذي يسحر لبّ الناس ويقربهم من أصحاب المقامات ، فيشغل خيالهم ، ويقوّي بصيرتهم ، وما الطريق إلى جيوبهم ، وبخاصة أولئك السادة الأشراف منهم ؟ وكيف يتسنى لكل أولئك القوم الوقوف على بابي وسماع اختلاقاتي هذه من بدايتها إلى نهايتها دون أن يعترض عليها أحد أو يجادلني في الأمر ولي أمر ؟! فهي قد تصل حدّ الترهات أحيانا ، وما يقال فيها لا يعدو أن يكون أضغاث كلام ؛ وهي سواء كانت صحيحة أم لم تكن فإن جلّ ما كان فيها هو ضرب على غير رمية في الزمان ونقر على ما كان .. والسلام . كما إني لست بكاتب ، ولم يسبق لي أن عملت في سوق الوراقين يوما ـ أعوذ بالله من ماء الزعفران وريشة السلوان ـ وكل ما هناك : إن أحد الميسورين من أهل الكوفة قد كلّفني بمهمة اللحاق بهما: هاتان الأختان الغريبتان ، وأجزل لي العطاء في تقصّي أخبارهما ، ونقل ما كان على الشفاه وحدها ؛ وهذه هي مهنتي : ملاحق دائم . ولذلك فإن كل ما يصدر عني من جهل أو سؤ تقدير أو افتراء هو من الأشياء المتوقّعة عني كما يعرف ذلك كل لبيب حاذق ، أو سمّاع رائق . وقد أخبرت ( السيد الميسور ) وهو من أشراف القوم وعليتهم ـ هذه الأمسية ـ بذلك منذ أول لحظة لتلقّي مهمة اللحاق بالفتاتين اللتين عجز الجند عن اللحاق بهما لسرّهما الباتع ، والله المعين .

الركض منذ الصباح الباكر على ارض الكوفة يطيّر غبار الأزقة الضيقة خلفهما مثل عاصفة ترابية صغيرة حتى تتحول الجلود إلى غبار ،غبار سنيين مريرة ، ففي الظهيرة لاحظ ذلك الجند و صاحب الشرطة نوع العيون التي ترصد و الأرجل التي تعدو وكأن طبقات من ( النورة ) عليها . وكان الجميع يراقبونني مما عقّد من مهمتي ، وصعّب عليّ سلوتي في الدنيا ، فذهبت إلى السيد الشريف السمّاع للمقامات ، وقلت له : يا سيدي أعفني من الركض خلف البنتين ! ، فأنا لم يسبق لي أن ركضت وراء أحد ما بهذه الطريقة ؟ وتكاد أقدامي أن تتحول إلى قطعتين من الكلس .. لكنه زاد العطاء لي كما يفعل في كل مرة . ثم ركض خلفي ـ هذه المرة ـ كل العسكر والعسس والشرطة والعامة في مهرجان لم تشهد لـه الكوفة مثيلا في كل ( بستان قريش ) . وساء في الأمر بعد ذلك أولئك الغوغاء الذين أدركوا ما يحدث بسبب كل هذا الحشد من العسكر والناس ، وهم معروفون بالرغبة في التجمّع والركض وراء كل ما هو غريب ؛ حيث لم تعد ركضتي غائبة عن أحد بعد أن أصبحت مهمتي غير سرّية الآن ،ولذلك رجوت النقيب العباسي إبلاغ ( أمير المؤمنين ) رعاه الله وأيده بنصره في عدم تمكّني من نقل كلّ ما يحدث للفتاتين .. فقال :

ـ يا بن البوالة على عقبيها ! ، هل تظن أن الأمر بهذه السهولة ؟

ـ لا . لكني لست الرجل المناسب لهذه المهمة الشاقة ، وما أنا إلا قوال مقامات جوال .

ـ قل لنا مقامة في إذن .

ـ وماذا أقول فيها ؟

ـ هل أعلّمك ، أيها القوّال ؟!

ـ و هل أقول إلا ما أرى ؟

ـ أيها الأغبر ! وهل ندفع لك كلّ هذه الأموال من أجل أن تكتب ما ترى : أي غبي أنت ؟

ـ فماذا أفعل ؟

ـ و لماذا تحرجنا أمام أمير المؤمنين إذن : اكمل ما لا ترى للناس ؛ وما تراه لنا فقط .. ؟

ـ لكنكم تتدخلون في عملي ، وجعلتم مني أضحوكة لمن هبّ ودب من عسكركم ، وأصبحت محطّ أنظار العامة والدهماء ومحبّي الفتن ـ أقبلت الفتن جميعا ـ والباحثين عن المحن ، سريعا ، ولم يعودوا ينظرون إلي على إني مجرد قـوّال و ( مقاماتي فقير ) ؛ بل صاحب معارف و أسرار لا تقدر بثمن مما جعل حياتي مهددة دائما ، وأنتم أعجز الناس عن حمايتي .

ـ هذا شأنك ، وعليك أن تتحمل ما بدأت ، وإياك وغضب ( أمير المؤمنين ) !

ـ كيف ؟ لم أعد أحتمل .. يا سيدي .

ـ يمكنك أن تجرب رقبتك تحت سياف ( أمير المؤمنين ) إذن .

الوقت وحده هو الحكم في النهار، وهو الضامن لي في القبض على تلكم البنتين العجيبتين . وما كان النهار نهارا ، ولا الركض جهارا ، ولكنه دسّ في الزمن ، وتحايل على المكان أيضا ؛ فمن الأمور التي علّمني إياها السيد الميسور : أن كل ما يجري هو جار في كل العصور .. بائن في كلّ الدهور .. فلم أفهم ما عنى ، ولم أعقل ما رمى ، ولم أرعو عن حبّي العجيب للدراهم الفضية والدنانير الذهبية ، فقد كان منظر الدراهم الفضية مبهرا بالنسبة لي وهي تهرق أمامي على الأرض فألمّها كالمخبول ، وأشمّها كمن به داء عضال في رؤية المال ، وما أغباني ، ففي كل مرة يسيطر علي رنينها ، ويتملّكني طنينها ، تأسرني حتى صرت عبدا لها ، ولم أستعذ بالله من نفسي ، ولا شبعت من المال حضني : خلّي وخليلي: يلقون إلي بها فأصرخ : هل من مزيد ؟ ما أشد حاجتي للمال في كلّ الأزمنة وفي كلّ الأمكنة ، وفي كلّ العصور كأنما كان المال ديني وديدني , بل ، قل : إني لم أشأ أن أفهم كلّ ما قيل لي بسبب حاجتي للمال .. ما أبشعني ، وما أغلظ قلبي ؛ حتى ناداني المنادي من الجوف : أن ليس ثمة لذلك نهاية ، وليس لذلك فراق حتى ترى ما تؤول غليه بعد مائة عام بالتمام والكمال ، وبعد مائة عام ، كنت ، أظهر من جديد ، فأرى المال وقد تغيّرت طباعه ولم تتحسّن رقاعه ؛ ولذلك ومنذ ذلك الحين ، والدراهم لا تقف في يدي ، والذهب يتحول على تراب : ما أن تلمسه أناملي .. ثمّ عاودت الركض من جديد حتى لحقت بهما . . قالت إحداهما :

ـ بعيدا بعيدا . صحت وأنا ألهث :

ـ إلى أين ؟

ـ لا ندري . و قالت الأخرى :

ـ بعيدا بعيدا !

ـ في أي اتجاه تركضن بعد ذلك ؟ وهل بسبب الخوف مني تفعلن ذلك بي ؟ فقالت إحداهن لم أستطع تمييزها:

ـ هل ما يزال وراءنا هذا ( العين ) اللعين ؟

ـ ما يزال ..

ـ ماذا يريد وخلفه كل هذا الخلق ؟!

ـ لنركض لنركض !

ـ ماذا تريد يا حسين منا !؟

ـ توقفا عن العدو ولو لحظة واحدة ، ما أنا إلا طالب معرفة : تابع!

ـ ( تابعة ) ومن يصدق ذلك منك؟

ـ أنتما اللتان تتبعاني منذ البداية .

لم تكونا تلهثان مثلي . أما أنا ، العبد الفقير إلى الله ـ حسين القرّاء السرفندي القوال في هذا الزمان ـ فقد تحتّم عليّ أن ألحق بهما ،في كلّ شعب ن وفي كل درب ، وأن أتبعهما في كل حي , والج معهما كل قفر ، فأرقب معهما كلّ جيش آت إلينا ، أو متربًص بنا ، منا أو علينا ، لأن الجميع مشكوك في أمرهم . تماما كما كنت أفعل إبان ( ثورة قراء القرآن في الكوفة ) حينما حملت الماء إلى الجرحى والعصابات كتابع إلى الموتى كي أشد رؤوسهم بتلك الخرق السود الباليات، وفي تلك الأيام الخاويات الحزينات إلا من لا إله إلا الله .. وما أبشع ما رأيت ، وما ألعن ما عشت ، وما أكثر الأدعياء والسفّال ، وما أقلّ أهل السر والأحوال . ولم يكن ثمة أحد من أولئك الجند يدرك سبب قيامي بذلك العمل قط ؛ وحينما سئلت من الشرطة عن سرّ وجودي في هذه الأماكن التي يعمل فيها ( العيون ) ، لم أجب ، وهربت إلى لا مكان ، تتطاير خلفي العصابات الباقيات من يدي وجيوبي ورأسي وأقدامي ، حتى اختفيت في أزقة الكوفة الضيقة من جديد . ثم غيّرت أسمي وعنواني وقبيلتي وفصيلتي ومهنتي . وعاودت العدو ـ هذه المرة لحسابي ـ حتى استطعت العثور عليهما مرة أخرى .

فسألتني سعدة : من أنت يا هذا ؟ وماذا تريد منا ؟ ولم تلحق بنا إلى كل مكان نريده ، وفي كلّ أمان نقصده ؟ وأردفت حفص : هل أنت من الزنج أم من الجند العباسي أم من الخوارج أم ان الصوفية أرسلوك خلفنا لمعرفة سرّنا وما يكون من حالنا ؟ اعلم : أن لا سرّ لنا ، ولا سلوك ، ولا طريقة ، ونحن في ( بستان قريش ) كما ترى .. وهذا يكفي .. قلت :

ـ ما أنا إلا عبد أراد أن يعرف ..

فقالتا بصوت واحد : وهل عرفت شيئا الآن ؟

ـ وماذا تفعلان لأولئك الذين ما زالوا يصرّون على المعرفة ؟

فضحكتا بغنج طفولي ، ولم استطع اللحاق بهما بعد ذلك في هذه الوهدة بعد أن قرأتا ( دعاء ) لم أسمعه بالسريانية أو الآرامية القديمة .

وظهرا كلاهما من خلل القصب والبردي مثل كائنين جاءا توا من عالم آخر .. وقال الخال حسين : هل رأيت ؟ هل رأيت ؟ فلم أحر جوابا . . وطفقا يضحكان . ثمّ كتب لحسنة ( دعا ) يساعدها على النوم .. وبعد أن غادرت حسنة بصق على سطح الماء فبدت سورة مفاجئة ، حيث ظهرت البنتان التائهتان من جديد ، وعاودتا الركض دون أن يعبأ بذلك الخال حسين ! قلت :

ـ ها هما يا خال ثانية !

