تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > منتدى التاريخ

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 10-05-2008, 07:56 AM   #1
مغروم وادي جردان
كاتب ذهبي
 
الصورة الرمزية مغروم وادي جردان
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
الدولة: أرض الجزيرة العربية
المشاركات: 1,157
مغروم وادي جردان is an unknown quantity at this point
افتراضي كتاب بعنوان غزو الكويت المؤلف عميد ركن في الجيش العراقي

هذا الكتاب: يتجه بنحو مباشر إلى الشعب العراقي وإلى المعنيين بالقضية العراقية من سياسيين وعسكريين وباحثين محاولاً رسم خطوط الحدث الكبير بالوقائع والأحداث التي أسهم فيها الكاتب في ضوء مسؤولية العسكرية آنذاك. من بالغزو تلعسكري العراقي للكويت في 2 أب 90، كيف وقع أهم الأحداث والفعاليات العسكرية، موقف الضباط والجنود والعراقيين، قصة الانسحاب المأساوي! كيف ومتى وأين اندلعت شرارة الانتافضة الشعبية في آذار 1991 وكيف واجهها النظام العراقي؟ وما موقف الجيش العراقي، الحرس الجمهوري، الحرس الخاص ومنظومات الأمن والاستخبارات منها! كيف سحق جنازير الدبابات الحرس الجمهوري العراقي عظام المنتفضين الثوار! مفاوضات صفوان وموقفها من الانتفاضة! الموقف العربي والخليجي، الايراني والعالمي من الانتفاضة! الاهـــــداء

إلى ابن العراق البار الذي أسقط حاجز الخوف برصاصة..!!
إلى الجماهير وهي تتقدم بعنفوانها الطري، لـترسم ملامح الوطن الجديد..
إلى الذين يرومون الحقيقة واضحة، ويبحثون عن شتاتها المتوزع في ذاكرة الجميع ...

حقائق وحوادث مثيرة، مستقبل الحكم في العراق. وقد تضمن الكتاب كذلك (300) اسماً لشخصيات عراقية عسكرية وعشائرية وسياسية ذات صلة بالأحداث.المؤلف في سطور: نسب إلى عشيرة (المجمع الصوالح) من قبيلة بني جميل في العراق. مواليد بغداد 1952. بكالوريوس وماجستير علوم عسكرية الكلية العسكرية العراقية الدورة (50) لسنة 74 كلية الأركان العراقية الدورة (50) لسنة 85. دبلوم قيادة / الأكاديمية العسكرية السوفياتية. بكالوريوس "علم الاجتماع" جامعة بغداد. دبلوم جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا. آمر كتيبة دبابات في الحرس الجمهوري. آمر لواء مدرع / آمر لواء آلي رئيس أركان الفرقة المدرعة السادسة في حرب الخليج. ضابط ركن في مقر الفيلق الرابع. مدرس في كلية القيادة. ضابط ركن في رئاسة أركان الجيش. رئيس اركان الفرقة الآلية الأولى. أعلن معارضته للنظام الحاكم العراقي في تشرين الثاني 1995.

الفصل الأول


البداية الساخنة ..!

رن جرس هاتف منزلي في بغداد حوالي الساعة الرابعة فجر الثاني من آب 1990، وكان صوت المقدم زكي يحيى مقدم اللواء المدرع / 16 يأتيني عبر الهاتف ويبلغني أمر قيادة الفيلق الثالث بوجوب قطع الإجازة والالتحاق فوراً، حيث كنت اشغل منصب آمر اللواء، لحظتــها لم يتسن لي أن أعرف ما حدث بالضبط، ولكن بعد بضع ساعات كانت نشرات الأخبار الصباحية تحمل نبأ احتلال العراق لدولة الكويت ... ‍!!
... يا للمفاجأة .. !!
هذا ما رددته مع نفسي بصوت خفيض، لكن ما العمل في تلك اللحظة وما الذي أفعله؟ يجب أن أحزم أمري وأتوجه نحو البصرة حيث يكون عملي، وهذا ما تقتضيه الأوامر والمقررات العسكرية في مثل تلك الأمور.
وصلت ظهيرة ذلك اليوم مقر اللواء، وقتها كانت الأوامر قد صدرت بالتحرك نحو الحدود.
في ظهيرة اليوم التالي دخل اللواء المدرع / 16 وهو أحد تشكيلات الفرقة المدرعة السادسة الأراضي الكويتية وكان تسلسله الثالث بعد اللواء المدرع /30 ولواء المشاة الآلي /25، وبذلك تكون الفرقة أول تشكيل يدخل الكويت بعد قوات الحرس الجمهوري، ثم وضعت الفرقة بكاملها بأمرة تلك القوات.
في ليلة الخامس من آب صدر أمر بحركة اللواء من مقره في الروضتين (مزارع القشعانية) لاحتلال معسكر درع الجزيرة الكويتي الذي يضم اللواء المدرع / 35 الكائن شمال طريق الجهراء باتجاه السالمي 20 كم على أن يتم ذلك مع الضياء الأول ليوم 6 آب 1990 وتحقيق المهام التالية:
أ- نشر وحدات اللواء المدرع / 16 أمام معسكر درع الجزيرة (10كم) شرق وغرب الطريق العام وتأمين خطوط دفاعية متعاقبة.
ب- السيطرة على معسكر درع الجزيرة ومنع الحركة فيه وعدم تسليم أية عجلة أو مادة إلى الكويتيين.
ج- وضع سيطرة عسكرية من موارد اللواء بإشراف ضابط الأمن على الطريق العام (طريق الجهراء - السالمي) قريبة من مقر اللواء مهمتها منع السيارات والكويتيين من دخول الحدود السعودية.
شرعنا بالحركة ليلا وعند الضياء الأول وصلنا إلى مدينة الجهراء، إذ سبقني إليها عدد من ضباط مقر اللواء وحسب خطة التنقل، شاهدت عجلات تحترق في أحد معارض السيارات هناك .. استفسرت عن تلك الحرائق وعن سبب عدم منع القائمين بها مشيراً إلى مكان المعرض الذي يبعد عنهم مسافة 500م، فكان جوابهم، هؤلاء ينفذون أوامر "قصي" ومن الأفضل أن لا تتدخل سيدي!
عندئذ أحسست بأن للاحتلال مخلب سري سيظهر فيما بعد ويمزق الواجهات !

تم احتلال المعسكر بالساعة السابعة والنصف صباحاً، حينها جاء من يخبرني بأن هناك شابين كويتيين يطلبان السماح باسترداد سيارتيهما المتروكتين عند أحد مداخل المعسكر * .. قابلت هذين الشخصين عند الباب الرئيس للمعسكر، حيث توجد دائرة استعلامات حديثة، قال لي أحدهما وهو شاب في العشرين من عمره وكان يرافقه ابن عمه وهو بنفس عمره تقريبا.. جئنا إلى هنا نلتمس الموافقة على سحب تلك العجلة، وأشار بيده نحو عجلة حديثة قائلا، إنها عجلة ابن عمي، وهو ضابط صف في هذا اللواء وقد وقع أسيراً في أيدي القوات العراقية (قوات الحرس الجمهوري) التي دخلت إلى هنا يومي 2 و3 آب.. التفتُ إلى المقدم زكي وسألته. إن كان قد سمع كلاما مثل هذا؟ فقال، نعم، سمعت بأن ضمن منتسبي اللواء /35 ، شهداء وأسرى بينما هرب الباقون إلى داخل الكويت ووصل البعض منهم إلى السعودية !، حينها أخذت الأسئلة تلفني وتدور إذ تساءلت مع نفسي (هل جئنا محررين كما يقول الإعلام الرسمي لإعادة الفرع إلى الأصل ! أم منفذين اسلوبا جديدا لتحقيق الوحدة العربية، هذا الحلم الكبير الذي لا يزال يراود خيالنا، أم سالكين طريقا تؤدي إلى تحرير فلسطين مثلما يهمس الإعلام العراقي هنا وهناك!) لقد أيقنت بأن هذه المفاهيم والآمال كانت تتنافى وتتقاطع مع ما يحـــدث من ســـــلوك يتمثــل في السلب والتخريب وحرق السيارات، سبقه قتل وأسر أشقاء لنا... كيف نتعامل مع الكويتيين كأسرى حرب ؟ .. كانت لوعة الأسئلة تتحسسني وتدخلني بمأزق لا ينتهي، تأملت الموقف، ثم قلت لهم: تفضلوا خذوا سيارة ابن عمكم.. ربما يعود إليكم قريبا .. لا تقولوا عنه إنه أسير.. ليس بين العرب آسر ومأسور !
بعد ذلك جاءت امرأة محجبة مع ولديها الصبيين لاستلام سيارة المرسيدس التي تركها زوجها بعد أن أسرهُ الحرس الجمهوري، و أراد الصبيان تشغيل العجلة في بادئ الأمر، لكنهما لم يتمكنا من ذلك، ويبدو أنها قد تعرضت إلى محاولة سرقة بعض أجزائها الكهربائية، فأصدرت أمراً إلى مفرزة التصليح في مقر اللواء لتأمين سحبها وإيصالها إلى المكان الذي ترغب فيه تلك العائلة الكويتية إيصال سيارتهم إليه، ولكن أحد الصبيين تمكن من تشغيلها فيما بعد وسحبها إلى داخل المدينة، وبعد ذلك همست في أذن مقدم اللواء بتبليغ جنود الحرس بتسليم السيارات إلى ذويها دون إشعارنا!

الذاكرة … تتساءل

ذات ليلة، بينما كنت أتأمل طبيعة ما يجري على أرض الكويت وفي زحمة الأفكار، عادت بي الذاكرة إلى شتاء عام 1980 أثناء الحرب العراقية الإيرانية حين كنت آمر سرية في كتيبة دبابات 1 حزيران المنفتحة في موضعها الدفاعي داخل الأراضي الإيرانية ضمن قاطع عمليات ديزفول، قرب "مرقد الإمام زاده عباس" وفي طقس شتائي ممطر، ألقى جنودنا القبض على شخص مدني جاء من جهة إيران ودخل موضعنا الدفاعي وقد قيده الجنود وعصبوا عينيه وجاءوا به إلى مقري المتواضع الذي هو عبارة عن حفرة 2×3م تحتوي على سرير نوم وعدد من صناديق العتاد الكبيرة الفارغة نستخدمها مقاعد للجلوس.
كان الرجل في الأربعين من عمره يرتدي دشداشة سوداء حافي القدمين تتمثل فيه كل علامات البؤس والتعب .. ويبدو مـن هيئته انه من عربستان *
ودار بيننا الحوار التالي:
من أين أتيت ؟
- جئت من قرية (زاده) القريبة من ديزفول وأشار بيده نحو القرية.
من أرسلك إلينا، ولماذا دخلت الموضع الدفاعي ؟
- لم يرسلني أحد وإنما فقدت "بقرة" تعود لي وأنا أبحث عنها منذ الصباح وهي مصدر رزقي الوحيد ومعيشتي الذي لم يبق عندي غيرها !
- أنت تتكلم اللغة العربية وبلهجة عراقية جنوبية ! هل أنت عربي، ومن أي عشيرة أنت ؟
- أنا عربي ومسلم من قبيلة الخرسان.
- نعم، الخرسان قبيلة عربية تسكن في القسم الجنوبي الشرقي من العراق في محافظة العمارة ويسكن قسم من أبنائها في إقليم عربستان وفي ديزفول والخفاجية والأهواز، ثم أومأت إلى الحرس أن يفكوا وثاقه ويرفعوا عن عينيه العصابة التي هي عبارة عن "اليشماغ" الذي كان يلف به رأسه قبل القبض عليه. بعد ذلك، دعوته للجلوس على صندوق كان أمامي وأشرت إلى الجندي المراسل "ايشو" أن يعمل لنا شاي.
سنحت فرصة جيدة للتحدث مع هذا العربستاني المبتلى الذي يعيش فوق بحيرة من النفط، الذهب الأسود، مصدر الخير والشقاء على حد سواء لشعوب هذه البقعة من العالم.
- أريدك أن تحدثني بصراحة عن أوضاعكم وماذا جرى لكم خلال الحرب؟
وقدمت له سيجارة وبعد أن احتسى الشاي شعر باطمئنان وأخذ يتحدث:
- نحن العرب هنا، وهو يشير نحو ديزفول، في ورطة، هذه الحرب دمرتنا نحن بالذات وليس الفرس الذين يعيشون في مراكز المدن البعيدة، نحن على الحدود مباشرة، تهدمت بيوتنا ونهب حلالنا، وأعراضنا مهددة أن تهتك في كل لحظة !
- نحن مهددون بذلك من كلا الجانبين، الإيراني والعراقي على حد سواء ! الإيرانيون يقولون عنا، أنتم عرب وتعملون جواسيس لصدام، وأنتم "مشيراً بيده نحوي" تقولون عنا "أنتم جواسيس لإيران، وأنتم خمينيون" * هل تمنحوننا الجنسية العراقية لو طالبنا بها لكي نرحل إلى العراق حيث تتواجد عشيرتنا وأهلنا ويحسم الموضوع ؟ ولكن ألم تعتبروا أقاربنا هناك "تبعية إيرانية" وقد تم تسفيرهم إلى إيران وهم العرب والعراقيون الأصلاء ! لحظتها رن جرس الهاتف ليقول لي وكيل آمر الكتيبة، الرائد عبد الخالق العاني• يا نقيب نجيب، لقد اتصل بنا توا المقدم الركن زبير جاسم العاني ضابط استخبارات اللواء طالباً إرسال هذا الإيراني الذي دخل مواضع الكتيبة إلى مقر اللواء بعد تفتيشه جيدا وربط يديه وعصب عينيه لغرض تسليمه إلى هيئة الاستنطاق للتحقيق معه في شعبة استخبارات الفرقة المدرعة العاشرة.
اتصلت بضابط استخبارات اللواء لوجود معرفة شخصية بيننا وأوضحتُ له وضع هذا العربستاني البائس وظروف إلقاء القبض عليه وإنه إنسان بريء ... الخ ولكن ضابط استخبارات اللواء قال:
- صحيح، ولكن مقر الفرقة، علم بالموضوع ولا أستطيع التدخل في إطلاق سراحه، غير أني سأشرح الموقف لضابط استخبارات الفرقة وهو متفهم لهذه الأمور لعله يطلق سراحه.
بعد هذه المكالمة الهاتفية، وصل "العربستاني" إلى مقر الفرقة للمثول أمام هيئة الاستنطاق، ولا أعرف بعد ذلك مصيره وما حل به، وفيما إذا كان قد عومل على أساس انتمائه القومي العربي ! أم على أساس سكنه الجغرافي.. على أي حال، فإني أشك بمعاملته على أساس قومي ! رغم الشعارات القومية التي كان النظام يروجها حينها مدعيا تحرير القطر العربي السليب عربستان ! فقد تعودنا أن نقرأ الأيديولوجية القومية في الكتب، ونسمع رنين العروبة في الإذاعات، ونتحدث عنها في الاجتماعات، ولكن، نراها على ارض الواقع مذبوحة متدحرجة أمام مفاهيم منافقة في اغلب الأحيان!

الموت عطشا .. في المناقيش

كانت المئات من السيارات الكويتية التي ستنقل العوائل متوقفة تنتظر السماح لها بالمرور نحو الحدود السعودية ولكن الأوامر التي استلمها ضابط الأمن من مرجعه الأمني كانت واضحة وفيها تشديد على وجوب الإلتزام بالتنفيذ الدقيق ومنع وصول الكويتيين الى المملكة العربية السعودية، وقد زرت السيطرة العسكرية وقلت "لضابط الأمن بحضور عدد من الضباط والجنود: إسمع يا ملازم أول فلاح، لا أريد أن أرى عجلة واحدة هنا .. لا أسمح بتكدس العجلات المدنية الكويتية عند مدخل اللواء أقصد مكان السيطرة، وبذكاء فطري، فهم "فلاح" ما أبغي من وراء ذلك وفتح حاجز الطريق أمام طابور السيارات المتوقفة وانطلقت جميعها بسرعة وإستمرت العملية على هذا المنوال طوالالأيام العشرة التالية:
ثمة حقيقة ينبغي التأكيد عليها، هي إن الضباط والجنود العراقيين قد تملكهم الإحساس والرغبة في إبداء ما أمكن من مساعدة لأشقائنا الكويتيين، بل كان ذلك هاجسا مشتركا يجمعون عليه، وكنت عندما ألتقي آمري التشكيلات وضباط الركن في مقر الفرقة، نتبادل الأحاسيس ذاتها، وحتى في المؤتمرات الموسعة في الفيلق كان آمرو التشكيلات يحدثونني أحيانا بقصص مأساوية حدثت لعوائل كويتية عندما كانت تحاول الهرب إلى السعودية عبر الطرق الصحراوية.. وذات مرة شاهدت أحد آمري التشكيلات مكتئبا حزينا وقد ظننت أنه تلقى خبرا محزناً يخص عائلته في العراق ولكنه أخبرني أنه وجد عائلة كويتية "ميتة" بتأثير العطش داخل سيارتهم حين ضلت الطريق في الصحراء لدى محاولتها الهرب باتجاه الحدود سالكةً طريقا ترابياً ضمن قاطع لوائه في منطقة المناقيش*. كان الجميع (الضباط والمراتب) ومن مختلف الرتب والمستويات يحمّلون النظام في العراق مسؤولية هذه الجرائم التي يرفضونها ويدينون مرتكبيها.
لقد تعاطف الضباط والجنود العراقيون مع شعب الكويت ولم ينفذوا إلا جزءاً يسيراً من الأوامر المشددة التي صدرت إليهم في حينها وبصورة خاصة ما كان يتعلق بمنع دخول الكويتيين إلى المملكة العربية السعودية.


الحلقة الثانية:



كان ما حدث من إساءات عدوانية في المدن الكويتية قد نفذ من قبل أزلام النظام (العصابة الحاكمة وأجهزة المخابرات والأمن) ولم يشترك فيها الجيش الذي انحصرت مهمته في الصحراء على الحدود ولم يدخل المدن الكويتية أصلا، ولكن هذا لا ينفي وقوع بعض الحوادث ذات الطابع الفردي التي لا تنسجم مع التأريخ العريق للجيش العراقي وقيمه الأصيلة، ولذا أصبحت تلك التصرفات الفردية عرضة للنقد والإدانة من قبل جميع الضباط والجنود.

لصوصية معلنة .. ولاء.. زائــف ..!

قررت أن أجعل مقر اللواء الذي بأمرتي في مدخل المعسكر مستغلا المنشأة الخاصة بدائرة الاستعلامات، ولم اوافق حينها على المقترحات التي عرضت عليَّ "باشغال المقر والدائرة الخاصة بآمر اللواء الكويتي المدرع/ 35" وقررت عدم الذهاب إليه لاعتبارات شخصية "لأني لا أرغب أن أمثل دور المحتل المغتصب لمقر آمر لواء كويتي شقيق، علمت أنه قاتل دفاعا عن مقره وقيل أنه وقع في الأسر"، كما أن متطلبات السيطرة على تشكيلي الموزع في الصحراء والمحافظة على موجودات المعسكر من أسلحة ومواد جعلتني أفضل الإستقرار المؤقت في مقر متواضع كالذي أنا فيه.
في هذا المكان ، زارني العديد من القادة وأعضاء في القيادة العامة للقوات المسلحة، وذات يوم جاء لزيارتنا الفريق الركن إياد فتيح الراوي، قائد قوات الحرس الجمهوري، وبرفقته عدد من ضباط الركن ومجموعة حماية كبيرة وعند مدخل المعسكر قال لي:
- عقيد ركن نجيب، أريد أن تأخذنا الى مقر آمر اللواء في المعسكر (يقصد آمر اللواء الكويتي) حيث يقولون عنه : انه قصر فاره وفيه تسهيلات ومنشآت كثيرة .. الخ.
كان هذا المقر يقع في مركز المعسكر ولكني لم أشاهده من قبل، لذا لم أستطع أن أصطحب قائد الحرس الجمهوري دون دليل، فطلبت من مقدم اللواء أن يدلنا على ذلك إلا أنه إعتذر قائلا:
- سيدي، أنا أيضا لا أجيد الوصول إليه، ولكن ملازم مشتاق يعرف الطريق وبإمكانه أن يدلنا ماشياً أمامنا.. حينها انتشرت حماية القائد أمامنا وخلفنا وعلى الأجنحة وهم من العناصر المعروفة بسلوكها غير المنضبط إبتداءا من طريقة حلاقة رؤوسهم غير المألوفة عند العسكريين الملتزمين وقيافتهم الزيتونية إلى الحذاء البني الذي يحتذونه وهو خاص بالضباط، كما أنهم لا يؤدون التحية العسكرية لأنهم في الحقيقة نمط خاص وجدوا لإرهاب الضباط وإستفزازهم، كان مقر اللواء يبعد حوالي (800)م وقد رغب الفريق أياد أن نقطعها سيراً على الأقدام.
وجدنا المقر عبارة عن بناية حديثة، تتكون من طابقين وملجأ أرضي أُلحقت بها حديقة مناسبة وكانت سيارة مدنية من نوع "شوفرليت كابرس" سوداء اللون موديل 1990 تقف عند مدخل البناية وعليها آثار "دماء" وكان زجاج بوابتها اليمنى مهشماً، ومما لا شك فيه أن تلك السيارة كانت تحكي حادثة لا أعرف تفاصيلها، لكن من السهل الاستدلال عليها !..
كانت نظرات أفراد الحماية تعكس إعجابهم المتناهي بالسيارة بنحو لافت للنظر، بينما كان الفريق أياد يبحث عن غرفة العمليات * وقد لاحظت أن المرافقين وجنود حمايته كانوا يبحثون عن غرفة آمر اللواء..!؟
كانت غرفة العمليات في الملجأ الأرضي نموذجية من جميع النواحي التي يجب توفرها في مثل هذه الغرفة، كالشروط الأمنية، السعة، المحتويات، والخرائط، وقد كانت خريطة الإستخبارات ** مؤشــر عليـها مواقع إنفتاح القوات العراقية لغاية 1 آب 90، وعند وصولنا كانت الباب مقفلة، أمر الفريق أياد مرافقيه بفتحها، فهجموا على باب الغرفة مستخدمين كل الوسائل حتى تم فتحها ثم توزعوا على الغرف الأخرى فكسروها بعنف وحطموا الزجاج والألمنيوم والأقفال والمواد الزجاجية والخزفية واستولوا على الأشياء الصغيرة الثمينة التي يسهل حملها ومن ضمنها نماذج دروع برونزية صغيرة، هدايا، قرطاسية وكريستالات..!
أثار هذا السلوك عدم الارتياح في نفسي واستغربت من موقف الفريق أياد الراوي الذي لم يحرك ساكنا تجاه ما قام به هؤلاء، إذ مهما يكون المرء متورطا في خدمة النظام والخضوع له، فإن الأمر لا يمكن أن يصل إلى هذا المستوى من إبداء الرضا بالأذى والتصرف اللاأخلاقي كنت أعرف هذا الرجل منذ عام 1980 حينما كان ضابط ركن في مقر الفرقة المدرعة العاشرة وأنا آمر سرية في كتيبة دبابات 1 حزيران وقد زارني في سريتي مرات عدة عندما كنت مكلفا بواجب خاص في "جم صريم" و "موسيان" وهما قريتان إيرانيتان على الحدود في قاطع محافظة ميسان ودهلران، وكذلك عملت بإمرته في الحرس الجمهوري أربع سنوات، عرفته إنسانا هادئ الطبع، عفيف اليد، متواضعاً وأخلاقه طيبة، وكنت أتوقع منه أن يرفض أعمال التخريب والسرقة والإستهتار وقلة الضبط العسكري وهي شيمة أساسية لدى جميع الضباط العراقيين الذين تخرجوا من مؤسسات عسكرية عريقة وخدموا في ظروف وأجواء سليمة، فتمثلت فيهم تلك القيم.
لقد أدهشتني إبتسامته التي كانت تنم عن الرضا وهو يراقبهم، ولما علمت أن هذا السلوك والتصرف هو ما تريده القيادة العراقية من الضباط، زالت دهشتي وقد التقيت العديد من الضباط في الحرس الجمهوري، زملاء الأمس، وكنا كلما التقينا، كان الحوار يدور حول اوضاعنا الراهنة، وقد ذكرت لهم ما أثار حفيظتي من موقف الفريق إياد، فقالوا لي، (هذه سياسة يا نجيب، وإن جماعة الحماية والمرافقين الذين تتحدث عنهم أغلبهم مزروعون من قبل الأمن الخاص وإنهم يخبرون مرجعهم بكل صغيرة وكبيرة عن سلوك القائد وهيئة ركنه وإن المطلوب عموما أن تجري الأُمور على هذا النحو. جميع القادة والمسؤولين مطلوب منهم أن يتصرفوا في الكويت بهذا العنف والهمجية من أجل إهانة وإذلال الكويتيين وتخريب بلدهم لأن ذلك فقط يدلل على مدى الولاء "للقائد الرمز"* والتفاعل الحي مع الأحداث، فلو تصرف أياد خلاف ذلك ومنع مرافقيه وأفراد الحماية عن مثل هذا التصرف، لرفعوا تقاريرهم ضده وعندئذ يعتبر عنصرا غير متحمسٍ وربما متعاطفا مع الكويتيين وسيكون مصيره مثل مصير المتعاطفين مع المسفرين العراقيين من "التبعية الإيرانية" عام 1980، ألا تتذكر ذلك ؟..)
إن استمرار أياد على هذا السلوك، يشاركه في ذلك الكثيرون ممن روضهم النظام، هو السبب في احتفاظهم بمواقعهم ومناصبهم ولذلك لم يكن غريباً أن يشارك إياد الراوي بعنف في قمع حركة شعبنا والقضاء على نتائج هزيمة صدام، فهو قائد الحرس الجمهوري الذي كان له دوره البارز في التصدي لإنتفاضة آذار 91 حيث كوفيء بتعيينه رئيسا لأركان الجيش.
وبسرعة هائلة انتشر خبر ما فعلته حماية قائد الحرس الجمهوري في مقر آمر اللواء المدرع الكويتي وبدأ الهمس يسري بين الضباط والجنود ونتيجة لذلك، بدأ التزامهم بتنفيذ الأوامر بالمحافظة على المواد والأسلحة والممتلكات يتضاءل لأن ما شاهدوه بأعينهم يتناقض مع الأمر الذي تبلغوا به من أن حكم الإعدام سينفذ بالسارق والمعتدي... الخ.
وفي ظل هذه الأوضاع ومداخلاتها السلبية، توقعت حدوث المزيد من الأفعال غير المنضبطة التي من الممكن أن تسيء إلى سمعة اللواء وتبعده عن مهامه العسكرية، لذا كان لزاماً عليّ أن أتقدم باقتراح لقائد الفرقة المدرعة السادسة طالباً منه تبديل واجب اللواء وقد تحقق ذلك بعد بضعة أيام حيث تم فك ارتباط الفرقة من الحرس الجمهوري إلى قيادة الفيلق الرابع ونقل اللواء المدرع/16 إلى حيث الرمال والصحارى في "جال اللياح" و "الأبرق الحباري" * وحتى استلامي منصب رئيس أركان الفرقة المدرعة السادسة في 5/1/1991.
سلوك منحرف ... وضحايا

أثناء تواجد القوات العراقية حيث تبسط سيطرتها على أرض الكويت وقبل نشوب الحرب فعليا، كانت تصرفات الزمرة المقربة من النظام مشينة إلى حد بعيد، إذ كانوا يستولون عنوة على المحال والأسواق التجارية ومعارض السيارات والتحف الفنية وينقلونها إلى بغداد، فكان عدي وقصي "ولدا صدام" ووطبان وسبعاوي "أخوا صدام" وحسين كامل "زوج ابنته" وعلي حسن المجيد "ابن عمه" وآخرون غيرهم من المجموعة ذاتها، قد نفذوا أكبر عملية سرقة منظمة في التاريخ الحديث وهي سرقة دولة بكاملها ونقلوا ما استولوا عليه بواسطة الشاحنات إلى المخازن السرية والمزارع والدوائر الخاصة والقصور الفارهة، وعندما بدأت وسائل الإعلام العالمي تتحدث عن سرقات الكويت، تحرك النظام على عادته ليدفع ببعض الأبرياء إلى الإعدام حيث اعدم وبشكل مقصود مجموعة من الضباط والجنود منهم "عبد الكاظم وعبد الحسين" بعد اتهامهم بالسرقة وقد علقت جثثهم على الأعمدة وسط مدينة الكويت، في حين كان أفراد من عائلة النظام ومن يمت إليهم بقرابة أو مصلحة لا يكتفون بالسرقات بل يمارسون شتى أنواع الابتزاز والاحتيال ضد الأبرياء الذين بقوا في الكويت ولم يتركوا مدينتهم. إن ما أشيع حول تورط الضباط العراقيين في سرقات الكويت قد بولغ فيه كثيرا، فما عدا البعض القليل من المعروفين باللصوصيةفي قيادات الحرس الجمهوري ومن العناصر المقربة من النظام حصرا والذين كانت مقراتهم في داخل الكويت والمدن الأخرى * ، فإن الغالبية من مقرات وتشكيلات القوات العراقية فتحت في الصحراء على الحدود الدولية ولم تشارك في عمليات السرقة والنهب.
كان القادة والآمرون مهتمين بجنودهم وبتدبير مستلزمات أمن المواضع الدفاعية واستحكاماتها ومعالجة المشاكل الإدارية ورفع درجة الاستعداد القتالي. وكانت عجلات هؤلاء القادة والآمرين تفتش من قبل السيطرات العسكرية التي انتشرت فيها عناصر من جهاز الأمن الخاص، أما الجنود فلم توفر لهم واسطة نقل أصلا.. فكيف إذن يسرقون .. ‍!؟

نشوب الحرب .. ؟

كان واضحا أن حجم التحالف الدولي ضد العراق والقدرات القتالية التي ظهرت أمامنا لا يوازيها ما نملك من قوة وأسلحة، أما الحافز المعنوي فقد كان في أدنى مستوياته، لأن المسألة لم تكن تكمن في الدفاع عن مصلحة الشعب والوطن وإنما لإرضاء نزوة حاكم منفرد مستبد.
كان القادة والآمرون والجنود يتساءلون .. هل ستنشب الحرب فعلاً؟ وهل بمقدورنا الانتصار على هذه القوات المحتشدة أمامنا ؟ ومع ذلك كان علينا أن نستعد لها ونهيئ مستلزمات الحرب من إستحكامات وإستعداد قتالي لنحافظ على أرواح الرجال الذين تحملنا شرف قيادتهم في ظروف قاسية مليئة باليأس، ولقد بذل القادة والآمرون والضبـــــاط والجنود كل ما في وسعهم من جهد وتضحية من أجل الخروج من الـحرب المفروضة عليهم بأقل التضحيات. *
كنا نراقب الجهود السياسية الكبيرة التي كانت تبذلها مختلف الجهات الدولية من حكومات ومنظمات وشخصيات للحيلولة دون وقوع الكارثة وكنا نتمنى النجاح لتلك الجهود إلا أنها ضاعت هباءاً وأصبحنا والحرب قاب قوسين، فقد غاب صوت المنطق وحلت محله قعقعة السلاح.

الهجوم الجوي ..

بعد انتهاء مدة الإنذار التي منحها مجلس الأمن الدولي للعراق بالانسحاب من الكويت، شرعت قوات التحالف بالهجوم الجوي ليلة 16/17 كانون الثاني 1991، وكانت ستراتيجيتهم مبنية على إلحاق أكبر الخسائر بقواتنا الجوية والبحرية والبرية بواسطة سلاحهم الجوي والصواريخ والمدافع البحرية الثقيلة في صفحة تمهيدية تؤمن تجريد * تشكيلاتنا البرية الأمامية وفي العمق بالشكل الذي يؤدي إلى فقدانها القدرة على القتال والصمود في مواقعها.
لذا كانت عمليات القصف متواصلة بكثافة ليلاً ونهاراً ومدعمة بحرب نفسية مؤثرة، ولم تكن الخسائر التي لحقت بنا ونحن في مواقعنا تشغلنا عن الدمار الذي يتعرض له وطننا ولم تغب عن أعيننا صورة منشآتنا ومؤسساتنا داخل الوطن وهي تدمر، فكـل ما بنيناه في سنين من أجل حاضر ومستقبل الأجيال العراقية يضيع الآن في لحظة غضب غير مشروع. **
ومن الطبيعي، لم نكن نعلم إلى أي مدى ستستمر عمليات القصف الجوي، كما لم نكن نعرف متى سيبدأ الهجوم البري وكنا نأمل في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والانسحاب من الكويت من دون الدخول في معارك برية ضارية لا أمل في الفوز بها.
وقد ازداد الأمل في التوصل إلى اتفاق سياسي يوقف نشوب الحرب البرية على أثر المبادرة السوفيتية في منتصف شباط "91" وكنا نتوقع أن تستفيد القيادة العراقية من هذه الفرصة وتتحرك بسرعة لاستثمارها قبل أن يقرر الحلفاء شن هجومهم البري. في تلك الأيام القاسية وبينما كان يحدونا أمل بإنهاء المأساة، وصلت رسالة من صدام حسين معنونة بالإسم إلى كل البعثيين في القوات المسلحة ممن هم بدرجة عضو فما فوق، تحدث فيها في مقدمة طويلة عن التاريخ العربي والإسلامي والتجارب الماضية مؤكدا على الصمود والمعنويات كما تضمنت، الرسالة العبارة التالية... (أشار عليّ معاون رئيس أركان الجيش للعمليات الفريق سلطان، بان خسائرنا حتى الآن لا تعادل خسائر معركة فيلق في معارك القادسية). ** وفي ذلك إشارة واضحة إلى عدم وجود ما يدعوه إلى التنازل أو قبول شروط التحالف بالانسحاب، لأن الخسائر لا تزال قليلة ولا يوجد ما يحول دون استمرار القوات المسلحة في تنفيذ واجباتها الدفاعية أو التعرضية مستنداً بذلك على مشورة فنية عسكرية من شخص مسؤول وهو معاون العمليات وقد عرّفه بوضوح من حيث رتبته واسمه ومنصبه حتى يحمّله مسؤولية الاستشارة * في أقل تقدير وحينها تأكد لنا وللذين استلموا الرسالة بأن الحرب البرية واقعة لا محالة وعلينا مواجهة قدرنا هذه المرة أيضا.!!
القصف الجوي يتواصل .. الطائرات تملأ السماء بأزيزها.. القنابل تتساقط مثل زخات المطر على مواقعنا .. صواريخ الكروز توجه بعناية إلى الأهداف المختارة .. البارجتان الحربيتان "ميسوري" و "ويسكونين" ** تقصفان مواضعنا الدفاعية على السواحل الكويتية بمدافع بحرية ضخمة عيار (406) ملم، فيدوي صوت انفجارها في كل أنحاء الكويت .. المعنويات في أسوأ أحوالها .. مغادرة الجنود لمواقعهم القتالية متواصلة منذ بداية القصف الجوي وقد وصلت نسبة المتسربين إلى (60%) .. جثث الشهداء مرمية على الأرض في كل مكان .. جرحى مهملون .. الجميع يستمع بتلهف إلى الراديو بحثا عن خبر في هذه المحطة أو تلك .. ظلام دامس يخيم وبرد صحراوي قارس .. الدخان الأسود الناجم عن تدمير آبار النفط الكويتية يحيل النهار إلى ليل والحرائق تعلو في السماء ليمتزج الدخان بالمطر والضباب والهواء وتظهر آثاره بوضوح على وجوه المقاتلين.
الضباط والمراتب يتذمرون ويكيلون الشتائم والسباب إلى النظام السياسي الذي دفع بالقوات المسلحة العراقية إلى هذه الكارثة تارة همساً وتارة بصوت مرتفع.. كان كل اثنين من الضباط يتبادلان الأحاديث المليئة بالألم والحسرة على وطنهم الذي دمرته عصابة مجرمة تربعت على كرسي الحكم فيه من خلال عملية سطو في وضح النهار !
انفلتت الألسن بعد أن انزاح حجاب الخوف عن مكامن الكلمات، وفقد النظام هيبته ولم يعد هناك من يدعو الله لحفظه سواء في شكل صورة أو إطلاق شعار.!!
مروان ... والضفدعة المتشظية .. !

بينما كنت منشغلاً بمتابعة تطورات الوضع العسكري وحركة تشكيلات الفرقة وصنوفها، أخبرني أحد الضباط من أن معلومات كان قد سمعها، تشير إلى ظهور بوادر التعب والهستيريا على صديقي (مروان) وهو بنفس رتبتي العسكرية ويشغل منصب آمر تشكيل في قاطع الفيلق الرابع واعتكافه في ملجئه الخاص ونقده اللاذع للقيادتين العسكرية والسياسية وسخريته من النظام بشكل علني، وأضاف قائلاً ( هذه الأمور خطرة جدا، إذ أن في مقرات الفرق والتشكيلات توجد عناصر من المخابرات والأمن علاوة على العناصر السرية والعلنية للأمن العسكري وأخشى أن تصل هذه المعلومات مسامع أي منهم فتكون عواقبها وخيمة عليه). لم أجد أمامي سوى تأمين اتصال تلفوني (بمروان) عبر شبكة بدالة الفيلق، وبعد سلسلة من المحاولات قام نائب ضابط "علي" عامل البدالة الذي أعرفه منذ أن كان جنديا مخابرا في بدالة لواء المشاة الآلي / 24 في بداية الحرب مع إيران بتأمين مكالمة سريعة مع (مروان)..
قلت: ما بك .. يا أبا الحكم .. ؟
هل أنت زعلان من طائرات "البي "52" * و"أي"10" ** قال .. أنا لست زعلاناً من (الحدايد)، أنت تعرفني جيدا، ولكن هل تذكر قصة البقرة والضفدعة التي قرأناها في مرحلة الدراسة الإبتدائية ؟.. عندها أيقنت أن لدى صاحبي أحاديث مشوقة وخطرة في الوقت نفسه ولابد لي من زيارته سريعا. قلت، "سأزورك هذه الليلة، صف لي المكان والطريق المؤدي إليك وأقرب نقطة دالة".
وصلت إلى مقره الساعة السابعة مساءاً .. وأدخلني فورا إلى غرفته الصغيرة تحت الأرض، قلت مازحاً: هذه الغرفة لا تليق بآمر تشكيل! .. لا تلفزيون، لا فيديو ولا أثاث ! قال، "هل نظرت إلى شكلي أولا ؟ لم أغسل وجهي منذ ثلاثة أيام متتالية، قلت، "ولماذا هذا الكسل ؟ الدنيا لا تزال بخير! قاطعني قائلاً، "لن نرى الخير أبدا" كان دخولنا الكويت جريمة لا تغتفر، مثلنا كمثل الضفدعة التي نفخت نفسها لتصبح بحجم البقرة فانفجرت !!
قلت له ضاحكاً، هذا يعني أننا الآن ضفدعة متشظية ! قال، نعم، نحن كذلك، وإلا كيف نقبل بحاكم مجنون .! لا أمل في النجاح .. لا أمل في الحياة.. والموت قادم لا محالة. كان الجو غائماً والقنابل تتساقط بكثافة من طائــرات الحلفاء. قلت له بشيء من التأفف مازحاً: هيئ لواءك لتحتل به المطلاع * وعند ذلك نعلن العصيان في الكويت ! ضحك قائلاً: أي لواء تتحدث عنه ؟ الموجودون في الموضع الآن لا يزيدون عن مائة شخص فقط من الضباط والجنود .. لقد هرب الآخرون من شدة القصف وضعف المعنويات ! تساءلت، إلى أين هربوا ؟ قال، إلى أهلهم..!؟
وعندما هممت بالخروج والعودة إلى مقر الفرقة، قلت له، عزيزي أبا الحكم، كلامك صحيح، وتوجساتك في محلها وكلنا ننظر إلى المستقبل بتفاؤل وحكمة حتى نجتاز هذا النفق المظلم، حاول أن تدير شؤونك بما يتلاءم وملامح التغيير المقبل. قال: هذه المرة لا خوف علينا، نموت في هذه الحرب أو يسقط صدام.؟
غير أن صدام لم يسقط حتى الآن ولم نمت في تلك الحرب، ولكن أين مروان ؟!
الخيـار الوحيد

في هذه الأثناء، حيث الجو العاصف الذي يملأ الصحراء بأزيز الطائرات وأصوات الانفجارات وحين يخيم الرعب وينتشر الدخان .. تأتينا التوجيهات والأوامر قائلةً: (عليكم بالحذر من ألاعيب المخابرات الأجنبية وخدعهم الإعلامية)، ربما يبثون فيلما لصدام "صورة وصوت" يأمر الجيش بالانسحاب وطلبوا منا أن لا نصدق ولا ننفذ ! ومع كل هذا، استلم الجميع خبر الانسحاب دون أي إحساس بالمفاجأة، وعندما تلقيت مكالمة هاتفية في الملجأ الخاص بي الساعة الثانية من ليلة 25/26 شباط، كنت أتوقع أن هناك شيئا ما سيحدث، حين قال لي قائد الفرقة العميد الركن، رعد عبد الرحيم العاني، أرجو أن تحضـر إلى مقري، علينا أن نتحدث في أمر هام وصلني توا. كنت أتوقع قرار الانسحاب الخطير الذي أصبح خيارنا الوحيد وكان مقره يبعد عن مقري أربعة كيلو مترات ويربطنا طريق غير معبد تتخلله حفر وبرك مائية، وكان الظلامُ دامساً، قلت له هل من أمور تمهيدية اجريها قبل اللقاء قال، نعم، سننسحب من الكويت، وهذه العبارة كافية لبيان ما مطلوب عمله، وعلى الفور حددت الساعة الرابعة صباحاً، موعداً لعقد مؤتمر يحضره مدير الإدارة وضباط الأركان العامة وآمرو الصنوف وضابط ركن من مقر كل تشكيل وقد أخبرت ضابط الركن الثالث حركات (المقدم الركن صعب فيحان الدليمي) بوقت ومكان المؤتمر والغاية منه، اتصلت بآمري التشكيلات ( اللواء المدرع / 30 واللواء المدرع / 16 ولواء المشاة الآلي/ 25) لإرسال ممثليهم من ضباط الركن لحضور المؤتمر الذي سيعقد في مقري، لكنني لم أُشر إلى أمر الانسحاب مراعاة للعامل الأمني. اعتذر العقيد الركن جليل خلف آمر اللواء المدرع / 16 وكذلك العقيد الركن عبد الكريم أحمد القيسي آمر اللواء المدرع / 30 عن إرسال ضابط الركن بسبب صعوبة الموقف حيث كان القصف الجوي على أشده، إضافة إلى رداءة الأحوال الجوية وبعد التشكيلين عن مقر الفرقة. قلت لهما، "أنا أقدر صعوبة موقفكما جيداً ولكن هناك تفاصيل مهمة يجب أن تعرفاها، وأضفت قائلاً بلهجة مغايرة: "إن شاء الله هذه آخر مرة" ففهما قصدي، عندها قال لي العقيد الركن جليل إن هناك أخبارا في الإذاعات العالمية تتحدث عن قرار عراقي بالانسحاب من الكويت، فقلت له، "إذن أرسل لنا ضابط الركن بسرعة" فضحك وانتهت المكالمة.
ركبت سيارتي اللاندكروز التي يقودها نائب الضابط الآلي سعيد الجحيشي ويرافقني جندي الحماية محمود المجمّعي وانطلقت باتجاه قاعدة (علي السالم الجوية) * حيث مقر قائد الفرقة. دخلت عليه وكان مبتسماً
وبادرني قائلاً، "عقيد ركن نجيب، لقد صدر لنا أمر الانسحاب إلى البصرة والمطلوب تنفيذه مساء غد وفي هذه الليلة ينسحب الفيلق الثالث".
وضعنا خطة للانسحاب وأمام أعيننا أهم مبدأ في صفحة الانسحاب وهو القيادة والسيطرة. اتصلت بضابط الحركات في الفيلق العميد الركن طه العجيلي، وسألته، أين سيكون مكاننا في البصرة؟ قال، المهم أن نصل إلى البصرة (والله يدبرها)• قلت، هذا غير كاف، ستكون هناك فوضى ما لم تحدد المسؤوليات والأماكن الآن. قال، انتظر، وبعد عشرة دقائق اتصل بنا قائلا، سيكون قاطع الفرقة المدرعة السادسة غرب جبل سنام.•• كان انسحابنا باتجاه الحدود العراقية عبر طريق الرميلة ومن هناك نندفع جنوبا لنتخذ موقعا دفاعيا غرب جبل "سنام" القريب من الحدود العراقية الكويتية.
باشر قائد الفرقة بإبلاغ آمري التشكيلات تلفونيا وبكلمات مختصرة عن الانسحاب على أن أتولى إعطاء التفاصيل الكاملة إلى الجميع خلال اللقاء المقرر عقده الساعة الرابعة صباحاً بعد عودتي إلى مقري، كانت الأفكار تتزاحم في رأسي، القصف الجوي مستمر وشديد، الفرقة ستخرج من مواضعها غدا وربما سنتكبد خسائر جسيمة وسنكون بالعراء تحت رحمة طيران التحالف، كنت أخشى وقوع التضحيات البشرية التي لم تكن قد جاوزت حتى تلك اللحظة الـ"5%" وأن وصلت نسبة المتسربين الذين تركوا الموضع الدفاعي والمنطقة الإدارية إلى 60% !
كنا في البداية نخشى إبلاغ مقر الفيلق بالنسب العالية من المتسربين قبل أن ننسق مع بقية الفرق العاملة في الفيلق لنجعل النسب متقاربة لكي لا يكون هناك كبش فداء من بين القادة والآمرين!
لقد أتيحت فرص عديدة للنظام العراقي كي ينسحب ويحتفظ بماء وجهه قبل شروع دول التحالف بالهجوم الجوي وقبل الشروع بالهجوم البري لكنه لم يفعل ذلك، ونتيجة لإضاعته تلك الفرص سننسحب ونحن في تماس مع قوات تمتلك قابلية حركة عالية ومسندة بقوة جوية فعالة.
وقد علم كل من السائق نائب ضابط سعيد وجندي الحماية محمود بالانسحاب دون أن أخبرهما به، حيث أمضيا قرابة الساعة مع حماية قائد الفرقة ومن المؤكد أنهما فرحا بهذا القرار وبدأت تجول في خاطريهما أُمور كالتي جالت في خاطري، لذلك لم أفاجأ عندما علمت وبعد مسيرة 15 دقيقة بأننا فقدنا الاتجاه الصحيح الذي يؤدي إلى مقري.!!
ليل ذو ظلام معتم ... مزيج من قطرات المطر والهواء البارد الرطب الممزوج بالدخان الأسود المنبعث من آبار النفط التي اشتعلت فيها النيران... أصوات انفجارات القنابل الثقيلة المنطلقة من البوارج الحربية... طائرات لا يهدأ أزيزها، وفي مقري من ينتظر على أحر من الجمر لاستلام أمر الانسحاب ومع ذلك، لم أستطع استخدام ضياء العجلة الأمامي للتعرف على الطريق، الساعة الآن الرابعة صباحا وقد حان وقت المؤتمر مع مدير الإدارة وضباط الركن وآمري الصنوف ... شعرت أن العجلة تسير وسط قطعات ومواضع لم تكن معروفة لي، جازفت بفتح الضياء، تصاعدت أصوات الإستنكار من كل الإتجاهات "اطفيء.. اطفيء اللايت" ولكني عرفت الطريق الذي يوصلني إلى حيث أريد.
وصلت الساعة الرابعة والنصف صباحا.. نهض الجميع عندما دخلت إلى المكان ليهنئوني بالسلامة، فشكرتهم مبديا أسفي للتأخير وطلبت شايا ساخنا وقلت لهم، "إن شاء الله الأُمور الصعبة انتهت ونحمده على سلامة الجميع، لم يبق أمامنا غير الانسحاب مساء هذا اليوم".
بدأت أحدثهم بالتفصيل عن التوقيت، القيادة والسيطرة، الطرق، المعنويات، الأُمور الإدارية، الإنقاذ والإخلاء وتدابير الحماية في التنقل، وطلبت منهم وبصيغة الأمر العسكري الحازم تدمير كافة الأسلحة والمعدات وعجلات القتال المدرعة والمدفعية والآليات والأجهزة والعتاد التي لا يستطيعون إيصالها إلى البصرة (حتى لا يقال بأن العراقيين تركوا أسلحتهم ومعداتهم في الكويت وهي صالحة للاستعمال) *. كان الجميع فرحين وهم يخرجون من الاجتماع وحسب تسلسل قدمهم العسكري وهم يرددون مع بعضهم.. (لعد.. صدام يكَول ما أنسحب.. ليش ما انسحب من الأول..!؟).
تأملت ا لموقف جيدا، كان حشد من الأسئلة يدور في ذهني .. كيف سنسحب هذه الأسلحة والآليات العاطلة؟ لم تبق لدينا عجلات صالحة؟ للعمل، مئات الأطنان من الأعتدة تحت الأرض، الدبابات والناقلات المختلفة حتى الصالحة منها، ليست بالكفاءة الفنية التي تؤمن سيرها لمسافة 200كم دون وقفات طويلة للتزود بالوقود، وكيف نعالج طائرات التحالف هذه المرة ؟ المدفعية الثقيلة بحاجة إلى عجلات لسحبها، والمدفعية ذاتية الحركة بحاجة إلى ساحبات لحملها، لكن ما العمل وما هو الخيار !
في غمرة هذا الواقع وملابساته، هل يمكننا توقع حجم الإهانة التي تعرض لها الشرف العسكري العراقي ؟ رغم أننا لم نكن نعلم "بحجم القيود التي ستكبل حريتنا كدولة وشعب" بعد الهزيمة العسكرية المرة وكنا نتساءل أيضا، كيف سيبررها صدام هذه المرة ؟ ماذا سيقول للشعب؟ كيف سيواجه العالم .. ؟
كان الجنود في هذا الوقت! يتحدثون مع بعضهم حول التسريح من الخدمة العسكرية. *
بعيدا ... عن طريق الموت

مع الضياء الأول ليوم 26 شباط 91 ، أصبح كافة منتسبي الفرقة المدرعة السادسة ضباطاً ومراتب على علم بالموقف الجديد وهو الانسحاب إلى الأراضي العراقية. كان طريق الانسحاب،"راجع ص24" موازِ للطريق العام (الجهراء.. العبدلي .. صفوان)، ويبعد عنه مسافة 20كم، وهو عبارة عن طريق ترابي نفذه الجهد الهندسي العراقي بعد دخول الكويت، ويبلغ طوله "100"كم تقريبا يمر بعقد وانحناءات ويعبر قناطر وقنوات بالقرب من منطقة الرميلة ** وكان أكثر أمناً من الطريق العام "طريق المطلاع"، الذي أطلق عليه لاحقا إسم "طريق الموت"• نتيجة ازدحام السابلة العسكرية التي أصبحت هدفاً دسماً لطيران التحالف.
على الرغم من الأوامر والتوجيهات الواضحة والمواعيد المحددة وضرورة الإلتزام بها، كانت هناك رغبة جامحة لدى الجميع للإسراع بترك المواضع وتنفيذ الانسحاب فورا، ففي العاشرة صباحا، سألت عن ضباط في الصنوف والخدمات الإدارية وبعض العاملين في مقر الفرقة فلم أجدهم.. انسحبوا من دون إذن! بينما كان المفروض أن يبقوا حتى الساعة الخامسة عصراً في الأقل ولكن شعوراً بالخوف من الحاضر ومن المستقبل المجهول، انتابهم، ربما من القصف الجوي، أو من الإنزال المعادي المحتمل على المقرات الميدانية أو حتى من انقطاع الطرق أو غير ذلك من أمورمورأأأ.. جعلهم يتصرفون بهذه الصورة، فنحن لم ننسحب بموجب اتفاق لوقف إطلاق النار، بل كان انسحابنا من جانب واحد وبضغط من قوات التحالف المتفوقة وإشاعات مربكة كثيرة.!؟
كانت توقيتات إنسحاب التشكيلات كالآتي: اللواء المدرع / 16 في الساعة الخامسة عصراً، اللواء المدرع / 30 في الساعة السابعة مساءاً، لواء المشاة الآلي/25 في الساعة الثامنة مساءاً وتنسحب الصنوف المساندة مع تشكيلاتها، أما المواد غير الضرورية للقتال فيباشر بإخلائها فوراً.. واللافت للنظر أن كثيراً من الوحدات العسكرية لم تستخدم العجلات القليلة المخصصة لنقلها بل ذهبت سيراً على الأقدام رغم أن المسافة إلى خط الحدود لا تقل عن 80كم، كانوا ينشدون الأمان لأن العجلات أصبحت أهدافاً سهلة للطائرات المغيرة وقد أصدرت أمرا بأن لا يتركوا شهيدا أو جريحا في أرض المعركة وكررت هذه العبارة مرات عديدة في المؤتمر. (في الحرب مع إيران، كنا نقدم شهداء وجرحى إضافيين من أجل إنقاذ جريح أو إخلاء شهيد من أرض المعركة ولكن هذا الاهتمام المعنوي بدأ يتلاشى تدريجيا، ففي البداية كنا نحزن لاستشهاد مقاتل عدة أيام وفي أحيان كثيرة كان رفاقه يمتنعون عن تناول الطعام وكان ذلك يتطلب تدخلنا لرفع معنوياتهم وإعادتهم إلى وضعهم الطبيعي وواجباتهم الإعتيادية، وبعد سبع سنوات من سير تلك الحرب، شاهدت في معركة "الحصاد الأكبر" عام 1987 جنوداً يتناولون طعامهم على بعد متر واحد من شهيد لم يجف دمه النازف بعد)، وفي الكويت، إختلفت الأُمور على نحو أسوأ حيث لم يعد هناك أي دافع للتضحية، فلقد تلاشت هذه القيم مع تلاشي قيمة الإنسان العراقي عموما بنظر حكومته. فالجندي صار يترك الموضع وينسحب باتجاه الحدود دون رادع ولم يعد يهتم بالقيم العسكرية * بخلاف آمر السرية وآمر الوحدة واللواء وضابط الركن الذي لا يملك غير البقاء في موضعه منتظراً الأمر الرسمي بالانسحاب أو الموت وهذا ما تقتضيه التقاليد العسكرية، حيث أن الضابط لا يمكنه أن يتصرف حيال الأحداث مثلما يتصرف الجندي البسيط.
كأن الوضع النفسي العام يوحي بالانهيار وربما يهدد بفقدان السيطرة لأن الجميع متهيئون للانسحاب. في ذلـك الحين، قمت باتصالات هاتفية مع الفيلق مستفسراً عن ضباط الركن عسى أن أحصل على معلومات إضافية عن الموقف فلم أجد أحداً رغم أن الساعة لم تجـاوز العاشرة صباحا. المعلومات غير الرسمية تشير إلى إكمال الفيلق الثالث انسحابه وكذلك قيادة عمليات الخليج في مدينة الكويت. قلت في نفسي، إن مبررات بقائنا حتى الثامنة مساءاً قـــد انتفت لا سيما وأن الفرق الأمامية وهي مشاة (20 و 30 و 16 و 21 ) كانت قد أخلت مواقعها ليلا وذهب جنودها سيراً على الأقدام باتجاه الحدود وكانت أعدادهم قليلة نسبياً، فهذه الفرق ناقصة الملاك أصلا، علاوة على أعداد المتسربين والهاربين الذين لا تقل نسبتهم عن 60%، وقد وقع آلاف منهم في الأسر يومي 24 و 25 شباط وأما الباقون فكانوا لا يزيدون على بضع مئات، إنسحبوا ليلا ضمن مجموعات تضم عناصر من مختلف الفيالق والصنوف وانتشروا في الصحراء، على الطرق المؤدية إلى العراق.
من المسؤول عن هذا الإنهيار ؟ هل هو الجندي في الموضع الأمامي أم القائد العسكري الميداني، أم السياسي الذي منح نفسه رتبه عسكرية وزج بالجيش في معركة كانت خاسرة في الأساس ؟ وما الذي يجب أن يترتب عليه من جراء ذلك كله؟

التوقيت الحرج .. !

في خضم هذه الأوضاع وتطوراتها السريعة كان لا بد أن أتحدث مجدداً مع قائد الفرقة حول توقيتات الانسحاب خشية قيام قوات الحلفاء بتعقب قطعاتنا وتكبيدها خسائر جسيمة. وفي ضوء ما حصلنا عليه من معلومات، قال لي: "كلامك صحيح، ولكن المراجع العليا طلبت عدم إخلاء الموضع قبل الساعة الثامنة مساءاً، والتوقيت مهم في الانسحاب. قلت، صحيح ولكن توقيت المراجع بني على أساس بقاء الفيلق الثالث وقطعات أخرى حتى الساعة السابعة مساءاً من هذا اليوم الأمر الذي لم يحدث، كل المواضع أصبحت خالية حتى مدينة الكويت نفسها عدا الفيلق الثاني في الروضتين والعبدلي، وإذا كان لا بد أن نلتزم بالتوقيت النهائي علينا أن نسرع في سحب التشكيلات الأمامية مع الاحتفاظ بلواء المشاة الآلي / 25 حتى اللحظة الأخيرة، فوافق على ذلك من حيث المبدأ وأجرى تعديلا على توقيتات الانسحاب".
طلبت من العقيد الركن "جليل خلف" آمر اللواء المدرع / 16 الشروع بالانسحاب في الساعة الثانية بعد الظهر مع التأكيد على استخدام أسلوب التسرب (تقسيم اللواء إلى سرايا فتنسحب بالتعاقب، ونحدد فاصلة زمنية مناسبة بين حركة سرية وأخرى) إذ كان وضع اللواء صعبا، فالكفاءة الفنية للدبابات متدنية وهي من الموديلات القديمة تي "55 صينية"، رومانية، روسية، بولونية، وعند المباشرة بالانسحاب تعرضت كتيبتا، "المهلب وحذيفة" لغارات جوية عنيفة مما أدى إلى إستشهاد وفقدان وجرح عدد من الضباط والجنود.
واصل أفراد مقر اللواء وكتيبة دبابات الرافدين والفوج الرابع الآلي انسحابهم السريع دون توقف، وفي الساعة الرابعة عصراً تعرض مقر الفرقة لغارة جوية جرح فيها ثلاثة جنود. ففي الأيام التي سبقت الانسحاب، كان المقر هادئا ولكن الحركة تزايدت فيه يوم الانسحاب، إجتماعات وحركة واسعة للضباط والعجلات، كما مرت وحدات اللواء المدرع / 16 بالقرب منه مما شجعت القوة الجوية لدول التحالف لإعادة النظر في موقفها من المقر. ‍
في الساعة الخامسة مساء اً شرع اللواء المدرع / 30 بالانسحاب وكنا خلال النهار نتساءل "قائد الفرقة وأنا وهيئة الركن، عن القوات البرية للحلفاء والطرق الممكن أن تسلكها باتجاهنا وتوصلنا إلى أنها بلا فاعلية حيث أنها متوقفة في أماكنها في مواضع الفرق الأمامية حسب المعلومات المتيسرة لدينا. تجدر الإشارة هنا إلى أن الجنرال "شوارتزكوف"،قائد جيوش التحالف، توقف عند هذه النقطة، وفي مذكراته انتقد قائد القوات المصرية المهاجمة لقاطعنا واصفا إياه بأنه كلاسيكي وأنه يخشى كثيراً هجوماً عراقياً متوقعاً..! *
في الساعة الخامسة والنصف مساءاً وبينما كنت أتابع انسحاب وحدات اللواء المدرع / 30 الذي يضم كتائب دبابات المثنى، طارق، شرحبيل، الفوج الخامس الآلي، دخل إلى مقري قائد الفرقة فقلت له، إن نصف اللواء المدرع /30، قد ترك مواضعه منسحباً بسلام وقد سبقه اللواء المدرع / 16 وانسحبت الصنوف الأُخرى والخدمات والقسم الأكبر من هيئة الركن في مقر الفرقة في وقت مبكر وحسب التوجيهات، وبعد استراحة قصيرة قلت له: سيدي.. تقاليد الانسحاب تقول: القائد مع القسم الأكبر.. وها هو القسم الأكبر من الفرقة قد انسحب وسأشرف بنفسي على إتمام عملية انسحاب الباقين، قال: طيب، أشكرك وصافحني مودعا، وقبل خروجه ذكرني بضرورة عدم سحب اللواء الآلي "25" قبل التوقيت المحدد، قائلاً : "إن الأوامر تنص على ذلك"، ويبدو أنه أحس برغبتي بسحب اللواء مبكراً. وفي الساعة الخامسة وخمس وأربعين دقيقة، دخل مقري "العقيد الركن عبد الكريم أحمد"، مسرعاً وفور نزوله من العجلة صاح (بصوت عال) متسائلاً، أين رئيس الأركان؟ وأضاف قائلاً : (كتيبة دبابات شرحبيل أصبحت في خط التماس مع قوات الحلفاء * ودروعهم تتقدم باتجاه مقر الفرقة،).. وركب عجلته ملتحقا بتشكيله مسرعاً.
قذائف .. تتساقط

في هذه الأثناء، بدأت قذائف مدفعية ثقيلة تتساقط على مقر الفرقة بمعدل اثنين إلى ثلاثة قنابل في الدقيقة الواحدة، وهذا مؤشر على بدء التقدم الفعلي نحو مقرنا. اتصلت فوراً بآمر لواء المشاة الآلي / 25 لأبلغه المباشرة بالانسحاب فوراً، ولكن الجندي المخابر في بدالة اللواء أخبرني بأن آمر اللواء قد رفع سلك التلفون ويبعد عنه مسيرة 15 دقيقة فأمرته بالذهاب فورا. سألت "المقدم ركن حمد الخفاجي" ضابط الركن الثالث استخبارات الفرقة، عن موقف مقر الفرقة وجاهزيته للحركة، وبعد خمسة دقائق أخبرني بأن كل شيء جاهز، فقلت له : اسحبهم واترك لي الجندي المخابر "عامل البدالة" وضباط الإرتباط، وحينما اتصل بي "العقيد الركن محمد علي الجميلي "آمر لواء المشاة الآلي /25"، اعتذر عن رفع سلك التليفون في وقت مبكر، وسألته إن كان جاهزاً للانسحاب... قال ضاحكاً: كيف لا ، أنا جاهز للانسحاب منذ البارحة!! قلت له: إن قوات الحلفاء في تماس مع الوحدات الأخيرة للواء الثلاثين، انسحب فورا وتحاشَ التماس معهم.. نسّق استخدام الطريق مع "عقيد ركن عبد الكريم" لأن السابلة مزدحمة.
عين على الحدود

هل يمكنني أن أتساءل، بأننا قد أشرفنا على النهاية؟ حيث كل شيء أمسى جاهزاً للرحيل عن الكويت الآن! التشكيلات الرئيسة في حالة انسحاب وكذلك الصنوف والخدمات وهيئة الركن. لم يبق في مقر الفرقة سوى "أربعة ضباط" ارتباط يقودهم النقيب " فؤاد محمد أمين" وجندي مخابر ونائب ضابط "هادي" سائق عجلة اللاندكروز "وصادق" الجندي الانضباط والمراسل "حسن" وأنا. قلت للنقيب فؤاد مازحاً: من بقي في الموضع فهو "صامد" حتى النهاية! فتلفت يميناً وشمالاً وابتسم قائلاً: لم يبق أحد سيدي، وإنما نحن فقط‍‍! قلت: خذ جماعتك وانسحب وانتظرني قرب جبل سنام. انطلق فؤاد فرحاً ولكنه سرعان ما عاد ليخبرني بأن عجلة ضباط الارتباط عاطلة، فأومأت إلى نائب ضابط هادي طالبا منه أن يسحبها إذ لا بد من تشغيلها بسرعة، وعاد فؤاد مسرعا وهو يردد: العجلة‍ اشتغلت سيدي ‍!
كان القصف يشتد على مقر الفرقة بنيران المدفعية ويزداد كلما تقدم الوقت، حينها حملتنا العجلة اللاندكروز مشرعين بالسير في أعقاب قطعاتنا المنسحبة باتجاه منطقة الرميلة العراقية وقد بذلت أقصى ما يمكن من جهد للسيطرة على الانسحاب، وعلى انفعالات الضباط والجنود وكان أملي أن نصل أرضنا وندخل حدودنا الإقليمية دون تضحيات إضافية، وفي الوقت الذي كنت أرغب فيه مشاهدة قوات التحالف التي سمعنا وقرأنا عنها الكثير خلال الأشهر الماضية، كنت أحذر من التماس معها بعد أن بدأنا بالانسحاب والعودة إلى حدودنا.

بانوراما الكارثة

كانت صور التذمر والسخط والنقمة تشمل كل الأفراد والجنود بملابسهم الرثة وأحذيتهم المتهرئة وهم يجرون أقداما تحمل أجساما منهكة وفي عيونهم حزن عميق وأمل ضائع ونفوسهم تتطلع إلى إنهاء المأساة والقضاء على عناصرها المسببة وإنقاذ شعبنا مما ينتظره من نتائج مدمرة. كانوا يشقون طريقهم وهم يترنحون من الإعياء والتعب وصور الموت تلاحقهم، فطائرات التحالف لم تكف عن القصف، فكان المنظر يزداد بؤسا باحتراق الدبابات والعجلات وكلما اقتربت الطائرات كان الجنود يتمددون على الأرض ثم ينهضون ويستأنفون سيرهم ببطء باتجاه الحدود، العديد من الضباط تركوا عجلاتهم لكي يتجنبوا القصف، لكننا بقينا في عجلتنا "اللاندكروز"، نقطع الطريق التي تعرضت للقصف الشديد الذي أحدث فيها أخاديد عميقة، وفي وسط حشود جنودنا المتدفقة كنا نشق الطريق بصعوبة بالغة وكانت نظرات مثقلة بالعتاب تواجهنا وهي ترسم تعابير غير مألوفة وتساؤلات مكبوتة عن هذا الدمار وعن المسؤول عن كل ذلك !
( في الحرب العراقية – الإيرانية، خسرنا معارك مهمة واضطررنا إلى الانسحاب مراراً ولكن لم يبلغ الإحساس بمرارة المأساة الحد الذي نعيشه اليوم، إنها الكارثة بعينها. فلقد خسرنا كل شيء.)
كان الكثير من الضباط والجنود يقطعون الطريق مشيا على الأقدام، وبقدر ما كان الأمر مأساويا، كان ينبئ بمرحلة قادمة تعقب مرحلة الانكسار، حبلى بأحداث مريرة، وفي هذا المنعطف اختفت الرتب وتساوى أفراد الجيش وتوحدت مشاعرهم وأحاسيسهم في مسيرة المعاناة الطويلة* كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساء اً وقد وصلنا جبل "سنام" حيث كان يفترض أن ألتقي ضباط مقر الفرقة وقطعاتها وكان القصف شديدا وطائرات الحلفاء تلقي حمولتها بكثافة وعلمت أن السبب في ذلك هو نصب رادار على قمة جبل سنام.
قررنا أن نذهب إلى الزبير لقضاء الليلة هناك ثم نستأنف البحث في الصباح. كانت المدينة تغص بمئات الدبابات والناقلات والعجلات وهي تقف ملاصقة لجدران البيوت إحتماءا بها. هكذا كان حال الجيش الذي قاده نظامه السياسي إلى مثل هذا الموقف الذي لا يحسد عليه.
بقيت أتجول في مدينة الزبير ساعة كاملة، توقفت عند العديد من الدبابات وعجلات القتال المدرعة، كان كثير منها يعود للفرقة المدرعة السادسة والفرقة الآلية الأولى وفرق أخرى وقد ترك الضباط والجنود عجلاتهم وأسلحتهم الثقيلة دون حراسة خلافاً للعرف العسكري ولجأوا إلى البيوت حيث نزع كثير منهم بزاتهم العسكرية وأخذوا يبحثون عن ملابس مدنية يلبسونها، كانوا يريدون أن يقطعوا علاقتهم بالجيش إذ لم تبق أيام المأساة والمرارة لديهم أي رغبة في الاستمرار فيه، فبدأوا يربطون بين عودة الأوضاع إلى مجاريها وبين سقوط النظام وانتهاء حكم العصابة الجائرة.
لم أستطع تحمل تلك المشاهد المؤلمة فقررت العودة إلى ناحية صفوان وقضيت الليلة في العجلة متنقلا بين المزارع وقريبا من جبل سنام.

الحواجز تتحطم ..!

كان الجنود وهم يقاسون المعاناة يتلفظون بكلمات تعبر عما يجول في خواطرهم عن النقمة جراء ما حل بهم وكثيراً ما كانوا يدخلون في نقاش، فمنهم من كان يعبر عن سخطه متسائلاً: أين قائد الفيلق ؟ "كذا وكذا"! فيجيبه آخر معبراً عن بعض جوانب وأحوال القادة:

"وماذا بيد قائد الفيلق ! إنه مثلك ومثلي، * ليس له إلا الخضوع والتنفيذ". ولم يكن في أذهان الجنود آنذاك وهم في حالات تذمرهم وسخطهم سوى صورة صدام فقط، بل كان الجنود يتناولون أزلام النظام وأفراد العصابة التي تحكم العراق فرداً فرداً بالشتائم والألفاظ الساخرة.
(أين صدام الآن !؟ .. أين علي حسن المجيد !؟ هرب قبل يومين ! أين هرب !؟ " قالوا لنا، ضعوا الكويت في "قوطية" واقفلوا عليها، إنها بئر نفط ولا إنسحاب منها ونفطها للمحرومين من أبناء شعبنا، وإذا بهم يستبيحون الكويت وينهبون ما فيها ويسرقون محتوياتها، ومثل هذه الأعمال من إستباحة ونهب وسرقة لا تقوم بها إلا عصابة مجرمة)، ويكملون (إذا ما "يطير" صدام، أهرب من العسكرية وأكعد ابيتي ! يا جيش ! يا حزب .. كافي مهزلة) *
ولا اخفي أن البعض من الجنود أسمعنا كلاماً قاسياً ونحن نمر بهم وهم يطلبون منا أن نحملهم معنا في العجلة ولكني توقفت رغم ما سببوا لي من إحراج كبير أمام جنودي الذين معي في العجلة، إذ أين أضعهم في عجلة صغيرة لا مجال فيها لحمل جندي إضافي واحد !
وعندما سألت بعضهم عن تشكيلاتهم لغرض معرفة الفرق والتشكيلات الأخرى المنسحبة على ذات الطريق امتنع كثيرون منهم عن إعطائي الجواب !