ـ من ؟

ـ البنتان .

ـ هل حششت من جديد ؟

ـ أراهما . أراهما .

ـ هل أنت متأكد مما ترى ، ولم يداخلك جن أو شيطان ؟

و غادرني لا يلوي على شيء . تتبعه الطيور البرية والسحالي والأصوات الآتية من أماكن مختلفة والريح : للريح وحدها شأن آخر : كانت من القوة أحيانا تكاد تطيّر الواحد منا . السنون الألف . في غرس الأرض . كأس مفضض وممتلئ بالماء والريح الآتية من الجنوب . أشرب . لا إله إلا الله .هذه كأسي ، وهذه طريقتي ، من حاد عنها هلك ، ومن سار فيها سلك . أبتغ إلى الله الوسيلة. الكوخ خال ، و الفواخت تدور . ووجهك أصفر . وما يمكن أن يكون هو من الأصفر و إلى الأصفر ، وفي الأصفر . أحذر . وانتظر .







































































كآبة المسافات الفارغة البيض . هناك . ثوب الخلود البنفسجي المتهرئ . وخانات العروض الميتة للنساء في المدن الضوئية. هناك . شبابيك خشب مربّعة وعويل . هنا . شبابيك حديد باردة . أتبع من ؟ الأبواب مغلّقة ، والمزاليج ضخمة كأنما هي من عهود الرومان . أراه . يذوب على الشفاه . ولا أستطيع البوح . المسافات ، بيننا حريق . دعني . الآآآآآآن . ضؤ شفيف . في نهاية الرواق ، والمهاجر البصري يحمل قرآنه على صدره ، ويتهدّج بصوت رخيم : أن الحمد لله ربّ العالمين ، مالك الملك ، تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء ؛ تعزّ من تشاء ، وتذلّ من تشاء .

خزائن الأرض . خزائن السماء . أريد ولا أريد . البله العميق . الحزن . وهذا الذي يطوّح بي في كلّ لحظة : ماذا تريد ؟ (منصور الراقوص ) هل هو سعيد ؟ ثوب المجد الليلي واللواط . العطفة مغلقة . باب حديد . الطرق غير مجد . هنا . لا زمان . يهفهف الثوب على السور ، والعلم الأحمر المزدان بالهلال والنجمة . ولا أحد . حارس المركبة نائم ، والسماء ملبدة بالغيوم ، والخيول ساكنة بانتظار العاصفة . والليل : الليل له نهاية في هذه الطريق الموصلة إلى جسر الحديد المعلّق الوحيد ، هناك . سأترقّص مثل منصور هنا . ولن أتبع إلا نفسي .

اتبعني . وسترى . كفاك إتباعا لنفسك يا عبس : من لا شيخ لـه كان الشيطان شيخه . هوووو . هل تفهم ؟ أيها الطيار ( الورواري )( 50 ) . السماء التي غادرتها الحياة : لا طير ولا خير ولا دان . ولحظة رأيت ما رأيت وأنت في الجوّ الأدنى كان كلّ شيء في خبر كان . هناك . كان مجرد باب صغير من اثنا عشر بابا وعلى كلّ باب آيات كريمات ، وعلى البروازات أحاديث صحيحة ، ونقوش مذهبة ، ورائحة مسك قوية ، ذلك ؛ مما كان ، ومما سيكون ، ولو بقيت قليلا لأصبح لك شأن ما في هذه البلدان ؛ لكنك عجول ، ولكل عجول عثرات وكبوات . هنا . إذا ما أردت الحقّ ( قلقل القاف يا عباس في نطق الحقّ تفز ) فجميعنا طيارون . ولنا مع السماء الميتة حكاية . حيسما حيسما ! . أما تلك السماء النابضة بالوجود والتدفق ، فهي في طبقة أعلى ( أيوث )( 51 ) ولا يصلها إلا من أتبعه شهاب نور فائق . فتشتعل فيك الحياة الباطن ، كما هي النور الدافق ، فترى ما لم تره عين وتسمع ما لم تسمع به أذن ، فالسر في فندي : الذي أطّرح كل ما هو ماثل إلى ما هو جواني أنور ، والنجم فيه بعيد ، والدروب إليه قريبة ، والمسالك صعبة ـ قطع نفس ـ لكنه أقرب من حبل الوريد . فقط . هنا ها هنا . ( وضرب على صدره بيده اليمنى ) في القلب . نرى . عيون وعيون . فنون وفنون . اقدم يا صاحب الخرقة الآن . مددك وتكون الخاء مطوية كذيل أفعى . والنون سفينة . والهمزة رأس طيران . والألف عمود الوجود ، كلّه ، وسرّ البقاء .لكل حرف مملكة . ولكل رسم فذلكة ؛ لا يدركها إلا من كان له في الزمن شان . وللنهار منازل وأوطان . ولليل مسالك و مجرات . ولا تسلني عن ليل المدن الميتة الكبيرة التي رأيتها : غابات إسفلت . حطّب ما تشاء ، هناك ، لا دفء ولا نار : ارتجاف وصرير في زوايا مهملة . عربات مذهبة كبيرة محمّلة بهم جميعا الوجوه المصبوغة بالبوية ؛ تمرّ في كلّ يوم أمامك أجسادهم ؛ فترى القياصرة و الملوك والسلاطين والأمراء والرؤساء والقادة والتجار وأهل الحرف الكبيرة والعمال والفلاحين والكتاب والعاطلين عن العمل والمجاذيب و السراق والقتلة والمعتوهين والسفلة ؛ كلّهم ؛ بلا عيون و بلا آذان . ولا أحد ، بعد ذلك معك هناك : تراهم ولا يرونك . الله الله . تتبعهم ولا يتبعونك . ثمّ تطبع عجلات العربات خطوط دماء حمر على الأرض اللامعة الأخاذة التي تشبه الرياء . لكن أحدا ما لم ير ذلك قط . ألانا . ولا يدري الميكانيكي الروسي الآتي من بلاد الزرق : بان الوردة الصفراء على صدره قد تهاوت ؛ مرمية على الرصيف تدوسها الأقدام . ولا أحد . ولا أحد قط . انتحر بسبب وردة صفراء على الصدر العريض . وكانت الخاء ميتة لديه كما هي عندنا دائما . معنا معا بدونها . من زمن ( الحاج بكتاش ) وهي همممممم ، والروس يهجمون والقياصرة يطمعون ،والسلاطين ينظرون ؛و العالم يغادرنا ، و لو أن أحدا من أولئك الذين كنت معهم هناك ، في الصحراء ، حدثته بما ترى لملأ بطنه قهقهة وصراخا ، وداخ ، وسقط مسطورا سطرة ( العباس أبو فاضل ) الذي يسطر كلّ دعي أخرق .

سكرة روح . ولوعة نفس . ولو حدّثته عن ( الغربه ) الذين رأيتهم ، هؤلاء ، لملأ بطنه صخرا ولم نام ليلة على جنب واحد فقط ، ولما قام من مكانه حتى يرفعه اثنان من خدمه . تعرفون وتحرفون . ما هو مسطور مسطّر في الكتب عندنا ، وما عندكم أنتم شيئا ، مما هو في ألواحنا . مكتوب عندنا : أن ترى ( الغربه ) هذا اليوم . وقد رايتهم . مكتوب ان يغادرون في هذا الاتجاه ؛ وهاهم يغادرون .. لكنك أنت لم تر أولئك ( الغربه ) بعد ، كما هم ، وكما رأيتهم أنا . وبالرغم من ذلك فهم سيلتقون بك وستلتقي بهم . حتما . إنهم داكيريون من طراز آخر . كلّ ذلك مسطور عندنا ، في كتبنا ، بيّن كحرف من ذهب ، مثل شمس في رابعة النهار . ولكنك حتما لن تعرفهم آنذاك ، ولن تفهم منهم شيئا : هات صدرك ، هأها : رح رح ( وضربني على الجهة اليسرى بكلتي يديه ) : لا أحد غيره في الصدر ولا أحد بعده في الصدر أيضا : هوووو ! . هنا .هنا . المنبع و المنزع . وهو أعلم بسرّنا ، وهو أدرى بحالنا ؛ إنهم كجماعتك الداكيريين هؤلاء ( الغربه ) فقراء وممسوسين ، وليس ثمة بينهم صبّوح ولا مارلين و لا زريفة ولا حبش الأبهق ولا نجية ولا سرهيد ، ولا أحد ولا ماحود .