الفوضى … تـتـسع

في الصباح، كان جبل "سنام"، يرتفع كهامة عراقي يأبى أن يستكين ويرفض سياسة الإذلال التي يتبعها صدام والحلفاء ضده ... كان هذا الجبل يعبر عن كبرياء وعزة العراقيين.!
جاء بعض الضباط يبحثون عن بقايا قطعات فرقهم ... العميد الركن "حسين عداي" قائد الفرقة الآلية الأولى، العميد الركن "أحمد الراوي" قائد الفرقة المدرعة العاشرة (أحيل على التقاعد فيما بعد)، والعقيد الركن "طاهر علي حمود" (أحيل على التقاعد)، وكذلك العميد الركن "نبيل شاهين" قائد فرقة المشاة الثانيـــة (أحيل على التقاعد)، والعميد الركن "وضاح الشاوي" قائد الفرقة المدرعة /17 (نفذ به حكم الإعدام عام 1995) لاتهامه بالتآمر !
كان جبل سنام النقطة الدالة الوحيدة في المنطقة لعموم القيادات بعدما فقدت القدرة على السيطرة والاستدلال ليلاً ولكن القطعات لم تعد راغبة في التجمع خشية أن تكلف بمغامرة جديدة * وظلت بعيدة عن مواقع قياداتها مختلطة ببعضها والجميع ينتظر القرارات الأخيرة ولا أحد من الجنود والضباط يجازف بحياته مجدداً.
لقد عم الارتباك وسادت الفوضى وبقيت أنا مستمرا في البحث عمن يرشدني إلى قائد الفيلق أو رئيس أركانه وكانت هناك مقرات للفرق: العاشرة والسابعة عشرة، والثانية، والأولى وهي بدون قطعات * وعلمت أنها منتشرة وبدون انتظام بين صفوان والزبير ومعسكر الدريهمية الواسع.
رأيت ضباطا يتحاورون مع بعضهم بصمت وحيرة ويتحدثون في المِأساة التي يعيشها جيشنا وشعبنا وما ينتظرنا من أيام صعبة وكان كل ضابطين من القادة أو الأعوان يقفان على جانب وقد ألجمت ألسنتهم الدهشة والحيرة ولكن كان من بينهم من تحدث بصوت عال مهاجماً النظام قائلاً: "هذه نتائج حكم عصابة تكريت للعراق" !
لم يعد لحاجز الخوف الذي كان يكتم الأنفاس أثر، لقد انهار ذلك الحاجز وانطلقت ألسنة الجميع بالنقد المر اللاذع، وبإجتياز الحدود كانت المعنويات تهبط وتنهار كلما شوهدت آثار التدمير في البصرة والمدن الأخرى والجميع يتساءلون لماذا احتل صدام الكويت ؟ لماذا لم ينسحب حينما كانت الفرصة متاحة وينقذ ماء وجه الجميع ؟ لماذا لم يتحمل المسؤولية وحده ولو لمرة واحدة في حياته! مثلما فعل غيره من القادة الذين يذكرهم التأريخ ؟ لكن صدام لا يملك أن يتصرف كأولئك ولن نتخلى عما احتله من مناصب ومواقع على أشلاء الضحايا وبالأساليب التي يعرفها الجميع.
التقيت بعد جهد بقائد الفرقة وبقية ضباط الركن ... دخل علينا المقدم الركن "قيس" وهو ضابط ركن في مقر اللواء المدرع الثلاثين وأخبرنا عن تواجد لواء المشاة الآلي / 25 في مدخل الزبير، أمـــا وحــدات اللـــواء المدرع / 16، فكانت داخل المدينة نفسها. بينما كانت وحدات اللواء المدرع / 30 في معسكر الدريهمية. كانت أعلى نسبة لتواجد المنتسبين والآليات المدرعة هي في لواء المشاة الآلي / 25 لكونه مجهزاً بعجلات القتال، "b.m.b1" وهي عجلات حديثة وسريعة وتتمتع بكفاءة فنية مما مكنها من قطع المسافة من الكويت إلى البصرة والمحافظة على تشكيلاتها. قال لي قائد الفرقة:
عقيد ركن نجيب، علينا أن نخرج تشكيلاتنا من الزبير ومن معسكر الدريهمية ونأتي بها هنا لاتخاذ تشكيل دفاعي مناسب وهذا ما كنت أرغب فيه أنا أيضا لأن انتشار القطعات داخل المدينة سيفقدها آخر ما لديها من معنوية وشعور بالمسؤولية تجاه الوطن المهدد من الخارج. وعلى الفور أخذت المقدم الركن قيس جانباً وطلبت منه أن يشرح لي الموقف الحقيقي للوحدات في الزبير والدريهمية وكما شاهدها فعلا.
قال لي: الوضع سيئ للغاية، الجنود يهربون خشية إعادتهم إلى الجبهة (يقصد جبل سنام)، تسيب وانفلات في الضبط .. الآمرون فقدوا السيطرة على وحداتهم تماما ونسبة الهروب أصبحت عالية جداً.
أردت استنهاض الهمم وحث الآمرين على إعادة السيطرة على قطعاتهم فلم أجد إلا أن أكتب رسالة خطية أُخاطب بها جميع آمري التشكيلات والصنوف في الفرقة وأرسلتها بيد المقدم الركن قيس قائلا فيها
: (نرجو من الجميع تهيئة وحداتهم حال استلام رسالتنا هذه لتنفيذ الواجبات التي توكل إلى الفرقة وبمعنوية عالية وبما يتطلبه شرف الجندية والدفاع عن الوطن. مهمتنا الآن احتلال موضع دفاعي غرب جبل سنام وكما في المخطط المرفق بالرسالة، نرجو من كافة الآمرين الحضور إلى مقرنا حال تهيئة وحداتهم، مقرنا في مقر فرقة المشاة / 28 القديم، تؤمن الدلالة من قبل المقدم الركن "قيس"). وكان قصدي من ذكر المعنويات والإشارة إلى شرف الجندية والدفاع عن الوطن هو ضرورة تنظيم الدفاع عن حدود العراق * وان ما تعرضنا له بسبب نظامنا السياسي وأخطائه لا يعفينا من أداء الواجب كانت استجابة الآمرين جيدة أما الجنود وبعض الضباط الحديثين فلم تكن مشجعة.

على مشارف الحدود

بدأت مقرات الفرقتين السابعة عشرة، الفرقة الآلية الأولى بالانسحاب من جوار جبل سنام إلى مواقع خلفية قريبة مـــن مدينة الزبير مع آخر ضياء النهار، فيما كانت قوات التحالف تتقدم نحو خط الحدود ببطء وحذر.
في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل أيقظني العقيد لطيف سيف السعدون * وكنت لم اذق النوم منذ 48 ساعة وقال لي:
- السيد القائد أرسلني إليك .. هناك موقف طارئ.
ذهبت على الفور إلى ملجأ القائد وكان آمرو التشكيلات ومدير إدارة الفرقة على وشك إنهاء اجتماع مع القائد .. أوضحوا له عدم إمكانية تجميع التشكيلات في هذا القاطع في الليل وانهم سيعملون على إنجاز المهمة في الصباح الباكر لأن الموقف صعب جداً (في الحقيقة كان الجنود والضباط قد تمردوا ولم يستجيبوا لأوامر التجمع وبأعذار مختلفة!).
ظل مقر الفرقة بلا قطعات ولا حماية كافية ولا توجد قطعات إلى جواره من تشكيلات أخرى .. فتشكيلاته المقاتلة والمساندة متواجدة في الزبير ومعسكر الدريهمية وبما أن قوات التحالف تتقدم نحونا فقد يقومون بتطويقنا ليلاً ونصبح أسرى بأيديهم. صحيح أننا كنا نسعى للوصول إلى حدودنا الوطنية ودخول أراضينا لكن ذلك وحده لا يكفي، فليس لنا قوات نتمكن بها من مواجهتهم. أثرت هذه القضية في النقاش الذي دار بيني وبين القائد وأمين سر شعبة التنظيم الحزبي ولم نتوصل إلى شيء. قائد الفرقة لا يريد أن نكون في موقع خلفي لأي سبب من الأسباب لأنه حذر من تهمة التخاذل أو الخيانة وكان من النوع الذي يتصرف على أساس بقاء الأُمور كما هي دون أن يترك للإحتمالات التي تثيرها الأحداث حيزا في تفكيره وهو يعلم أن الفشل والهزيمة سيكون لهما أكباش فداء كثيرون، أما أمين سر شعبة التنظيم الحزبي فهو من النوع الذي يخشى من كل أمر ولا يريد أن يتحمل المسؤولية، فلا يقوم بمبادرة أو اقتراح بل يترك الأمور للقائد وينتظر قراره.
أما بالنسبة لي، فلم تكن لدي صلاحية اتخاذ القرار والتصرف في مثل هذه المواقف طالما القائد موجود ولكني لم أتردد في إبداء الرأي لأني أملك إعطاء المشورة المؤثرة على قرار القائد، فأشرت بضرورة الانتقال إلى معسكر الدريهمية، * حيث توجد بعض دبابات وناقلات اللواء المدرع الثلاثين وإذا استمر الموقف على هذا الشكل فسوف نعود في الصباح الباكر غداً ومعنا تلك القوة فوافق القائد* وتحركنا فوراً وخلال ساعة واحدة وصلنا إلى المعسكر حيث توجد مدرسة قتال الفيلق الثالث.
كانت الطائرات تزيد من هجماتها ولا تزال تعالج أهدافا قريبة منا وفي مدينة البصرة كانت تلك الطائرات تقصف طرقا خارجية وجسوراً ومعسكرات وأكداس الأسلحة والعتاد.
بعد ذلك تحدثت الإذاعات عن إحتمال وقف إطلاق النار قريباً. دوت إطلاقات البنادق وهي على وتيرة وكأنها تعبير عن فرحة بإنتصار وفي زمن الحرب العراقية الإيرانية عندما كان يتم التعبير عن الفرح بهذه الطريقة، كنا نعتبره نزوعاً إنسانيا نحو السلم وعدم الرغبة بالحرب ولكني وجدت التعبير الآن عن الفرحة بارداً إذ لا تزال الظروف المأساوية تحيط بنا من كل جانب وتضغط علينا بشدة.
انطلقت بنادق الكلاشنكوف ورشاشات الدوشكة ومسدسات التنوير ومما زاد شعوري بالألم هو أن البعض استخدم المدافع "مقاومة الطائرات"، تلك المدافع التي لم تجد نفعا في التصدي للطائرات التي راحت تنزل الأذى بشعبنا وجيشنا.

لقد كانت لغة البنادق في هذه المرة غريبة ... ولم تعبر عن شيء، ولما أُعلن عن وقف إطلاق النار في الساعة السادسة صباحا اعتبارا من الساعة الثامنة صباحاً، 28 شباط 91 قررنا العودة إلى مقرنا. جبل سنام.

ضابط عراقي ... وموقف

وبعد ساعة من بدء وقف إطلاق النار، اتصل بي العقيد الركن "عبد الكريم" آمر اللواء المدرع / 30 * وهو يقول:
- القوات الأمريكية أصبحت قريبة من مواقعنا وقد أرسلوا إلي ضابطاً برتبة نقيب من سلاح الاستطلاع وطلبوا مني إخلاء المنطقة التي نحن فيها لأنها أصبحت محرمة وستكون مكاناً للاجتماع (مكان خيمة صفوان) بين دول التحالف وبيننا.
قلت له: وكيف فهمت منه هذا المعنى، هل كان يتكلم العربية؟
قال: انه يتكلم الإنكليزية ولكن معي ملازم نجاح وهو ضابط مجند يجيد الإنكليزية، كما أني فهمت قصده من خلال الإشارات ووصف الأرض.
واستطرد قائلاً:
- النقيب الأمريكي كان عسكرياً منضبطاً حيث أدى التحية العسكرية برشاقة وخاطبني بكلمة "سيدي" .. وأضاف العقيد الركن "عبد الكريم القيسي" قائلاً: لقد أخبرته باني لا أستلم أوامر منه أو من قيادته، وإني مرتبط بقيادة عسكرية ولم أبلغ بشيء حول إخلاء المنطقة حتى الآن، وعندما أخذ بعض الجنود والضباط يحيطون بي، انسحب النقيب الأمريكي مؤديا التحية العسكرية قائلاً: سأعود إليك ثانية * شكرته على موقفه هذا وقلت له: لا تنفذ شيئاً حتى نحصل على موقف جديد** من مراجعنا. نقلت تفاصيل الموقف إلى قائد الفرقة الذي ارتأى أن أذهب شخصيا إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في البصرة لأطلعهم على هذا الموقف وأحصل على التعليمات مباشرة، وحبذا لو كانت مكتوبة.
كان موقفنا حرجاً جداً .. لا اتصال لنا مع مقرنا الأعلى ... قوتنا لا تتعدى بضع دبابات أنهكها المسير من الكويت إلى هنا .. ضباط وجنود أضناهم التعب والإرهاق والموقف العسكري عموماً رديء والموقف السياسي مشوش وإشاعات مختلفة وأحيانا متناقضة، قوات التحالف تحيط بنا من كل جانب حيث تحوم الطائرات الأمريكية على ارتفاع لا يزيد عن 25م على مقراتنا مع إشارات وإنذارات تطالبنا بترك المنطقة ولم يجر الانسحاب والخضوع لإرادة الحلفاء إلا بعد وصول توجيهات من القيادة العامة للقوات المسلحة حيث تم الانسحاب وإخلاء المنطقة المخصصة للمفاوضات بشكل منتظم.

في الطريق إلى البصرة

البصرة ثغر العراق الذي يفتر دوما عن ابتسامة ساحرة كأن النخيل فيها وشاح لها يزيدها بهاء .. البصرة الحبيبة التي تحمل باعتزاز قلادتها التي صاغها لها شريانا الحياة، دجلة والفرات .. البصرة هذه ذات المعالم الجمالية والإقتصادية والفكرية وقد أصبحت هدفا لنيران الحروب تلفحها تارة الحرب العراقية - الإيرانية وأخرى حرب الخليج فتحرق رموشها القذائف وتشعل الصواريخ في وشاحها النيران وكم أغمضت هذه البصرة المبتلاة بأناملها عيون الآلاف من ضحايا الحربين وهم يخرون صرعى في جنباتها وتفتح ذراعيها بحزن بطولي لتضمهم إليها وتنهمر دموعها وهي تستقبل العائدين بعد اندحار الحاكم وهزيمته..!
وفي الطريق إلى البصرة كنت أشاهد حركة البصريين بعد وقف إطلاق النار وتنقلاتهم بالرغم من أن الطائرات الأمريكية ما زالت تحلق في الجو بينما سحب الدخان تحجب ضوء الشمس فتقع المدينة وأهلها في ظلام ووسط ذلك الظلام بقايا آليات وعجلات تحترق تهشمها النيران وأخرى معطوبة فيها جثث الجنود الأبطال الشهداء تشير إلى المأساة .. !
أفواج من الجنود، حفاة، بلا أسلحة، نظرات البؤس والإنكسار والتذمر تلوح على وجوههم الكالحة، جرحى ومصابون على جانبي الطريق، أعداد من أفراد الجيش الشعبي تأخذ طريقها مع الحشود المنكسرة إذ كنت أميزهم من أغطية الرؤوس وكلما تقدمت بي العجلة كنت أشعر بالألم يمزقني وكنت أتساءل بمرارة، أي طاقة لنا نحن العراقيين على تحمل ما يفعله المستبدون بنا؟ ما سبب ما يعانيه هؤلاء ؟ ما ذنب الناس ؟ طريق الآلام هذا، هل ينتهي عند نقطة قريبة ؟
كان جسر الزبير مقطوعا .. أسلاك الهاتف والكهرباء مدلاة من الأعمدة أو ممدودة على الأرض .. أسلحة بلا رجال، مقاومة الطائرات صامتة على أسطح المنازل بلا يد تضغط على زنادها، الحرائق تلتهم كل شيء هنا وهناك ...!
فقدت القدرة على المكابرة فلم أتمالك نفسي، جنودنا، وأهلنا، وأرضنا، تحرق وتدمر وتذل، انهمرت دموعي وكنت أُقاوم الحسرات في داخلي وأكبت شهقات الحزن والنقمة، لا أريد أن يرى الجنود المرافقون دموعي ..!
ولما وصلت بعد جهد إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، أخبروني أن المقر انتقل إلى مكان آخر وحاولت الذهاب إلى مقر الفيلق الثالث في "الدير" ويقع على بعد 70كم شمال البصرة، فعلمت: إن الجسور مقطوعة وعلينا أن نسلك طرقاً أُخرى.
قررت العودة إلى جبل سنام، النقطة الدالة والموضع الذي يقف شاهداً على مأساة شعب ونكبة جيش والذي يحتضن في سفوحه رجالاً يحاولون أن يمزقوا شرنقة اليأس التي تكبل قواهم ويبذلوا كل ما يمكن لتخفيف وتيرة الانحدار.
بين الزبير ... والنشوة

كان لا بد لنا أن نترك الدفء الذي أحسسناه ونحن في أحضان الجبل لنواجه تيارات الأحداث التي تعددت مصادرها واتجاهاتها مما دفعنا إلى التحرك نحو الداخل. وفي الطريق أوضح لي قائد الفرقة كيف وصله أمر ترك المنطقة بواسطة سرية انضباط الفرقة الآلية / 51 وأن القاطع أصبح من مسؤولية الفيلق الثاني وان هذه المنطقة التي كنا نشغلها ستنصب فيها خيمة المفاوضات مع دول التحالف.
ثم واصل كلامه :
- سنبقى في معسكر الدريهمية هذه الليلة وغداً صباحاً نعيد تنظيم وحداتنا وعصراً نتحرك إلى الدير و النشوة * حيث المقر والمعسكرات الدائمية للفرقة وتشكيلاتها التي كنا فيها قبل 2 آب 1990.
سلكنا طريقاً ترابية اختزالا للوقت ولتأمين الخروج من منطقة الحظر بسرعة وأخذنا عجلات القتال المدرعة وقد أبلغ الأمريكان آمر اللواء المدرع/ 30، أن يترك الدبابات وعجلات القتال ولكنه لم يهتم بتبليغهم هذا.
في الساعة الثانية عشرة .. وصلنا إلى مدرسة قتال الفيلق الثالث داخل المعسكر وقد أخذت الحياة تدب فيه حيث خرج الجنود إلى الشمس وتركوا ملاجئهم وبدءوا ينفضون الأفرشة والأغطية وكان بعضهم يتفقد جاهزية سلاحه..!
تجولنا في مقر المدرسة باحثين عن مكان نأوي إليه ونجد فيه ماءاً .. أيام متواصلة لم يشعر فيها أحد منا بالراحة.. كثيرون من الجنود لم يحلقوا ذقونهم ولم يستحموا، وبعد ساعتين خرجت إلى الزبير لتفقد اللواء المدرع / 16 ولواء المشاة الآلي /25. كان الوضع مثيرا للقلق ويهدد بفقداننا السيطرة على الجنود والضباط الأحداث، فالمدينة تغص بالجنود الذين بدأ أغلبهم يرتدي ملابس مدنية مثل الدشاديش وغيرها وقد بقي الكثير منهم مختبئا داخل البيوت.
أصدرنا أمرا بخروج الجميع والتجمع خارج المدينة والتهيؤ للحركة، ولما شاع الأمر وتأكد الضباط والجنود أنهم يتجهون إلى الداخل وإلى معسكراتهم الدائمية وليس إلى قتال خاسر بدءوا يتجمعون عند مدخل المدينة.
لم يكن بعد التجمع والحركة ما يذكرنا بواقع جيشنا ومستواه قبل 2 آب 1990 إلا ملامح بسيطة من الانضباط والاحتفاظ بالمعنويات نجدها عند القليل من الضباط وضباط الصف القدماء في الخدمة وعدد هؤلاء محدود أصلا، كما أن ما تبقى من الأسلحة والتجهيزات قليل وذو كفاءة محدودة وان اكثر من نصف الأشخاص المنسحبين ذهبوا من دون إذن إلى أهلهم في المحافظات بينهم عدد كبير من الضباط الأحداث وآمري وحدات وكان الموقف النهائي لمجموع الفرقة كالآتي: لواء مدرع / 16، ما بقي منه كان يعادل سرية دبابات واحدة، والفوج الرابع الآلي الذي وصل إلى البصرة متكاملا بفضل كفاءة آمره المقدم الركن "فلاح حسان" وضباط الفوج وجنوده علاوة على امتلاكه عجلات القتال "b.m.b.1"، (وقد ذكرنا سابقا أنها خفيفة وسريعة وذات كفاءة فنية عالية) ولكن اتضح أن آمر الفوج لم يستلم أمرا واضحاً من آمر اللواء بل أخبره خطأ بالعودة إلى المعسكر الدائمي في النشوة مباشرة، مما جعل الفوج يتجه مباشرة إلى جسر "التنومة" عبر شط العرب واجتيازه ليلا إلى منطقة الشلامجة ثم الزريجي ثم النشوة على الطريق المحاذي لشط العرب، ولا نعلم مصيره على وجه الدقة المطلوبة، أما اللواء المدرع/30 فقد كانت القوة المتبقية فيه عبارة عن سرية دبابات وسرية مشاة آلية والمجموع لا يزيد عن "100" جندي وضابط، أما لواء المشاة الآلي / 25، فقوته تعادل "40" عجلة قتال "b.m.b1"، وعدد من الدبابات وأطقم هذه العجلات والدبابات غير كاملة والأشخاص الموجودون فيه لا يزيدون عن "250" جندياً وضابطاً.
كنا نبحث عن آليات الفرقة من دبابات وناقلات وكنا نتساءل ماذا حل بالمدفعية، الدفاع الجوي، الهندسة العسكرية، الصنف الكيماوي، الطبابة، التموين والنقل والمخابرة .. ؟ إذ لم نجد إلا أعدادا قليلة من الجنود والضباط، أما الآمرون فقد اختفوا .
كنت حريصاً في يوم الانسحاب على أن أدفع بهذه الصنوف إلى البصرة في وقت مبكر إذ لم تكن هناك حاجة لأي منها خلال تلك الفترة.
في الصباح، بدأ الجيش بالانسحاب شمالا باتجاه البصرة والعمارة حيث الفيلقان الثالث والرابع وأما الفيلق الثاني، فقد بدأ يعيد تنظيمه جنوب البصرة.
وأخذت مدينة الزبير تطرح عن كاهلها عبئا بشريا يفوق طاقتها فقد كان لجوء قطعات عسكرية إليها يشبه نوعاً من الاحتلال لكن بقوة بائسة وأسلحة صامتة حيث تدفق الجنود على أهلها الطيبين فاحتلوا كل شيء وفتحت لهم الأبواب بروح وطنية وشهامة أصيلة، فقد كانت الزبير كأي مدينة أُخرى في العراق تدخل في مرحلة معاناة (تدبير المعيشة) وكانت المدينة بلا ماء ولا كهرباء!
ومثل هذا التدفق البشري الكبير إلى مدينة صغيرة لا يمكن أن يتم دون مضايقات لأهلها، فالنازحون إليها يحملون في أعماقهم مرارة تجربة قاسية تنعكس نتائجها في سلوكهم وتصرفاتهم وأوضاعهم النفسية السيئة، فكان من بينهم مثلاً، الضيف الثقيل الذي سبب لأصحاب الضيافة شعوراً بالاضطهاد وربما كانت "الزبير" بهذا الخصوص أفضل حالا من "الحيانية" "والبصرة القديمة" "والجمهورية" "والخمسة ميل"، لأن مرور الأيام يدفع بالأوضاع إلى تطورات جديدة.
بدأت تردنا أخبار عن حوادث سرقات ونهب وإطلاق عيارات نارية في "الزريجي"، "والنشوة" "والدير"، حيث تتواجد معسكرات الفرق الدائمية التي يفترض أن ننتقل إليها بعد الغد وكان ضمن توجيهاتنا أيضا أن ترسل التشكيلات والمقرات عناصرها الإدارية إلى تلك المعسكرات مع الضياء الأول ليوم غد "الأول من آذار، لتهيئة الأماكن والمستلزمات الإدارية لمقر الفرقة والتشكيلات المؤمل وصولها ليلا وكانت مجموعة مقر الفرقة مؤلفـة من: أمين سر شعبة التنظيم الحزبي، مدير الإدارة، ضباط الأمن، آمر كتيبة المخابرة، آمر الهندسة. أما التشكيلات فقد اختارت ممثليها من بين الأشخاص الموجودين لديها وحسب ظروف كل تشكيل.

توثب وانطلاق..

في الساعة الرابعة عصراً من يوم الأول من آذار 91، شرعت الفرقة المدرعة السادسة بالحركة من البصرة متجهة شمالا إلى معسكراتها الدائمية يوم كانت قبل 2 آب 90 في نواحي "الهارثة" و"الدير" و"النشوة". كان علينا أن نجتاز الدمار الذي لحق بجسور القرنة ، فقمنا باستطلاع طريق ملتو يحيط بالمدينة من الخارج مروراً ببعض الأحياء الشعبية حيث الكثافة السكانية العالية وانعدام الخدمات الإنسانية في هذه الأماكن.
شاهدت النسوة والأطفال بملابسهم الرثة ووجوههم الصفراء الشاحبة، حفاة يعبئون مياها للشرب من برك المياه الآسنة التي تجمعت من الأمطار الممزوجة بمياه جوفية ارتفع منسوبها وعلتها طبقة من الكربون نتجت عن الدخان الأسود الذي انتشر في السماء وكان الرجال والفتيان يقفون جماعات على الطرقات ينظرون إلى قطعات الجيش المنسحب !
لا شك أن نصف هذه الجماعات عسكريون (جنود وضباط صف) تركوا وحداتهم خلال الحرب أو قبلها. وعلى أية حال، أصبح الهروب من الجيش جماعيا وبلغت نسبة الهاربين "75%" في أفضل الفرق العسكرية من بينهم "25%" هربوا بعد وقف إطلاق النار وإن كثيرا من الضباط تركوا وحداتهم في هذه المرحلة وذهبوا إلى عوائلهم في بغداد والمحافظات الأخرى.
مع مرور الوقت بدأ الطريق يزدحم وتزايد عدد العجلات العاطلة فيه واختنقت الطرق مما أدى إلى توقفنا فترات طويلة استغرق البعض منها بضع ساعات وهو ما دفع الجنود إلى الترجل من عجلاتهم والإختلاط بالمدنيين، وقد علمنا فيما بعد أن بعض الجنود باع سلاحه الشخصي (البندقية كلاشنكوف مع مخازن الأعتدة) للمدنيين وبسعر بخس.!
كانت السمات التي ترتسم على وجوه الشباب تعبر عن شيء كامن في أعماقهم ولعل هذا الشيء كان يعني الرغبة في كسر القيود واسترداد الحرية والكرامة.
سمعت إطلاقات نارية متفرقة هنا وهناك .. بدأ الطريق يزداد ازدحاما مع مرور الوقت، وعندما حلول الظلام، بدأ الشباب المدنيون يقتربون من العجلات العسكرية وعرض بعضهم على الجنود شراء أسلحتهم!
كان من المقرر أن تصل التشكيلات إلى معسكراتها قبل الساعة الثامنة مساء اً ولكن عوامل عديدة جعلت العجلات المدولبة تصل ناحية الهارثة "حيث المنطقة الإدارية للفرقة"، الساعة الثانية عشرة "ليلة 1 آذار" ولم تصل أرتال الدبابات والناقلات إلا مع الضياء الأول ليوم 2 آذار في حين تركت أعداد منها على الطريق بسبب نقص الوقود أو عطل فني أو عدم رغبة طواقمها في الاستمرار في السير. و بينما كان الرتل متوقفا عند إحدى النقــــاط الحرجـة، أعلنت بيانات حكومية عن تسريح عدد من المواليد من الخدمة العسكرية فاستقبل الجنود الأنباء بفرح بالغ وعلقوا على ذلك قائلين هذا تسريح "بوش" * ولم نكن نعلم ماذا كان يجري في "الزريجي" وهي منطقة زراعية على ضفة شط العرب الشرقية مقابل "الهارثة" التي يتواجد فيها مقر الفرقة، اللواء المدرع / 30، مقر لواء المشاة الآلي/ 25 وصنوف المدفعية، الدفاع الجوي، الهندسة العسكرية، المخابرة، الصنف الكيمياوي والطبابة. ولم نكن نعلم أيضا عما يحدث في "النشوة" حيث مقر اللواء المدرع / 16، والنشوة ناحية صغيرة وشبيهة ببقية نواحي جنوب العراق، فيها شارع معبد واحد وعدة طرق فرعية غير مبلطة وتمتد بساتين النخيل فيها بمحاذاة شط العرب، فيها مركز شرطة، ودار لمديرية الناحية وسكانها عرب من عدة عشائر. السويكت، الحلاف، آل منصور، السواكن وآخرين (يذكر أن طائرة الرئيس السابق عبد السلام عارف سقطت في هذه الناحية في نيسان عام 1966 حيث توفي هو ومن كان معه بداخلها). يربط النشوة بناحية الدير جسر قديم يسمى "جسر النشوة" يتسع لمرور سيارة واحدة باتجاه واحد ويوجد فيها حوالي ثلاثمائة بيت وفيها مدارس ابتدائية ومتوسطة، وأناس متعلمون ووجوه اجتماعية محترمة، كالمختار عبد الرحمن السويكت وغيره ويوجد فيها عدد من البيوتات ذات النسب العلوي "السادة" . والنشوة هي المركز الإداري الذي ترتبط به العديد من القرى كالزريجي وعتبة وتقع جميعها على طريق معبد واحد يسمى "طريق الشلامجة".
عملت سنتين متتاليتين في هذا المكان، آمرا للواء المدرع / 16 قبل 2 آب ولم نواجه أية مشكلة مع سكان هذه الناحية، فهم عرب ريفيون بسطاء يحترمون الضباط و الجنود وعند ذهابي وإيابي إلى البصرة كنت أرغب في سلوك طريق "النشوة - الزريجي - عتبة - الشلامجة" ثم العبور من جسر خالد بن الوليد إلى البصرة وأعود ليلا الساعة الثالثة أو الرابعة فجرا ولم يحدث أن مررت بأي موقف ينم عن عدم ارتياح هؤلاء الناس أو عدم ترحيبهم بنا. كانت معسكرات الفرقة كبيرة ومسيجة وفيها عدد كاف من الحراس المسلحين، الغرف، المقرات، المشاجب، المستودعات والمكاتب وجميعها كانت محكمة الأقفال.
في هذه المعسكرات، اتخذ صدام حسين مقراً جوالاً في الأيام التي سبقت الحرب الأخيرة وقضى ليلة في مقر اللواء المدرع / 16 وليلة أخرى في مقر الفرقة المدرعة السادسة واطلع على اللوحة الخشبية الأنيقة المعلقة في غرفة آمر اللواء التي ضمت أسماء الآمرين مثل "دخيل الهلالي الذي أصبح قائدا للفرقة السادسة في بداية السبعينات" وكان عزت الدوري السبب في إحالته على التقاعد حيث تأخر الدوري ساعتين عن محاضرة في كلية الدفاع الوطني، فاضطر الهلالي للإيعاز ببدء المخاطرة، فغضب عزة الدوري لدى وصوله بعد عشرة دقائق من المحاضرة ولم يشفع للواء الركن الهلالي المولود في مدينة العمارة صفته الحزبية وتم إبعاده من الجيش * فأحيل على التقاعد ليعود عام 1982 آمرا للواء جيش شعبي ويقع أسيراً في يد الإيرانيين فوق هضبة الرادار في قاطع ديزفول الإيراني ولا يزال هناك، وكان إسم اللواء الركن صلاح القاضي "قائد الفيلق الثالث" الذي أعدم عام 1982 منقوشا على نفس اللوحة والعقيد الركن "عدنان محمد نوري" الذي عمل مع المعارضة العراقية في الخارج منذ السبعينات والعقيد الركن "محمد علوان الجبوري" الذي استشهد فيالحرب عام 1987 والعقيد الركن "سردار البرواري" توفي على أثر مرض والعميد الركن "ثابت سلطان" الذي تم التخلص منه عام 1993 والعقيد الركن "وضاح ثامر إسماعيل" "الذي أعدمه صدام عام 1995" وكان اسمي آخر اسم ثبت عليها. وعندما تقرر إلغاء اللواء المدرع / 16 عام 1991، قال لي الفريق سلطان هاشم وكان معاون رئيس الأركان للعمليات، هذا اللواء منحوس ولم يتوفق أحد من الآمرين فيه رغم كونه من التشكيلات العريقة ذات الماضي المشرف وكان آخر آمر له هو العقيد الركن "جليل خلف شويل"* من أهالي البصرة وكان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى اتخاذ قرار إلغاء هذا التشكيل، "تشكيل المهلب" بعد انتفاضة آذار 1991.
شرحت لضباط الركن خطتي التي تتلخص في بقاء جميع القطعات التي تصل من البصرة في معسكر المنطقة الإدارية للفرقة حتى الصباح وعبورها إلى معسكراتها في الزريجي والنشوة بعد اكتمال تجمعها غدا.
كان جسر "نهران عمر" الوحيد الصالح للاستعمال من بين الجسور القريبة من مقر الفيلق، يتوسط المسافة بين الهارثة والدير وهو من الجسور العسكرية التي نصبت على شط العرب خلال الحرب مع إيران.
قرر قائد الفرقة المبيت هذه الليلة في مقر الهندسة الكهربائية للفرقة الواقع على الطريق العام شمال ناحية الدير "5كم" وقررت أنا قضاء ما تبقى من ساعات الليل مع صديقي "أبو خالد" المهندس البغدادي الذي يعمل في إحدى المنشآت الحكومية القريبة من ناحية الهارثة حيث استقر مع عائلته منذ عشر سنوات في بيت أنيق هناك ويومها كان صديقي وحده في البيت بعد أن أرسل عائلته إلى بغداد منذ بداية الحرب.
وصلت بيت "أبو خالد" في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل وكان مستيقظا يبحث من خلال جهاز الراديو الصغير الذي لا يفارقه عن أخبار جديدة.. خرج إلى الباب بعد سماعه صوت منبه العجلة.. قلت له فورا: أنا نجيب بعد أن شعرت بتردده في فتح الباب الخارجي .. وعندما تيقن مني، جاءني راكضاً وفتح الباب واستقبلني بحرارة وكان معي بالإضافة إلى السائق، النائب ضابط هادي وجندي انضباط اسمه "صادق" وقد طلبت منهما الحضور الساعة السابعة والنصف صباحاً.
دخلت البيت بصحبة "أبو خالد" الذي أمطرني بسيل من الأسئلة عن الحرب والتضحيات والانسحاب والحالة النفسية للضباط وعن مجاميع الجنود الذين تركوا مواضعهم راحلين باتجاه الشمال .. عن الطعام والأمور الإدارية.. القصف والطيران والصواريخ.. عن الوضع في البصرة في اليومين الأخيرين .. ثم حدثني عن مشاهداته خلال الأيام الماضية قائلاً، إن الطائرات قصفت محطة الطاقة الكهربائية في الهارثة، وضربت أهدافاً عديدة هنا وهناك وان الكهرباء والماء والخدمات الأخرى مقطوعة. قلت مازحا (ربعك، الجيش الشعبي والحزب .. ! وين صاروا..؟ ) قال، موجودون في بيوتهـم حائرون بأنفسهم ووضعي أفضل من أوضاعهم لأني بدون عائــلة. قلت، وماذا تتوقع؟ قال، "ماكو شي"، ولكنهم يشعرون بظلم كبير! في إشارة واضحة منه لسكان المنطقة. *
حاولت النوم بعد انتهائنا من الحديث ولكن رأسي كان يزدحم بما سأقوم به بعد ساعات، فأنا مطالب بتجميع الفرقة ومعرفة المفقودين والشهداء وإعادة تنظيم مقر الفرقة وهناك أعداد كبيرة من الدبابات والعجلات التي بقيت عاطلة على الطريق في صفوان يجب سحب بعضها وتوفير الوقود لبعضها الآخر. لم أقلق على زوجتي وابني عامر لأنهما كانا يعيشان مع عائلتنا الكبيرة في بغداد.
غدا سأعود إلى النشوة، هذه الناحية البصرية الصغيرة، وسألتقي حتما بالسيد منصور "أبو إبراهيم" الرجل المسنّ الذي يسكن في البستان المجاور لمعسكر لواء المدرع / 16 والذي سبق وأهديته براعم زيتون من بستاني في ديالى، فأهداني فسيلا بصريا كان ذلك آخر ما تبادر إلى ذهني في تلك اللحظة قبل أن أغط في نوم عميق.


الفصل الثاني


الانتفاضة الكبرى وقائع وأحداث

مقتل صورة ..!

لم تكن انتفاضة العراقيين في آذار 1991 * حدثا منفصلا وقائما بذاته وإنما كانت نتيجة طبيعية لمعاناة شعب امتدت سنيناً، لذا جاءت تعبيرا صادقاً قويا وسريعا عن الرفض الكامل لحالات الإحباط التي قادت إلى رغبة أكيدة في تمزيق القيود التي كبلت أبناء الشعب، فتاريخ شعبنا هو سلسلة من المواقف البطولية التي اتسمت بالتضحيات الجسام من أجل عزته وصون كرامته، وكانت الانتفاضة تعميدا بالدم لرفض أساليب الدكتاتورية وحكمها البغيض.
إن أهم ما يجب النظر إليه هنا، ونحن نتحدث عن ضرورة إلقاء الضوء على بدايات الحدث التاريخي الكبير الذي صنعه العراقيون الأماجد عند اندلاع شرارة الانتفاضة ضد النظام التسلطي الدكتاتوري، هو التأكيد على حقيقة العوامل والمسببات التي هيأت وبلورت مناخا سياسيا وفكريا ونفسيا للانطلاق بقوة نحو التغيير وآفاقه، كذلك لا بد من القول إن قرار الانسحاب وما رافقه من تأثيرات سلبية مباشرة أسهمت في إمكانية إنضاج التهيؤ الثوري الحاسم لتحطيم حاجز الخوف والبدء بتصعيد الفعالية الجماهرية للشعب للوصول إلى تحقيق الهدف المرجو، وبهذا الصدد، يمكننا أن نشير إلى أن الوقائع والدروس المستخلصة من الأحداث الكبرى والحروب عبر العقود الماضية وما تؤكده أيضا مسيرة التاريخ بأن الهزائم والمآسي التي تلحق بالشعوب بسبب إستهتار الأنظمة الدكتاتورية تتمخض عن تغييرات جوهرية في كيانات تلك الأنظمة . وإذا كانت الهزيمة أمرا مرفوضا لا يليق بالرجال أن يستسلموا لها وان الفشل عيب يجب تلافي أسبابه قبل حدوثها، فإن صدام حسين يبقى المسؤول الأول عما لحق بالجيش العراقي من إنكسار وما ترتب عليه من تقييد لحرية العراق وسيادته الوطنية وجعله عرضة للتقسيم والتشرذم.
إن غزو الكويت في الثاني من آب 1990كان عملا طائشا غير مسؤول وكان يحمل في طياته نتائج وخيمة على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية، إن تفاصيل تلك المغامرة التي بكل نتائجها كانت لصالح القوى العالمية التي تنظر إلى الوطن العربي عموما والى منطقة الخليج العربي بوجه خاص من منطلق المصالح الاستراتيجية الخاصة بها.
وان كان لا بد من القول، فإننا لم نكن نتصور يوما أن هذا الرجل سيظل مصرا على تسمية الفشل انتصاراً والهزيمة ظفراً وخاصة عندما نستحضر الموقف الشهير للرئيس جمال عبد الناصر وهو يواجه شعبه يوم 9 حزيران 67 معلنا تحمله كامل المسؤولية عن حدوث النكسة وتخليه عن كافة مسؤولياته السياسية وغيرها بصوت مسموع وصورة مرئية وتوقعنا حدوث مثل هذا الموقف في العراق في الأيام التي تلت يوم 28 شباط 91... وتوقعنا أنه سيكون لقضية الكويت تأثيراتها السلبية على علاقة العراق بالأُمة العربية وهذا ما حدث، إذ أن أغلب الدول العربية أعادت النظر في موقفها تجاه العراق، وتوقعنا كذلك أن تمتد هذه التأثيرات إلى داخل العراق، أي إلى علاقة الشعب بالنظام القائم، وسوف تكون النتيجة لكلا التوقعيين صدمة تعيد صدام إلى وعيه وتجعله يعترف بفشله وما يترتب على اعترافه من التنحي عن مسؤولية الحكم في العراق، ولكن شيئا من هذا لم يحدث !
كما أن القوى التي استفادت من الحرب بالإضافة إلى تأثيرات إقليمية ومحلية، إرتأت أن استمرارية الحفاظ على مصالحها تكمن في بقاء صدام في الحكم ولو إلى حين!
إلا أن عملية المخاض أنذرت بولادة حدث كبير تجسد في اللحظة التي مزق فيها جندينا البطل الصمت والترقب المخيمين على نفوس الشعب والجيش عندما رشق ذلك الجندي صورة صدام بوابل من الرصاص من فوهة بندقيته فجر يوم 2 آذار 91 في "ساحة سعد" في البصرة* معلنا الخلاص من النظام الذي الحق بالجيش والشعب والوطن كل هذا الذل والإهانة. ولقد بذلنا جهدا للحصول على اسم ذلك الجندي الذي سيظل الرمز الأول لانتفاضة العراقيين ضد الدكتاتورية والطغيان. لقد كان في أعماق ذلك البطل العائد من الكويت خيبة وألم كبيران، يعتصرانه ويدفعانه للبحث عن وسيلة لاستعادة كرامته المهانة. وعندما أصبح وجهاً لوجه أمام "تماثيل صدام" في "ساحة سعد"، لم يسعه إلا أن يعبر علناً عما في داخله ودواخل أولئك الجنود الذين غصت بهم تلك الساحة من مشاعر الإحباط واليأس من جهة والرغبة العارمة في إنقاذ الوطن الجريح من جهة أخرى، ولم يكن أمامه إلا أن يطلق وابلا من رصاصه على صورة الشخص الذي اعتبره بكل وجدانه المسؤول الأول عن المرارة التي تعتصره وتحيط به .. انه جدير بأن يمنح لقب "ابن العراق البار".
وصف لي أحد الضباط تلك اللحظة التي فجر فيها "الجندي المجهول" شرارة الغضب قائلا: ((كنا أفواجا من رجال جار عليهم دكتاتور أهوج ... اختفت المناصب فيما بيننا وأزيلت الرتب، فصرنا جميعا منقادين إلى حيث لا ندري ونجري بلا وعي وفي كل ساعة يجابه أحدنا موقفا يفقد فيه السيطرة على نفسه... نلتفت يمينا فلا نرى إلا وجوها بائسة أرهقها السير وأذلها الموقف ... ونلتفت شمالا فنرى جثثا مكدسة وجرحى يأنون هي حصيلة ما جرته سياسة النظام غير المسؤولة. وقد ينشغل الإنسان باستعادة ما عانى وما ينتظره فلا يلتفت إلى ما حوله وباتت مناظر الموت مألوفة ولم تعد مشاهد الدماء تفزع أحدا وما كانت آثار الدمار والخراب الظاهرة في كل مكان تثير فينا المشاعر.
وفي لحظة كنا نحلم فيها بلقمة أو بكوب شاي ساخن أو سيكارة، كان بالقرب مني جنود يبيعون بنادقهم ويتقاسمون أثمانها بينهم، وكنت أحمل مسدسا قررت أن لا أفرط فيه، وكانت مجاميع من الناس توقف سياراتها "البيك أب" وتكدس فيها الأسلحة التي يشترونها من الجنود، وأعتقد أن هؤلاء المشترين كانوا تجاراً ولكن، أية تجارة هذه ! أو أي صنف جديد من التجار هؤلاء !
كنت في هذه اللحظة على الطرف الآخر من صورة صدام.. نظرت إلى الجنود الذين كانوا في حالة مأساوية والإرهاق باد على ملامحهم.. كان كل واحد منهم يحاول أن يكيل السباب والشتائم للحاكم بأعلى صوته ويهتف ضده. ثم رأيت أحد الجنود وقد أعاد ثمن بندقيته إلى المشتري وانطلق إلى موقع الصورة ليفرغ فيها رصاصاته، وحين نظرت إلى الصورة تمنيت اختفائها.

مقتل ... ضابط كبير !

هكذا انطلقت الشرارة الأولى للانتفاضة المباركة من مدينة البصرة الباسلة ولم نكن نعلم ماذا يدور حولنا وكنت مثل غيري من الناس أتوقع حدوث شيء ما.
استيقظت صباح يوم 2 آذار 91 على صوت شاب يهتف بسقوط صدام ويردد (الثورة في البصرة... الثورة في البصرة) وكان يهرول مسرعا. منعني صديقي "أبو خالد" من الخروج من البيت وأخبرني أن الناس قد انتفضت في البصرة وان المظاهرات تعم المدينة وأهالي "الهارثة" و"الدير" يهتفون بسقوط صدام ويهاجمون الدوائر الأمنية والمقرات الحزبية وأضاف: انهم قتلوا ضابطا برتبة كبيرة في البصرة.* هيأت نفسي على عجل وأنا أنتظر وصول عجلتي العسكرية إذ لا بد أن أصل إلى المعسكر مبكراً** وعندما تأخر سائق العجلة عن الوصول اعتقدت أن تأخره كان بسبب الأحداث وحينذاك قررت استخدام سيارة صاحبي "أبي خالد" الذي رحب بالفكرة لكنه قال: (إن كمية البنزين في العجلة الصالون وهي موديل قديم قليلة وربما لا تكفي لإيصالنا إلى المعسكر)، ومع ذلك، قررنا التحرك فوراً وفي الطريق، شاهدنا أعلاما مختلفة الألوان ترتفع فوق البيوت والشباب يتجمعون في الطرق الرئيسة والفرعية والنساء يزغردن من فوق السطوح وينظرن بإعجاب وإكبار إلى ما يفعله الشباب وقد حاول بعضهم إيقافنا وكانوا قد أقاموا حواجز على الطريق، لكننا قررنا عدم التوقف وبعد مسافة لا تتجاوز كيلو مترين، لمحنا جماعة أخرى على الطريق وقد وضعت حاجزاً على الطريق كعلامات حديدية وإطارات محروقة ونظرنا إلى جانبي الطريق لعلنا نجد مجالا ونبتعد عن الطريق العام ونتخلص من الحواجز التي وضعها المدنيون، لكن سيول الأمطار وبرك المياه الآسنة كانت تحول دون خروجنا من الشارع المبلط.
كان "أبو خالد" مطمئناً إلى عدم حدوث ما يسيء لي إذا نحن توقفنا لأنه معروف من قبل شباب المنطقة ويستطيع أن يؤثر عليهم. أعدت على مسمعه ما أخبرني به قبل قليل عن مقتل ضابط كبير تدبيراً للموقف الحرج.

موقف حرج ... وحوار مع النفس

وخلال مسافة قصيرة جداً، أحسست أن شيئا ما يعتمل في داخلي وان شعورا بالإنشداد والتوتر العصبيين قد خلقا عندي معاناة حقيقية بالخطر الذي كان يحدق بي وكان لا بد أن أنجو بنفسي.
في الحرب مع إيران، شاركت في معارك ضارية لكنني نجوت منها رغم أنه قد تم تطويقنا عدة مرات إلا أنني لم أقع في الأسر، كذلك لم أضطر مرة قبل هذا الموقف إلى التفكير بإخفاء شخصيتي ولو مؤقتا، لكن الموقف يختلف الآن، فأنا أمام شباب ثائرين على نظام جار عليهم وان كرههم له يمتد إلى كل مؤسسات الحكم وخاصة العسكرية منها، ولما كنت ضابطا، فأنا معرض إلى الموت سيما وأن خبر قتل ضابط كبير من قبل الثوار أصبح مؤكدا وهذا يعني احتمال تعرضي للقتل أيضا مما دفعني إلى التردد للحظات، فهل أشهر السلاح بوجه من أعتبرهم أخوة لي ثائرين بوجه الظلم ؟ ولكن كيف التخلص من هذا الموقف ؟ فإذا قتلت أحدا سأعتبر خائنا ومعاديا للإنتفاضة في نظر الثوار ! وإذا قُتلت فماذا سيقال عني ومن سينصفني بعد ذلك ؟ فهل كنت ضد الإنتفاضة، أم معها ضد النظام، أم محايداً ؟ وهل يحتمل الوضع موقفاً محايداً آنذاك ؟ وهل يصح أن أُقتل بهذه الطريقة ؟ أم هل أستسلم لأشخاص تلعب بهم العواطف وتتحكم فيهم مشاعر العداء للنظام ويرون في كل ما يمت إليه بصلة كأنه صدام نفسه ! إنها وخزات أحسها في مكامن الضمير والوجدان. كان لا بد لنا أن نقف عند الحاجز لأنهم وضعوا عوائق من أحجار كبيرة لا يمكن للعجلة أن تجتازها. راح "أبو خالد" يسلم عليهم ويخبرهم بأنني ابن عمه وجئت من بغداد. ولنا مريض في مستشفى البصرة، فرحبت بنا المجموعة التي كانت قريبة من سيارتنا، وما أن تقدمت العجلة خطوة حتى أوقفنا أحدهم وعيونه وملامحه تقدح شراً وصرخ مخاطباً "أبو خالد" :
- قف .. قف .. العسكري الذي معك شكله ضابط أو حزبي كبير..!
- أجاب "أبو خالد" ..
- أبدا .. إنه لبس البدلة العسكرية ليسهل مروره عبر سيطرات الجيش واتجه الشخص ليفتح الباب عنوة، فقلت لأبي خالد وكأنني أبحث عن حل:
- سأكون مضطراً لاستعمال أي شيء إذا أجبرت على النزول!
في تلك اللحظة، اندفع نحوهم أشخاص يصرخون "الإنتفاضة وصلت العمارة .. الناصرية .. وعمت ضواحي البصرة"، فقطعوا حديثهم مع "أبي خالد" وراحوا جميعا يهتفون بسقوط صدام ووصفه بالإجرام والوحشية وتعالت الأصوات بالتكبير.
صحت "بأبي خالد" أن ينطلق لان الفوضى التي حدثت وانشغالهم بالخبر يسمحان بالمغادرة، وانطلق "أبو خالد" وهو يلوح بيده لهم مودعاً ويردد "الله اكبر .. الله اكبر".
وانقضى بذلك موقف حرج ما زالت وقائعه تتردد في ذاكرتي بين حين وآخر.
نداءات … واستجابات

وصلت المعسكر في الساعة الثامنة والنصف واستقبلني ضباط الركن وعدد من الجنود وسألتهم عن الأخبار، فأخبروني: أن هناك مظاهرات مسلحة وجماعات احتلت المراكز الحكومية وأن هناك ضابطاً قتل على أيدي المتظاهرين واستفسرت عما شاهدته على الطريق من ناقلات عسكرية تحمل أعلاما ملونة فأجابوني:
- إنها أصبحت بيد المنتفضين ولم تكن الناقلات تحمل أسلحة أو أعتدة وأنهم استخدموها لقطع الطريق أو كوسائط نقل وقد استقلتها مجموعات من الشباب والصبيان وهم يهتفون ويهزجون، فبدا المشهد وكأنه احتفال. طلبت من الضباط شرح الموقف العسكري المتعلق بالتشكيلات وسألت عن الوحدات التي لم تلتحق إلى المعسكر حتى الآن إذ كان القسم الأكبر من الناقلات قد وصل ليلاً في حين تأخر القسم الأكبر من الدبابات في الطريق وعلمت أن الدبابات التي في الفرقة الآن لا تزيد على عشرة، فلا بد أن البقية قد تعطلت في الطريق.
كان آمرو التشكيلات، الثلاثين والسادس عشر مع قائد الفرقة في مقر الفيلق فيما كان آمر اللواء الخامس والعشرين يحاول ترتيب لوائه والتأكد من موجوداته وفي هذا الوقت أخذنا نتابع الأخبار ونتصدى لمعرفتها بعدة طرق. لقد كان الوضع يزداد خطورة والأحداث تتطور، فمدينة "الهارثة" وهـي مدينـــة كبيرة وكثيفة السكان وكل ما يجاورها من القرى الكثيرة استجابت بسرعة لنداءات الثوار وبدت تجمعات "الشيوخ والنساء والشباب والصبيان مألوفة يملأهم الفرح ويعبرون عن مشاعرهم بحماس وقوة ويهتفون بسقوط صدام. * لا أعتقد أن أحداً منهم في تلك الساعة راوده شعور بالفشل أو بقاء النظام بل كانوا جميعا يفيضون عزما وتصميما واعتقاداً راسخاً بحدوث التغيير الحتمي.
طلبت من آمر لواء المشاة الآلي / 25 العقيد الركن "محمد علي الجميلي" اتخاذ الترتيبات اللازمة لحماية المعسكر وتوزيع الناقلات على شكل فصائل حول المحيط وقرب المداخل والحيلولة دون اقتراب المدنيين من سياج المعسكر الذي يبلغ محيطه الخارجي (10) كم ومسيّج بالأسلاك الشائكة ويضم بقايا وحدات إدارية وخدميّة، تموين ونقل، طبابة، معمل ميدان، نقاط للعتاد والوقود، مستودعات ومشاجب تحتوي على مئات البنادق، قوة حماية من عشرات الجنود بعضهم من غير المسلحين، فتوزع الأشخاص وانتشرت الناقلات وتهيئوا للحماية.
كانت الأخبار عن انتشار الانتفاضة وسرعة امتدادها إلى جميع المناطق تجعلنا قريبين مما كنا نتوقعه، فهي نتائج لا بد منها وإذا كانت الإنتفاضة تسري كالنار في الهشيم فإن النفوس التي أججتها كانت تحمل من المعاناة والمرارة أكداسا متراكمة وهذه الانتفاضة هي ثمرة سنين من تحمل الظلم والاضطهاد والتمييز والقهر.
كان يتملك الضباط هاجس الخوف الممزوج بالدهشة والحيرة، لأن احتمالات التهام الإنتفاضة للمؤسسة العسكرية وأفرادها كانت متوقعة كما أن الجنود الذين عاشوا التجربة المرة واستنكروا الهزيمة كانوا من أكبر عناصر الانتفاضة وكنا نظن أن كثيراً منهم ينتظر ساعة الحساب والخلاص، فمهما كانت رغبات الضباط أو مشاعرهم قريبة من مشاعر الثوار وآمالهم، فإن زخم الاندفاع وهياج المنتفضين لم يترك على الأغلب فرصة لتحكيم العقل ولذا لم أستغرب ما كان يردده أحد الضباط وقد تملكه القلق قائلا: "سيدي، الموقف تعبان"، بل إن أحد ضباط الركن الذين أثق بهم عرض علي فكرة الهرب والاختباء لدى أحد شيوخ القبائل ولكني لم أُوافق وأبقيت العرض احتمالاً واردا، ثم شاعت أخبار في المعسكر بأن صدام على وشك الهروب إلى الجزائر وتناقلت وكالات الأنباء هذا الخبر فأتسع أمل الناس في التغيير وسقوط النظام.
وسيطر الثوار على الطريق التي تفصل مقري عن مقر الفيلق وبدأت اشعر بقلق متزايد وأتوقع ثورة المدنيين من حولنا في كل لحظة. صحيح، أننا نستطيع أن نحمي المعسكر لكن هؤلاء لا بد أن يتنفسوا كما تنفس الآخرون وتنفسهم يعني أن ينتفضوا ويزيحوا عنهم غبار الذل والظلم والقهر ولا بد من ظهور بوادر للسلوك الجمعي، (أي انتشار لسلوك خطر يشترك فيه من لا يرغب بالمخاطر أو المغامرة تحت تأثير الضغط الإجتماعي والسياسي "حسب مفهوم علم الإجتماع"). ولم يخل بالي من احتمال قيام أحد الجنود داخل المعسكر بعمل قد يعرضنا للخطر، لكن الوقت كان يمضي ومثل هذا الإحتمال كان يتضاءل، فقد أثبتت الأحداث أن نمط التعامل الأخلاقي والأخوي الذي كان يتحلى به الضباط جعل الجنود لا يخرجون عن تلك الحدود مما أبقى العلاقة بين الجنود والضباط متوازنة وبعيدة عن الأحقاد على الرغم من سياسة التمييز الطائفي والمذهبي التي مارسها النظام داخل القوات المسلحة وقد ظهرت أشكال من التعاطف الحقيقي مع الشعارات المطروحة خارج المعسكر، إذ كان الجنود يبدون تأييدهم وتمنياتهم في نجاحها وسقوط النظام على أيدي المنتفضين وقد بدا ذلك واضحاً على وجوههم وتصرفاتهم.

في هذه اللحظات الساخنة والمتسارعة كنا ننظر إلى الأوضاع ومتغيراتها بنحو ينصب على سياسات النظام ومحاولاته المستمرة في زرع الفرقة وتقسيم الشعب. كان الجميع يظهر تعاطفاً مع ما يطرح من أفكار وتطورات على الرغم من أن الأغلب. كان منهم يبدي حذره ويخشى أن يكون تعامل الثوار معه على أساس عدائي.
أذكر ما قاله لي أحد الضباط وهو من عائلة متنفذة بسبب انتمائها المذهبي في جنوب العراق: (هذه انتفاضة الجنوب، وهؤلاء الناس انفجروا الآن بعد كبت دام عشرات السنين وهذه فرصتهم ولا أحد يستطيع السيطرة عليهم . أُنظر ، المعسكر مطوق، والبصرة لم تبد أية مقاومة، وسيكون الحال كذلك بالنسبة لجميع النواحي والقرى والأرياف. وصل التمرد إلى ميسان وذي قار، إني قلق جداً .. أرجوك أن تتخذ قراراً يخلصك ويخلصنا - "ويقصد أن نترك المعسكر ونختفي"- سيقتلنا هؤلاء وأشار بيده إلى تجمعات السكان ومظاهراتهم أمام المعسكر.
نساء وأطفال ... في المعسكر !

سادت حالة من القلق والارتباك بين بعض الضباط والآمرين عندما اقتربت مجاميع الشباب من السياج الخارجي للمعسكر وهي تهتف هادرة ضد صدام وتوجه النداءات والهتافات إلى الجنود تدعوهم للمشاركة معهم في الإنتفاضة. لم يكن بأيدي هؤلاء الشباب سلاح، كانوا يرتدون الدشاديش ومعهم النساء والصبيان الذين لا يقلون عنهم حماسا واندفاعا بل ان النساء كن يتقدمن بعض المجموعات ويلوحن بعباءاتهن وهن يرددن الهوسات والأهازيج التي تؤجج المعنويات والاندفاع، ودور المرأة معروف تأريخيا في المواقف الوطنية في الجنوب والفرات الأوسط، فقد كانت دائماً مصدراً لتحفيز الهمم وتقوية العزائم ووجودها عامل تشجيع في الاستبسال والبطولة وحين كانت هذه المشاهد تمر أمام الجنود، كانت تطفح على وجوههم ابتسامات الرضا والفرح حتى بدأوا يتجاوزون الصمت إلى التصريح وكان الضباط يتعاطفون مع الثوار. في تلك اللحظات الحاسمة، لبثنا نحن الضباط والجنود في حالة صراع نفسي بين الإلتزام العسكري والواجب الوطني في تأييد الجماهير الثائرة وكنا نترقب الأحداث وننظر بألم وأسى إلى بواكير الإنتفاضة وهي تأخذ شكلا لا يدل على التنظيم والإدراك، وكم تمنينا أن نكون جزءاً منها ونسهم في رسم سير الأحداث ونكون كما عهدنا شعبنا من أن جيشنا هو الوسيلة للتغيير والبناء وبأنه الأمل المرجى في ساعات الحسم.
وفجأة، دخل أطفال ونساء إلى المعسكر واحتلوا جزءا منه وكنا قد كلفنا الضباط والجنود بواجبات بسيطة ووزعنا القوة حول المعسكر وأبقينا فصيلا داخله فيه ثلاثة عجلات قتال مدرعة "b.m.b1" تقف عند باب المعسكر وكان آمر الفصيل برتبة ملازم أول وهو ضابط جيد، وفي نظرنا كانت هذه القوة كافية لمنع أي اقتحام للمعسكر، فكيف دخل هؤلاء الأطفال والنسوة إلى المعسكر؟ وعندما استعرضت القوة بنفسي، تأكد لي أن الأمر لم يكن نتيجة إهمال عفوي وإنما يعني شيئاً آخر، وهذا الشيء هو عمق التلاحم بين أغلبية منتسبي المعسكر (الجنود وضباط الصف) وهؤلاء الثوار من جهة، والعلاقة الطيبة بين الجنود والضباط من جهة أخرى، هذه العلاقة عبرت عن نفسها بمجاملة اقتضتها الظروف فأعاقت تحرك الجنود وجعلتهم يحتفظون بوضعهم الاعتيادي دون حدوث تطورات ودون أن يلغي ذلك تعاطفهم مع الانتفاضة.
الانتفاضة عراقية