أنا أعرف كلّ أمكنة ( الغربه ) : في جزيرة (أم الدود ) و ( الحلفايه) و ( الطناطله ) و ( سورة العبد ) و ( العاصي ) . إنهم ليسوا مثلك : لم يصعدوا إلى السماء ، بل هبطوا إلى الأرض الدنيا ـ تحتنا ـ ولكن أية ارض ـ حيرضاء ! ـ أرضهم،تلك ، وما هي بأرضهم أبدا ، هم ، التي يسيرون عليها ولا يعرفونها حقيقة ، وهي أعرف الناس بهم :تكلّمهم ولا يكلّمونها ، وتومئ لهم ولا يفهمون إيماءاتها . هل أدركت الآن لم تسقط من بطن امرأة على أرض معينة ، يا كابتن ؟ صدّقن والمعبود في الأرض : عندما رايتهم ـ لأول مرة ـ كانوا يرتدون دشاديش فوق البنطلونات العسكرية المتهرئة ، والدنيا غبش ندي لذيذ . والعالم غير العالم ( فراهة ) و هدؤ فبدوا مثل آتين من جوف الهور ، وما هم بآتين من جوفنا ؟ لا تستعجل سترى وتشبع رؤى ، وتنام ولا تنام وستنسى ( الخخ ) دائما . هنا . وأنت . غير . كلّش . معنا . لكن من الصعب على المرء أن يتحول ، هكذا بين ليلة وضحاها ، والضحى ؛ من هذا الطرف ، إلى طرف آخر ، وبسرعة يشتعل القلب به به به ، عجب يا شهر رجب ، وأنت ، مثلك ، أفهم أفهم ؛ غريب بني آدم ، لكنه واهم كبير ، دائما ؛ ولو بقيت معي مائة عام أخرى ؛ لعرفت ما كان ، وما سيكون : إنه محض لعب أسود مرير ولا معنى لـه ، ولكن الأغرب من الغرابة نفسها هؤلاء ( الغربه ) الذين ظهروا لي في أيامي الأخيرة هذه ، مثل سكينة خاصرة : وأنا الذي أطلقت عليهم هذا الاسم المحبب إلى نفسي ، وحدي . اقدم حيسماء اقدم حيسماء ! إلي إلي ، هووو . ززز . لا أحد . ولكن أحد ما في المدى الآن ، أراه فلم لا يأتي : أي عذاب هذا ، و في هذا الوقت بالذات : لا رؤى ، ولا مدد ، ولا بلد ، ربما هناك نجس قليل في دشداشتك أبو العبس ، خالو ؛ ابحث عنه . لا شيء ؟ إذن هو نجس الدواخل ـ لتعرف ذلك ـ فأبحث أبحث مرة أخرى . ها ؟ . شاذية كبيرة تركب على ظهر خنزير برّي . ماذا تريدين منا ( جولده ) ؟ ألم تشبعي من لحمنا ؟ ألم ترتوي من دمائنا ؟ أولم يحن الوقت للمغادرة : ولّي ولّي من هنا . وقتنا لا حساب لـه : الأيام هي هي ، والساعات هي ، والسماء نفسها . هنا . أيها القابل بالمتابعة ، الراضي أخيرا ، العجيب ؛ كم طوّحت بك الرؤية : وما قتلته ، وما ألقيت به إلى البئر ، ولكنك دفعته في لحظة ، واحدة ، لا تتكرر ، أبدا ، إلى الجوف : أنا رأيتك . كانت أرضا غريبة ، فاجرة ، تلك التي وضعت قدمك عليها ؛ أرض موات ، واسعة ، تشبه كف اليد ، ولم تطأها قدم بشر ؛ وطأتها أقدامنا ـ نحن خواص الخواص ـ لأول مرة ،حرثناها ، وسكنا فيها ، وسوّرناها في ليلة واحدة ، وعملنا على حمايتها من الخنازير البرية المهاجمة العنيفة ، والشواذي العابثة : جنائن خضر من ماء وغصون كثيفة في إثر جنائن : خرير متواصل عجيب ينهمر من عل ، دائما كأنما الأفنان المرسومة في الكتب الموروثة . ثمّ سكنها الجن ؛ وما ضاقت ولا تعبت : طيور وسمك . لكن فئة منا قالت : طيور وسمك ، ليل نهار ن مللنا ، فهبطوا الولاية ، فتلوثوا ، أصبحوا عمال قطعة ، وحراسا ، ولصوص دجاج، و صباغي أحذية ، و قواويد ، ولم يعودوا . هل جربتها ؟ (الليشن ) الغارقة في جوف الهور : ذات السلاسل التي لم يشأ لها الله التحرك من مكانها ؛ أغطس معي يوما ، غص غص ؛ ولا تغصّ في الكلام ،و أكتم ، وسترى وسترى ما لم تره من قبل عين ، وستسمع ما لم تسمع به أذن بشر من قبل ومن بعد : تتلألأ السلاسل في جوف الماء : سلاسل من ذهب تغطيها النباتات العميقة وأمواج الهور السفلى . والله شاهد ستشاهد : تشهّد .. و تعلّم مني : ما يكون ، ودع الآن للآن ؛ و ما كان للكان ؛ وألو معنا عنق الزمان : أقتله بسيف الوجود الكبير ؛ في الأقل حتى تفهم ما يقال : فأنت قليل المعرفة ، بليد النظرة : أمة خلت وحجارة بلت ، وخرائب ( الليشن ) : دنيا وآخرة ؛ لو تأملت في عمق الماء . هناك . هل رأيت ما كان وما سيكون الآن ؟ ؛ لا ترى أبعد من تلك الأجمة من الزروع ،أعرف ذلك ، وكي تغمض عينيك على شيء ما يا ولدي ، هنا ،هنا ، عليك أن لا تسأل كثيرا واستعمل عينيك قبل لسانك ، وقدميك قبل إقدامك ، ولا تدس على أرض قبل أن تعرفها لأن القيعان منازل ، وفي كل شبر ملك أو جن: تعلّم من الصمت وحده ،وهذا هو الأفضل إذا أردت النجاة ، واترك الهذر ، والبذر ،والفتات الآتي من الدنيا الخادعة ، واقبل بما تجود به الأيدي عليك من خير ظاهر وباطن ، ولا تركن إلى ما لا ينبت ولا يثمر فيك . ماذا كانوا يريدون أولئك (الغربة ) ها ؟ عالم من الخبز الحار من التنور ، كل كل ، خذ هذا القرص من يد خالك . و أنظر ما ترى ؛ خبز شعير أسود . كل كل ؛ لا تستحي : يمرّ الشهر والشهران ، وليس في بيتنا إلا الطيور والسمك ، ما اقل حيلتك في الدنيا . أنا لم أحدّثهم عنك إلا نادرا : أحاديثهم لا تعنيني ، ولا أفهمها ،غالبا ؛ لكني أراهم في كل يوم تقريبا : الرجال الغبش ، معهم امرأتان : إحداهن مثل فص الماس. إنهم يرون فيّ ما لا أراه فيهم . تعال تعال . هنا يكون ( شق عثمان ) هاهو ذا ، هل تراه ؛ شيء ما غير ما رأيت من قبل : أرض خضراء لا نهاية لها ، في هذا المدى الذي نخوض فيه على الأقل . والناس ، كل الناس يرومون الغرق في الاخضرار دائما .فتعمم بعمّتي ،الخواص، واسلك طريقتي . فربما يكشف لك ما كان ، وما سيكون ؛ و يرد إليك رزقك من حيث لم تحتسب . رزقكم في السماء، وليس في الأرض ، هذه ، السخام الممزوج بالدم ؛ والجند المطاردون الذين يقتلون ، عامي شامي ، . لكنكم تستعجلون . دائما . الأرض تدور بنا ، و لا ندور بها . لا . لا. يرابيع متخاطفة تسير على قدميها الخلفيتين ـ أنتم ـ تخرجون من الجحور مثل قبائل شتى : يقتل بعضكم بعضا فتسيل الدماء انهارا ، و يركب بعضكم بعضا ، ولا سائل ولا مسؤول : خخخخ : نوم أهل القبور إن شاء الله ، ماذا تشربون وانتم صغارا غير ( النوّام )( 52 ) ؟ فزززززز ! . تصهل أفراس النبي حول السور العظيم . فزيت . زين . حيسماء . أيتها الريح كوني معي ؛ ذرّي القذى في العيون النائمة ، ولتعمي العيون المتربّصة العدوة . آخر مرة هنا . كنا نسير رهطا ( أورطة ) واحدة بعدّتنا وسلاحنا، وطبل الحرب يدق ّفي الوسط . والحاج ( بكتاش ) يصيح : لا إله إلا الله !، والسماء لا حياة فيها : لا طير ولا روح ؛ لا شيء غير الدخان الآتي من دان المعارك . خرير الماء على هامتي مثل يقظة لا أريدها . و ( الغربه ) فوق رأسي طناطل حجرية : كنت في حال غائبا . وهم جماعة مجهولة . ماذا ترون فيّ ؟ ، ومن أنت ؟ وهل أعرف ما أنا حقيقة ؟ وماذا تريدون مني ؟ ها ؟ أن لا اخبر عنكم ؟ والله غوص . من أنتم ؟ أنا أعرفكم من ظهور آبائكم : روث أحصنة ، وعلب سردين فارغة . لا نرى إلاك . هنا . إذن ، أنتم ترون جيدا . من أنت ؟ وأي أرض حملتك إلينا ؟ أي أرض حملتكم إلي ؟ أنتم في أرض عثمان أرضي وأرض جدي . يا للسؤال . ويا للجواب . لست مشعوذا ، ولا مجذوبا ، ولا حكومة . و كنت أسير على الماء و ( فرس النبي ) بين القصب . زززززززز . فبهتوا . و لحظة حمل روحي له الفدا ، في تلك الليلة بكيت :لفّ ببساط احمر كان يصلّي عليه . جدي . وأجتمع ( العربان ) يبكون : يا سيدنا ويا مولانا ، ولا شيء غير البكاء المرّ الصامت ، والدموع بحار أنوار تترى ، هناك ، هممممم ! ، غادرتكم ، كان جدي كما يعرفه العربان حديقة نظرة كبيرة : يسير وحده في الليالي المقمرات حاملا خيزرانته ، وقد بنى لـه عريشا يمكن للرائي أن يدنو منه من بعيد ، وكان فقير فقرا مدقعا ،وغريبا عن الناس ؛ لكنه كان يسقي ضيوفه قهوة أصلية يمانية ، ويأكلون من صيده طيورا لم يسبق لأحد أن اصطادها ، وفي فناء عريشه قربة ماء لم تفرغ أبدا .عرفه العربان وتهيبوا منه كأنه النور الخارج من بئر ، تراه هوووووو ولا تراه ( قبض الحق ) تارة في السير على الرمال الحارة في آب ، و ( البسط ) على الأرض في الربيع أخرى هووووو : جناني متوحّد يقطف من كلّ الأرياح : يتلألأ من بعيد كأنه فلقة القمر وهو بدشداشته البيضاء الناصعة الوحيدة التي كاد زيقها أن يفتح طويلا حتى يخالها الرائي من بعيد جلبابا مغربيا . وهذا الشق الذي تراه ملكه كله من قديم وأصبح باسمه ، أخيرا ،و ها أنت ، يا عبس ، في ( شق عثمان ) جدي الكبير الآن ، فما أكثر حظك ، وما أنعم الله به عليك : أكتم . فإن ضياع الأمر كلّه في فلتات اللسان . و أنت تسير على الأرض في أربعة وعشرين فرسخا : اثنا عشر فرسخا للسودان ، وثمانية للروم ، وثلاثة للفرس ، وألف للعرب ؛ هذا ما يظهر لك من الأرض ، وكما تقرأه في كتب ( البلدانيين ) القدماء ، أما في الباطن فإن الأرض كلّها فرسخ واحد لنا ، نحن ،نركض فيها ، وتركض فينا ، ولا نتبع إلا ما يقال لنا ، وما نرى ، وما نؤمن إلا بما يقال لنا ، وما نرى ، وخلق الله ألف كائن فأسكن ستمائة البحر و أربعمائة البرّ . الداخل الداخل . الأنس والجن والحيوان ثم خلق في يوم آخر النبات ، وآخرها الصفصاف . أما الطيور ، فالرخ هو الأول ، والزاجل هو الآخر ؛ أدع الطير فيأتي مثل عاصفة من رفيف ،فأركض ، وتركض معي البنتان : سعدة وحفص ، حتى نصل البحر الكبير ، فأشفّ كأني ( نفاش البر ) وأسير على الماء بإذنه : هوووو ، وأشفّ مرة أخرى ، فتطيرني نسيمات الهواء الربانية إلى عل إلى عل ؛ وهم ينظرون ، وهما تتأملان ، فيعجب ( الغربة ) من أمري ، ويظنون بأني ساحر قدير ، أو عجيب خطير . ولا يعرف ( العربان ) من سرّي شيئا وهم ينادون : المومن المومن : يلهجون بها صباح مساء . وما علموا بأن : صدور الأحرار قبور الأسرار . فلحظة فتح صدري كانت الدنيا غير الدنيا والهواء هباء هباء: تيار من فناء . . فخرج من خرج ودخل من دخل .. هباء ، والله أعلم بالداخلين والله أعلم بالخارجين . أقبض . في الكف ، لا شيء غير التراب ، في الريح : هوو : عجيب أمرك وغريب حالك ، وما رأيت إلا ما هو كائن ، وأنت في السماء معلّقا بجرادة الحديد ، تلك ، بررررررررررر ، والله الذي لا إله إلا هو : رأيت ناحوم يضعك على رقبته كابنه تماما ، عجيب، وهو يسير بك في أرض من سخام لا نهاية لها ؛ أرض بفرسخ واحد أيضا : الصح والراء . و كان شلتاغ الكاولي يعوي خلفك:وووووووو مثل كلب عجوز ، وصباح هناك أيضا ، معك ، و مارلين النصرانية تبكي ، ولم اسألها لم ؟ والبنتان الصغيرتان: سعدة وحفص ، همّين ، ما زالتا تركضان والجند في إثرهما ، معك معك . باطن الباطن . هو . أكتم . حدّ ومطلع لكل حدث . الاستواء . الرسم . سرنا على وفق خطّة لم نغيّرها ، ولن نفعل ذلك ما دمنا أحياء ، كم تقدر عمري الآن ؟ تجد ذلك في رسمي . وصيتي حسنة . هل تفهم ؟ هذه المرأة التي ودّعت سبع رجال إلى الموت حتى أصبحت حكاية ( شقّ عثمان ) كلّه . الخنازير تطاردني والشواذي تكاد أن تلحق بي وهي تمسخ نفسها كلابا في تحوّل خطير لم يشهد له مثيلا . و ( الغربه ) يعدّون لي العدد ويتحينون الفرص للإيقاع بي ، ويضعون الخطط تلو الخطط لاصطيادي . . وهذه هي أيامي الأخيرة معكم . ربما تجدني غريبا ؟ لكن الأغرب هو وجودنا في هذا العالم فلو تأملت ما كان لشاب شعرك قبل الأوان ، ولو شهدت ما سيكون لأصبحت من أهل الكتب . أعرف بأني لن أموت على وسادة ، ولن تخفي جسدي أرض ، ولن يأكل جسدي دود مقابر . ماذا تتمتم يا بن صديقة ؟ ها ؟ ما تفعل من بعدي ؟ افعل كلّ ما تراه في نفسك ، وما تقودك إليه أقدامك ؛ لأن الأرض غير الأرض . وسترى سيلحق بك خلق كثير ، فلا تطلعهم على سرّك ، ولا تفضح لهم أمرك . أين تذهب الآن ؟ هل عدت إلى الآن والكان ؟ هل تذكر ذلك الذي بال تحت نخلة في أرض عويتي ؟ : رأيته أنت , ورأيته أنا ، كان يبول على لنخلة ـ عمتنا ـ كلما غادر واحد منا تلك الأرض . أخرجت النخلة رؤوس شياطين .