ما أن هدأت الأمور، حتى هجم عدد من الشباب العزل من السلاح على سياج المعسكر فطاردهم ضابط الأمن وجنوده وأحضروا أربعة منهم أمامي وجدت نفسي حينذاك في موقف لم أكن أرغب يوما أن أكون فيه بل وفي مثل هذا المأزق الحرج، فقد كانت الأوامر الصادرة بخصوص الإنتفاضة تنص على إعدام كل من يلقى القبض عليه مباشرة ودون محاكمة. * وبينما كان الجنود يقودون الشباب الأربعة باتجاهي كنت أفكر في إيجاد طريقة أتخلص بها من المسؤولية المترتبة علي في مثل هذا الظرف وفي الوقت ذاته أنقذ بها حياة هؤلاء الثائرين، إذ كيف يطاوعني ضميري أن أصدر الحكم بإعدامهم وأنا في أعماقي أحمل أحاسيسهم وإرهاصاتهم ذاتها وأفسر كل صرخة من صرخاتهم بأنها مشعل ينير الطريق أمام يقظة الشعب من سبات عميق فرضه عليه نظام ظالم جائر! كانت ملامح الشباب الأربعة تنم عن ثقة صادقة بأنفسهم وتدل على عزيمة أكيدة وإصرار ثابت على السير قدماً في الطريق التي اختاروها من غير أن يرهبهم إلقاء القبض عليهم. وعند مساءلتي لهم عن مهاجمتهم لسياج المعسكر، أجابوني بشيء من الإنفعال:
- إن هدفنا هو إسقاط صدام ونظامه وإن إنتفاضة عارمة تعم العراق ونحن هنا جزء منها.
هنا تذكرت ما أشيع عن أن إيران دفعت عناصر إيرانية للإشتراك في الإنتفاضة وحتى قيل أن هذه العناصر الإيرانية هي التي تخطط للإنتفاضة وتقودها، فسألتهم:
- هل دفعكم إلى هذا العمل من جاءكم من وراء الحدود ؟
كانوا كمن استفزهم سؤالي والتفتوا إلى بعضهم باستغراب وإمارات الحيرة والتعجب بادية عليهم واستفسروا عما كنت أقصد بسؤالي، فقلت منفعلا:
- أقصد إيرانيين ! ... إيرانيين ! ... هل دخلوا قضاء الهارثة؟
حينذاك صدرت من الأربعة وفي آن واحد عبارات النفي وقال أكبرهم:
- أي إيرانيين ! (ما يشيل الحمل غير أهله .. الإنتفاضة إنتفاضتنه وعراقية ! ) .. ثم أشاروا بأيديهم نحو الطريق العام حيث يتجمع الناس قائلين:
- هؤلاء الناس كلهم من جماهير الهارثة وهم أهل الإنتفاضة .. فما هي علاقتنا بالإيرانيين ؟ بعد ذلك قررت العودة إلى الموضوع الأساس في حواري معهم، فسألتهم:
- ماذا تريدون من الجيش ؟
- لا نريد شيئاً .. نحن أيضا عسكريون والجنود إخواننا.
ثم التفت لضابط الأمن أسأله:
هل كان هؤلاء مسلحين ؟
- كلا، لم يكن معهم سلاح ولكنهم حاولوا انتزاع السلاح من الجنود عنوة أو شرائه منهم ومن ثم مهاجمتنا !
قال أحد الشبان الأربعة مدافعاً عن مجموعته وكان ممتلئ الجسم:
- نحن كنا خارج المعسكر وجماعة الأمن اختطفونا من هناك.
فتدخل ضابط الأمن مقاطعا بدون إذن:
- "هذا يكذب وأعتقد أنه ضابط وقد مسكناه داخل المعسكر" كانت شخصية الشاب قيادية فتصوره ضابط الأمن بأنه ضابط، فنظرت إلى الشاب متسائلا عما إذا كان ضابطاً، فأجابني، نحن جميعا جنود .. هربنا من الكويت منذ بداية القصف الجوي وأشار إلى أحدهم قائلا: "هذا الشاب وصل اليوم" وكانت علامات الصلابة والثقة بالنفس تبدو عليه، ولما أصر ضابط الأمن على أنه ضابط،أجابه وبشيء من الإنفعال: (هاي الهارثة كلهه ما بيهه ضابط واحد ! )
أعادني هذا الكلام إلى أيام خلت وكشفت لي عن دلالات حديث سابق، (فقد كان لي زميل من أهالي ناحية الهارثة اسمه "علي" .. تعرفت عليه أثناء دراستي في قسم الإجتماع في الجامعة عام 1984 وكان يبدي لي المساعدة في تأمين المحاضرات وتهيئة مستلزمات الدراسة لأن التزاماتي ومشاغلي في الجيش كانت تحول دون انتظام حضوري في الكلية.
كنت التقيه أيام العطل في القسم الداخلي للطلاب في بغداد وأقضي برفقته ساعات وهناك تعرفت على "كاظم" القادم من القادسية و "ياسر" من ذي قار وتناولنا أحاديث وردت فيها حقائق ومضامين سياسية ... من بينها ما حدثوني به عن أنفسهم من انهم كانوا يرغبون دخول الكلية العسكرية أو كلية الأمن القومي أو كلية الشرطة، ولكنهم لم يقبلوا في أي من هذه الكليات رغم أن شروط القبول المعلنة * متوفرة فيهم، كاللياقة البدنية، معدلات النجاح، السمعة الجيدة، كما أنهم منتسبون إلى حزب البعث وينتمون إلى قبائل معروفة).
عندما ردد أحد شبان الإنتفاضة الأربعة قوله السابق "هاي الهارثة كلهه ما بيهه ضابط واحد"، أدركت معنى قوله وتذكرت حديث زملاء الدراسة .. ولكن علي أن أتصرف بما يتطلبه الموقف من حكمة ..
خاطبتهم قائلا:
- أنتم هاجمتم المعسكر، بينما مشكلتكم مع صدام حسين وهو في بغداد وليس هنا .. وهذا المعسكر نحن مسؤولون عنه ولا نسمح لأحد بالتجاوز عليه، اذهبوا وأخبروا الناس المحتشدين خارج المعسكر إننا سنعاقب كل من يدخل المعسكر منهم..! ثم أمرت بعد ذلك بإطلاق سراحهم.
كان حولي عناصر أمن وهؤلاء هم عيون النظام وأزلامه يبحثون عن كل صغيرة وكبيرة لتكون مادة لعملهم وينقلونها إلى مراجع أعلى، فكيف بمثل هذه الحالة التي تعني عدم تنفيذ أوامر قيادية شديدة صدرت تواً لمعالجة ما يمس أمن "الثورة والحزب ورأس النظام"؟ قال أحد عناصر الأمن:
- كيف يا سيدي ؟ إنهم مجرمون، دعنا نسلمهم إلى شعبة أمن الفيلق.
أجبته:
- إن هدفي هو تحذير هذه الحشود المتمردة، وإننا مصممون على استخدام العنف والقوة ولا يمكن أن نضعف وبذلك نتجنب مهاجمتنا على غفلة، ويبدو أن الشبان الأربعة كانوا قياديين ومن أكثر العناصر حماسا واندفاعا وسمعت في اليوم التالي أن أحدهم قد أعدم بعد إلقاء القبض عليه وهو يقوم بقيادة مجموعة ثانية للهجوم على شعبة أمن الفيلق الثالث.
وفي عصر اليوم نفسه، تكرر الهجوم على المعسكر وشارك فيه هذه المرة مجموعة من العوائل الجائعة وأطفال يبحثون عن كل ما يسد رمقهم وكانوا واثقين من أن النظام قد انهار وانه لا أثر للدولة إذ كانوا يقدرون معاناة الجنود والضباط التي عاشوها خلال حربين متتاليتين ولا بد أن يدفعهم ذلك إلى رغبة أكيدة في تغيير النظام المتسلط.
أخرجناهم مرة أخرى من المعسكر من دون استعمال أي سلاح ومن دون إطلاق رصاصة واحدة ولم يكن الوضع مستقراً في المعسكر لأن الأخطار بدأت تتصاعد وأصبح المعسكر هدفاً للجماهير المنتفضة. كنت أشعر أن هناك تحركاً كثيفاً يجري لتنفيذ هذا الهدف وأن أي حادث عفوي قد يؤدي الى كارثة، وكنت أخشى من حالة الانفعال عند أي ضابط أو جندي لأن ذلك قد ينتهي بتسجيل سابقة خطيرة، لا سمح الله، إن وقعت.
بعد خروجنا من المعسكر الساعة الرابعة عصراً في 2 آذار وفي الطريق إلى مقر الفيلق، شاهدنا تجمعات كبيرة وواسعة ولم يتعرض لنا أحد من أفرادها وكنا في ناقلات B.m.b1 وعددها أربعون ناقلة والمسافة حوالي 10 كم، وخشينا أن نكون هدفا للقناصة أو للـقاذفة (r.b.j7) إلا أننا تعرضنا بعد قليل من المسير إلى إطلاق رصاص ومن مسافات بعيدة، فلم يصب أحد منا.
على الطريق العام بصرة - عمارة، كان العشرات يهتفون وكانت الفوضى واضحة في الشعارات والتحركات ولم تكن هناك جماعة مسلحة موحدة. ويبدو أن الهدف كان غير موحد أيضا ولم تكن هناك قيادة عليا لهذه التحركات. فقد وقعت مجموعة عسكرية في أحد الكمائن وسرعان ما دب الخلاف بين أفراد هذه المجموعات في تقرير مصيرها إذ كان هناك من يدعو إلى ضرورة الاحتفاظ بهم إلى حين، وآخرون يتمسكون بإطلاق سراحهم فورا ونشب الخلاف والجدل بينهم حيث لم يملك أحد منهم حق إصدار الأوامر بمفرده.
على اثر اتساع الانتفاضة وانتشار أخبارها، بدأت ركائز النظام تسقط الواحدة تلو الأخرى وأخذ كل واحد منهم يحاول أن ينجو بنفسه والتحقت مجموعة من البعثيين بالانتفاضة خوفا من أن ينالهم عقاب على أيدي الثوار، في حين اعتقد المنتفضون أن سقوط النظام بات مسألة وقت فقط وأن فترة استمراره ستكون قصيرة، وأمام هذا التصاعد كانت الأنباء وبعض الإذاعات تتحدث عن انهيار النظام وعزم صدام وأزلامه على الرحيل إلى الجزائر حيث اعد له بيت وانه على وشك المغادرة ولم تكن الإذاعة العراقية قد عاودت البث بعد، ولذا لم يكن أحد يعلم ما كان يجري على أرض الواقع بصورة حقيقية، وقد تعطلت كل الخدمات، فلا ماء ولا كهرباء، ومما زاد في صعوبة الأمر معاناة أهل البصرة وقراها من شحة الماء المزمنة مما أرغم الناس على شرب ماء غير صالح للشرب.
لم نكن حين وصولنا إلى مقر الفيلق قادرين على التحرك شمالا أو جنوبا ولم نتمكن من التنقل إلى الضفة الثانية من النهر وكان الشعور نفسه يسود قيادة الفيلق ومن بقي من قيادة التنظيم الحزبي فقد كانوا مثل بقية العراقيين يتوقعون أن يسقط النظام بسرعة، لذلك بقوا في مقراتهم للدفاع عن أنفسهم فقط وكانوا يحاولون تهدئة الأمور قدر المستطاع.
عند الساعة السابعة مساءاً، وصل النقيب "مزاحم"، وهو واحد من الضباط المعوقين الذين تقرر في وقت سابق إبقائهم في المعسكر الدائم لمقر الفرقة في ناحية "النشوة" وعلمنا منه انه استطاع وبصحبة الجنود الهروب والتسلل من خلال بساتين النخيل التي تفصل المعسكر عن شط العرب وذلك بعد أن تمكن من إقناع صياد سمك بتأمين عبورهم.
وأخبرنا النقيب "مزاحم" أن أشخاصا ملثمين بدأوا بالتسلل إلى معسكرات الفرقة * للاستيلاء على الأسلحة وحين سألته عن السبب في عدم إلقاء القبض عليهم، أجابني: بأن وضع الحراسات لا يساعد، فعددهم قليل وغالبيتهم من المعوقين وقد ترك الحرس واجباتهم وتسربوا إلى أهلهم بعد وقف إطلاق النار.
ثم أردف النقيب "مزاحم" قائلا، أن أعدادا كبيرة من المتظاهرين هاجمت المعسكرات وهي تهتف ضد الدولة وتطالب بسقوط النظام وقامت بتهديم جدارية لصدام ومزقت جميع صوره، وأضاف: أن غالبيتهم كانوا مسلحين وسيطروا على مشاجب الأسلحة.
وقال: إن المتظاهرين لم يؤذوا أحدا وطلبوا من العسكريين أن يشاركوا في "الهوسات" ضد الحكومة واعترف النقيب "مزاحم" بمشاركته في جزء منها وقال لم يكن بينهم غرباء وان اغلبهم من الشباب الذين جاءوا من "الشلامجة" و"عتبة" و"الزريجي" و"النشوة" وكانت أعدادهم تزيد على الآلاف لكثافة السكان في هذه القرى ومن بين هؤلاء المتظاهرين جنود عائدون من جهة الكويت وأعداد كبيرة من طلاب المدارس ومجموعات من الشيوخ والنساء.
أعدنا السؤال عليه، هل كان يقودهم ويشترك معهم إيرانيون* ؟ فأجاب دون تردد: كلا، لا يوجد بينهم إيرانيون، وأضاف، انهم ليسوا بحاجة إلى تحريك من خارج الحدود حيث انهم متهيئون للأعمال "الغوغائية"، وعن الفوج الرابع الآلي ** الــذي عبر إلى الضفة الشرقية لشط العرب باتجاه ناحية التنومة، قال: عبر الفوج الضفة بسلام وبكامل عدده وبدأ يتنقل من الشلامجة شمالا باتجاه معسكره في ناحية النشوة وفي الطريق نشبت الأعمال الغوغائية وقد شارك عدد من ضباط الفوج وجنوده في "الهوسات" التي كان يطلقها المنتفضون لتأجيج المشاعر والعواطف ولجر أفراد الفوج للاشتراك معهم، وقد تعطلت أغلب عجلات الفوج المدرعة على الطريق بسبب نفاد كميات الوقود فيها، أما الأسلحة الخفيفة والأعتدة فقد استولى عليها المنتفضون، وبصورة إجمالية، فان كافة منتسبي الفوج قد تسربوا إلى أهاليهم ولا يوجد أحد منهم الآن!
وقد تعرضت معسكرات الفرقة الحادية عشرة والخامسة الآلية وقوات الحدود لنفس ما تعرض له معسكر فرقتنا وتشكيلاتها من إقتحامات بقصد الحصول على الأسلحة والأعتدة والمواد التموينية.
وأخر ما قاله "مزاحم": لقد ترك غالبية الجنود المعسكر وان المتظاهرين يحاصرون المقرات الآن، غير انه لم تقع اشتباكات مسلحة بين المهاجمين وجنود المعسكر.
في الساعة الثامنة مساء 2 آذار، توجهنا قائد الفرقة وأنا نحو مقر الفيلق وبعد وصولنا إلى هناك اتجهت نحو غرفة العمليات بينما اتجه قائد الفرقة نحو الجناح الخاص لقائد الفيلق (الفريق صلاح عبود) وبعد عشر دقائق عاد واخبرني بان قائد الفيلق والفريق سلطان هاشم، معاون رئيس الأركان للعمليات، سيذهبان غدا إلى صفوان ليمثلا العراق في المفاوضات التي ستجري مع دول التحالف والمطلوب تأمين سرية مشاة آلية لحمايتهم وقد أبلغ القائد آمر لواء المشاة الآلي / 25 العقيد الركن "محمد علي الجميلي" لتهيئة السرية على أن تكون جاهزة مع الضياء الأول ليوم 3 آذار 91.
لم تكن مهمة الجميلي سهلة، حيث يحتاج الأمر إلى "11" عجلة قتال "b.m.b1" في الوقت الذي لا تسمح الكفاءة الفنية وكميات الوقود المتوفرة بذلك فاكتفى بإرسال خمس عجلات وعشرين جنديا بأمرة ضابطين.

الجياع ... ومدخر التموين

من جانب آخر، استمر الثوار في تصعيد عملياتهم حيث هاجموا مدخر تموين "النشوة" في ناحية "الدير" واستولوا على كميات كبيرة من المواد الغذائية "كالطحين، الرز، السكر، الشاي والبقوليات الجافة"، والتي كانت مخصصة لتموين قطعات الفيلق الثالث.
في أثناء ذلك، صدرت الأوامر للفرقة السادسة بالحركة الفورية لمنع "المخربين" * من السيطرة على محتويات المدخر وتفتيش الناحية وفرض السيطرة الأمنية عليها.
في الساعة التاسعة صباح 3 آذار، تحركت الفرقة وهي تضم عشرين عجلة "b.m.b1"، وبضع دبابات، وكنت ضمن مجموعة القيادة إلى جانب القائد ومعنا آمري التشكيلات وفصيل الحماية.
في الساعة الحادية عشرة، وصلنا مركز الناحية وكان الوضع هادئا لا أثر فيه لأية أعمال تخريبية كما ابلغنا بذلك عند استلام المهمة، ولكن المدينة كانت في حالة إضراب، فقد تعطلت الأسواق والخدمات. بعدها توجهنا إلى المدخر وكان آمره ومجموعة حماية صغيرة في استقبالنا بعد أن كانوا قد اختفوا وتركوا الأهالي المدنيين يستولون على المحتويات وظلوا في مخابئهم ولم يخرجوا منها إلا بعد رؤيتهم طلائع القوة المدرعة تتقدم نحوهم.
قال "أبو ليث" آمر المدخر، وكان برتبة عقيد واصفا الهجوم:
((تجمع المئات من النساء والرجال والأطفال حول السياج وهم يحملون العصي والفؤوس وكان بعضهم يحمل بنادق كلاشنكوف ومسدسات وراحوا يهتفون ضد الرئيس وضد الحزب)) ولما استفسرت منه عن مطالبهم، قال: ((كانوا يريدون أن ينهبوا المدخر وقد هددوني بالقتل ولكني لم أستجب لهم.))
واستغربت مما جاء على لسان أبي ليث ثم سألته عن الطريقة التي دخلوا بها إلى المدخر؟ فقال ((انهم عبروا الأسيجة واقتحموا الأبواب وكسروا الأقفال)) واستطرد قائلا:
- (إن جنود الحماية، وهم في الأساس مجموعة من المعوقين، أطلقوا النار على المهاجمين والذين كانت أعدادهم كبيرة) وعلمت فيما بعد إن الحماية لم تستطع أن تفتح النار على المهاجمين بل اختفوا في البيوت المجاورة للمدخر) ولما كان هذا الأمر يعرضه حينها للمساءلة لأن الأوامر كانت تنص على إطلاق النار على المتظاهرين بلا تردد لذا فانه كان مضطرا لإعداد تلك القصة، ثم سألت "أبا ليث" بلهجة مازحة:
- كيف يسرق مدخر فيه مئات الأطنان من المواد الغذائية خلال ساعتين وقد جاءوا حفاة وبلا وسائل نقل ومخزن الرز وحده يحتوي على (40) طناً كما قلت لنا الأمر الذي يحتاج إلى (40) عجلة بيك أب أو عدة شاحنات ؟
ضحك .. بعد أن ارتسمت على ملامحه ما يدل على الحيرة والارتباك، وقال:
((كانوا جياعا وشاهدت نساءهم تحمل الواحدة منهن كيس رز على كتفها وتتجه مهرولة نحو دارها لتعود مرة ثانية خلال دقائق!))
قال الضابط الإداري للمدخر: انه ((شاهد إحداهن تحمل جهاز تكييف فوق رأسها وصبية يتولون أمر مخازن المعلبات والكارتونات الصغيرة)) *
كانت الجماهير المهاجمة من الفئات المسحوقة اقتصاديا وتعاني من شظف العيش وليس غريبا أن تكون نظرتهم إلى النظام بكليته نظرة كراهية إذ استأثر أزلامه بكل لوازم الرفاهية والعيش الرغيد في القصور الفارهة حيث كان كل من ينتسب إلى الزمرة الحاكمة يحوز ما يشاء من الممتلكات في حين كان الناس ينحدرون إلى قاع الفقر وليس من سائل عن حالهم. ولما قام صدام باحتلال الكويت، ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وبدأ العمل بنظام البطاقة التموينية والذي لايكاد يكفي العائلة لمدة عشرة أيام في حين استمر أعوان النظام بالتمتع بالثروات وإنفاق الأموال على هواهم دون أن يؤثر فيهم الوضع الجديد ولا بد لنا من ذكر، أن النظام ادخل عملية الفرهود في سياسته وطبقها فعلا في صورة مادة لمعاقبة من يخفون سلعا أو يتحايلون على "الشعبة الاقتصادية" التي تراقب التجارة والتابعة لدوائر الأمن العامة، فكان المخالف يحبس ثم يحدد يوم "لفرهدة" مخزنه وأمام عينيه، ويأتي الجلاوزة وأقاربهم من كل حدب وصوب في ساعة يتفقون عليها ويقومون بنهب محله التجاري باسم الدولة وتعليماتها!
بعد أن انهينا تفقد المدخر، خرجنا إلى الشارع العام قرب مديرية الناحية حيث وزعت القواطع على التشكيلات ووجهت إليهم أوامر بتفتيش المنطقة دون التعرض إلى البيوت.
كان دخول الفرقة المدرعة يعني استرداد النظام لمواقع عائدة للثوار، لكن ذلـك لم يعن بســـط السيطرة الكاملة عليها، فالمدينة لم تشهد أعمال عنف أو إطلاق نار وطريقة تنفيذ "الواجب" كانت مؤثرة كثيراً، حاول الجميع أن يشعروا الناس بالعطف والرحمة وان الأوامر الصادرة من بغداد لم يجر تنفيذها كما أراد النظام.

كابوس أم حقيقة ..؟

عندما كنا بالقرب من مركز الناحية بانتظار نتائج التفتيش، شاهدنا شابا يركض مسرعا ويتبعه عدد من الجنود وفي هذه الأثناء جاءنا عنصر من بقايا الأمن العام الذي كان وراء عملية الملاحقة قائلا:
- إن هذا الشاب كان يقود المتظاهرين *! حينها بادر قائد الفرقة وأرسل أحد جنود حمايته للتعرف على الموقف، فسار الأخير في الاتجاه الذي أشار إليه الأول وبعد مضي دقائق لا تتعدى العشر، جيء بجندي الحماية مصابا بطلق ناري في يده اليسرى وكانت الإصابة بسيطة بحيث لم تصل الرصاصة إلى العظم، لكن الحادثة كانت تعني اعتداءا وتحديا لان الفرقة غلب على تصرفها الهدوء والمسالمة ولم تطلق رصاصة واحدة على أحد وساد شعور بأنه لا بد من العثور على الجاني ورأى قائد الفرقة أن يستعين بمختار المنطقة للتعرف على الشخص، فهذا من اختصاصه، فأرسل أحد جنود الحماية لجلبه من بيته وقد وصل المختار بعد ساعة تقريبا،
ولما سلم علينا .. قال معتذرا:
- آسف، لم استطع الخروج من بيتي بسهولة، ليس اليوم فقط بل منذ أسبوعين لان أهل "الدير" يتهمونني بأنني جاسوس للحكومة *
رد عليه القائد مقاطعا كلامه :
- لا داعي لهذا الكلام، "أريد منك أن تأتي بالشخص الذي أطلق النار على الجندي". ثم أوعز إلى حمايته بمرافقته ليدلهم على الدار التي أطلقت منها النار وقبل أن يتحرك المختار وجماعة الحماية ورجل الأمن والجندي الجريح قال القائد موجها حديثه إلى المختار:
- إذا لم يعترف أهل الدار، لدينا أوامر بضربها بالدبابات !
ذهب المختار وجنود الحماية لجلب الشخص الذي أطلق النار على الجندي ولكنهم لم يجدوا في الدار سوى نساء وأطفال أكدوا لهم أن أولادهم في الجيش، فعاد المختار والحماية والجندي الجريح ليخبروا القائد بما جرى، ثم أردف المختار قائلاً:
- سيدي هذه العائلة معروفة ولا يوجد لديهم الآن رجل واحد يمكن أن يقوم بمثل هذا العمل وقد يكون "الأخ - وأشار بيده نحو الجندي "واهم" -، وقد تكون إطلاقة طائشة أصابته وربما هرب الفاعل باتجاه النهر (شط العرب).
هنا ظهر الانفعال على قائد الفرقة، الذي خاطبه قائلا: لا تتستر عليهم، أنا أريد الفاعل فورا وإذا لم تأت به سيكون أحد أولادك بديلا عنه، لديك نصف ساعة .. فرد عليه المختار بصوت منخفض :
- إنني في ورطة تماما .. "أهل المدينة يتهموننا بالتعاون مع الحكومة ضد الشعب ولا نستطيع الخروج من بيوتنا .. أنا عضو في حزب البعث وابني نصير متقدم في الحزب.. والجيش يتهمنا بالتواطؤ مع الأعداء .. هذه بلوى صبت على رؤوسنا".
ثم اخذ المختار أحد جنود الحماية واتجه للبحث عن الشخص الذي أطلق النار على الجندي ..
عاد بعد نصف ساعة وبرفقته شاب طويل يرتدي دشداشة بيضاء وجاكيت ازرق، مظهره وحركاته توحي بالحياء والتهذيب ولما وصل بادر قائلا:
- هذا ابني .. تفضلوا خذوه بدلا من الشاب الذي تطلبونه !
بدت على القائد علامات الإحراج وصمت للحظات قبل أن يرد بشيء واكتفى بالقول:
- سنضرب ابنك الآن !
اقتربت من ابن المختار الذي يعمل مدرسا في إحدى المدارس الثانوية وتحدثت معه عن الأحداث التي وقعت في الناحية خلال اليومين الماضيين، فقال:
- إن البعثيين يتعرضون لتهديدات بالقتل منذ بداية القصف الجوي لدول التحالف في 17 كانون الثاني، ولأن "والدي" مختار المنطقة وعضو في الحزب فقد تم التركيز على "عائلتنا" ووصلت الأمور إلى درجة أصبحنا فيها لا نفتح الباب الخارجي إلا بعد التأكد من هوية الطارق ولا نخرج من البيت بعد الضياء الأخير.
ورغبت في مزيد من الحديث عن المنظمة الحزبية وبقية الحزبيين البعثيين، فقال:
- انهم اختفوا تدريجيا، ذهبوا إلى المدن الأخرى خشية انتقام أهالي المنطقة منهم لأنهم يمثلون السلطة
وبعد لحظات من الصمت، سألته عما إذا كان الحزب قد أساء لأهالي المنطقة، فأجاب:
- "لا توجد إساءات متعمدة، بل ملاحقة للهاربين من الجيش ومطالبة الناس بالالتحاق بقواطع الجيش الشعبي، وملء بطاقات المعلومات وغيرها من الأعمال التي تتم بناءا على تعليمات تأتي من فوق ونحن ننفذ! وعلى أية حال، فان الحزب أصبح مكروهاً لدى الناس لأنه لم يعد جماهيريا كما كان الحال في السابق، كذلك الناس تكره الحكومة وصار الحزب جزءا منها.
كان تعاطف المختار مع أبناء مدينته واضحا وكانت طريقة كلامه تدل على تحاشيه التورط في مقتل ابن إحدى العوائل المعروفة فيها ولكن قائد الفرقة يجد نفسه مرغما على التشدد في تنفيذ الأوامر ويخشى أن توجه له تهمة التقاعس والتواطؤ خاصة والأمور لم تكن قد حسمت بعد، فالمؤشرات تتلاحق والنظام ما زال قائما.
كان قائد الفرقة على قناعة بأن المختار يعرف الفاعل ولكنه يخشى انتقام ذويه، لذا قرر حجز ابن المختار في مقر الفرقة حتى الساعة الثانية بعد الظهر وهدد بإطلاق النار على ذراعه اليسرى إذا لم يتم إحضار الشاب المطلوب، عند ذلك اقتيد ابن المختار إلى مقر القيادة.
كنت حينها أقف متأملاً الموقف عن كثب وأنظر باحترام وود إلى المختار وابنه، فهما رجلان محترمان ولم تصدر منهم إساءة لأبناء مدينتهم وأصبحا في وضع لا يحسدان عليه عندما تعرضا للمسائلة وحتى الإهانة تجسدت أمامي صورة مروعة عن النظام، فقد حول مجموعة كبيرة من الناس إلى شركاء له في سياسته بل إلى مؤسسة تعمل لصالحه وقارنت بين الوضع الذي انحدر إليه الحزب في نشاطه حيث اصبح مؤسسة أمنية خانعة للنظام وبين طموحات وتطلعات أولئك القادة البعثيين الذين كان إخلاصهم لمبادئ الحزب والأمة العربية سببا في أن يقضي عليهم صدام!
في الساعة الثانية بعد الظهر، جاء المختار إلى مقر الفيلق ومعه شاب نحيف يعلو بشرته اصفرار شديد وتوجه إلى قائد الفرقة قائلا: هذا هو الشاب المطلوب ! في هذه اللحظة طلب منه القائد أن يراجع نفسه وهل هو متأكد من ذلك أم أنه جلب الشاب لإنقاذ ابنه من العقاب ؟ فرد المختار قائلاً : إن هذا الشاب يعترف بما اقترفته يداه ورجا القائد أن يتأكد بنفسه من الشاب، ولما سؤل الشاب عن صحة ما جاء على لسان المختار أجاب قائلا: نعم، أنا الذي أطلقت الرصاص على الجندي!
كان المختار مرتبكا قلقا وعندما أُطلق سراح ابنه، سارع الخطى ليخرج من المأزق وقد تبادلت معهما للحظة خاطفة نظرات مشحونة بالقلق والتردد والحيرة.
أمر قائد الفرقة أفرادا من الحماية بوضع الشاب قرب الجدار ورفع ذراعه اليسرى إلى الأعلى لتنفيذ العقوبة التي ارتأاها، ولما تم وضع الشاب "وإعداده" على الصورة المطلوبة دخل بعض الجنود في مناقشة بينهم حول من سيقوم بإطلاق النار !
كم تمنيت أن أكون سارحا في خيال يحملني بعيدا عن هذا المشهد! ورددت مع نفسي،رباه، هل إن ما يجري أمامي حلم أم كابوس!!تبا لمثل هذا الواقع المؤلم ...ها نحن نتحول من قادة وضباط يحترمنا الجنود والناس إلى رجال لا يهمهم سوى إلحاق الظلم بالآخرين وإدانتهم دون دليل!
فيا لها من لعنة!
كنت أتابع ملامح الحيرة التي ارتسمت على وجه قائد الفرقة وحقيقة المأزق الذي دخل فيه، فهو متردد، إذ إن الأمور كانت غير محسومة لصالح الانتفاضة وان خوفه من الغــد يجبره علــى تنفيذ الأوامر القاسية ولو بشيء من المرونة.
في تلك اللحظة عزمت دون تردد أن افعل ما يمليه علي ضميري.. فاقتربت من الشاب وسألته بعطف ظاهر:
- هل أنت أطلقت النار حقا على الجندي ؟ -كنت أتوقع أن ينفي ذلك كي أتمكن من مساعدته - ولكنه أجابني بهدوء:
- نعم، أنا أطلقت الرصاص على الجندي، ولم يضغط عليّ المختار للاعتراف بذلك، بعد الذي سمعته من الشاب أصبح موقفي اكثر حراجة فاتجهت إلى قائد الفرقة الذي كان ينتظر ابتعادي عن الشاب ليصدر أمر الرمي وقلت له:
- ربما سنرتكب خطأ بحقه، فقد لا يكون هو الفاعل، وربما تصيب الرصاصة رأسه فتقتله، كما إن إصابة جندينا بسيطة !
طلب مني القائد أن أوضح قصدي، فأجبته بصوت خافت "نعفيه !" فوافق على الفور واصدر أمره بالعفو عن الشاب وكأنه كان ينتظر مثل هذه المشورة منذ حين!
شعرنا بارتياح كبير عندما أطلق سراح الشاب وشاهدناه يخرج مسرعا ليلحق بالمختار وابنه وكان لهذه الحادثة صدى حسن لدى الجنود القريبين منا الذين حضروا المشهد وعاشوا تفاصيل الحدث وسرعان ما انتشر الخبر بين كافة منتسبي الفرقة وكان له وقع كبير في النفوس.
مشاعر … مشتركة .. !

كانت تجمعنا مشاعر خفية بالحفاظ على الضبط العسكري للتشكيلات المنفذة دون القيام بارتكاب أعمال عنف ضد أهل "مدينة الدير" وكان شعورنا المشترك يتركز حول حقيقة تتلخص، بأننا لا يمكن أن نشارك في قتل شعبنا، فالجيش العراقي ذو تاريخ مشرف وعلاقته بالشعب كانت دوما حسنة وتعبر عن روابط تأريخية تمتد جذورها عميقا من الشمال إلى الجنوب حين يتذكر أبناء الجيش ما قدمه الأجداد من تضحيات من أجل نيل الاستقلال الوطني الناجز وطرد المستعمرين والآن هم أحفاد أولئك الأبطال الذين عمدوا استقلال الوطن بدمائهم الزكية، فهل يتنكرون للتاريخ الذي خط الأجداد صفحاته بالدم ؟ وهل ينسون مواقف الجيش الوطنية في تلاحمه مع الشعب في الوثبات والانتفاضات والثورات ؟ كان كل ذلك يذكرهم وبإلحاح بأنهم الفصيلة المسلحة للشعب وانهم الآن في موقف غير جدير بهم بل هم في "ورطة" حقيقية!
إذ، كيف يقدم الجيش على قتل أحفاد أولئك الرجال الذين جعلوا من العراق كياناً مستقلاً بين شعوب المنطقة في مطلع هذا القرن؟
كنا نتداول هذه العبارات مع بعضنا حين نلتقي وكان فيها ما يكفي من المعاني بعدم تنفيذ الأوامر المشددة الصادرة من بغداد والقاضية بقمع الانتفاضة بكل السبل والوسائل وكانت لغة العيون وسيلتنا في التعبير عن المشاعر الكامنة والأحاسيس المشتركة التي كانت تجمعنا في تلك اللحظات الصعبة. ولقد لمست عند انتشار الجنود في المدينة والقرى المطلوب تدميرها إن جميع منتسبي الفرقة يتعاطفون مع أهالي المدينة وقراها وسرعان ما أدرك الأهالي أن الفرقة التي وصلت إلى المدينة لا تنوي إيذاء الناس.
وفي الحقيقة، لم يحدث في المدينة ما يدعو إلى استخدام القوة، وكان كل ما حدث هو حرق وتحطيم لتماثيل وجداريات صدام ونهب "المدخر"، علما أن المدينة كانت تعيش في حالة حظر التجوال وإضراب غير معلنين
وعادت التشكيلات بعد أن أتمت واجبها في فرض الأمن والسيطرة على "الدير"، ليس بإطلاق النار أو هدم البيوت أو إعدام الناس عشوائيا بل من خلال استعراض للقوة وتظاهر محدود بالتشدد.
وفي الثانية بعد الظهر، ذهبت إلى مقر الفيلق حيث جناح القائد وكان اللواء الركن "صباح نوري العجيلي" رديفا * لقائد الفيلق الذي اختير عضوا في مفاوضات صفوان وجلس إلى جانبه العميد الركن "عبد المنعم سليمان" وكيل رئيس أركان الفيلق واللواء "فاضل الشيخلي" مدير صنف المخابرة.
كانت غرفة القائد مظلمة عند دخولي والقائد الرديف يتحدث بهدوئه المعروف مع ضيفه ورئيس أركانه، أديت التحية العسكرية وأبلغته بتنفيذ "الواجب والسيطرة" على "الدير" وتفقدنا المدخر وأردفت قائلا:
- الوضع هادئ هناك ولا يوجد ما يؤثر على الأمن.
أجابني بعد ان نطقت نظراته بعدم الرضا قائلا:
- لكنكم لم تنفذوا مثلما طلبنا منكم !
وشعرت بأن القائد الرديف سيقودني إلى إحراج، فتجاهلت كلماته وخرجت من الغرفة.

جثث تطفو .. !؟

في الممر المؤدي إلى جناح شعبة أمن الفيلق، شاهدت عشرات الجنود يجلسون القرفصاء وأيديهم فوق رؤوسهم وتحيط بهم عناصر مسلحة من أمن الفيلق بأمرة ضباط أمن يقفون على مقربة منهم وكأن هؤلاء الجنود مجرمو حرب أو لصوص أو خونة وليس من طريقة يعالجون بها إلا هذا الازدراء وهذه النهاية المعروفة سلفا بسلبهم رمق الحياة وإذا كانت عناصر الأمن المسلحة وضباط الأمن يستأسدون على أفراد عزل ضعاف أمامهم، فهل يتصورون أن في ذلك إعلاءاً لشأن الوطن وإكراما لمقاتلين بواسل عادوا من ساحة موت محقق! أم انهم يقومون بعملية بهرجة لصورة نظام سقط إلى الحضيض ويحاول انتشال نفسه بإخماد الأنفاس ليقف على جماجم وأشلاء أبناء شعب يأس وهو يسير من غير هدف وفق أوامر لم يمارسها حتى الشياطين في القصص الخرافية!
حينذاك استوقفني نداء استغاثة أطلقه ثلاثة من الجنود "سيدي .. سيدي"، وتابع أحدهم شارحا لي حالهم:
- "سيدي .. الله يخليك .. احنه من اللواء المدرع / 16، انسحبنه من الكويت مع اللواء ويتهمونه غوغاء" !
إن ما صدر من هذا الجندي ليس مما يضعه في موقف الدفاع عن نفسه، بل انه تقرير عن حالات بديهية لا تستحق هذا الغلو في الحقد والإذلال وهو يعلم أن ندائه هو صرخة ما قبل الموت وإنها مثل صرخة في واد ونفخة في رماد، بل ويعلم اكثر من ذلك، إن الجواب الذي سيأتيه من هذه العناصر هو "ولقد قضيت من الغريم ديوني" ورب سائل، يسأل، هل إن هذه الديون هي للجنود الذين خاضوا حرب الثمان سنوات ضد إيران ورسموا صور المعارك بتضحياتهم ولونوها بدمائهم وعادوا معوقين مدى الحياة، الجنود الذين سيقوا إلى الكويت ليقفوا حيارى أمام قوات التحالف الدولي لتنثرهم بعد حين في متاهـات الصحـارى وبطــون الوديان، أم أن هذه الديون ضد هؤلاء الجنود ولتحصيلها ينصّب الجاني نفسه حاكما يخيل إليه انه يحكم بالعدل والقسطاط بينما هو غارق في أوحال الجريمة !!!
كان هؤلاء الجنود الثلاثة يستنجدون بي حيث كنت آمر لوائهم السابق ورئيس أركان فرقتهم الحالي، فهم يعرفونني جيدا ووجوههم مألوفة عندي وقد ترك الخوف والرعب على ملامحهم آثارا لا تنسى وكأنهم في وادي الموت وها هم يمدون لي أياديهم أملا في انتشالهم.
نظرت إلى جماعة الأمن بحثا عن آمرهم الرائد " ....." وقلت له:
- هؤلاء الجنود الثلاثة من أبطال الفرقة المدرعة السادسة وقد انسحبوا مع تشكيلاتهم من الكويت، فما هي علاقتهم بالغوغاء ؟ يجب إطلاق سراحهم.
كان الرائد " ....... " لبقا، لكنه خبيث ودموي.. فأجابني:
- "سيدي ... تأمر أمر ... سنجري معهم تحقيقا بسيطا للتأكد من سلامة موقفهم ونطلق سراحهم بعد عرض الموضوع على السيد قائد الفيلق الذي سيعود بعد ساعات .. سيدي تدلل .. اطمئن عليهم"!
سرت بين الجنود موجة ارتياح وهم يسمعون كلمات ضابط الأمن فكبر في أعماقهم أمل في النجاة وتبادلوا النظرات وأشرقت على وجوههم ابتسامات مشوبة بالحذر، أما أنا، ففي قرارة نفسي كنت أرى في عبارات الرائد وكلماته التي تحمل التردد شيئا لا يتناسب مع واقع سيرته وسلوكه لأنه كان عندما يجيبني كأنه يقوم بتمثيل دور اسند إليه.
وفي الساعة العاشرة من تلك الليلة، سمعنا أصوات طلقات بنادق كلاشنكوف متقطعة تارة ومتواصلة أخرى مصدرها جناح الأمن، واستمرت هذه الطلقات عشر دقائق وظننت ذلك احتفالا بعودة قائد الفيلق من المفاوضات! وفي الصباح، وكانت الوساوس تسري في أوصالي عن حياة الجنود الثلاثة وأصوات الطلقات، أرسلت ضابط التوجيه السياسي الرائد (فرحان السلماني)، للاستفسار عن أوضاعهم، وحين عاد، كنت قد لمحت على وجهه غمامة حزن .. قال:
- اعدموا ... ! ليلة البارحة ... ! سيدي، ... وألقيت جثثهم في شط العرب!
ارتسمت في تلك اللحظة أمامي ملامح الجنود الثلاثة والوضعية التي كانوا فيها وهم يستنجدون بي لإنقاذهم وتأكدت ش**** عما كان يخفي الرائد * من نية وعزم على إعدامهم، ومع ذلك، كنت أتساءل عن الطريقة التي اعدموا بها، وهل تم إعدامهم بموافقة قائد الفيلق الذي عاد من صفوان توا ؟ ومع علمي انه كانت هناك صلاحيات لتنفيذ حكم الإعدام بأي مشتبه به دون الرجوع إلى المراتب العليا، إلا أن هذه الصلاحيات لم يستخدمها إلا نفر قليل جدا وهم يفعلون ذلك إما لأنهم كانوا خائفين من تقارير ترفع عنهم أو نفذوها بإلحاح مباشر من مسؤولي الأمن ولذلك كنت في قرارة نفسي اتهم ضابط الأمن الرائد " ... " في إعدام الجنود الثلاثة والعشرات غيرهم !
لقد كانت مكاتب الأمن هدفا مباشرا لثوار الانتفاضة والجنود الذين التحقوا بها لان هذه المكاتب إضافة إلى سوء تصرف منتسبيها وتدني أخلاقهم، كانت مراكز لجمع المعلومات عن الضباط والمراتب وقد استولى شباب الانتفاضة على هذه المكاتب ومزقوا بعض أضابيرها واحرقوا البعض الآخر وحملت الريح ما تبقى منها إلى مختلف الاتجاهات ووصلت بعض بقاياها إلى حدودنا الشرقية مع إيران وبعد أن تسربت المعلومات الموجودة في الأضابير بات كل منا يعرف ما كان مكتوبا عنه في التقارير وقد أصبحت محتوياتها مادة للحديث..
مرة، جاءني أحد الضباط يحمل ورقة ملطخة بالطين قطع أحد أطرافها وكتب على جانبها الأيسر العلوي عبارة "جهاز الأمن الخاص"، وكان واضحا أنها مرسلة إلى قيادة الفرقة المدرعة السادسة عام 1988 وتتضمن معلومات عني ..
قال لي الضابط الشاب:
- وجدتها على جانب الطريق العام، خارج الفرقة، عندما كنت أتمشى مساءا، فتبين لي كيف لجأ مسؤولو الأمن والتنظيم الحزبي إلى الكذب لإظهار إخلاصهم للنظام، فقد ادعوا انهم احرقوا محتويات المكتب أو ذاتية الشعبة قبل انسحابهم كلية وهم يرددون .. "إضبارة ... إضبارة .. هكذا اخبروني في البداية!

الفصل الثالث


صفوان ...مفاوضات الخيبة ..!؟ خيمة الاستسلام ... !
الحديث عن خيمة صفوان وما تم الاتفاق والتوقيع عليه داخلها بين الجانبين العراقي وجانب قوى التحالف يثير في نفوسنا، نحن العسكريين العراقيين بصورة خاصة ونفوس أبناء الشعب بصورة عامة، مشاعر حزن دفين ممزوج بألم مرير ... ستظل "خيمة صفوان" تحكي للأجيال القادمة "قصة ضياع الوطن والتنازل عن الكبرياء الوطني وتمزيق الهوية الوطنية"!
لم تكن هي خيمة عادية للإيواء، بل انتصبت وهي تصرخ بأعلى صوتها إنها شاهدة على الاستسلام وإنها ستظل رمزا للانكسار والهزيمة التي مني بها النظام عسكريا وسياسيا.
فعندما وصل مفاوضونا إلى صفوان، كانت تقرع في أعماقنا أجراس الإحباط والشعور بالمذلة، وإذا كان عمر تلك الخيمة في حساب الزمن لحظات، فإنها في حساب التاريخ الوطني المتاهة التي لا عودة بعدها للتحدث باسم الشعب والوطن وجيشهما، ما لم يتم التكفير عما ارتكب من مسلسل كبير لإذلال الشعب ولتمزيق متعمد ومقصود لاوصاله، وذلك بإزاحة الطغمة التي كانت وراء ما حدث من خلال تفعيل وتائر العمل الشامل للقوى الوطنية كافة.
أحسسنا في تلك اللحظات أن صرخة مكبوتة تعج في أعماقنا .. كيف انطلت علينا هذه الأكذوبة الكبيرة ! ترى، هل أنه تأنيب الضمير ؟ ماذا كان يدور في خلد مفاوضينا وهم يحثون الخطى للدخول إلى الخيمة؟ أليس غير الإحساس المر بالانكسار والهوان حتى انعكس ذلك على ملامح وجوههم ! وكنا نحن الضباط نشاركهم الهموم التي تسبق وقوع المأساة، والمأساة هنا هي التوقيع على وثيقة العار من اجل بقاء الحاكم على كرسيه لان همه الوحيد الاحتفاظ بالسلطة، أما الشعب والوطن وكرامة الجيش، فهي كلمات لا تعني غير أن يستعملها "مطية" لتحقيق طموحاته بكرسي الحكم.
وعندما شعر رأس النظام بالخناق يطبق عليه من قبل قوى التحالف، أصدر أمره الى المفاوضين بقبول كل شيء والتوقيع على كل شيء ما دام ذلك يضمن استمرارية نظامه، وعندئذ لم يجد المفاوضان سلطان وصلاح إلا التوقيع على وثيقة الذل والهزيمة، وبعدها غادرا الخيمة ولم يجرؤا على النظر في عيون الضباط والجنود العراقيين لشعورهما المؤلم بفقدان الهيبة والاعتزاز بعد توقيعهما على تلك الوثيقة في الخيمة سيئة الصيت.
ولكن لنتابع ماذا حدث ... تناقل الجميع تساؤلات كثيرة ... كان هناك من يدرك أبعاد الاستسلام وما سيترتب عليه من فقدان العراق لسيادته الوطنية وضياع كل شيء وهذا ما حدث بالضبط ... فالضباط والجنود يتهامسون فيما بينهم .. والتعليقات هنا وهناك وأقلها (لبسهه صدام براسهم)، أي، (الوفد المفاوض) وسوف يتخلص منهم بعد انجلاء الموقف وإسدال الستار على طريقة الثاليوم * أو حوادث الطرق ومن التساؤلات التي كانت تطرح تعليقا على الحالة الماثلة هي، كيف سيواجه الوفد العراقي المفاوض الوفد المفاوض لدول التحالف ؟ وماذا سيناقشون؟ وهل لديهم الإمكانية على غير القبول بكل شيء ؟ ... صدرت تعليقات كثيرة من الضباط بشأن إجابات معروفة مقدما، وعلى اثر مكالمة هاتفية استلمها الفريق صلاح عبود من بغداد، انتشرت تأويلات تفيد بأن "صدام" طلب من مفاوضيه: أن يبصموا (على بياض) ولا يدخلوا في أية مناقشة حادة مع وفد التحالف، وان يوافقوا على كل الشروط المثبتة في وثيقة التفاوض ... المهم أن يخف ضغط الحلفاء على النظام! كان سلطان وصلاح يتمتعان بسمعة طيبة داخل القوات المسلحة وكنت أشعر أنهما لا يستحقان أن يتورطا في مشروع الخيمة لينالا هذا الإذلال الذي سيواجهانه في المفاوضات وما سيترتب على ذلك من إهانة للشعب والوطن والجيش وقد أيدني في هذا الرأي بعض الضباط الذين كنت أثق بهم وكنت أقول: كان من المفروض أن يتم تشكيل الوفد المفاوض إلى خيمة صفوان من الجنرالات المزيفين،•• أمثال: الفريق الأول الركن "عزة الدوري" الذي كان له دور في اجتياح الكويت، والفريق الأول الركن، "علي حسن المجيد التكريتي"، سارق الكويت وحارق آبار نفطها، والفريق الأول الركن "حسين كامل حسن المجيد التكريتي وقائد الفيلق الثامن الإعلامي ..!!• "لطيف نصيف جاسم الدليمي"، بطل التصريحات الإعلامية الرنانة قبيل الحرب، واللواء "عبد الجبار محسن"، صائغ البيان الخاص عن الانتصار المزعوم في خيمة صفوان !
قبل أن يعود الوفد المفاوض ليلة 3/4 آذار 91، كانت الأحاديث تدور حول دهشة واستغراب وفد التحالف من الموافقات الجاهزة والتواقيع المتسارعة من جانب الوفد العراقي حتى قبل قراءة الوثيقة والإطلاع على مضمونها تنفيذا لتعليمات صدام التي نصت على أن يكون الموقف بهذه الصورة، مما حدا بالفريق "خالد بن سلطان" إلى أن يقول في كتابه "مقاتل من الصحراء": "بدا واضحا من البداية أن الوفد العراقي كانت لديه تعليمات بأن يكون لين الجانب في المفاوضات إذ كان صدام حريصا على التخلص من الضغط العسكري لقوات التحالف بأسرع وقت ممكن وقد أشار الفريق "خالد" إلى قول الفريق "سلطان هاشم" في بداية الاجتماع بأنه مخول بالعمل على جعل الاجتماع ناجحا يسوده جو من التعاون.*"
عاد الفريق صلاح عبود إلى مقر الفيلق، في حين ذهب الفريق سلطان إلى بغداد، بعد الانتهاء من مهمة التفاوض ترافقه حماية مشددة وحينها بدأ الفريق صلاح يتحدث إلى الأشخاص المقربين منه في مقر الفيلق مظهرا إعجابه بشخصية شوارتزكوف وكيف أنه بادرهم بأداء التحية وعبارات المجاملة وتحدث كذلك عن أمور أخرى جرت في المفاوضات تم بموجبها تثبيت وقف إطلاق النار والبدء بانسحاب قوات التحالف.
كان حديث الفريق صلاح عاماً، لم يتطرق خلاله إلى تفاصيل ويبدو انه كان ينتظر وصول الفريق سلطان إلى بغداد ومن هناك تأتيه التوجيهات عن كيفية التحدث وماذا يعلن وماذا يخفي من أمور. ولكن الملاحظ بعد ذلك، إن نبرة صوته بدأت تتغير وبدأ يردد عبارة "حفظه الله" التي اختفت من أحاديثه في الأيام الماضية وكان في هذا ما يشير إلى أن أمورا أخرى حدثت في المفاوضات، فقبل ذهابه كان قد اعتزل في مقره لا يحرك ساكنا ولم يصدر أمرا جديا واضحا وكان يغلب عليه التردد والارتباك.
فوجئنا في الأيام التالية بأوامر جديدة باستعمال القوة والعنف وتدمير قرى "المعدان"،* تلك القرى التي خرجت منها المظاهرات وشاركت في الانتفاضة مشاركة فعالة وبدأ الفريق صلاح يصدر أوامره إلى القادة والآمرين والجنود مباشرة وفي الهواء الطلق بعيدا عن غرف الحركات والدوائر وقد زالت عن صوته نبرة التردد والارتباك والخوف ! .. إذ خاطب قائد الفرقة المدرعة السادسة وبحضور عدد من ضباط الركن وجمع من الجنود:
- هذه القرى، يجب أن تدمر! تحرق وتمسح من على الأرض !
كان هذا الأمر الذي أصدره الفريق صلاح إعلانا عن أوامر النظام التي تم استلامها مؤخرا وهي تتضمن:
أ- فتح النار فورا على أي تجمع أو تظاهرة معادية.
ب- تدمير أي دار تطلق منها رصاصة واحدة وتعالج بنيران الدبابات والقذائف ومن ثم تهدم بواسطة الشفل.
ج- تدمير القرى التي ينطلق منها نشاط معارض مسلح.
د- تنفذ الأوامر من قبل الجميع مباشرة، كافة الوحدات والمفاصل دون الرجوع إلى المرجع ولحد مستوى الجنود.
ثم عقد اجتماع في مقر الفيلق لقادة الفرق والتشكيلات ووضعت خطط للطوارئ والهجوم المقابل إذ بدا كثير من الضباط والجنود المختفين هنا وهناك يظهرون من جديد.

الأجواء… تتغير ..!

تغير الموقف جزئيا بعد يوم "6" آذار عندما التحق الحزبيون القياديون بمقراتهم، ففي ذلك اليوم، اتصل "عبد الرحمن الدوري"، مسؤول فرع البصرة العسكري، مستفسرا عن تواجد أعضاء قيادة الفرع وكان عددهم يصل إلى (13) عضوا ولم يكن موجودا سوى واحد منهم فقط، أما الباقون فكانوا بعيدين عن مواقع تنظيمهم وفي مدن أخرى ولكنهم حضروا خلال (48) ساعة، فزال الخمول عن مقر الفيلق بعد أن كان السكون يخيم عليه واتضحت الأمور أكثر بعد أن عادت ركائز السلطة إلى الوجود وجمع الحزب أشتاته وظهرت لأول مرة الطائرات السمتية الحكومية محلقة في سماء الجنوب بعد اختفائها بضعة أشهر لتبدأ عمليات الملاحقة والانقضاض على مراكز الانتفاضة في الجنوب.
يقول الفريق الركن، "خالد بن سلطان"، * "تولد لدي شعور بان الولايات المتحدة لم تكن تسعى إلى الحصول على استسلام عراقي رسمي، أو ترى ذلك أمرا غير مناسب، لذا لا يسعني سوى تخمين أسباب هذا التوجه إلى:"
أ- ترجيح الإدارة الأمريكية أن صدام لن يبقى في الحكم بعد أن تعرض لكل تلك المهانة والعقاب وان شعبه سيطيح به لا محالة.
ب- العمل على التئام جراح الحرب بما يتفق والنظام العالمي الجديد الذي كانت واشنطن تأمل أن يتمخض عنه ذلك الصراع.
ج- ربما ارتأت الإدارة الأمريكية أيضا أن تبقي على العراق كقوة يمكنه الدفاع عن نفسه ويكون له ثقل إقليمي مواز لإيران.
ومن جهة أخرى، قد يكون هناك تفسير أبسط لذلك المسلك الأمريكي وهو أن الحرب قد وضعت أوزارها ولم تعد هناك حماسة لمواصلة القتال والذي سيثير الرأي العام العالمي، كما أن خسائر التحالف لا تكاد تذكر، وكأن لسان حال الأمريكيين والبريطانيين يقول "يكفي ما حدث، ولا ضرورة لخسائر أكثر، فلنجمع شتات الأمر، ونسرع بالرحيل".
يضيف الفريق خالد قائلا، "كنت أعلم أن التقدم إلى بغداد لم يكن أمرا واردا على الإطلاق ولم يطرح مثل هذا الموضوع للنقاش وأن هذا الأمر كان مرفوضا من كل الدول العربية في التحالف وهو بالتأكيد أمر غير قابل للنقاش من جانب المملكة ويلقى المعارضة كل المعارضة"، ويضيف .. "كان عدم وجود وثيقة رسمية للاستسلام أمرا مخيبا للآمال، فقد كان من شأن تلك الوثيقة أن تساعد على الإطاحة بصدام"، ويضيف أيضا، "لم يكن أحد يتوقع حدوث التمرد ضد صدام سواء في جنوب البلاد أو شمالها، وبالمثل لم يكن أحد ليتصور الأسلوب الوحشي الذي تم به القضاء على التمرد".
كان ظهور السمتيات محلقة في الأجواء بعد يوم 6 آذار، حدثا مهما ومؤشرا واضحا حول الموقف الدولي من الانتفاضة وتحديدا من قبل دول التحالف الغربية ودول الخليج العربي بالذات .. هكذا كان رأي العسكريين العراقيين من القادة والضباط والجنود على أقل تقدير وهذا هو سر التغير الذي ظهر في لهجة بغداد. وسأل الفريق سلطان هاشم الجنرال شوارتزكوف فيما إذا كان الحلفاء يسمحون للطائرات العمودية العراقية بالتحليق في سماء البلاد لان الطرق والجسور قد دمرت وهناك حاجة ماسة إلى نقل بعض المسؤولين الحكوميين وغيرهم من مكان إلى آخر.
فأجابه شوارتزكوف قائلا: (ما دامت تلك الطائرات لن تحلق فوق مواقعنا فلا مانع من ذلك على الإطلاق.. سنسمح بتحليق الطائرات فقط، دون المقاتلات أو القاذفات).
قال الفريق سلطان: (إذن، أنت تعني أن الطائرات العمودية المسلحة يمكنها أن تطير في سماء العراق، وليس المقاتلات ؟ لأن الطائرات العمودية تؤدي الغرض نفسه أي تنقل أشخاصا أو ...).
قاطعه شوارتزكوف قائلاً: (نعم .. سأصدر تعليماتي إلى قواتنا الجوية بأن لا تطلق النار على أية طائرة عمودية تحلق فوق العراق فيما عدا المنطقة التي نتمركز فيها نحن، أما إذا كانت تحلق فوق المنطقة التي تحتلها قواتنا، فمن الأفضل ألا تكون مسلحة، وان تحمل علامات مميزة "برتقالية اللون" على جانبيها كأجراء أمني إضافي).
ويضيف الفريق "خالد" ... قائلاً:
- وبينما كانت الجلسة توشك أن تنتهي ودون أن يثير الفريق سلطان تلك النقطة مرة أخرى كرر شوارتزكوف تعهده الذي قطعه على نفسه قائلا: (من جانبنا لن نهاجم أية طائرة عمودية داخل العراق)، و (لعل شوارتزكوف قد تأثر بالجو الودي للمفاوضات، فشعر بأن النظام العراقي يستحق أن يمنح تنازلا مكافأة له على موقفه في خيمة صفوان بعد أن لمس تعاونه في كل القضايا الأخرى).
حول هذا الموضوع تحدث الجنرال شوارتزكوف في مذكراته * قائلاً: (وألان بعد أن غطينا النقاط الرئيسية التي يريدها التحالف، سألت الفريق سلطان هاشم أن كان لديه مسائل أخرى يود بحثها.
قال سلطان: "لدينا نقطة واحدة، وهي إنكم تعرفون وضع طرقنا وجسورنا ووسائل اتصالاتنا"، مذكرا بالأضرار الهائلة التي أنزلها القصف "نود أن نرسل الهليوكوبترات لنقل المسؤولين الحكوميين في المناطق التي دمرت فيها الطرق والجسور ولا علاقة لهذا الأمر بخط الجبهة فهو محصور داخل العراق)..
وعلق شوارتزكوف قائلابدا لي ذلك طلبا مشروعا، وبما أن العراقيين قبلوا كل طلباتنا، فلم أر في الموافقة على مطلب واحد من مطالبهم أمرا خارج عن المعقول فوافقت على أن تسجل، وهو أن باستطاعة الهليوكوبترات العراقية التحليق وهذا لا يشمل المقاتلات ولا القاذفات. بعد ذلك طرح سلطان نقطة كان ينبغي أن تستوقفني وهي، إذن، أنت تعني أنه حتى الهليوكوبترات المسلحة تستطيع التحليق في الأجواء العراقية وليس المقاتلات لان الهليوكوبترات واحدة وهي تنقل شخصا ما. (نعم سأوعز إلى القوة الجوية بعدم إسقاط أي طائرة هليوكوبتر تحلق فوق الأراضي العراقية). وفي الأسابيع التالية اكتشفنا ان الهدف من وراء استخدام الهليوكوبترات القتالية إنما كان لقمع الانتفاضات في البصرة والمدن الأخرى وفي ذلك الوقت، اصبح البت في الأمر متروكا للبيت الأبيض كي يقرر إلى أي حد ترغب الولايات المتحدة التدخل فيالشؤون السياسية الداخلية للعراق حيث لم يكن ذلك ليغير من الأمور كثيرا، فدبابات ومدفعيات "24" فرقة عراقية لم تدخل منطقة الحرب الكويتية فكان لها الأثر المدمر على الثائرين، وبعد بضعة سنوات قال الجنرال شوارتزكوف *: (لقد خدعت ... اعترف أني خدعت عندما أعطيت الموافقة وأعتقد أن ذلك كان حتما غلط.).
سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن، "الأمير بندر بن سلطان" وهو الشخصية السياسية التي لعبت دورا بارزا في الدبلوماسية السعودية قبل وخلال الحرب، قال معلقا حول الموضوع ذاته، (كان المفروض أن لا نسمح بطيران السمتيات العراقية، ولنفرض أننا أخطأنا عندما وافقنا، فقد كان المفروض أن نتراجع عن الموافقة في اليوم التالي ونمنع طيرانها أو إسقاطها .. لا تسألني لماذا لم يحدث ذلك، بل نتركه للتأريخ يصدر حكمه عليه !)
كان لمفاوضات صفوان وما تمخض عنها من سماح للطائرات السمتية العراقية بالاستخدام القتالي تأثير سلبي كبير على سير الانتفاضة وقد بدا ذلك واضحا على معنويات القوات المسلحة التي كانت تنتظر وضعا ضاغطا أكثر على النظام، أما المنتفضون فقد أصيبوا بخيبة أمل كبيرة بل بطعنة قوية في الظهر، فهم كانوا ينتظرون الإسناد الدولي لثورتهم، فجاءت المفاوضات بالمؤشرات التالية:
أ- المباشرة بالتفاوض تعني وقف العمليات الحربية ضد النظام، وان الكثير من المعنيين يرون أن المفاوضات ذاتها هي مؤشر على أن الحلفاء وصلوا حدودا لا يريدون أن يتجاوزوها على كل المستويات، لأن تجاوزها يلحق الضرر بنظام صدام ويرفع آخر حجر يدعم هيكله وان قبول التفاوض معه يعني ضمنا أن صدام حسين باق في الحكم ولو إلى حين.
ب- ظهور الطائرات السمتية في الأجواء فوق القطعات العسكرية والسكان المدنيين أعطى مؤشرا إضافيا على بقاء النظام واستعادته لأنفاسه تدريجيا وهنا بدأت معنويات المنتفضين والمساندين لهم بالتراجع.
ج- ما نتج عن المفاوضات كان مؤشرا واضحا على أن الموقف الدولي لم يكن مساندا للانتفاضة، إن لم يكن ضدها وفي ذلك إشارة إلى دور الدول العربية المجاورة للعراق.
أما بخصوص الطائرات السمتية * والموافقة على طيرانها في أجواء العراق وهل كانت خدعة كما يقول الجنرال شوارتزكوف ؟
فيمكن التعليق: لم يكن الجنرال شوارتزكوف مخدوعا في هذه القضية مثلما لم يكن الفريق سلطان هاشم مخادعا، بل كان طلبه مشروعا، فهو بحاجة إلى طائرات سمتية تؤمن النقل وإعادة السيطرة على القوات والطرق والجسور التي كانت معطلة فعلا والمتيسر من الطائرات السمتية العراقية كان من النوع المسلح برشاشات خفيفة وهناك أنواع ترمي صواريخ ضد الدروع ولا أعتقد أن الفريق سلطان كان يضمر خطة لاستخدام السمتيات المسلحة ضد الشعب الثائر في الجنوب والشمال، فالرجل معروف باتزانه وموضوعيته.. ! ولكنه بالتأكيد حقق مكسبا عسكريا وسياسيا لقيادة النظام، استثمر ضد الجماهير الثائرة.
وكان الجانب المعنوي والسياسي لهذا الاستثمار قويا يفوق كثيرا ما تحقق من استخدام الجانب القتالي والتسليحي الفني للطائرات السمتية .. بينما كانت تقارير الاستخبارات التي تلقتها القيادة المركزية والتي أشار إليها الجنرال شوارتزكوف قد ركزت على الجانب الفني من الاستخدام القتالي، وأهملت الجانب المهم وهو السياسي والمعنوي، فعبارة "السماح للحكومة العراقية باستخدام الطائرات السمتية المسلحة ضمن أجوائها" في وقت كانت الانتفاضة الشعبية في دور النهوض، تحمل كثيرا من المؤشرات السياسية التي تفسر لصالح النظام والتي تعني رغبة دول التحالف ومن ضمنها الدول العربية المشاركة فيه في بقاء صدام حسين على رأس الحكم ولو إلى فترة معينة.
وهذا ما يفسر لنا عدم تراجع قيادة التحالف الدولي عن موافقتها في السماح للطيران العراقي السمتي المقاتل بالتحليق في أجواء البلاد، رغم مشاهدتهم المباشرة لأعماله القتالية ضد الشعب المنتفض في الجنوب والشمال وخلافا لما طرح في حينه من مبررات إدارية وإنسانية للحصول على الموافقة.
إن محاولة النظام في استعادة وضعه السابق لم يقدر لها أن تتم لو بقيت الأحداث تأخذ مجراها الطبيعي الذي قامت من أجله، فالانتفاضة كما قلنا كانت تنتشر بسرعة فائقة هددت النظام بالانهيار والكفة الراجحة كانت للثوار لكن النظام قرأ وتلقى ردود فعل الحلفاء الأمريكيين والعرب على الأخص تجاه الانتفاضة، فبدأ يتصدى لها بعد أن كان على وشك الانهيار وقد استولى الذعر على رموز النظام وتنظيماته الحزبية وأصبحت تحمي نفسها أحيانا بانضمامها إلى صفوف المنتفضين وتعلن معاداتها له.
كان البعض من الضباط والجنود يتحدثون عن وقوف أطراف ونظم عربية مجاورة للعراق وراء المفاوضات في صفوان وقرار وقف إطلاق النار لان صور الأقمار الصناعية كانت تظهر الانتفاضة وحجمها وهياج الناس وان المتظاهرين يحملون صورا قيل إنها صور "الخميني"، بينما كانت في الحقيقة صور للسيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق .

تحديد المسؤوليات

في الفترة من 6-15 آذار 1991، نفُّذت أعنف الهجمات المسلحة وارتكبت ابشع الجرائم بحق شعبنا في المحافظات الجنوبية والوسطى بقصد إعادة السيطرة عليها وما سمي في حينه بعمليات "التطهير" التي بدأت من البصرة أولا ثم امتدت إلى بقية المحافظات صعودا نحو الشمال وقد تم تقسيم المحافظة إلى قاطعين لأغراض العمليات وتخصيص القوات ومستلزمات القيادة والسيطرة. كان القاطع الأول من مسؤولية الفيلق الثاني الذي شملت مسؤوليته مدينة "البصرة وضواحيها وحتى ناحية "الهارثة" جنوبا خارج أما القيادة والسيطرة والفرق العسكرية المشتركة فكانت كما في الجدول أدناه:
القـــاطع الأول
جدول رقم (1)
ت القيادة القائد الملاحظات
1 قيادة الفيلق الثاني اللواء الركن إبراهيم عبد الستار التكريتي عمل الفيلق بتوجيه مباشر من قبل علي حسن المجيد، وكان التنفيذ متفاوتا في جديته من قائد فرقة إلى آخر ... كان اللواء إبراهيم مخلصا من وجهة نظر علي حسن المجيد ولذلك عين فيما بعد قائدا للحرس الجمهوري.

ت القيادة القائد الملاحظات
2 3 4 الفرقة الآلية / 51 الفرقة المدرعة / 17 الفرقة المدرعة /10 اللواء الركن سيف الدين فليح الراوي العميد الركن سليمان يوسف التكريتي رئيس أركان الفرقة اللواء الركن وضاح ثامر اسماعيل الشاوي العميد الركن نظام طه محمد التكريتي، رئيس الأركان العميد الركن أحمد عبد الكريم حمدي الراوي لم تتعرض الفرقة الى قصف كثيف في الكويت وانسحبت بسلام، لذا كانت نشطة في قمع الانتفاضة وربما كان أدائها اكثر فاعلية من بعض وحدات الحرس الجمهوري وكان لقائدها ورئيس أركانها دور في ذلك. الفرقة عملت في قاطع الزبير وتم إلغائها في نيسان 1991 واحيل قائدها الى دائرة المحاربين ونفذ به حكم الإعدام في 1995 لاتهامه بالتآمر. ونقل رئيس الاركان الى دائرة العمليات في رئاسة أركان الجيش. لم يكن أداء الفرقة مرضيا، وأحيل قائدها إلى المحكمة العسكرية الخاصة التي قررت براءته وعين مديرا للتطوير القتالي وأحيل الى دائرة المحاربين عام 1993.

ت القيادة القائد الملاحظات
5 6 7 8 الفرقة المدرعة / 52 فرقة المشاة / 28 فرقة المشاة /37 قوات حمورابي الحرس الجمهوري العميد الركن صكبان تركي المطلك الدايني العميد الركن حمود حماد البشار الشمري العميد الركن رشيد سنجار الجبوري اللواء الركن قيس عبد الرزاق محمد جواد الاعظمي لم يكن أداء الفرقة مرضيا في البصرة واتهم قائدها بالتساهل مع شباب الانتفاضة وأحيل إلى محكمة خاصة أصدرت حكما ضده ثم شملته بالعفو وأطلق سراحه وأحيل على التقاعد عام 1992. اشتركت الفرقة في قمع الانتفاضة في الحيانية وضواحي البصرة. لم يؤشر على العميد الركن حمود حماد شخصياً مواقف سلبية ضد المواطنين. وهي من الفرق التي لم تتكبد خسائر كبيرة خلال الحرب حيث أنها كانت في قاطع الفاو واشتركت في قمع الانتفاضة في مركز مدينة البصرة .. والمعروف عن الفرقة "أنها كانت مهتمة بالسرقة والفرهود والاستحواذ على أموال المواطنين .. أكثر من اهتمامها بالايذاء والقتل لم يمنح قائدها منصباً أعلى وأحيل إلى دائرة المحاربين عام 1994. كان ارتباطها بقيادة الحرس الجمهوري وتعمل بإشراف علي حسن المجيد ولها دور فعال في قمع الانتفاضة في البصرة وفي تنفيذ عملية الالتفاف من جسر القرنة شرقا والاتجاه جنوبا نحو السيبة والشلامجة يوم 15 آذار 91. لم يؤشر على قيس سلوك عدواني ضد المواطنين وان قامت بعض الوحدات المرتبطة بقيادته بتنفيذ جرائم بشعة في نواحي القرنة والسويب والهارثة والبصرة. عين قائدا للفيلق الثاني ولكنه سرعان ما تعرض لاعتداء شخصي من قبل أفراد العائلة الحاكمة ونقل إلى دائرة المحاربين عام 93 ثم أعيد عام 1995 ثم أحيل على التقاعد.
دم وأشلاء ومقابر .. !؟

كنا نترصد أخبار الوضع في البصرة، حيث كان الفيلق الثاني يشن هجوما شرسا على مواقع الثوار، من الضباط القادمين من البصرة الذين بقوا هناك منذ يوم الانسحاب ينتظرون مصير النظام، وبعد خيمة صفوان والتحولات التي جرت، بدأ هؤلاء يلتحقون بوحداتهم ويتسللون بمختلف الطرق حتى يثبتوا حضورهم .. لقد سالت الدماء بغزارة في هذه المدينة البطلة ذات الأمجاد، إذ كان الهجوم على مواقع الانتفاضة فيها شديدا وكانت تقابله مقاومة عنيفة من جانب الثوار على الرغم من اليأس الذي بدأ يتسرب إليهم.
اتخذ "علي حسن المجيد" من ساحة "سعد"، التي تقع في مدخل البصرة موقعا لنشاطه وكان يوجه الأوامر بالإعدام ويقوم بقتل الناس بنفسه ويؤكد على إنزال حمم النار على المناطق السكنية التي ظلت تقاوم وتتصدى للهجوم عليها، فكان يجمع العشرات من الشباب والرجال ويصفهم إلى حائط إحدى المدارس في مدينة "الحيانية" ثم يقوم هو أولا بإطلاق النار عليهم ويستمر الذين معه بتنفيذ عمليات الإعدام الجماعية والتي كانت تنفذ على شكل "وجبات". وما أن ينتهوا من إعدام وجبة حتى تبدأ المجموعة المتخصصة بتقديم الوجبة التالية وتقوم الجرافات بنقل الجثث إلى منطقة مفتوحة قريبة والدماء تسيل ولا يعلم من هو الميت أو من هو الجريح! هذه هي واحدة من المقابر الجماعية التي ميزت "الهجوم المقابل" كما رواها شهود عيان في حينه وقد صورها النظام بـ "عمليات التطهير" لأغراض الردع زاعماً أنها بطولات يفتخر بها وفق نمط قيم النظام وأزلامه وقد شوهدت هذه العمليات في أفلام تروي فلسفة الموت والردع والخوف والإرهاب التي يؤمن بها صدام ويكافئ الآخرين على قدر إنجازها !
إن أشكال الحقد التي عبرت عنه أوامر النظام يعجز الإنسان عن وصفها، فقد كان هذا الحقد يتمثل في إبقاء جثث من يتم تنفيذ الإعدام بهم في العراء ولذا تكدست الأشلاء في الشوارع وعلى الأرصفة!
الحزن.. يعود.. والخوف.. والقتل.. أيضاً .. !!؟

حدثني "بصري" وقد فقد أخوين له في الانتفاضة عن حالة خالته التي جرح ابنها اثر اشتباك في إحدى ساحات البصرة وحمل نفسه بصعوبة محاولا الوصول إلى بيته وكانت جراحاته تنزف، ولعدم قدرته على بلوغ الهدف وهو الوصول إلى بيته، سقط عند مدخل الزقاق .. في ذلك الحين كانت قوات الحرس الجمهوري قد سيطرت على المكان فقامت بقتله وبقيت ألام ليومين تنظر إلى جثة ابنها وكذلك الأب لا يجرأ أن يقول – هذه جثة ابني – فقد حذره الناس من ذلك لان الحرس الجمهوري سيقتله أيضا.
كذلك حدثني النقيب احتياط "ج. غ" عن منظر شهده بنفسه. قال: "كان الحزبيون الذين جمعهم "علي حسن المجيد" يندفعون في كل اتجاه ليجمعوا الناس في تجمعات تظهر تأييدها لصدام والنظام، وكان هؤلاء الحزبيون في حالة هستيرية يتسابقون لإظهار ولائهم وإخفاء جبنهم وهروبهم أمام الثوار في الأيام السابقة، لذا كانوا يرغمون أعدادا من الرجال والنساء والأطفال على ترديد هتاف "بالروح بالدم نفديك يا صدام"، وكان جميع هؤلاء في "ساحة سعد" ينتظرون وصول علي حسن المجيد الذي كان يشرف على تنفيذ إحدى مهماته الإجرامية في منطقة أخرى من البصرة، وبينما كان المشتركون في التجمع ينظرون إلى ما حولهم من مناظر الدم والدمار، وصل علي حسن المجيد يرافقه عدد من الحماية والمسؤولين الحزبيين إلى مكان التجمع وأخذ بندقية كلاشنكوف من أحد مرافقيه وبدأ يطلق النار على الأطفال والنساء والشيوخ والشباب وهو يشتم ويلعن، ثم بدأ أفراد الحماية يطلقون النار هم أيضا والبعض منهم يبتسم بمكر وسخرية، وكان الحصاد أن تمايل المجتمعون بعضهم على بعض وسقطوا موتى".
سقطت البصرة، بعد أن خاضت وعلى مدى يومين متتاليين قتالا مريرا عمدته بالدماء الزكية التي سالت من أبنائها وبناتها وشيوخها الشهداء العزل وبعد أن أخذت الأحوال العامة تتسم بالهدوء والاستتباب التدريجي، بدأت عمليات الانتقام العشوائي من عوائل المنتفضين وعادت الأحزان من جديد إلى سماء وأجواء هذه المدينة الباسلة التي رسمت على صفحات التاريخ صورا من التضحيات والبطولات التي ستظل ماثلة مثول نخيل البصرة.. وعاشت حالات من الكبرياء وتنسمت هواء الحرية ولو لأيام معدودات!