وسار إلى برّ غائم ، ولم يسمح لي أن الحق به . قالوا بعد ذلك : أخذته ( صيحة ) .











































رايتها تضرب في ( العنكر ) على غير هدى . وكانت تنشج بصوت غامض أحيانا . من تكونين أيتها المرأة هذه المرة . وحدها . حسنة . كانت تخوض في المياه الضحلة القريبة باحثة في مرديها عن شيء ما ، غامض ، وهي تتلفت نحوي بين حين وآخر . غطّت وجهها هذه المرة بخمار اظهر عينيها فقط . لم تكن حسنة تسمح بالبحث قريبا من مكانها ، وبدت وكأنها تحاول أن تقتفي الأثر وحدها . و كانت جزيرة ( أم الدود ) قد مشّطت تماما من أي أثر تقريبا . . أما أولاد ناصر و عبيد آل وطي والظواهر وبعض المعدان فقد انتشروا في عمق الهور واضعين فوانيسهم ولوكساتهم وسط أبلامهم التي تنطلق في عمق الهور . وكنت أسمع من بعيد تلك الندآت والصيحات وبعض السباب العلني الذي كان يوجهه بعضهم إلى أولئك الذين تكاسلوا في البحث .

ذرع الشيخ عامر الأرض قبالة المضيف ذهابا وإيابا وهو يضرب بعصاه الخيزران المشاحيف الساكنة . ولم اكن أراه بمثل هذا الاهتمام من قبل . وكان الظلام قد أسدل جناحه على تلك المياه القريبة . لا قمر في السماء . صوت الشيخ عامر يهدر : كان ( المومن ) رجلا منا ؛ من دمنا ولحكنا ، ومن العار على العشيرة أن يختفي عنا هكذا ؟ أين ذهب ؟! هل أبتلعه الهور ؟ وكان يتأمل الفضاء القريب لعلّه يتذكّر صوت الآذان الذي بقي ( المومن ) يرفعه طوال مكوثه في الهور هذه المدّة في مساءات الجمعات الحزينة . كما أن الروايات عن بطولات ( العباس ) لم تعد تترى منذ تلك الجمعة التي اختفى فيها ( المومن ) ، قال :أنتم أيها ( البراغش ) ، وأنتم يا ( آل وطي ) وانتم ( الحمادنة ) ، لن أرضى عنكم حتى تأتونني بالخبر اليقين الذي يثلج الصدر . جميعكم حضرتم الواقعة : كنتم ، وقتذاك نطفا في ظهور آبائكم ، لكنكم : ترون ، لو تأملتم ، حقيقة ، ما كان : جويعير ما يزال بصوته ، نفسه ، منذ ، ألف عام : يآآآآآآبويا ! أين أنت يا مولانا ؟ درباس في الميمنة ، وعبيد الزهرة في الميسرة ، والناس خلفهما ، يصرخون : يا مولانا ! وهما يحثان حصانيهما ، أن هيا، وركب الهاشميات في الخلف : نساء متلفّعات بالسواد . جنجون يبكي قرب ( تلّ الدفنة ) وهو يلقي بالتراب على رأسه : وإماماه ، واسيداه ،وا حسيناه ،الرأس يتقدّم الموكب وهو مصنوع من الخيش وقد ألقيت عليه خرقة حمراء .

بكى الشيخ عامر بكاء مرّا ، و انتحى جانبا وصاح : من يحيي بعدك ـ يا مومن ـ اليوم العاشر ؟ قال :

ـ عباس ، أنت ، متى رأيت ( المومن ) آخر مرة ؟

ـ لا أدري .

ـ كيف ؟ هل أنت مسطول دائما ؟

ـ ماذا تقصد ؟

ـ تعرف ..

ـ أي ..

ـ عوينت أبو أصلك مدوهن !

ترك الخال حسين زبونا مهلهلا ، وبندقية قديمة ,كسرية ،مع قدور سوداء وبريمز صغير . وكتب قديمة وجدت طافية على سطح الماء بعيدا وحينما حاول البعض التقاطها غاصت عميقا .

ريح رطبة حزينة ،كان للطيور النائمة وسط القصب والبردي وقع خاص وهي تتطاير هاربة إلى أماكن أخرى ؛ في وقت بقيت الطيطوى تنوح على آخر من فقدت من الناس طوال الليل . ولم تعد صرخات الباحثين عنها بصيحات : ولّي ولّي مجدية ، فالطيطوى نذير شؤم دائم . أما عند ( سلف ) المعدان فقد وجدت مقبرة للأطفال كان يرتادها الخال حسين في الليالي التي يختفي بها القمر . ولذلك كثّف البحث هناك .كشف الباحثون عن أم جري وعبيد و درباس وجويعير وعبيد الزهرة و وبرية زوجة الشيخ عامر الكبرى مع شلتاغ الكاولي ، وقد تحلّقوا حول قبر طفل دون السنة بعد أن أخرجوا كبده، وراحت وبرية تمضغه على نحو مقزز ، بعد أن جزّ شعر الطفل وتمّ الاحتفاظ به في قارورة خاصة . ولم يشأ الشيخ عامر أن يشيع الخبر بين الناس ن وعدّ ذلك الأمر سرا ، وتوعّد من رأى الحدث بان يقطع لسانه من عرقه إذا ما خرج الخبر إلى العشيرة أو إلى العشائر القريبة . لكن الأحاديث بقيت سرّية بين الناس :

ـ هل كانت زوجة الشيخ عامر حقيقة أم عبدتها التي غطّت وجهها ؟

ـ ربما تكون إحدى بناته العوانس .

ـ لم ير ثمة أحد وجه شلتاغ الكاولي بعد ذلك قط .

ـ يقال بان زوجة الشيخ كانت عارية ربي كما خلقتني لحظة كشفهم ..

ـ ماذا كانوا يفعلون في تلك الليلة الحزينة ؟

ـ للشيوخ : أسرارهم !

ـ طلايبهم !

ـ أص أص !!

و أمر الشيخ عامر بمواصلة البحث حتى آخر هور العاصي . أما شلتاغ فقد رآه بعض صيادي السمك وهو يتراكض في أطراف المدينة بعد أن احتزّ الشيخ عامر لسانه بمنجل صدئ ومكسور . ولا شيء حتى اليوم الثالث من البحث المستمر . كان الشيخ عامر يقف بباب المضيف في انتظار الأخبار والرجال حوله مسلّحون بالبنادق و الخناجر .

ما أسوا ما رأيت، وما أغرب ما يتبعني .. كانوا يحدّقون بي بعيون ملؤها الحيرة . ينامون في أبلامهم أحيانا فتصبح مهادا كبيرة لهم طوال الوقت وأمواج الماء تضربها من كلّ جانب . وفي الصباح يفطرون بالسمك أو طيور الماء التي تشوى على القصب اليابس . قالت حسنة :

ـ هل أنت أبن أخته حقا ؟

ـ بالرضاعة .

ـ يقال بأنك كنت مثل خالك : تفكّ الخط ؟

ـ صحيح .

ـ ( الغربه ) كلّهم يفكّون الخط .

ـ هل رأيت ( الغربه ) ؟

ـ وهل أنت منهم ؟

ـ لا .

ـ رايتهم . ورأيت بنتين غريبتين تظهران لنا قرب الشريعة ؟

ـ همم ؟

ـ هل أنت ساحر ؟

ـ لا .

ـ خالك طرقاعه يعرف الحاط والطائر .

ـ وهل يعرف ( الغربه ) أيضا ؟

ـ ألم أقل لك يعرف الدنيا كلّها .

رأيتهم ذات مرة ، مجموعات شبه تائهة وسط الهور ، لا مكان محدّد لهم . ينامون في الأحراش وقد احتضنوا بنادقهم ، واستطالت لحاهم ، وتهرأت ملابس بعضهم . جاءوا من مناطق شتى . وعندما يضيق عليهم الخناق من ( شرطة الأهوار ) يلجئون على عمق الهور العاصي ، يبقون هناك ، أياما طويلة ، وربما أسابيع ، ثم ّ يعودون إلى ممارسة ضغوطهم على الشيوخ مرة أخرى . وذات مرة خرج إليهم رئيس فخذ إحدى العشائر في مطاردة تسندها شرطة الاهوار فعادوا إليه أردوه قتيلا مما جعل الشرطة تستعين بهليوكوبتر تابعة للجيش في مطاردة ( الغربه ) .