تنوع المواقف .. اختلاف في الممارسة

ضمن واقع اللحظة التاريخية التي عشناها في حينها لا بد لنا من رصد طبيعة الاختلافات التي شكلت سمات وخصائص الوضع العسكري وفعالياته حيال التعامل مع الانتفاضة وفعلها الثوري المؤثر. هنا يمكننا التأكيد على إن هذا الأمر بأبعاده العملية والنظرية نسبيا استطاع أن يفضح ويصنف أساليب وأنماط الزمر القيادية المسؤولة عن قمع الانتفاضة وإجهاضها وذلك بكشف النقاب عن حقيقة الأدوار واختلافها فيما يتعلق بالموقف العام من الحدث، فيمكن الإشارة إلى الذين تخلوا عن القيم العسكرية الأصيلة وفقدوا ضمائرهم والتي أخذت غرائزهم الوحشية تظهر في استغلال كل الفرص لإظهار دمويتهم وقساوتهم وانتهازيتهم ووصوليتهم، أما عن قادة الفرق وآمرو التشكيلات والوحدات والضباط والجنود الذين اشتركوا في الفعل المضاد للانتفاضة، فكانوا على نوعين:
أ- بعضهم ملأت قلوبهم عواطف مكبوتة وظلوا في حيرة من أمرهم واصبحوا في موقف صعب يترقبون أية مشورة أو أي رأي لكي يتخلوا عن أساليب وحالات سفك الدماء وكانوا يتوجهون بالدعاء إلى رب العزة والجلالة أن ينقذهم من هذه المعاناة القاسية.
ب- آخرون لم يكن لهم رأي صريح وكانوا خائفين مما قد يحمله المستقبل بعد أن ظهرت في الأفق بوادر تحسن لصالح النظام، هؤلاء كانوا يريدون أن يفعلوا ما يرضي السلطة وان لا يوغلوا في قتل الناس في نفس الوقت وهو أمر صعب بسبب تفشي الانتهازية والمصلحية وانتشار عناصر الأمن بين الضباط والجنود، * وهذا ما أظهرته نتائج التحقيقات والاتهامات والمحاكمات بعد استقرار الموقف.

القاطع الثاني

كان القاطع الثاني من مسؤولية الفيلق الثالث الذي شملت مسؤوليته نواحي "الهارثة" و "كرمة بني سعيد" وحتى مدينة "القرنة" داخل مع مدن وقصبات "المدينة والهوير والشرش والدير" وما جاورها من قرى وأرياف، وفي الضفة الشرقية لشط العرب من ناحية السويب شمالا وحتى الشلامجة جنوباً مرورا بناحية "النشوة والزريجي وعتبة ... الخ".
وكانت ترتيبات القيادة والسيطرة وتخصيص القطعات كما في الجدول أدناه:
الجدول رقم 2
ت القيادة القائد الملاحظات
1 قيادة الفيلق الثالث اللواء الركن صلاح عبود محمود الجبوري اللواء الركن صباح نوري علوان العجيلي "القائد لرديف" العميد الركن صلاح عبد الله حنتوش ضابط الركن الثاني حركات لم يكن صلاح دمويا ولا عنيفا وكان يقبل بأقل تنفيذ للأوامر ولكن يؤخذ عليه موقفه السلبي من الجرائم التي ارتكبتها عناصر الأمن في مقر الفيلق وتنفيذها عمليات القتل الجماعي للمواطنين ودون ان يتدخل للحد منها خلافا لما تقتضيه قيم الشهامة والجندية في اقل تقدير.

ت القيادة القائد الملاحظات
2 3 قيادة الفرقة الآلية الأولى الفرقة المدرعة الثالثة اللواء الركن حسين حسن عداي السلماني العقيد الركن صعب منفي محمود الراوي "رئيس الأركان المقدم مؤيد دحام مجول التكريتي ضابط الأمن العميد الركن حسن زيدان اللهيبي العميد الركن خالص عبد الهادي الحديثي رئيس الأركان نفذت الفرقة عملياتها بواسطة اللواء الآلي الأول ومقر القيادة ومن خلال عناصر الأمن، نقل القائد فيما بعد إلى المقر العام ولم يشغل منصب أعلى كما كان يطمح إليه ونقل إلى دائرة المحاربين عام 94، وأعيد تعيينه مديرا للحركات العسكرية عام 95، أما رئيس الأركان فقد التحق في دورة بجامعة البكر، ونقل ضابط الأمن إلى مديرية الأمن العسكري. لم تكن للفرقة قوات كافية ولكنها متهمة بارتكاب جرائم في ناحية الهارثة، عين قائدها رئيساً لأركان الفيلق لاحقا، ولم يرقى إلى منصب أعلى من ذلك كما كان يطمح. إما رئيس الأركان فلم تحصل الموافقة على تعيينه بمنصب قائد فرقة في حينه.

ت القيادة القائد الملاحظات
4 الفرقة المدرعة السادسة العميد الركن رعد عبد الرحيم العاني العقيد الركن نجيب مصطفى الصالحي رئيس الأركان (المؤلف) عزل عن قيادة الفرقة لاحقا حيث تم نقله إلى قيادة فرقة المشاة / 29 الملغاة في 11 آذار91 ثم عين ضابط ركن في دائرة الإدارة. لم تحصل الموافقة على تثبيته بمنصب رئيس الأركان "الذي كان يشغله" وقد تم تبليغ القائد الجديد للفرقة بالحد من صلاحياته وتحجيم دوره ريثما يتم نقله خارج الفيلق.
5 6 الفرقة الآلية الخامسة فرقة المشاة الخامسة عشرة العميد الركن ياسين فليح المعيني العقيد الركن عباس حسن جبر "رئيس الأركان" العميد الركن إبراهيم الجبوري العقيد الركن محمود حسين عليوي العزي رئيس الأركان لم تكن للفرقة قطعات تعمل بها، عين ياسين بمنصب قائد فيلق لاحقا لدوره في معركة الخفجي. صدر أمر تعيينه قائدا للفرقة المدرعة الثالثة عام 1995. لم تكن للفرقة أية قطعات أو أفراد عدا القائد ورئيس الأركان والمراسلين فقط.

ت القيادة القائد الملاحظات
7 فرقة المشاة الثامنة عشرة العميد الركن علي غيدان مجيد الشمري أودع السجن وأحيل بعد ذلك على التقاعد.
8 فرقة المشاة/29 العميد الركن سعدون يونس محمد أمين العميد الركن صباح مطرود شويع رئيس الأركان أسره الإيرانيون في 27-3-91، بعد أن عين قائدا للفرقة المدرعة السادسة أحيل على التقاعد عام 93.

تردد في التنفيذ .. !؟؟

القوة الرئيسية التي كانت تحت إمرة قيادة الفيلق الثالث هي الفرقة المدرعة السادسة المتكونة من "40" عجلة قتال "b.m.b1"، وعشر دبابات وما لا يزيد عن "ثلاثمائة " شخص بين جندي وضابط، أما الفرقة الآلية الأولى، فإن ما تبقى لها من العربات والأشخاص كان أقل بكثير مما كان للفرقة السادسة وتليهما الفرقة المدرعة الثالثة التي بذل قائدها وهيئة ركنه ومعهم آمر لواء "ابن الوليد" جهودا كبيرة في لملمة كثير من الأسلحة وعجلات القتال المتروكة على الطرق لإعادة تشكيل قوة مناسبة كافية للعمل ..
كان قاطع الفيلق هادئاً نسبياً لان نشاط الثوار المنتفضين بدأ يتراجع بعد نجاح عمليات القمع في مدينة البصرة وكان قائد الفيلق عازما على تفتيش جميع القرى والقصبات بشكل منتظم وحاسم، أما الجهاز الأمني في الفيلق الذي تزايد نشاطه مع مرور الوقت فقد واصل عمله للكشف عن الضباط والجنود المتعاطفين مع الانتفاضة وقد ألقي القبض على العديد منهم في الفرقة المدرعة السادسة والقطعات الأخرى.
كان قائد الفرقة يرغب في مرافقتي له عند استلامه الأوامر والتوجيهات من الفيلق والتي كانت في الغالب شفوية ومباشرة من القائد او القائد الرديف وكانت تتضمن عبارات تشدد على تدمير وحرق القرى التي يصدر منها إطلاق نار أو أعمال شغب وغالبا ما يتم تسميتها بقرى "المعدان"، أما آمرو التشكيلات المنفذة وهيئة الركن وبقية الضباط والجنود فانهم ينتظرون عودتنا من مقر الفيلق بكثير من القلق والترقب، حيث من الواضح أننا سنعود إليهم بأوامر فيها الشيء الكثير من أوامر القتل والتدمير وهم بالتأكيد ليسوا على استعداد لتلطيخ أياديهم بدماء الأبرياء أو الوقوعتحت تأثير الدسائس والوشايات وكنا ندرك تصميم بغداد على تنفيذ أوامرها التي تشدد على المضي في نزعة التدمير مثلما حدث في مدينة البصرة انسجاما مع الحالة الجديدة، وحين بدأ النظام يلتقط أنفاسه تدريجيا، بدأت أواجه شخصيا وكذلك آمرو التشكيلات مواقف حرجة، إذ كان لا بد لنا من العمل وفق الطريقة التي تجنب الناس نتائج النقمة الهائجة للسلطة على الرغم من تعاملي مع ضباط ومراتب لم أعرف حقيقة مشاعرهم، إذ ليس كل مـن يرفض النظام وسلوكه الإجرامي هـو على استعداد للتعاون المباشر على عدم تنفيذ أوامره، فعدم الــرغبة والتعاطف شـيء والعصيان والتمرد والمـواجهة شـيء آخر يحتاج إلى درجة أعلى من الوعي والاستعداد للتضحية، ورغم ذلك فقد عزمت على القيام بدوري وهذا يعني انه كلما صدرت الأوامر لتشكيلات الفرقة بتفتيش القرى وتدميرها وحرق صرائف (المعدان)، كانت التشكيلات تخرج للقيام بواجباتها ولكن بروحية تتسم بالميل إلى عدم تنفيذ الأوامر.
وعند عودتنا من المهمة، كنت أذهب إلى مقر الفيلق لأخبر القائد الرديف، بأننا أكملنا الواجب. وذات مرة بادرني ببعض الملاحظات التي أشرت إلى جانب منها حيث أشار إلى أن هناك واجبا لم نتممه والأوامر لم تنفذ بالشكل المطلوب. شعرت آنذاك إن طريقة التظاهر بالتنفيذ التي أتبعتها كثيرا لم تفدني، فقد تنبه قائد الفيلق لذلك وبدأ يتصل بآمر لواء المشاة الآلي / 25 مباشرة، * وهنا بدأت مرحلة من العلاقة المتوترة بين مقرنا ومقر الفيلق ، فقد ساد انطباع إن الفرقة متساهلة مع المواطنين وهي غير فعالة في تنفيذ الأوامر وان هناك نوعا من التراخي وعدم الاهتمام من قبل قائد الفرقة الذي خَوَّل كثيرا من صلاحياته إلى رئيس الأركان الذي بدأ يتصرف وكأنه هو القائد الفعلي للفرقة ، ولكن ذلك الانطباع في مقر الفيلق لم يأخذ جانب التشهير العلني.

على بوابة الهارثة ..

في الساعة الثالثة بعد ظهر يوم 7 آذار، وصل إلى مقرنا العميد الركن "صلاح عبد الله حنتوش" الذي يشغل منصب ضابط ركن الثاني حركات الفيلق الثالث،• وقال لقائد الفرقة ولي أيضا: إن "المخربين" يسيطرون على مدخل الهارثة في الجهة القريبة من الفيلق ويريد قائد الفيلق أن يحرك الفرقة السادسة بمجملها "لتطهير" المدينة وان يبدأ العمل فورا.
كان الجو باردا وممطرا، وكنا عائدين لتونا من عملية التفتيش التي بدأت منذ الصباح الباكر لذلك رد قائد الفرقة:
- إن الفرقة عادت تواً من واجب والجنود يريدون أن يتناولوا طعامهم ويأخذوا قسطا من الراحة وموقفنا الإداري ما زال صعبا، فهل بالإمكان تأجيل الواجب ؟
قال صلاح:
- إن قائد الفيلق يريد العمل الآن وعلى الفور، فلم يكن هناك خيارً في التهيؤ والحركة ، فاتجهنا إلى المركز المطلوب حيث كان قائد الفيلق بانتظارنا عند مركز الدفاع المدني لمدينة الهارثة وكنت حريصا على أن اخرج مع التشكيلات عند تنفيذ هذه الواجبات لأمور كثيرة أهمها الإطلاع واستغلال الفرص للتخفيف والحد من صرامة التنفيذ وكان قائد الفرقة يرغب دائما في أن أكون معه خلافا لسياقات العمل• لانه لا يوجد مبرر لكي أبقى في المقر إذ لا يوجد عندنا مقرات كبيرة لكي تنقسم إلى مقر للقائد وآخر لرئيس الأركان.
بدأنا بالتحرك، لواء / 25 ومعه "3" دبابات من لواء / 16 و "4"دبابات من لواء / 30 وتوجهنا إلى الهارثة والى منطقة تحشد معينة وقريبة من مقر قائد الفيلق حيث تجمع اكثر من ثلاثين شخصا من بينهم الفريق الركن "صلاح عبود" والقائد الرديف "اللواء صباح نوري"، وقائد الفرقة الأولى عميد ركن "حسين حسن عداي"، وقائد الفرقة الثالثة عميد ركن "حسن زيدان" وضباط آخرون وجماعة أمن الفيلق.
قال الفريق صلاح عبود مخاطبا قائد الفرقة بعد أن استدعى آمر لواء المشاة الآلي/25 أيضا : هؤلاء مجموعة من العملاء "المخربين" وهم على بعد كيلو متر واحد وأشار بيده نحو مدخل مدينة "الهارثة" يحتلون موقع سيطرة عسكرية قديمة، المطلوب أن تقضي عليهم وتدخل المدينة لتطهيرها وتصل قواتك إلى الجسر الذي يبعد (500م) جنوب هذه السيطرة وجعل الطريق إلى البصرة سالكا. ثم حول نظره إلى آمر اللواء وقال له: عليك أن تبدأ بمعالجة السيطرة والبيوت المجاورة لها قبل الحركة خشية وجود أسلحة مقاومة للدبابات فيها وأردف قائلا: عليكم فرض السيطرة على المدينة بالقوة وكرر أوامره السابقة بتدمير المساكن والبنايات التي تبدي أية فعالية معادية.
الوقت يقترب من الساعة الخامسة عصرا ... كانت القوة منهكة معنويا.. ولأول مرة أصبحنا تحت اختبار حقيقي، فجميع الحاضرين وعلى رأسهم قائد الفيلق يشاهدون عمل الفرقة ويترقبون النتائج التي لا تقبل التسامح والتهاون.
الأوامر واضحة وحازمة والهدف معلوم والقوة متكاملة في منطقة الوثوب والجميع يشاهدون بأعينهم.
كنت أتوقع بأن القوة سوف تدخل الهارثة وتدمرها هذه المرة حيث لا مجال للتهرب من تنفيذ الأوامر.
باشرت القوة بالتقدم بعد أن أطلقت الدبابات نيرانها في اتجاه عدد من المباني والمراصد القريبة من السيطرة ولكن الإطلاقات سقطت بعيدة جدا عن أهدافها بحيث لم نشاهد موقع سقوطها ! * وهذا مؤشر على أن الرجال القابضين على الزناد قد قرروا تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم على طريقتهم الخاصة. كان آمر اللواء وهيئة ركنه يتوسطون القوة المتقدمة نحو هدفها وهي "السيطرة" وعندما أصبحت على مقربة ثلاثمائة متر فتحت النار من جهة الثوار وكانت عبارة عن صلية او صليتين كلاشنكوف باتجاه القوة المهاجمة سقط على أثرها ذلك ثلاثة جرحى أحدهم ضابط. في تلك اللحظة، توقفت عجلات القتال المدرعة والدبابات جميعها وكنا نتوقع أنها نفذت توجيها لأمر اللواء، الجميع يترقب الموقف بحذر، قائد الفيلق والآخرون ينتظرون احتلال الناحية والسيطرة على الجسر الذي يربطها بطريق البصرة وبذلك يسجل موقفا بطوليا ويزف البشرى للقائد العام في بغداد! ولكن هنا حدثت المفاجأة، فقد تراجعت القوة المهاجمة بعجلاتها المدرعة ودباباتها مهزومة إلى حيث انطلقت وتعالت صليات الرصاص خلفها ويبدو أن جنودنا قرروا حسمها هذه المرة بأنفسهم دون الحاجة إلى إيماءة من أحد.
تخلت القوة عن القتال وكانت هزيمة مذهلة وواضحة للجميع ولا يمكن التستر عليها وكنت أخشى أن يعتبر الأمر من تدبيرنا، قائد الفرقة وأنا، حيث كثرت المؤشرات بهذا الخصوص. فاقتربت من آمر اللواء وقلت له مبتسما، عملكم جيد، أجابني قائلا: هذه ورطة جديدة، في الكويت كان الجنود لا يقاتلون، أما هنا فلا يوجد أي استعداد للقتال لا من الضباط ولا من الجنود ثم لماذا القتال؟ ولمصلحة من يموتون ؟ وعندما شاهد الفريق صلاح ما حدث لقوة كبيرة أمام صليتي رشاش، عرف وضع قطعاته وانه لا يمكن أن يكرر العملية أو يقوم بشيء غير الانسحاب إلى مقره في ناحية الدير، فقرر الانسحاب ولزم الصمت ولم يحاول التحقيق والمحاسبة وتناسى الموضوع كليا وتظاهر مقتنعا بمبررات بعض الخيرين من أن هذا حدث نتيجة ضعف العامل الإداري وانه ليس عصيانا أو عدم تنفيذ أوامر، * ولكن بوادر تشير إلى عدم الارتياح من قائد ورئيس أركان الفرقة قد ظهرت وتمخضت عن القيام بنقل قائد الفرقة المدرعة السادسة إلى فرقة المشاة / 29 بالرغم من أن أمر إلغائها قد صدر توا كما تم تبليغ القائد الجديد بضرورة تحجيم رئيس أركانها والحد من هيمنته على التشكيلات والمقرات فيها ريثما يتم نقله إلى مكان آخر، وبعد بضعة أيام من تلك التطورات تم القبض على ضابطين وعدد من الجنود في تلك القوة من قبل عناصر أمن الفيلق بتهمة التعاون مع المعارضة!

مختبئون و قتلى ..وهجوم مضاد !!

بعد يوم 8/3، استمرت الفرقة بإدامة معداتها وأسلحتها وتدبير شؤونها الإدارية، وتزايد آنذاك التحاق الضباط والجنود إلى وحداتهم بعد ان كانوا مختبئين في المدن والقرى المجاورة طوال الأيام الماضية، وكان من بين المختبئين الذين التحقوا مسؤول التنظيم الحزبي للفرقة ومدير الإدارة وعدد من آمري الصنوف وضباط أمن مقر الفرقة.
وفي 13 آذار، عين العميد الركن "سعدون يونس محمد أمين" قائدا للفرقة المدرعة السادسة وزود بتوجيهات شفويه تحذره من رئيس أركان الفرقة (مؤلف الكتاب)، ولما سمعت بذلك التوجيه، بدأت الشكوك يساورني من التعامل معه وهيأت نفسي لمرحلة جديدة من العمل.
وفي يوم 15 آذار، كلفت الفرقة بواجبات خفيفة لتفتيش القرى والقصبات الواقعة ضمن القاطع ولم تحدث أثناء التفتيش حوادث مهمة عدا تمكن قوات الحرس الجمهوري (فرقة حمورابي) من اقتحام مدينة الهارثة بعد مقاومة باسلة أبداها المنتفضون، وبذلك أصبح الطريق سالكا إلى البصرة وأصبحت المدينة ضمن مسؤولية الفرقة المدرعة الثالثة.
كان العميد الركن "سعدون" قائدا للفرقة (29) التي صدر توا أمر بإلغائها، وكان آنذاك في قرية الزريجي في الضفة الشرقية لنهر دجلة الذي يفصل بين مقر الفيلق والجانب الآخر وقد استطاع رجال الانتفاضة تطويقه وعزله ضمن قاطع المعارضة لمدة أسبوع (من 2 - 9 آذار) حيث أخفاه أحد وجهاء القرية هو ورئيس أركانه العميد الركن "صباح مطرود" وعدد من الضباط والجنود في أحد المنازل وفي الأيام الأخيرة قام وجيه القرية بتسريبهم * إلى مقر الفيلق عبر شط العرب وقد ترك إيواء الوجيه له وللضباط والجنود الآخرين والمحافظة على حياتهم أثرا طيبا عميقا في نفسه إضافة إلى تعامل الثوار معه بالتسامح، ولما ظهرت عليه آثار ذلك الإحسان، بدأت الشكوك تحوم حوله حتى وصلت إلى حد التهامس بأنه يتهاون مع الثوار، وعندما شعر هو بذلك أراد أن يثبت العكس، فأظهر الشدة في أوامره ومع ذلك، كان التناقض باديا على موقفه لعدم قناعته بقمع الثوار بالقوة والعنف، ومما يجدر ذكره، انه كردي الأصل وبعثي (عضو قيادة فرقة) وكان يطمح بالوصول إلى أعلى المناصب العسكرية لما عرف عنه من كفاءة وشجاعة ونزاهة، ولكن انتمائه القومي كان يحول دون ذلك، الأمر الذي زاد من صلابته وافتخاره بنفسه كونه كردي الأصل، ونتيجة التحذيرات الموجهة إليه بتقليص نفوذي في الفرقة، كان يتجنب مشاورتي في كثير من القضايا ويتعمد عدم إشراكي في الأحداث اليومية التزاما منه بتوجيهات مقر الفيلق بهذا الصدد، إلا أن ذلك لم يغير من قناعتي به، فقد عرفته رجلا وطنيا مخلصا.
في اليوم الثاني لاستلامه القيادة، سقطت قنبلة أطلقها المنتفضون على مقر الفرقة قتل على أثرها أربعة ضباط أحداث كانوا مجتمعين حول "قوري شاي". كان اثنان منهم من محافظة واسط والثالث من النجف والرابع من مدينة الثورة في بغداد وفي اليوم نفسه كانت الفرقة السادسة تشترك مع قطعات الحرس الجمهوري في "الهجوم المضاد على مواقع المعارضة" في الضفة الشرقية من دجلة.

قتال على الطريق ..

كانت واحدة من المهمات التي كُلفنا بها يوم 15/3 هي عبور شط العرب والاستدارة من القرنة جنوبا وشرقا بموازاة الحدود العراقية - الإيرانية ثم العودة إلى مقرنا القديم في النشوة إذ كنا قد أكملنا احتلال النشوة والمناطق والقرى المجاورة لها وقد استغرقت هذه العملية ست ساعات، من السادسة صباحا حتى الثانية عشرة ظهرا، وكانت المهمة هي إعادة جزء من الأراضي و "تطهيرها" حسب مخطط الهجوم الموجه ضد الثوار من الضفة الشرقية لشط العرب ولغاية الحدود الإيرانية حيث سيطرنا على المنطقة وعدنا إلى المعسكرات التي كانت قد تعرضت للنهب والسرقة، فقد لاحظنا اختفاء بعض الشبابيك والأسلاك الكهربائية، في حين أخذ الوضع المتردي للجيش يتغير عما كان عليه حيث بدأ الكثير من الضباط والجنود الغائبين والمتسربين بالعودة إلى وحداتهم وبدأت الفرقة تستقبل المئات منهم يوميا، أما عن سير تنفيذالعملية فجر ذلك اليوم، فقد تحركنا باتجاه ناحية القرنة ليلا وفي طريقنا مررنا بناحية "طلحة" * التي قاوم أهلها بضراوة وابدوا من صنوف البطولة في الدفاع عن مواقعهم ما يدل على روحهم القتالية واستعدادهم للتضحية، ودار القتال بين الحرس الجمهوري والثوار في جو بارد ممطر وكنا نتحرك بصعوبة، فالطين وطبيعة الشوارع لا تساعد على التقدم، وبحلول الساعة التاسعة صباحا عبرنا النهر من جهة "القرنة" باتجاه جسر "السويب" ثم "النشوة" وواصلنا التقدم وقد ضعفت المقاومة آنذاك حيث كانت قطعات الحرس الجمهوري قد سبقتنا بالعبور وكانت آثار جرائمهم ضد الثوار لا تزال قائمة على الطريق حيث كانت جثث القتلى المدنيين تعد بالعشرات وكانت أعمارهم لا تزيد على العشرين سنة وأسلحتهم الكلاشنكوف و R B G 7 ملقاة حواليهم، وكأنها تريد أن تقول: "كنا بأيدي مقاتلين ثوار شجعان ‍!"
كانت كثرة المواضع المحفورة على التقاطعات الرئيسة وامتلاؤها بالجثث وانتشار القتلى بشكل مجموعات تدل على حدوث مقاومة ضارية أبداها الثوار، ويبدو أن قوات الحرس قد استخدمت قنابل الدبابات ضدهم بكثرة وقد تقدمنا دون اعتراض لان قوات حمورابي التابعة للحرس الجمهوري كانت قد أنجزت المهمة وفتحت الطريق بعد أن أبادت المنتفضين وهدمت وأحرقت البيوت وأتلفت المزروعات.. هكذا كان مصير أسود يطوي حياة المئات من أبناء العراق الشجعان فيا لها من كارثة ويا لها من بلوى!!!
ولم يتوقف ارتكاب الجرائم عند هذه الحدود البشعة الخسيسة، بل تعداها إلى ما هو اكثر كراهية ومقتا واشمئزازا، إذ كنا نشاهد على الطريق الاسفلتي المعبد صورا لأجساد بشرية سحقتها سرف الدبابات وبدت وكأنما تم استنساخها على الأرض بعد أن صفَّت فيختلط اللحم الممزق بالعظام المهشمة تحت وطأة الدبابات فتظل صور الأجساد مطبوعة فوق الإسفلت ولا يظهر إلا الشعر الأسود المتبقي منها مع بقايا قطع من الأحذية..!
بدأنا نبحث عن أسلحتنا المتناثرة ونكمل الترميمات البسيطة ثم صدرت الأوامر للقيام بمهمات لتفتيش القرى بحثا عن رجال الانتفاضة وملاحقة السكان وتوالت عمليات التفتيش والاعتقالات فكانت القرية تطوق ليلا وفي الرابعة صباحا يبدأ التفتيش، فيدخلون إلى البيوت ويهجمون على العائلات وأصبحت مهمات التفتيش تجري مرتين في الأسبوع وكأنها مناسبات لزيارات نحسة لان رجال المقاومة كانوا يترددون على ذويهم بين فترة وأخرى.
كانت عمليات التفتيش قاسية ولا إنسانية في البداية ولكنها أصبحت روتينية فيما بعد حيث تخرج العوائل من بيوتها في الليل وفي جو بارد ولم اشترك في أية عملية تفتيش، لذا كنت أسأل الضباط العائدين من التفتيش للوقوف على حقيقة ما يجري، فيقولون: إن معظم العوائل تعيش أوضاعا مؤلمة وفي ظروف معاشية قاسية ولا يوجد عندهم شيء من الطعام سوى كميات من التمر التالف ويبدو أن مصدر التمر هو مكابس التمور الحكومية التي تعرضت إلى عمليات النهب.
وقد أظهرت التفتيشات الدقيقة والمتتالية إن هؤلاء الناس المنتفضين لم يفقدوا الأمل في النصر ومعاودة الانتفاضة، فقد تفننوا في كيفية المحافظة على الأسلحة والحرص على عدم تسليمها للدولة وإخفائها بشكل محكم، فقد وُجدت مغلفةً في أكياس نايلون داخل النهر، ووجدت كذلك مخفية في المزارع وبين الجدران وداخل التنانير ومدفونة تحت الأرض .. الخ.

شاب من النشوة ..

كان الكثير من شباب الانتفاضة يتمتع بمستوى معين من الوعي والإدراك اللذين يميزانهما عن الآخرين وذلك بحصولهم على مستوى معين من التعلم والثقافة جعلت لهم مكانة محترمة داخل محيطهم الاجتماعي ومن بين تلك العناصر التي كانت تحمل وعياً جيداً وشاركت في الانتفاضة، شاب يدعى "حيدر"،وهو من عائلة معروفة في ناحية النشوة، وكما هو معروف عن أهل النشوة ، بعد أن قهرتهم قوات النظام أنهم حملوا ضحاياهم واستقروا في بيوتهم وبدأوا يساعدون المتبقين من أبنائهم لينجوا بأنفسهم من حملات القمع الوحشية.
وبعد أن انتهت المقاومة الشعبية، تعرض سكان الناحية إلى حملة اعتقالات وكان من بين المعتقلين "حيدر" وقد ادعى أفراد الأمن العسكرية انهم سيحققون معه فقط في مقر الفيلق وعلى عادتهم في الكذب والادعاء، فانهم قاموا بإعدامه بعدما أجروا تحقيقا مثيرا معه انتهى نهاية مأساوية..! في الوقت الذي كانت العائلة تنتظر عودة ابنها حيدر بعد انتهاء التحقيق عُثر على جثته طافية في النهر، فحمله والده برباطة جأش وتوجه به إلى عائلته التي كانت تعيش في حالة قلق وترقب. استقبلت العائلة جثة ابنها بحالة من التأثر والحزن واستاء أهل الناحية استياءا كبيرا ولم يترددوا في إظهار الاستنكار والإدانة. بعد حين اخبرني أحد ضباط الأمن الذي شاهد جانبا من التحقيق قائلا: "كان منطق الشاب وطريقة طرحه لآرائه وعدم إنكاره التعاون مع المعارضة قد عرضه إلى ألوان التعـــذيب والتعجيل بإعدامه فحينما سأله المحقق عددا من الأسئلة من بينها:
- هل أنت حيدر ؟
- نعم .. !
أنت متهم بالتعاون مع المخربين، فماذا تقول ؟
- أنا متعاون مع المعارضة الذين هم كلهم أبناء مدينتي من شباب ونساء وأطفال، وهم الذين انتفضوا بسبب الظروف التي يعيشون تحت وطأتها..! فالجنود الذين سيقوا بالإجبار إلى ساحات الحروب وماتوا هناك هم إخواننا وأبناء وطننا ولا طائل من هذه الحروب سوى الموت المجاني والدمار الاقتصادي الذي نعيشه نحن هنا في هذه القرى المنسية والتي لم تشمل بأبسط وسائل الحياة الكريمة حتى بدأنا نحس أن حياتنا لا ترقى إلى مستوى البشر، بل وإنها وصلت إلى الحد الذي فقدنا فيه إنسانيتنا، ظلم، تمايز، طائفية ! وتعرضنا لكل العلل الاجتماعية، ولذلك لم يجد الناس سوى التململ والنهوض الذي عبروا عنه بهذه الانتفاضة.
- إن موقفك وكلامك بهذا الشكل يعني الاعتراف الذي يقودك إلى الإعدام !
- لم أقل غير الحقيقة، فإذا كانت الحقيقة مرة إلى درجة تجلب على قائلها الإعدام، فما هو ذنبي ؟ وهل يمكن تزوير وتزييف وقلب الحقائق عندما تبدو صورة واقعية لكل ذي بصر وبصيرة ؟ لم يعد هناك مجال للصمت، ولهذا انتفض الناس !
وبعد أن أنهى المحقق أسئلته، كان ثمة صمت ... إشارات ... ثم تسمع إطلاقات، تحمل بعدها جثة حيدر لترمى في شط العرب.
أما أنا فلم أخف تألمي لما حدث وكذلك كل من سمع الحكاية من الضباط والجنود ولكن لا أحد يستطيع إظهار عواطفه جهارا، وفي اليوم الثاني شاهدنا عشرات الرجال ومئات من النسوة المتشحات بالسواد يترددون بصمت على بيت "أبو حيدر" الذي رفع الأعلام السود حدادا!
ظل أزلام النظام يشكون بالشباب ويرتابون منهم وتزايد نشاط عناصر الأمن وكانوا بين فترة وأخرى يشنون على هؤلاء الشباب حملات اعتقال لغرض التحقيق معهم ولمعرفة أماكن تواجدهم زمن الانتفاضة، وكنت أرى مجاميع كثيرة يجري التحقيق معها، وفي إحدى المرات التقينا بشباب يافعين كنت اعرف والدهم حيث كان مجاورا لمقر اللواء المدرع / 16، وهو رجل متقدم في السن اسمه "حسين" وأمهم امرأة عجوز، ولأنهم كانوا في قبضة رجال الأمن، فقد كان علي أن أجد وسيلة لإنقاذ أبناء "أبو علي" لان نظراته المليئة بالحزن والرجاء كانت من المشاهد التي لن أنساها، مما حفزني على التدخل ولكن بحذر وبعد جهد نجحت في إنقاذ حياتهم وإطلاق سراحهم !
الأمن ... نشاط جديد

بدأت الجهات الأمنية والاستخبارية بعمليات جرد وتدقيق وجمع معلومات لأنها كانت بحاجة إلى تجميع اكبر كمية من هذه المعلومات بسبب أن ملفات وأضابير دوائر الأمن كانت من بين ما استهدفه شباب الانتفاضة، وقد هرب منتسبو هذه الدوائر في البداية، والآن، خرجوا من مخابئهم وعادوا وانضموا إلى القوات في الهجوم المضاد ليحتلوا مراكزهم من جديد وقد دخلوا معنا إلى نواحي "الدير" "والنشوة" وقد بدأ توزيع الاستمارات لغرض جمع المعلومات من جديد وبالتنسيق بين دائرة الأمن والمنظمة الحزبية وبإشراف ضباط أمن الفيالق والفرق.
جرى العمل بسرعة لإكمال الجرد، وفي ضوء المعلومات المقدمة، قام الجهاز الأمني بإلقاء القبض على المئات، فترى العشرات يغادرون تحت الحراب في سيارات إما إلى سجن البصرة أو إلى بغداد ومن كان يتهم بحمل السلاح، ينفذ به حكم الإعدام فورا دون أية محاكمة ولو صورية ، وكنا نسمع صوت الرصاص فرادا وصليا في شعبة أمن الفيلق الثالث، فيعلق الضباط والجنود على ذلك قائلين (لازم أكو وجبة جديدة من المعدومين !)، وخلال وجودنا بالقرب من مقر الفيلق، كنا نشاهد أفراد الأمن يمسكون بالشباب ويعدمونهم ولم يتدخل قائد الفيلق بردعهم أو في الأقل بوضع ضوابط حيال تلك الأفعال الوحشية، وكأن الأمر لا يعنيه * حيث كانت عناصر الأمن تقوم بإعدام أي شاب يلقى القبض عليه والقيام بعد ذلك برمي جثته في شط العرب، وبعد أيام قلائل تتكدس تلك الجثث في مكان مرتفع وسط النهر وتستقر فيه، وكان أهل الضحايا يجوبون الشواطئ والضفاف بحثا عن أبنائهم بين تلك الأجساد الطافية فوق سطح الماء، ويقع هذا المكان جنوب معمل الورق مقابل الهارثة حيث يتجمع عدد كبير من الأهالي هناك.
وصلت لجنة من الأمن العسكري إلى مقرنا في "4 نيسان"، يــرأسها ضابط برتبـة عميد ركن من الاستخبارات العسكرية وكانت مهمتها التعرف على أسماء الحاضرين قائمة ( أ )•• وأسمــاء الغائبين قائمة ( ب )• خلال الأيام الماضية وذلك يعني أن الجهات المسؤولة أصبح لديها وقت كاف بحيث بدأت تتوجه إلى داخل المؤسسات العسكرية والحزبية بعد أن أنهت عمليات "الجرد" و"القمع" للجماهير الثائرة، فعليها الآن أن تهتم بمن هم في داخل الجيش والحزب وهي عملية مهمة لان النظام يعلم أن الجهاز الحزبي تفتت وذاب في أوساط الانتفاضة وقلة قليلة جدا لم يصبها انهيار وظلت على موقفها.
كان من ضمن المتغيبين في الفرقة المدرعة السادسة، المسؤول الحزبي للفرقة، عضو الفرع ، ضابط الأمن ومدير الإدارة وكانوا جميعا قد تركوا مقر الفرقة منذ بدء الانسحاب من مدينة الزبير في 1 آذار ولم يلتحقوا إلى مقر الفرقة إلا بعد أن جرى تحول حقيقي في مجرى الأحداث، أي في يوم 6، 7 آذار. وعندما أراد أحدهم الإعلان عن أسماء الضباط المتغيبين، قلت له :
- أنت وأصحابك لم تكونوا موجودين وانتم من أوائل المتغيبين وكنتم في بيوت آوتكم داخل مدينة البصرة طوال الأيام السبعة الماضية..!
فأجاب قائلا:
- كنا في مستشفى البصرة وحوصرنا هناك ..!
كنت أريد أن يبقى موقفهم معروفا هكذا لكي لا يتطاولوا على الآخرين، فأضفت قائلا:
- سأكتب هذه الملاحظة عنكم، ولما سمع مسؤول الحزب ذلك قال :
- (أرجوك لا تذكر اسمي لا بالحضور ولا بالغياب وسوف أتفاهم مع الحزب حول هذا الموضوع). ولكني عندما كتبت لم أذكر حقيقة أمرهم كاملا وأيدت ادعائهم بأنهم كانوا محاصرين في مستشفى البصرة العسكري.
كنت أتوقع أن يؤثر ذلك فيهم وقد ثبت انهم كانوا متغيبين ولكني لم اذكر ذلك صراحة عسى أن يغيروا من سلوكهم تجاه الآخرين من الضباط والجنود ولكنهم ، ما أن اطمئنوا إلى أن شيئا لن يصيبهم حتى عادوا إلى ممارسة سلوكهم وتصرفاتهم الشائنة مع الآخرين وخاصة بعد نقلي خارج الفرقة، فقد امتنعوا عن تأييد نماذج تقييم الضباط وجنود كنت أنوي مساعدتهم داخل الفرقة بإلغاء غياباتهم، وقالوا لهؤلاء الضباط والجنود، "هذا رأي رئيس الأركان السابق .. ونحن حزب وأمن ولنا رأينا فيكم" !
وتمت المباشرة بمحاسبة المتغيبين منهم، وفي كل الأحوال لم يكن الضعف الذي يشعرون به خافيا على أحد، إذ حاولوا تغطيته من خلال المزايدات والمبالغات بالإخلاص والولاء الزائف للنظام والذي هو القاسم المشترك الذي يجمع بين الهاربين من وجه الثوار، فقد لوحظ أن هذه العناصر كانت أكثر العناصر انتهازية وحصل الكثيرون من هؤلاء على أنواط الشجاعة. ويذكر انه في أحد التجمعات التي خصصت للذين لم يتركوا مواقعهم كانت بناية قيادة الفرع في البصرة قد غصت بالأعضاء الحزبيين من مختلف المستويات .. ولا شك انهم بدأوا يتساءلون مع أنفسهم:
لو هذا صحيح، فكيف حدث ما حدث.. !؟
وعلى الرغم من محاولة هؤلاء في إخفاء حقيقة الانواط التي حصلوا عليها، فانهم كانوا ضعفاء في داخلهم واصبحوا نقمة على العسكريين، والواقع ان الكثير من أنواط الشجاعة التي حصل عليها أفراد الأمن كانت تكريما لجرائمهم وتشجيعا لأعمالهم التجسسية ضد منتسبي القوات المسلحة.
مظاهر .. فارغة .. !!