وقام ( الغربة ) بمهاجمة القطار بين بغداد والبصرة وهو يشقّ ليل الهور من خلال إطلاق النار عليه مستخدمين الشخاتير السريعة هذه المرة . وكان بالإمكان رؤية مجاميع من ( الغربه ) وهي تتزايد في هور العاصي حيث تعمل للتدرّب على السلاح . وذات مرة تحدث الشيخ عامر عن وجود امرأتين مع ( الغربه ) حيث رآهن أحد عبيده : أنا رأيتهن وهنّ يغتسلن في الشريعة القديمة وقد أسدلن شعورهن وهنّ يتضاحكن مثل جنيات ولم يخجلن مني لأني عبد ! . كان لديهن غدارات وبنادق كلاشنكوف . وخفت من الاقتراب منهن . نساء ولاية غير مدقدقات من بلور .

وحينما حاول الشيخ عامر الإحاطة بمعلومات اكثر عن ( الغربه ) تعرض مضيفه إلى إطلاق نار . وتسأل رجال الشيخ عامر:

ـ ماذا يريد ( الغربة ) منا ؟

ـ بنات من الولاية ؟!

ـ آخر زمن .

ـ طرقاعة .

ـ والحكومة ، شنو ، ضارطة ؟

ـ العلم عند الله .

وحينما حاول الشيخ عامر الإحاطة ببعض جماعات ( الغربه ) قتل اثنان من رجاله ، وتعرض مضيفه إلى إطلاق نار من رشاشة برن من جديد ، مما دعاه إلى استنفار جميع أبناء العشيرة . وفي الصباح جاء عدد من رجال الشرطة مع بعض ضباط الجيش ، واجتمعوا بالشيخ عامر وعدد من رجاله المقربين . وتجمّع عدد من أبناء العشيرة يعظهم الشيخ عامر :مسقوفيون . ملعونون . كلّ واحد منهم يستحل وطء أمه وأخته ، وخالته وعمته ، وأبنته ، كلاب برية ن لا دين لهم ولا مذهب : تراهم جماعات وقلوبهم شتى . وأنتم يا آل برغش ؛ كل العار عليكم حينما ترون الغربة في ( سلفكم ) ولا تطلقون عليهم النار . دماءكم عند الغربة ، هم الذين قتلوا رجالكم ، وفي الغد سوف يطأون نساءكم وبناتكم البواكر اللواتي لن يجرؤن على الذهاب إلى الشريعة . صلّوا على محمد وآل محمد . واستعدوا لحرب ( الغربة ) فأجدادكم ن كلّهم ، قد حملوا بسيوفهم ورماحهم وتفكهم دفاعا عن الدين : ( الغربه ) كفر وإلحاد . يا أبا الفضل عليهم ! وما أن سمعوا النداء حتى شرعوا يهوّسون قبالة باب المضيف ، في حين خرج الشرطة وضباط الجيش لرؤيتهم ن ورافق الحشد سيل من الإطلاقات النارية . وهلّلت النساء المتوقفات من بعيد . ورفع السيخ عامر كفيه إلى السماء لأول مرة ، ونادى : يا عباس انصرنا على الكفّار .

وعاد الحشد للبحث من جديد . لكن قطعان الخنازير لم تلبث أن هاجمت بعض رجال الشيخ عامر وأردتهم قتلى تحت أقدامها . وساد اعتقاد بين رجال العشائر بأن ( الغربه ) قد تحولوا بأمر الله إلى خنازير مما حدا بعدد كبير من رجال العشائر إلى العودة على ( أسلافهم ) :

ـ ( الغربه ) لهم جلود حمر .

ـ وفوقهم شواذي .

ـ عجيب أمرهم .

ـ دعوات ( المومن )

ـ وابن أخته ؛ هذا أبو سعفة ؛ ما شأنه ؟ ها؟

ـ منذ أن جاء إلى سلفنا والدنيا ( عجة بربردة!)

ـ الزلمة كأنه مسكون : وهاتان البنتان الغريبتان اللتان يحدّثهما ؛ من أي ( سلف ) هما ؟

ـ السالفة عميقة !

ـ إي والله .

ـ طرون . زبّاد نهر ، فشكلكم ، أنتم ، شنو ، هذا ( الولد ) صار شغلكم ؟

ـ ونسيتم ( الغربه ) ؟

ـ حسنة .. بطنها .. شالعة .. ولا زلمة ولا مرض !

ـ هم ردينا ؟!ّ

ـ المومن عمل لها ( دعا )

ـ مومن وبحزامة مسدس وبلي وكيس ( دعا ) !

ـ حسنة تتقيأ .

ـ صرنا فرطنة .

ـ اسألوا عباس !

ـ لنسأله ..

ـ الآن .

ذات مرة أخذني على شريعة المتروك العتيقة ، هناك ، حيث أراني شاذيتين تستحمان بالماء الضحل .وقال : ياولد ، انظر ، اعتبر مارلين مثل هذه ، هل تفهم ؟ الشعر يملأ وجوههن عووووع، وعندما يزلنه بالخيط أو الشيرة إنما هنّ يمارسن الخديعة ، بنا ، نحن الرجال ، ومنذ زمن سحيق ، من عهد آدم ، ابونا ، ألم تخرج شاذية من ضلعه ؟!

ـ وحسنة ؟

ـ تلك إمرأة ، أخرى .

ـ لا أفهم .

ـ أحسن .

( الغربه ) يتحولون إلى خنازير برية ، ونساؤهم ، إلى شاذيات ؛كان شلتاغ ممن يهوون اقتناء الشواذي في بداية حياته ، وعمل على ترقيصها في أسلاف المعدان و كان لديه شاذي ( عود ) يتبعه في كل مكان أسمه فرطوس . كان فرطوس في الاصل زلمة ( عود) وحينما مسخ إلى شاذي تبع شلتاغ . ولكن العربان وجدت فيه شؤما فذبح بباب صريفة شلتاغ المتطرفة. قال شلتاغ أنه كان أخوه ، وكان رجلا مستقيما فأقام له عزاء ، وحينما سمع الشيخ عامر بذلك منعه . وعمل على تعليم رجاله في الكف عن اقتناء كل انواع الحيوانات اللبونة ماعدا الكلاب . المهم . كان شلتاغ قد قرر معاقبة الشيخ عامر بعد أن علّم شاذية له لعق عضوه .. قال:

ـ وكيف يمكنني ( محفوظة ) أن أهدّيء من روحي ؟ قالت :

ـ سأزوجك .

ـ من تقبل بكاولي ؟

ـ عندي .

ـ من من ؟

ـ شاذية أعرفها .

ـ همممم ..

ـ تقبل ؟

ـ قبلت .

أنظر إلى قطيع الخنازير .ماذا ترى ؟ هل تعرف الذكر من الانثى ؟ حسنا . ما أشدّ جهلك بالأشياء ؟ للانثى رأس أصغر دائما ؛ كل المخلوقات هكذا تقريبا .ولم تفدك كل وسائلك في إخفاء حقيقنك . تعتقد بأننا مجرد ( كدش )( 53 ) وأنت ابن ولاية ، حريص ، والطيارات التي صعدت فيها ، ورواريات ،لم تتعلم منها ما يقيك ضرر الدنيا ، وظلام العالم ، ولا حتعى الكتب الكثيرة التي قرأتها ، ولا الاشخاص الذين التقيت بهم ، كان خالك ( المومن ) قد قصّ على الشيخ عامر كلّ حكايتك من ( زمبور ) إلى ( النقرة ) إلى مارلين الحمراء . أيها الطيار المتآمر . وكاد الشيخ عامر أن يسلّمك إلى ضباط الجيش لولا تقاليد العشيرة في إجارة الدخيل ، ولم يثبت للشيخ عامر أي علاقة لك ( بالغربه )

ـ انا لم أفعل شيئا ، وعندي ( براءة )

ـ ( تشكم ) !

وها أنت لم تتعلّم من جديد . حدّق في قطيع الخنازير جيدا ؛ ماذا تجد ؟ ها ؟ طبعا لا ترى أي شيء . حقك . طيار .ومن أجل ان أعلّمك : شيئا ما عن هذا العالم ؛ تأملني ؟ من أنا ؟ ها ؟ وصوب بندقيته نحو خنزير بعيد .. وبعد لحظات أطلق النار فارداه صريعا يتخبّط بدمه فقد كانت الإصابة مباشرة تماما في الرأس . أنت لم تتعلّم فنّ التصويب الصحيح بعد ؟ ألم يعلّموك ذلك ( أخوالك اليهود ) في ولايتهم الكبيرة أم الدنننننن دننننن دنن ! ، هناك ، ام كنتم تركضون وراء الأنكريزيات والسلام ؟ هل تعرف لم قتلت ذلك الخنزير ؟ تامّل جيدا إنه أنثى . تعال . أصبر علي ّ . أقترب و لا تخف . كان الدم قد كوّن بركة كبيرة من دم حول الحيوان الذي بقي يشخر بقوة .خذ هذه السكين ، إمسكها جيدا ، ألم أقل لك لا تخف ؟! هيا شق ّ البطن من الطول إلى الطول ، فاندلقت الأحشاء وهدأ الحيوان تماما . تأخرت . كانت البطن تحمل رأس الخال حسين الذي بدا غريبا وهو محاط بالدماء وبقايا الطعام . وشهقت حسنة بصوت واحد .



































































جاءوا بها وسط حشد من الابلام وهلاهل نساء متواصلة . زفـت إلي مثل بنت باكر على وقع قرع من عدّة ( زمبورات ) في وقت واحد . كانت تبدو حينما رفعوا ( البوشي ) عن وجهها بدت في الأربعين من عمرها . وبطنها منتفخ على نحو واضح . أما الشيخ عامر فقد بقي صامتا يتأملني عند الباب الصفيح المتحرّك . ثمّ بدت الأشياء تتحرك على نحو متسارع ، فقد سمعت هرجومرج بعيد لقدوم ضيوف . لم اسأل . كان لسلني معقودا . وحينما حاولت الخروج من الكوخ لم يمنعني أحد كما كان في الايام الماضية . كان على رأسي كوفية وعقالا وعباءة مستعارة من الشيخ عامر مؤقتا . وجاء محيو الحفل . فرأيته اخيرا .

طويل القامة . ( الهتر ) . أطلق شعر رأسه المخضّب بالحناء دائما حتى بلغ عجيزته . وأكثر من استعمال الكحل على عينيه وأحمر الشفاه . سكّير مدمن . بدا بوجهه الطولي المصبوغ أقرب إلى المهرّج . ثوبه احمر لمّاع " عين الشمس " وأقراطه ( الشبه ) طويلة تتأرجح ، و تذكّر بعصر اقتناء الغلمان . أما أساوره الفضية ( الشبه ) أيضا فهي مثار أعجاب الناس الذين حضروا لمشاهدته من أماكن بعيدة . ( منصور الراقوص ) أسم كاف لأن يجتمع الريفيون وأهل المدينةت من مناطق مختلفة . لقبه ( الحصان ) . ولا أحد يعرف حتى هذه اللحظة من أطلقه عليه . ربما أطلق عليه لأنه كان في ترقصه الرافس يشبه الحصان وهو يميد برأسه يمينا وشمالا. أيام ما بعد العودة من اسوار فيينا . لم يكن ( الهتر ) منا . جاء مع شلتاغ في يوم واحد ، وحضرا على حصان واحد مسروق ، كنا نعرف تلك الحكاية قبل أن يأتي السيد سعيد ب ( السمّاعات ) إلى الحسينية . وقبل ان يقيم تلك الجلسات المسائية في حوش الحسينية في الجمعات . هذه الأيام بدأت عندنا ـ أعوذ بالله ـ بعض الخروجات على الدين : يأتي المسلمون في أعراسهم براقصات غجريات ، أو بهذا ( الحصان ) ويبدأ حينئذ فصل من الرقص والغناء والفسق . وقد يحتسون العرق علنا وبلا حياء . أوذ بالله من غضب الله . ألم يكفهم أنهم ارسلوا بناتهم سافرات على المدارس ؟

العصر المهدوم ، الخرب ، الذي كنا فيه منذ بدايته . منذ البداية ومنصور يردح بهم على قرع ( الزمبور ) ليلا ، وهم يترنّمون : ياليل ! وهو ( الحصان ) الرقّاص ؛ كانوا سابقا يرقّصون الخيول في إثر كلّ ( دقّة ) محمودية ؛ اما الآن فيرقص بينهم منصور، وهم لا يخشون على نسائهم منه وهنّ يرقبنه عن بعد متضاحكات : بينهم في كلّ عرس تقريبا . وفي اليوم العاشر يطلبون الشفاعة بالقامات والزناجيل ولطم الصدور .

وسط خرائب من بيوت القصب والطين والبردي . وحينما حضر في ذلك اليوم كنت أرقيه من خلل باب صفيح مفتوح . لم أستطع أن أحيد ببصري عنه ؛ كان يبدو الآن رجلا ( وسط ) ولم يعد ذلك الشاب الراقص المتبختر . وبدت التجاعيد واضحة على وجهه . ثمّ احاط به جمع من ( الخشّابة )( 54) مع مغن شاب أرتدى دشداشة بيضاء جديدة . سلطان المنكوب . ثمّ أدخلوا منصور الراقوص في بيت طيني قريب أعدّ له سلفا . كما احضروا له زجاجة عرق مستكي مع مزة مكونة من حمص مسلوق ولبن رائب وبعض الخضار . كان هذا هو شرط منصور قبل الرقص . كرع منصور نصف القنينة بعد مزج العرق بقليل من الماء . وقال بعد ذلك : الآن ، حاضر ، أغاتي .

عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري ، اختطفني الغجر ، لست غجريا ابدا ، وكلّ ما يشاع عني هو افتراءات . ولم أحاول ان أهرب من الغجر قط لأني عرفت بان كلّ ما هم عليه يعنيني . تعلّمت لغتهم ، وأصبحت واحدا منهم . الرقص عيشي . لم يعلّمنيه أحد ، أنا أعرفه ، لأنه يسير في دمي . وأكثر ما يغضبني اولئك الذين يمدون أيديهم لمعرفة رجولتي من عدمها . أنا لا أحبّ ذلك ابدا . حاضر عمي حاضر . بعدين . مو قلنا وراء السهرة . تعبت . كلّش . من الناس ، هؤلاء . زين . لولا العرق لمتّ من زمان . سأصلح مكياجي .شف . الغجرية التي تبيع الأسنان المذهّبة هي التي تعرف عني الكثير . أنا أدعوها : يماو ! . فلا تسألني كثيرا ، عما كان . ما أعرف شيء كثير . ولم أرك من قبل . لماذا تسألني ، ها ؟ لا أحبّ طلعتك . يا ( قبل ) أنت شنو ؟ لزقة . عبالك فد شيء . مكياجي هم خرب . أوي . مصيبة على الرقص واهله . يماو : لا تهتم كثيرا بي هذه الايام ، انا مجرد راقص ومأفون . يماو : كل جرجرتي ، في هذه الدنيا ؛ كانت تذهب ولا أراها . أحمل لها الدنانير فقط . زنكين . حيل . ططو ططو ططو ططو . سأعقص شعري .شعري حلو؟ تشممه تشممه . هوسة هوسة . الدنيا ، مو ؟ كلها في شعري . نأتي ونذهب نأتي ونذهب . سخام . ماكو شيء ، بعد . شنو . العرق . كلّ شيء . هم . الآن . تقريبا . كلكم مشكلة في ( فطر لحم ) تولدون ،ووراء فطر لحم تركضمن ـ أي فطر ـ ما اغباكم . أحف أحف . أوهو . أحفّ كلّ شيء . من هذا ؟ هل جهز ( الخشابة ) ؟ أوي . متى . بلي بلي . أنا لا احب الكلام مع من أقابل دائما .لكني حدّثتك وحدك ؛ كانما واحد حثني على ذلك . شنو عندك (خرزة )(55) طمّاعون في عجيزتي . كلّهم . تقريبا . دائما . والله أفكّر مرات . كثيرة .لماذا انا هكذا من دون الناس ؟ عبالي فد سؤال . د..رح ددو . بس . أنا أنسى بسرعة . و هذه مصيبتي كلّها . يعني . لا لا ، ليش .النسيان هو المهم ، لولاه أوهو ، كان صرت تراب من زمان . مو هشّكل يا مشكل هيهيهي . طنزة . كلّها . وترقّص : سودة عليّ ما خذت محبوبي ! . لا محبوب عندي ، ولا احد يحبّني . بس . كلهم ، هنا ، أحبابي . تعرف .

واخرج مرآة صغيرة ، وبدأ في إصلاح مكياجه من جديد . بعد كلّ رقص ليلي لمنصور بشهد العرس عراكا بالسكاكين غالبا. فيقف منصور ـ أحيانا يتأمل الدم السائل من الاجساد . لم يكن يفقه ما يحدث كثيرا ، لكنه على العموم استطاع الحفاظ على جسده مدة طويلة . كان يلجا بعد كلّ اشتداد للقتال إلى إحدى الغرف الامينة . أو إلى زاوية حيث يتقرفص على نحو غريب حتى ياتي المنتصر فيسحبه من شعره ، ولتبدأ معه واحدة من اللمارسات التي يكرهها .

هم . ياتون . دائما دائما . عليمن . لا دنانير تقف في يدي . كلّ هذه السنين . لأرقص ، ويأخذون دنانيري ، وانا ، شنو ،ساكت . وما حاجتي لها . أبدا . لا أحتاجها . خلقت ضدّ الدينار . كلّهم . الغجر ، دينار ، والله . الله ؟ شنو ؟ ما أدري . ساعة . كرهت شعري . لكني لكم أقصّه . لا يرضون . الكاولية . مو ، همّ ، ( هيج!) . كلهم . ططو . هتر هتر ، شنو ؟

ـ عباس ، تعال ، هنا .

ـ دعني .

ـ ماذا تريد من منصور ؟

ـ مجرد حوار ..

ـ يمعوّد ، مو ، فشّلتنا .

وسحبني من يدي عنوة . كان أحد رجال الشيخ عامر المقربين .

خلّيه ، هاي شبيك ؟ رجل بس يسأل ؟ هو السؤال هم عيب عندكم ؟ يا معود ؟ خلّيه . أحبه . والله . هاي شنو أنت؟ سخل ؟ راح راح . شنو ما شنو ما ادري أحسن شيء ، هنا ، ما تدري بشيء . مو . اولئك الذين اعتادوا مضاجعتي بعد كل فاصل من رقص ، كانوا جميعا يقبلونني ، وانا راض ، وقد ينادونني بأسماء نساء يحبونهن . مشكلة . لهاث . وبعد الرقص يعلّقون على عجيزتي و صدري ( الستيان العاريه ) الدنانير الزرق . هل تريد أن تعرف ما انا حقيقة ؟ تتعب . ربما عليّ أن أجهّز نفسي إلى رقصة اخرى . اللون الأحمر البراق أهوّس به ، والناس ، حولي ، يهوّسون أيضا . لا أفكّر في ذلك كثيرا ، ولكن ، أحيانا : أقول لماذا؟ أنا ؟ من دون الخلق ؟ ثمّ أعود من جديد إلى الرقص . الرقص سلوتي في هذا العالم . شعري الطويل هذا : قبّتي . هل تفهم ؟

لا قبة لي . قيدني عبدان من عبيد الشيخ عامر ، وسحباني من الغرفة التي يوجد فيها منصور وجماعة ( الخشّابة ) سحبا . هل انتهيت من ( الهتر ) ؟ والتفتّ إلى الشيخ عامر كالملدوغ . وكاد باب الصريفة أن يخلع بفعل الريح التي هبّت على غير توقّع . وصاح : لماذا تنكّس رؤوسنا يا عباس ؟ هل يقبل خالك ـ رحمه الله ـ هذه التصرفات منك ؟ تذهب إلى منصور هذا؟! ماذا تريد منه ؟ أنت غريب يا ( أبو سعفة ) . خالك ( العود ) الذي ابتلعته أنثى خنزير ، خرّب عقلك تماما . وعاد عبدان إلى شدّ الحبال على يدي ، ثم أمرهما الشيخ ان يقفان عند الباب ليحولا دون خروجي . قلت :

ـ هل أنا سجين ( محفوظ ) ؟

ـ لا .

ـ دعني ، أذن ، أذهب .

ـ لا .

ـ أريد بعض الماء .

ـ لا .

ـ لماذا ؟

ـ لا ماء قبل ( الملجه )( 56)

ـ أية ( ملجه ) ؟

ـ على حسنه ..

ـ ولم حسنه ؟

ـ حسنه .. حبلى .

كان الطريق المؤدي على الشارع العام من ( أم الدود ) يبدو طويلا جدا ، وغريبا ، وكأني أسلكه لول مرة . كنت أسير واجما ، في حين راحت هي الاخرى تسير الهوينا خلفي , وبدت سعيدة احيانا وهي تنظر إلى بطنها المنتفخة طوال الطريق . فتوقّفت قليلا ، وقلت :

ـ لماذا فعلت ذلك ؟

ـ لم أفعل شيئا .

ـ وهذا الذي ببطنك ؟!

ـ منك .

ـ والله ؟

ـ والله !

ـ متى ؟

ـ من زمان .

وجلسنا وسط البرية كآخر مطرودين من ( السلف ) . لم نتكلّم بعد ذلك كثيرا ، بل كانت طيور القطا المتباعدة أنيسنا طوال الوقت . ورأينا ذئبا من بعيد يعوي ، ولم أعد أفكّر بانه ينادبني . لكني خفت . قالت :

ـ هل أطرده ؟

ـ لا .

ـ أعرف كيف أطرده ، في الليل يكون أخطر .

ـ أجل .

وبعد قليل ، التفتّ نحوها ، ثم ّ اقتربت زاحفا ، وهمست :

ـ أنت زوجتي الآن ؟

ـ نعم .

ـ وهذا الذي ببطنك لي ؟!

ـ نعم . هل نسيت ؟

ـ لا اذكر .. لم أعد اذكر شيئا مما كان . ذكّريني أنت . دائما .

ـ أنت ( مسطور ) هذه الايام ، وسوف تتذكّر يوما ما . وجهك أصفر ، ليمون ؟

ـ ( أبو صفار ) ؟

ـ صحيح . سأكون خادمتك . هو ، أنا كنت أحلم أتزوج ( أبو سعفة )

ـ د..طيري !

ـ إلى أين نتجه بعد عمري ؟

ـ لا ادري .

ـ الخلا !

وضاجعتها وسط البرية , ورائحة ( الخضيرة ) تفوح من جسدها . كان بطنها قبة . والذئب لما يزل يرقبنا . و (ماحود) يقعى بالقرب مني .















ها هو جسر الخندق مرة أخرى ، و ( الداكير ) الكبير حيث تتحشد عشرات السفن والمهيلات ومئات الابلام والماطورات مثل حيوانات خرافية طافية على الماء . قبة من فر اغ تمتد على فضاء ( الداكير ) وتتكون قبالتي بسرعة : قبة من دخان أبيض خفيف ؛ ماكان ؛ محض غرابة مطلقة ، تؤرقني في كلّ وقت ، ولا معنى محدد لها دائما : إنها غرابتي على أية حال حيث تتبعني الحيوانات الممسوخة كلّها ؛ الكلاب والخنازير والقردة والصراصير والأرانب والجرذان والجريث . وها هي المدينة القديمة المشحونة ترفل بعبق الماضي من جديد و تقف ضدّي في كلّ عطفة : حراب فرنجة وسكاكين معقوفة تشقّ البطون حتى العبور من المضيق ، وايزابيلا تصرخ : جميعهم ، ولا أحد : أنا الذي رايت ما كان من الحريق إلى الحريق ، ومن العبور إلى الهروب ، ومن الموت إلى الموت . ولم امت في كلّ الاهوال . ولم يدركني عدو بالسهام والنبال .لكني ، هنا ، الآن ، لا مهرب لي ، ولا خلاص : ويبدو أنها النهاية المحتومة ، والوقعة المكلومة ، وآخر ما يراه العبد الفقير هنا : المدينة هذه لصيقة بي كأم بلهاء وحيدة ولدت في صحراء .

كانت الرحلة إلى أطراف المدينة في ( شقّ عثمان ) أغرب منها الآن . لكن الماء ستر والاخضرار اختباء . نعمة لم تدم. وفسحة لم ننلها كلّها . وهاأنذا أعود إليها ثانية إلى الشوارع والازقة والشبابيك والأبواب . و لم أحصد من كلّ رحلتي في ( شقّ عثمان ) مع الخال حسين غير حسنة : هذه الريفية المزواج الصلبة السامقة التي علّمها الخال حسين الرؤيا معه أيضا ، وها هي تنؤ بحملها طوال الرحلة من الهور إلى المدينة . كانت حسنة تبكي طوال الطريق تقريبا ، وهي تتلفت باتجاه ( شق عثمان ) تارة ، واخرى إلى ( الداكير ) العظيم باحثة عن أي شيء يمكن ان يهدّيء من روعها .. ولم أحاول أن أهدّئها أبدا فقد كانت الاشياء اكبر مني وما ياتي أقرب إلي . كنت رجلها السابع ـ في أقل تقدير ـ بعد وفاة الخال حسين الذي غاب عنا بعد ألف عام من حياة حافلة مهيبة قضاها في الأزمنة الغابرة باحثا عما كان منقبا عما يكون . غادرنا (مومن ) الهور على حين غرة ، وما من أحد كان يتوقّع لـه تلك النهاية قط ؛ وحينما اخرج رأسه من جوف الخنزير عمد الشيخ عامر على جعل ذلك سرّا من أسرار العشيرة ، وحديثا لا يجوز لمن رىه ان يتحدث به إلى مخلوق . و تركني وحدي أنؤ بحمل رؤيا لم أعهدها من قبل ، دون ان يلحظ ذلك أحد من ( العربان ) أو المارة الذين يرقبوننا عن بعد ؛ فقد كان على كتفي ما يكفي من الصرر والاثقال وجبال التهويم .. ولم يتبق لي في هذه المدة غير ( ماحود ) الذي قدم معنا من الهور ، يتبعنا كظلنا وهو يركض على طول الطريق يتبع باص الخشب الذي أستقليناه للمجيء إلى المدينة,وها هو ما فتيء يرقبنا ويتربّص بنا وربما يتحين الفرصة لألتهامي ..

و لاحظت بعد يومين من قدومنا إلى المدينة ثمة كلابا آخرين تقترب من (ماحود ) في الظهيرة و ربما تكون ( جولدة ) القرد التي تلبّست بشكل كلبة أو ( هوبر ) ذو الأقراط الذهبية , أو جميع كلاب أسكندر التي توالدت قديما و حديثا واحتشدت هنا ضدّي مرة اخرى ؟ كان من الصعب عليّ أن أميّز الاشياء عن بعد على أية حال بعد ان ضعف بصري ووهن جسدي ، وضاقت نفسي .

بقيت طريقته ( المومن ) معنا في التعامل مع الكلاب : هدوو هدوو هدوو . لكن حسنة كفت عن المنداة بذلك فقد كانت تعاني من داء ( أبي صفار ) ، وعلامات إصابتي بالمرض نفسه تبدو واضحة عليّ هذا اليوم أيضا . الموت بالمرض ، وليس بالزمن ؛ هذا أفضل ما يمكن في أحوالنا على اية حال . ( يماو ! ) : صاحت حسنة . و صحت : ماذا ؟ ما بك أيتها الممسوسة ؟ هتفت : إنه مازال يرفس في بطني ؛ يرفس مثل حصان هائج . دمك و لحمتك وهياجك وطيرانك . لو إني أعلم ما الذي أحمله في بطني منك لما أخذتني هضيمة ! ياألهي ، إنه يريد الخروج في غير اوانه ؟ ماذا وضعت في بطني ايها الطيار ؟ هيا ضع يدك على بطني لتتاكّد . ها ؟ شفت ؟ ضع أذنك لتسمع صراخه ، هل سمعت ؟ كيف يمكنني أن انام من هذا العويل بعد ذلك ؟ هل تسمع ؟ أسمع . ليست قرقرة أمعائي الجائعة طبعا .

وجلسنا على حافة الرصيف . شعري أشعث ، ودشداشتي شبه ممزقة . وعيناي زائغتان . ولحيتي طويلة يتخللها شيب كثيف . إلى أين ؟ و تقيأت حسنة في زاوية من بناية البريد القديم . لم يكن تقيوءا كان شيئا ما يشبه القير المبقبق . و قرصني الجوع من جديد . ماذا يمكن ان نأكل في هذه الوهدة ؟ هل انت جائعة ياحسنة ؟ فهزّت بيدها استغرابا . هل بقي معك بعض النقود يا إمرأة ، هات لنا خبـز ( تموين ) في الأقل ؟ وأشارت برأسها نافية . لا أحد لي في هذه المدينة أخيرا . لقد اخترت الأسوأ يا حسنة في هذا الزمان .

ـ أنا لم أخترك قط يا عشيقي .

ـ كيف ؟

ـ هم ، من اختاروا لي هذا الإتباع لك . وأنت أعرف الناس بذلك .

ـ من هم ؟؟

ـ تعرفهم . الجالسون عند السور . أنت تعرفهم وزاحدا واحدا . هل نسيت ؟

ـ هووو . الخواص : رجعنا ..أي سور ؟ ، كان محض رحلة ؛ ما كان ، هل تفهمين ؟

ـ ياه .. الخلا ! كلّ هذا الامر العظيم ؛ وماكو شيء ؟

ـ ماكو شيء لحدّ الآن ، ماكو غير فضاء الخندق هذا . انسي ما كان في ( شق عثمان ) ، واخبريني ، الآن : لماذا طردنا من ( السلف ) ؟

ـ ما ادري .

ـ هذه ( الماأدري ) لا اريدها بعد ذلك . قتلتني .

ـ ومن يدري غيرك ياعباس ؟

يقعى ( ماحود ) عند مطعم ( الجنائن المعلّقة ) وعيناه تومضان ببريق غريب . فيخرج الآكلون البطرون ينظفون اسنانهم باعواد برية ، جماعات وأفراد ، يقهقهون ، او تتجشأون . والكلب ( ماحود ) نائم ، والشمس عالية . والدنيا كبيرة.ولا شيء غير الغبار الذي يهمي في المكان .يأتون ويذهبون . أعرفهم ، كلّهم ، وأنا جالس في مكاني . أراهم ولا يرونني عن قرب ؛ وتلك من متعي الجديدة . لم يتنبّه لي أحد منهم وانا اسير بعصاي على الرصيف تقودني حسنة : يا الله من مال الله . خمس فلوس . قبة من رماد . و يسير بالقرب مني نجم ، فأعرفه ، ولا يعرفني ،واحاول أن أقول لـه : إني أنا عباس بهلوان فينعقد لساني ، ولا اجرؤ على الإفصاح لـه عمّن اكون ؟ يلقي بعشرة فلوس ويمشي . قلت لها : هل تعرفين ذلك الرجل يا حسنة ؟ إنه ( داكيري ) قديم ، صديقي ، لم يعرفني ؟ هذا أفضل . مسحت فمها بمنديل عتيق كان خرقة للخال حسين علّمها : أن فيه شفاء الاولياء المقدّسين القابعين بين السماء والأرض ،إنهم هم أهل السور والحمى . فلتسمع مارلين ولير صباح ، وليتعلّم ( الداكير ) كلّه مني . فقالت : هم ، رجعنا للسور واهل السور ؟! ل (مرّونه ) وأهل ( مرونه ) و صباح وحكايته ، والداكير واهل الداكير ، يا داكير ، يا ( نوى تمر ) يامعود . الجوع قتلنا د.. شف لنا حلّ . لم ناكل شيئا منذ يومين . وحينما سرنا تبعنا ( ماحود ) يهش ذيله . كانت ساعة سورين تدقّ بصوت مألوف فجلسنا تحتها . فعاودت حسنة البكاء ن وندبت حظها العلثر في الرجال : ربي ، لو مريض ، لو غريق ، لو مطلوب ،لو شائب ،لو ميت من زمان ،لو مجنون . يا اهل السور عليكم نور . شوفوني .

يمكننا ان نشوف يا حسنة ؛ شوفة ما بعدها شوفة ، هناك ، في السينما الحمراء . كانها سقيفة للطيران . هل ترينها من هنا ؟ قالت : وما السينمه أنوب ؟ شوفة جديدة ؟ لا لا حسينة دنيا أخرى . هل تأخذني ؟ يوما ما ن ها ؟ ، لأراها ، هذه الدنيا في هذه الدنيا ؟ هم يصير لك ياحسنة حظ وبخت وترين ما لم تره في حياتك في هذه الولاية ؟ سأرى ، شف شف ، الآن ، عباس ، ما هذا الخلا !

يسير موكب عرس ، فيمكنني ان ألحظ منصور الراقوص وهو يخرج راسه من الباص الخشب ناثرا شعره الطريل صائحا : طيييط طيييط ! تخرج حسنة كسرة خبز وتقضمها ببطء تحاول أن تمنحني شيئا منها ، فأرفض ، وتصر على إطعامي ، قالت : التقطتها لك من الارض . كل . فإن أبشع ما نعمله في هذه الدنيا هو الأكل ؟ هل يوجد في السينمه الدنيا هناك التي حدثتني عنها ما ياكله الناس الذين يظهرون فيها ؟ وكم يريدون من الفلوس للدخول إليها ياعباس ؟ فلم أجب . وفكّرت : وبما إنك معي ولا يمكن أن نجلس في ( اربعين ) فلسا ؛ إذ لم ترتاده إمراة قط ،حسب علمي ، فأظن باننا نحتاج على مائة وثمانين فلسا لدخول السينما .. نملك الآن هذا المبلغ : الطعام ام السينما ؟ ماذا تقولين ؟ وصمتنا معا .

وظهر على حين غرة تومان الأسود يحمل خلفه ولدان قطعة خشبية للإعلان عن فيلم جديد في سينما الحمراء . عزف مقطعا في الفيفرا بأنفه ، ورقص قليلا امام حشد من المارة . وقفت حسنة مستطلعة ، وقالت : شنهو هذا ؟ قلت : السينما يا حسنة . ثم شرع الحشد الصغير بالتقدّم في سوق ( المغايز ) يتبعه عدد كبير من الأولاد والصبيان . وتتراكض خلفهما بنيان صغيرتان . سعدة وحفص ، هنا . البنتان الغريبتان تتبعان تومان ، هذه المرة . لا أستطيع اللحاق بهما . جسدي ثقيل ولا يساعدني على الركض في هذه الايام . فيلم أميركي آخر . كان شلتاغ يسير على الجانب الآخر من الطريق وهو يصرخ بصوت متواصل ، رأته حسنة وعرفته . هل هو شلتاغ أيتها المراة ؟ هو هو . لكنه غريب فقد أرتدى ، هنا في الولاية ، بنطلونا اسود ، وقميصا بنصف كم ، و انتعل ( جيوة ) محلية . هو شلتاغ بلحمه ودمه . تغشّي با إمرأة لكي لا يعرفنا . وأنت ؟ أرجو أن لا يعرفني أنا الآخر . لسانه ليس معه .

لكن شلتاغ أقترب منا قليلا ، وصاح بصوت واحد : آآآآآآآآآآآآآآ ! فلم نجبه . ونهضت حسنة ، وصاحت به : ول ول مهبول . فعاد فاتحا فمه ،وصاح من جديد : عععععع!يمآآآآآآآوو صاحت حسنة . وتجمّع بعض المارة . ونبح ( ماحود ) فجأة من بعيد ، فترك شلتاغ المكان ، وغاب بين الناس . قلت :

ـ ماذا اراد منا ؟

ـ لاأدري .

ـ هذه ( اللاأدري ) مصيبتي .

ـ كلنا لا ندري .

ـ كلنا ؟

ـ كلنا : من البداية إلى النهاية .

كان اصعب شيء في المدينة هو أن نجد لكلينا مأوى ننام فيه . ولم نستطع أن نجد مكانا مناسبا غير خان كوتي للمسافرين مرة اخرى ؛ حيث يكون الليل كلّه مع الزائرين الهنود . وفي الصباح تقصّ لي حسنة كلّ حكايات الهنديات القادمات إلى زيارة المراقد المقدسة . كيف تتفاهمين معهن ؟ سهل جدا نحن النساء لا نحتاج إلى ترجمان .

لم يعرفنا احد غير سرهيد الأسود الذي كان يحضر في كلّ يوم تقريبا لجلب الخبز إلى بيت نجية طويق . ما ان رآنا على الرصيف حتى طفق يقهقه بصوت عال . شعرت حسنة بخوف مباغت منه ، فقد كان يبدو مثل عملاق أنشقّت الأرض عنه فجاة . لكنه لم يقترب منا بعد أن شاهد ( ماحود ) بالقرب منا . وقال :

ـ هذا اللعين ، يحرسكم ، أخيرا ، أعرفه ، ( ماحود ) الكلب ؛ لا امان له . سأخبر الام نجية ، والله . وقالت حسنة وهي تمسك صخرة بيدها :

ـ ول ول ، هل تعرفنا ؟

ـ إي إي .

ـ وشتريد مصقوع ؟

ـ ماكو شيء ، أنت منو ؟

ـ إمرأته .

ـ فيلم فيلم ! آخر خبر : الطيار والمعيدية .

ـ وطحل ، ما عاجبتك ؟

ـ لا خانم ، لا ، هاكم خبزة !

ونبح ( ماحود ) ونبحت ( جولدة ) من بعيد ، فغادر سرهيد على عجل وهو ما يزال يقهقه طوال الطريق . كان المخاض قد بدت علائمه على حسنة . وظهر صباح وهو يقود سيارته مكشوفة جديدة سوداء وعريضة مثل سفينة ، وتجلس مارلين على جانبة وهي تداعب شعرها الأحمر . لم أقل سيئا لحسنة وأنا أرقبهم والسيارة تختفي عند عطفة بعيدة . وكان الليل قد حلّ في المدينة . قلت :

ـ ماذا ستلدين لي ؟

ـ سألد ، حتما ، شيئا ، ما ، يرفس

ـ هنا ؟

ـ لاأدري .. ضع عباءتك عليّ ، الآن .

ـ الآن ؟

رأيته ، كان يصرخ ، بلا دم ولا مشيمة ، شيئا ما ، مثل طفل مسخ على كتفيه نجوم من ذهب .. اقتربت منه البنتان الصغيرتان الراكضتان ـ لأول مرة ـ تحدقان فيه . وفي الجانب الآخر من النهر كانت سيارة صباح تزمّر بالصوت ذاته المعتاد لدى اهل المدينة : طاط طووط طييط ط ط ط كانت مارلين تجلس إلى جانبه حاملة ـ هذه المرة ـ لعبة كبيرة بحجم طفل عمره عامين ،وتحته قرص من نحاس ؛ إنه ( نغل أبو عشرة كبير ) وكان شعرها الاحمر ما يزال طويلا ومميزا . وكانت حسنة قد اكملت وضعها في الوقت نفسه وسط الشارع دون ان يلحظ ذلك ثمة أحد من المارة .

الهوامش :

(1) الكرنل : الكولونيل .

(2) السستر : ممرضة .

(3) نسبة إلى الداكير dockyard وهي منطقة لإصلاح السفن في البصرة .

(4) مقطع مجتزا من كتاب في البلدانيات العربية .

(5) المسقوفية : الموسكوية . لهجة محلّية .

(6) دماغ سز : ثقيل الفهم ، تركية .

(7) إمراة ملحاح : لهجة محلّية .

(8) كولي : قطعة صغيرة من الحشيش .

(9) سيبندي : عسكر عثماني قديم ، أنقلبت الكلمة إلى سبّة في اللهجة العراقية .

( 10 ) شخصية دينية حقيقية في الجيش العثماني ، كان يعمل مرشدا دينيا ، وهو على الطريقة ( المولوية ) الصوفية المعروفة .

( 11 ) الاورطة : وحدة عسكرية عثمانية .

( 12 ) القلّق : السجن .

(13 ) قماش رخيص اشتهرت النساء العراقيات بإرتدائه في منتصف الستينيات من القرن الماضي .

(14 ) موظة نسائية للباس قصير فوق الركبة .

( 15 ) صمتا صمتا ، بالفارسية .

( 16 ) نان : خبز . فارسية .

( 17 ) الأوفيس : المكتب التجاري .

( 18 ) أسم قديم للعراق .

( 19) الزواج المؤقت عند الطائفة الشيعية .

( 20 ) فريضة مالية كالزكاة تدفع إلى المنحدرين من عشيرة الرسول ( ص ) من آل الامام علي ( ع ) .

( 21 ) تعال تعال : كلمة نداء بالاوردية .

( 22 ) ترجمتها : العائلة والخدم المحلّيون .

( 23 ) لعبة أطفال رخيصة بحجم الابهام تتكون من طفل وتحته قطعة من نحاس يوضع على رأسه وبعد تركه يجلس على عجيزة النحاس . أصبحت بعد ذلك مضرب مثل لمدة طويلة في الذاكرة الشعبية العراقية .

( 24 ) معبد للهندوس في المعقل شيد إبان الحرب العالمية الثانية .

( 25 ) سجن ( نقرة السلمان ) للمعارضين السياسيين العراقيين المعروف في صحراءالسماوة .

( 26 ) عنق زجاجة مكسور يستعمله رواد الحشيش في استياف الدخان .

( 27 ) ( جنحيت ) عامية جنوبية تعني الضخم من الرجال . أصلها : كالحوت .

( 29 ) أنظر أنظر . هندية .

( 30) أسكت أسكت . غبي .

( 31 ) ( كيف ) : عزف ورقص . عامية .

( 32 ) المولدون : الخلاسيون .

( 33 ) عفطي : هازل . غير ذي خلق . عامية عراقية .

( 34 ) رعبول : السماء الثانية .

( 35 ) دشت : أرض مستوية . لغة فارسية .

( 36 ) ألهي لم تركتني ؟ الكلمة الاخيرة للسيد المسيح ( ع ) قبل صلبه . الكتاب المقدّس .

( 37 ) مقطع مجتزأ عن كتاب في البلدانيات العربية .

( 38 )جمع طرن : بلهاء . لهجة عراقية .

( 39 )دودة تعيش في مياه قذرة تشبه الحية أثناء ولادتها .

( 40 ) سرسرلوغي : داعر . لهجة عراقية .

(41 ) الهجع : رقص غجري عراقي أشتهر في عقد الخمسينيات وبداية الستينيات .

( 42 ) دبش : الحيوان . لا يفهم . لهجة عراقية .

( 43 )كرة زجاجية صغيرة يلعب بها الاطفال .

(44) مكان عام للغسيل .

( 45 ) تعويذة تكتب على ورق .

( 46 ) الدان : قنابل قديمة .

( 47 ) شيّوبه : يشيب لها الشعر . لهجة عراقية .

( 48 ) التفنكجية : حملة البنادق . لغة تركية .

( 49 ) سبّة عراقية ، أصلها تركي .

( 50 )الورواري : الكاذب . المتقلّب . لهجة عراقية .

( 51 ) أيوث : السماء الخامسة .

( 52 ) شراب مخدّر خليط من نباتات تعطى للأطفال حديثي الولادة .

( 53 ) كدش : لا يفهمون . لهجة عراقية ز

( 54 ) الخشابه : قارعو طبول متعددة .

( 55 ) خرزة : كرة زجاج صغيرة .

( 56 ) الملجة : عقد زواج لفظي غالبا .
__________________
سر النجاح على الدوام ,, ان تسير الى الامام


حضرموت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
الجو , عزيف

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عزيف الجن support ساحة القصص والروايات 4 17-01-2009 11:55 AM
ابو جهل عليه لعنه الله قولو امين امين هاشمي وافتخر ملتقى الأنساب و الشخصيات 4 02-12-2007 10:42 PM
عندنا يا أخون موضوع يتكلم الليلة عن الجن وماهم الجن واين يعيشون سميرة الساحة المفتوحة 0 22-03-2002 01:02 PM
عندنا يا أخون موضوع يتكلم الليلة عن الجن وماهم الجن واين يعيشون سميرة الساحة المفتوحة 0 22-03-2002 12:43 PM

أضف ايميلك هنا لتصلك مواضيعنا يوميا:

Delivered by FeedBurner


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:55 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م
ابشر