بات أهالي المنطقة ممن كانوا يتصفون بالخلق والكرامة في حيرة من أمرهم بعد وصول الحرس وقوات الجيش حينما أرغموا على استقبال تلك القوات. فلو أخذنا ناحية "النشوة" التي هي أقرب إلى قرية منها إلى مدينة، لوجدنا إن درجة الإهمال فيها كبيرة جدا وتزايد آثار شظايا القصف وبقايا الحافلات العسكرية المحروقة بفعل القصف الجوي وغيره من صور الإهمال وفي ظل عمليات المداهمة والتفتيش بحثا عن رجال الانتفاضة، فقد هرب قسم من سكان النشوة فيما تم إلقاء القبض على القسم المتبقي فيها.
وعليه، فقد كانت مظاهر الترحيب فارغة من أي عاطفة صادقة بحيث أن الأيدي التي كانت تصفق والأصوات التي كانت تهتف بالولاء لصدام حسين مرغمة عنها، إنما كانت تعبر عن حزن دفين ممزوج بخوف وخجل، فحتى يوم أمس كان هؤلاء المستقبلون يشاركون في الانتفاضة وكانوا يقاتلون مع أبنائهم واليوم يخرجون لتقديم الولاء .. ! إنها صفحة أشبه بالكابوس، أصيب الناس بالإحباط عندما وجدوا الدبابات في مداخل قريتهم، وتحت وطأة الخوف من الإبادة الجماعية قدموا الولاء، فمنهم من قام بزيارة الوحدات العسكرية بعد أن استقرت في مواقعها ومنهم من راح يقيم الولائم وينحر الذبائح للجيش ومنهم من بقي يهتف بمناسبة أو بدون مناسبة بحياة الحزب والقائد والقيادة السياسية وكانوا يؤدون هذه "الطقوس" مرغمين وينظرون إلى القطعات العسكرية وكأنها جيش احتلال! وبصراحة، فإن العلاقة الإنسانية التي كانت تربط الجيش بجماهير الشعب تاريخيا انهارت إلى حد بعيد لان النظام زج الجيش في ممارسات قمعية ليست من شأنه وفي حروب لا دخل له فيها وليست لها علاقة بقيمه وواجباته الوطنية، فاصبح الجيش خاضعا لمصالح النظام والعائلة الحاكمة وفي التصدي لانتفاضة الشعب، وتحكمت في أعماله توجيهات لإشباع رغبات النظام داخل الوحدات، فأصبح ضباط الأمن في الجيش ينفذون حملات الإعدام والملاحقة والاضطهاد!
قبل احتلال الكويت، كنت قد أقمت علاقات صداقة مع شيوخ ووجهاء العشائر في المنطقة، وخلال سنة ونصف السنة كان الجميع ممتنين لما أبديته من تعاون وتفاهم معهم ولكن بعد احتلال الكويت وبعد ان انسحب الجيش وبدأت عمليات قمع الانتفاضة تغيرت هذه العلاقة كثيرا، لان الجيش اصبح يقيم علاقة قسرية مع المختارين وشيوخ العشائر والوجوه الاجتماعية في مناطق العشائر الجنوبية ويرغمهم على الاشتراك في حملات القمع ويعاقبهم لنشاط أقاربهم وأبناء عشائرهم، معتبراً ذلك وزراً يحملونه ويطلب منهم معلومات عن أولادهم وأقاربهم وبدأت منظومات الأمن تفرزهم على أساس انهم متعاونين أو غير متعاونون، ورغم جهود النظام لتفكيك واقع الروابط العشائرية واضطرارهم إلى إبداء فروض الطاعة، فان هؤلاء الشيوخ والوجهاء الذين يتمتعون بتقدير واحترام أهالي مناطقهم لم يتخلوا أبدا عن أبناء عشائرهم الذين كان يتم القبض عليهم بل كانوا يبادرون إلى بذل كل الجهود الممكنة لإطلاق سراحهم، حيث كانوا يعلمون ما للتأخير من نتائج وخيمة.. لذا كانوا يراجعون الدوائر الأمنية ومقرات الجيش حال إلقاء القبض على أحد أبنائهم استعجالا في تخليصه من مخالب الموت المحتم، وأمام هذه المهمة كانوا يبدون من أشكال التوسل وأساليب الاسترحام ما جعلهم يريقون ماء وجوههم أمام من يعتقدون أن في يده نتفة من عطف أو إغاثة، حتى ان بعض هؤلاء الشيوخ الموقرين ذهبوا إلى بغداد وتكريت لعلهم يحصلون على أمل من شخصية مقربة من النظام أو من ذي منصب على إخلاء سبيل موقوف أو فك رقبة من إعدام..!
ماذا حدث في الهارثة .. ؟؟

لم تخل قرية أو بلدة في المنطقة التي كنا فيها أو المناطق القريبة منا من حوادث مأساوية وأعمال إجرامية تتم بأوامر مباشرة من ضباط أمن الفيالق والفرق استنادا إلى توجيهات مركزية عامة تأتيهم من بغداد أو بدون ذلك أحيانا أو قوات الحرس الخاص أو الحرس الجمهوري .. ففي مدينة الهارثة، الناحية التي تقرب في وصفها وخصائصها من "النشوة وكرمة بني سعيد والمدينة والهوير والدير" حيث جميع القرى والمدن والبلديات تعيش ظروفا متماثلة، فان خصال السكان في الشهامة والكرم والشجاعة والتضحية من اجل الوطن ظلت متميزة، لكن تلك الخصال لم تسعفهم بعد الانتفاضة، فقد عوملوا معاملة الأعداء وكان مضمون الأوامر التي ذكرناها تنص صراحة على إنزال عقوبة الموت بهم فورا.
في الهارثة، حدثني ضابط برتبة كبيرة أثق به وكان متألما وتفيض كلماته مرارة حين قال:
(قامت قوة من الفرقة المدرعة الثالثة بقتل أحد شباب الانتفاضة بتهمة انضمامه إلى مجموعة الشباب الذين هاجموا السيطرة القريبة من مدخل ناحية الهارثة يوم 7 آذار 91، حيث قامت هذه القوة بربط أطراف الشاب إلى ناقلتين مدرعتين وصدر الأمر إلى الناقلتين بالتحرك باتجاهين متعاكسين مما أدى إلى انشطار جسم الشاب إلى شطرين، ومما زاد في بشاعة المنظر هو أن هذه الجريمة ارتكبت على مرأى ومسمع من عائلة الشاب التي كانت تترصد مصير ابنها على بعد من مسرح تنفيذ الجريمة البشعة، وإذا كان لا بد من ذكر صور أخرى عن تلك الأعمال اللاإنسانية، ففي مدينة الهارثة نفسها قامت نفس العصابة المجرمة بقتل أخوين أمام والدهم .. ! وتساءلت، لماذا كل هذه الوحشية وهذه القسوة وما المقصود من ورائها ؟ وهل صحيح أن الجيش أصبح أداة لتنفيذها ؟)
وكان الأمر مستغربا حقا، خصوصا وانه يصدر من الفرقة الثالثة، فإذا كان قادة بعض الفرق قد أصابتهم الحيرة والدهشة من الأحداث وسيطر عليهم ضباط الأمن الذين أصبحوا يتصرفون كالكلاب المسعورة، فان قائد الفرقة الثالثة، العميد الركن "حسن زيدان اللهيبي" وكما عرفته يتحلى بسمعة طيبة محافظا على بعض القيم والاعتبارات، فكيف سمح بذلك ؟ وقد زالت حيرتي عندما تأكدت من أن العناصر المجرمـة قد تصرفت دون إذن منه وبدون علمه !
القبر ... والسعفة !!

إن آثار هذه الجرائم بقيت لأشهر تالية عالقة في ذهني، فبعد الانتفاضة بشهرين أو اكثر، كلفني أحدهم بطلب إنساني وكنت ما أزال اشغل منصب رئيس أركان الفرقة السادسة قائلا:
(هناك رجل طاعن في السن يعاني من مشكلة إنسانية في قاطع فرقتك وهو يطلب المساعدة في موضوع هد كيانه واقض مضجعه، فقد قتل ولده في منطقة النشوة ضمن قاطع الفرقة وكان مشهد قتله مأساة لا يقوى على تحملها إلا المؤمنون الصابرون، فقد قتله جنود الحرس الجمهوري على مرأى من والده وأخته البالغة من العمر اثنتي عشرة سنة وتركوه في الشارع وهم مطمئنون إلى انه سيبقى هكذا لان الأوامر صريحة بترك جثة من يقتل في الشارع، وظل الأب والأخت يحومان حول الجثة ولا يجرءان على الاقتراب منها ولكنهما عندما شاهدا الكلاب بدأت تنهش الجثة لم يتحملا ذلك وقررا أن يحفرا للابن حفرة ويدفنا الجثة مهما تكن النتيجة وفعلا ذلك في نفس المكان وكان وقع المأساة على الأخت شديدا فلم تتحمل أعصابها ذلك المشهد المذهل، فأصيبت بخلل عقلي! وبعد هدوء الأوضاع راجع الوالد المسؤولين ليسمحوا له بنقل جثة ابنه إلى مقبرة العائلة في ناحية الدير، لكنهم لم يسمحوا بذلك والرجل يعرف علاقتي بك وهو يعرفك ويلح علي أن اطلب منك مساعدته ليقوم بنقل جثة ابنه وهو طلب لا اعتقد أن أحدا في قلبه ذرة من شفقة يرفضه).
هذه صفحة جديدة تضاف إلى سجل الجرائم الأخرى، بهذه الفظاعة عومل الناس ونزعت الرحمة من القلوب، فالشاب انتقل إلى جوار رب كريم، بعد أن أدى ما عليه ولكن أزلام السلطة يريدون التفنن في معاقبة حتى الأموات، أما الأحياء ممن قادهم القدر إلى الخضوع لمثل هؤلاء الازلام فان مآسيهم تقشعر لها الأبدان، ولقد تذكرت الرجل وطلبت أن التقي به وجاءني وهو يرتعش وكانت ملامحه تتشح بالحزن والنظرات البائسة، مد يده وصافحني ورحبت به وكانت كلماته مثقلة بالألم ويتكلم بصعوبة لثقل المأساة التي أصابته.
بدأ الرجل العجوز المسكين يتذكر ابنه وكان كأس الشاي يرتجف في يده وقال: "خلال القصف الجوي انتقلنا إلى هذه المناطق القروية شرق شط العرب كونها اكثر أمنا، ولما قامت الأحداث خرج الشباب ومن ضمنهم ابني وشارك في الانتفاضة ثم جاء الحرس الجمهوري وقاموا بإطلاق النار عشوائيا، ثم اصبحوا يرمون المارة بالشارع عن بعد وقد رموا ابني وأردوه قتيلا أمامي، وعندما اقتربت من جثته، أبعدني أفراد من الحرس بعنف وشدة ولما توسلت إليهم رغم كل ما أصابني منهم قالوا: التعليمات تقول أن يبقى هؤلاء المخربون أمثال ابنك في الشوارع لتنهشها الكلاب السائبة وأصابنا الذهول وأصبحنا مسلوبي الإرادة ننظر إلى الجثة حتى جاءت الكلاب وبدأت تنهشها، فلم احتمل المشهد وقررت أنا وابنتي حفر الأرض بأيدينا ووارينا عليه التراب وغرزنا على مكان دفن الجثة سعفة نخلة لتظل علامة لنا تنادينا عند زيارة ابننا وبعد فترة، راجعنا جماعة الأمن في الفرقة السادسة متوسلين إليهم للحصول على الموافقة في نقل الجثة إلى مقبرة الدير فكان جوابهم: "الأوامر تقول أن يبقى هؤلاء في مكانهم".
سألته هل يعرف مكانه قال: نعم في مدخل الفرقة .. اتصلت بضابط الأمن "حسين خلف جراد" واستفسرت عن الموضوع قال: - "سيدي، هذه أوامر السيد الرئيس الله يحفظه وهي أن جثث هؤلاء المخربين والغوغائيين تبقى في الشوارع مثل الكلاب المقتولة".
قلت له: "حتى لو كانوا كلابا مقتولة، فواجب الدولة أن تقوم بنقلها ودفنها منعا للتفسخ وما ينتج عنه من أسباب تؤدي إلى انتشار الأمراض".
قال: سيدي: "لا توجد مشكلة إذا كانت الأمراض تصيب أهالي المنطقة! إن الأمور ليست بأيدينا ويجب في مثل هذه الحالة أن نأخذ موافقة الفيلق ! عندها أدركت فشل محاولتي لأني اعرف أن الفيلق لا يوافق على تقديم أية مساعدة مهما كانت مشروعة ما دامت تمس أوامر صادرة من جهات عليا خاصة رغم كون هذه الأوامر خالية من كل مشاعر الإنسانية، لذلك قلت للرائد حسين، ضابط الأمن:
- لنعالج هذه الأمور بيننا..!
أجابني: "أرجوك يا سيدي أن تنسى هذا الموضوع ولا تتدخل فيه لان ذلك يسبب لك مشاكل.!
- قلت له:
- "إذن، غضوا النظر عن الرجل إذا جاء لينقل جثة ابنه ولا تعترضوه وكأنكم لا ترون ما يفعل !".
وافق حسين على الاقتراح، لكنه قال مستدركا:
- "المشكلة يا سيدي أن الجثة قريبة من باب مقر الفرقة، وسوف يراه حراس الأمن وسيتصلون بلا شك بالقيادة * وبذلك أتحمل أنا المسؤولية ويصبح ذلك مستمسكا ضدي وأنت تعلم ماذا ينتظرني عند ذاك".. هذه حالة تكشف عن هيمنة النظام الأمني (البوليسي) على الجيش وعلى المؤسسات الأخرى وتذكرت كم من وزير أو عضو قيادي يخشى عنصرا أمنيا قريبا منه كمرافق أو موظفا في وزارته!
لحظتها، تراكمت في ذهني الأحداث وبدأت لا أهدأ من إظهار عدم الارتياح وكان اغلب الضباط الذين أثق بهم يشاركونني في تحسس هذه الهموم بل إن البعض منهم هو الذي يبادرني بإظهار الاستياء وسرد الأحداث المماثلة التي شاهدها أو سمعها ويتساءل، إلى متى ستستمر مثل هذه الأعمال الوحشية وهذا الظلم ؟ وفي إحدى المرات، عندما تحدثت مع أحد الضباط عن هذه الجرائم وذكرت عددا منها، بادرني بنفس الشعور وحكى لي ما فعله "مانع عبد الرشيد" (أصبح رئيس جهاز المخابرات) عندما أطلق الرصاص على شابين بعد أن وضع أحدهما فوق الآخر أمام والدتهما في حي الحيانية في البصرة، وكان "مانع" آنذاك يشغل منصب ضابط ركن ثاني استخبارات في مقر فرقة المشاة الثامنة والعشرين. ولم تتوقف هذه الجرائم في حدودها الفردية بل كانت عقوبات جماعية للسكان المدنيين العزل، فعمليات المداهمة للمساكن والتفتيشات كانت تتم بشكل متواصل ليل نهار، إنها بلا شك استفزازاً وانتهاكاً لكرامة هؤلاء الناس الذين بدؤوا يعيشون الغربة الحقيقية وهم في وطنهم الذي ضحوا من أجله وقدموا دماءاً غزيرة دفاعاً عنه. كانت الطبيعة السمحة لضباطنا وجنودنا وما يتحلون به من وطنية وشهامة تدفعهم إلى عدم تنفيذ ما يصدر إليهم من أوامر قاسية وشديدة تجاه هؤلاء المواطنين العزل إلا في حالات الضرورة القصوى حيث كانت عناصر الأمن والاستخبارات المرافقة للقطعات العسكرية تشكل عيون للنظام وآذانه ترصد تحركات هؤلاء الضباط والجنود وأخبرت عن الكثيرين منهم.

قـــادة ... في الأســر!!!

العميد الركن "سعدون يونس محمد أمين بابان" قائد الفرقة المدرعة السادسة
استقر الموقف نسبيا في القاطع الجنوبي بعد 15 آذار 91 وبدأت تشكيلات الفرقة المدرعة السادسة تعيد تنظيمها وتحاول إكمال نواقصها الإدارية وكلف لواء المشاة الآلي/25 بالانفتاح قريبا من الحدود العراقية الإيرانية، وتحديدا في منطقة حقول نفط مجنون الجنوبي، وكانت كتيبة الدبابات السادسة إحدى الوحدات التي انفتحت هناك.
كان الضباط والجنود متعبين والإجازات الدورية لم تفتح بعد وأخبار الانتفاضة لا تزال تتواصل في شمال ووسط العراق. في الجانب الآخر من الحدود، كان الجنود الإيرانيون واقفين في وضع استراحة ينظرون إلى جنودنا الذين أنهكهم التعب وخذلهم الموقف، وكنا آنذاك في شهر رمضان المبارك، وحيث إن جموع الجنود في كلا الجانبين مسلمون، فكان ينظر كل طرف إلى الآخر في وقت الصلاة ولا يخفي ما لتلك النظرات من دلالة وخاصة عندما يستعد الطرفان لأداء تلك الفريضة التي هي واحدة عند الطرفين، وهكذا صار هذا الموقف يتكرر يوميا مما نتج عن حدوث نوع من الالفة والمعايشة في وقت الإفطار، وربما كان بعض الأفراد من كلا الجانبين يتبادلان الزيارات الرمضانية خلسة وخصوصا من جانب أفراد جيشنا إذ إن هذه الحالة وهذا التسامح ينبعان من طبيعتهم العراقية الأصيلة وهم مطمئنون إلى خلق مودة جديدة مع عدو الأمس، وهكذا توطدت تلك العلاقة الجديدة بصورة لا يشوبها شك من جانب جنودنا وهم يستندون في ذلك إلى الموقف العراقي الرسمي الذي أعلن إنهاء كل ما يتعلق بالحرب مع إيران (وبجرة قلم ‍! ) بعد دخول الجيش العراقي الكويت.
حينذاك، اختفت لدى الضباط والجنود كثير من الحساسيات ومشاعر العداء للإيرانيين، حيث أنها كانت وليدة ظروف حرب استثنائية، وخاصة بعد أن علم الجميع، بأن صدام أوعز بإيداع الطائرات العراقية المدنية والحربية لدى إيران وكنا نتصور أن اتفاقا قد تم بخصوص الطائرات المذكورة مع القيادة الإيرانية التي كانت تتحدث عن الشيطان الأكبر وهي تقصد بذلك (أمريكا) التي هاجمت العراق، هكذا كانت الأجواء السائدة بين تشكيلاتنا الأمامية على الحدود مع إيران وهي عموما أجواء تسودها مشاعر سلمية بعد أن توقفت لهجة التصريحات العدائية بين الحكومتين، العراقية والإيرانية.
وفي عصر يوم 27 آذار 91، ذهب جنديان عراقيان من كتيبة الدبابات السادسة إلى الجانب الإيراني، إذ ان المسافة بين الجانبين لا تبعد أكثر مــن (200 م ).. وعندما بدا انهما قد تأخرا عن موعد عودتهما نقل زملاؤهم خبر تأخرهم إلى آمر السرية الذي ذهب بدوره إلى الجانب الإيراني لجلب جنوده إلا انه سمع الإيرانيين يخبرونه بالآتي:
(اعتبر القائد الإيراني الميداني الجنديين العراقيين أسيرين لديه، ولكن، بإمكان قائد الفرقة العراقية أن يأتي لمفاوضته في نفس الموقع وسوف يتم إطلاق سراحهما.)
عاد آمر السرية فورا ليخبر آمر الكتيبة (المقدم حافظ القره غولي) بنتيجة تفاوضه مع القائد الإيراني والذي بدوره ذهب فورا إلى آمر اللواء (العقيد الركن محمد علي الجميلي) ليخبره بتفاصيل الحادث وقد ذهب الأخير إلى قائد الفرقة (العميد الركن سعدون يونس) ليطلعه على الموقف، وربما أراد قائد الفرقة وآمر اللواء أن يتلافيا الموقف بسرعة ودون الحاجة إلى إخبار المراجع وما قد يتسبب عن ذلك من انتشار خبر فضيحة جديدة حول هروب جنود عراقيين إلى إيران وخاصة في تلك الظروف الحرجة، فقد قرر قائد الفرقة سعدون يونس، أن يذهب بنفسه لملاقاة القائد الإيراني على خط الحدود وخاصة أن هناك وعدا بإطلاق سراح الجنديين.
وفي الباب النظامي لمقر الفرقة، جاء المقدم الركن، "حمد خضر الخفاجي" ضابط ركن الثاني استخبارات الفرقة وعرض على القائد الذهاب معه، فوافق وذهب الاثنان.. وعند وصولهما الموقع الإيراني، استقبلهم الإيرانيون بحفاوة وأحاطوهم بضيافة جيدة ثم أطلق سراح الجنديين وعادا مع (القائد ومجموعته المؤلفة من آمر اللواء وضابط ركن استخبارات وآمر كتيبة الدبابات السادسة وعدد من الضباط الأحداث وجنود الحماية الذين بلغ عددهم (33) شخصا) وكان الجميع فرحين حيث أنجزوا مهمة خطرة دون مشاكل..!
وما أن عاد القائد ومجموعته إلى الحدود العراقية مودعين من قبل الإيرانيين، وبعد مسيرة بضعة كيلومترات حتى وقع الجميعفي كمين كبير يبدو أن الإيرانيين قد أعدوه مسبقا واحكموه جيدا كما ويظهر أن كل التسهيلات المزعومة من ترحيب ووعد بإطلاق سراح الجنديين كانت تخطيطا لمراوغة انتهت بتنفيذ خدعة تنطوي على سلوك يخلو من الشهامة..! وهكذا سيق قائد الفرقة، "سعدون يونس" ومن معه أسرى إلى إيران ولا يزالون هناك * شكل مجلس تحقيقي في مقر الفيلق للتحقيق في موضوع الأسرى الجديد واعتبر سعدون مقصرا في موقفه لعدم إشعار الفيلق واستحصال الموافقة قبل الذهاب للتفاوض، وقال الجندي المخابر في بدالة الفرقة: طلب مني العميد الركن "سعدون تأمين اتصال هاتفي بقائد الفيلق بينما قال الجندي المخابر في بدالة الفيلق إن العميد الركن "سعدون" تحدث مع شعبة حركات الفيلق.
بدأت الأحاديث والتعليقات تأخذ صيغا أخرى إضافة إلى عدم الأخذ برأي الجنديين المخابرين لان قائد الفيلق كان قد نفى حدوث الاتصال الهاتفي معه.

العميد الركن "عبد الجليل عبد الحميد الحيدري" قائد فرقة المشاة/20
كانت الفرقة / 20 مشاة تحتل موضعا دفاعيا داخل الكويت ضمن قاطع الفيلق الرابع وعلى جناحه الأيمن (وادي حفر الباطن)، وعلى الرغم من الإمكانيات المتواضعة لهذه الفرقة فقد تصدت لقوات التحالف المهاجمة وكانت (قوات مصرية) * وأجبرتها على التراجع في بعض الأحيان وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول، كما تمكنت هذه الفرقة من إسقاط ثلاث طائرات أمريكية من نوع (a 10) طائرة بدون طيار وأسّرت أربعة طيارين، كما دفعت بعدة دوريات استطلاع إلى عمق الجبهة المواجهة لها.
وقد تعرفت على هذه الفرقة بالشكل الذي جعلني أحصل على الكثير من التفاصيل المتعلقة بها لأني كنت حينذاك آمر اللواء المدرع / 16، وكانت مهمتي هي القيام بالهجوم المقابل لاستعادة أي تشكيل أمامي من تشكيلات الفرقة/20 يسقط خلال المعارك وكانت هذه هي خطة مناورة الفيلق، لذا فقد كنت أنا وهيئة ركن اللواء وآمرو الوحدات في حالة تماس مباشر ويكاد يكون يوميا مع تلك الفرقة (أرضا وقطعات وقيادات).
تعرفت على قائد الفرقة والعقيد الركن "عادل عبد اللطيف الجبوري" ضابط الركن الأول (يعمل في المعارضة الوطنية حاليا) والمقدم الركن "إبراهيم محمد علي الجبوري" ضابط الركن الثالث استخبارات للفرقة والعقيد الركن "رياض عبد الرزاق الخطاب" آمر لواء مشاة/60 (متقاعد)، أما العقيد "صالح حاجم التكريتي" آمر لواء مشاة/435 (عين ضابط أمن الفيلق الثالث لاحقا) والعميد الركن "عبد الغني عجيل طاهر الاسدي" رئيس أركان الفرقة، فقد كانت لي معرفة سابقة بهما.
كان انطباعي العام عن الفرقة، قائدا وهيئة ركن وأمري تشكيلات جيدا، وقد تلمست في العميد الركن "عبد الجليل الحيدري" شجاعة متميزة وأخلاقا فاضلة تعززهما مهارة عسكرية ملموسة ووطنية صادقة، أما العقيد الركن "عادل الجبوري"، فقد وصف لي قائده قائلا (كان العميد الركن "عبد الجليل الحيدري" هادئا ومتزنا على الرغم من كل الظروف الصعبة التي أحاطت بالموقف، فقد كانت أوامره صريحة وواضحة وكان التعاون التام والألفة يسودان هيئة الركن والآمرين بفضل ما يلقونه من رحابة صدر لدى قائدهم وتوجيهاته السديدة.
تم إبلاغ قائد الفرقة/20 بأمر الانسحاب في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل يوم 26 شباط 91 بواسطة الجهاز اللاسلكي مثلما تم مع بقية الفرق وانسحبت الفرقة مشيا على الأقدام على الطريق العام الستراتيجي النفطي إلى داخل العراق في منطقة الرميلة ووضعت بأمرة الفيلق السابع ووصلت العمارة، وفي هذا الوقت اندلعت شرارة الانتفاضة الباسلة وتوالت الأحداث وتعددت الواجبات وضاع الهدف المركزي من وجود الجيش عندما تحول عن واجبه الرئيس في حماية الوطن إلى أداة لقمع انتفاضة الشعب الثائر، الشعب الذي سأم سياسة القمع والتقتيل والاستكانة.
كان الوضع العام غير مستقر في ميسان "المدينة" وكذلك على مقربة من الحدود مع إيران وهذا ما استوجب أن يكون القائد في حركة دائمة هنا وهناك للاستطلاع وتحديد المهام للتشكيلات في ظل ظروف غير طبيعية وبالغة الصعوبة من الناحية الإدارية والمادية والمعنوية، وفي نهاية آذار وعندما كان القائد يتنقل على طريق الطيب - ميسان، وقع مع عدد من أفراد حمايته في كمين نصب له من قبل الإيرانيين داخل الأراضي العراقية واقتيد هو ومن معه أسرى إلى إيران ولا يزالون هناك. هذا ما قاله أحد جنود الحماية الذي تمكن من الهرب والوصول إلى مقر الفرقة حيث شرح الموقف، أما رئيس الأركان العميد الركن "عبد الغني عجيل الاسدي" فيقول:
(اتصل بي القائد في لحظة وقوعه في الأسر بواسطة الجهاز اللاسلكي طالبا مني عدم تنفيذ أي أمر * يصدر منه لي بعد هذه اللحظة وكان من خلال صوته الخافت يبدو متعبا وسمعته يتألم وانقطع الاتصال!)
وبعد قمع الانتفاضة، بدأ النظام يتنفس من جديد، حيث أخذت بعض العناصـر تتحـدث بخبـث وضغينة عن "عبد الجليـل" والفرقة/20 بقولهم، الفرقة فيها نفس طائفي ! وذلك لان قائد الفرقة ورئيس الأركان وآمر أحد التشكيلات من أهالي الجنوب• وعليه، تم نقل رئيس أركان الفرقة إلى منصب ضابط ركن في مقر الفيلق الرابع بعد أن كان يطمح أن يعين قائدا لكفاءته وإخلاصه وأحيل آمر اللواء/60 على التقاعد لاحقا.
الفصل الرابع




من البصرة إلى بغداد

سريان الشرارة
سرت شرارة الإنتفاضة الباسلة في معظم أنحاء العراق مثل سريان النار في الهشيم وذلك لسرعة استجابة العراقيين لها واستعدادهم الذي أدى إلى سقوط وتهاوي الأجهزة الأمنية والحزبية دون مقاومة. كنا نتلقف الأخبار من الأشخاص الذين بدأوا يتوافدون إلى البصرة من أرجاء البلاد للاستفسار عن مصير أبنائهم الجنود والضباط بعد عملية الانسحاب من الكويت، حيث القلق المتزايد وسط دخان حرائق الحرب الذي كان لا يزال ينبعث من آبار نفط البصرة والكويت التي التهمتها النيران. وبالرغم من صعوبة التنقل وشحة البنزين والمخاطر الكثيرة عبر طرق ملتهبة، كان كل واحد منا حريصا على مقابلة هؤلاء القادمين للتعرف على آخر الأخبار والأوضاع التي بدأت تسود المحافظات كافة. كانوا يسألون عن أبنائهم، وكنا نسأل عما يدور في محافظاتهم عما حدث كيف تسير المقاومة الشعبية ؟ الوضع المعاشي .. الماء، الكهرباء، الخدمات وعن آثار القصف الصاروخي والجوي .. الخ.
كان كل واحد منهم يحمل قصة وصوله إلينا .. المشاكل التي صادفته في الطريق الطويل لمسافة "600كم" .. حوادث الطرق الكثيرة .. تعرضهم إلى عمليات الإبتزاز والتسليب .. واستبدالهم لأكثر من عجلة وعلى شكل محطات .. واسط أولاً ثم العمارة وأخيراً البصرة، وتحدثوا لنا عن نشاطات المنتفضين الثوار في المحافظات التي مروا بها، واسط والعمارة، كذلك حدثنا من جاء من جهة الفرات الأوسط والجنوب، كر بلاء، النجف، بابل، الديوانية، المثنى وذي قار حيث سادت الانتفاضة كل هذه المدن.
وكذلك عمت الانتفاضة المحافظات الشمالية، دهوك، سليمانية، أربيل وكركوك بكل قراها وضواحيها، أما ديالى، هذه المحافظة المتوازنة في تركيبة سكانها من العرب والكرد والتركمان وطوائف أخرى، فقد حدثت في بعض أقضيتها ونواحيها انتفاضات صغيرة في كل من خانقين وجلولاء وضواحيهما حيث أصبحتا تحت سيطرة الثوار، وحدثت تجمعات شبابية تنادي بالانتفاضة وإن شرارتها على وشك الاندلاع في ضواحي مدينة الخالص ذات التاريخ النضالي المجيد، أما بعقوبة المركز، وضواحيها والمقدادية، فقد كانت كالقنبلة الجاهزة للانفجار.. وهكذا الحال في محافظة الأنبار والفلوجة والموصل حيث تحشدت الجماهير في الجوامع، وفي صلاح الدين، كان أهل تكريت وبلد والدجيل والاسحاقي وسامراء والضلوعية على أهبة الاستعداد للمشاركة في الأحداث، يتحفزون أيضا والجميع بانتظار تطور الأحداث، أما في قضاء "طوز خورماتو" التابع إداريا إلى مركز المحافظة فقد انفجرت فيه انتفاضة عارمة.

الانتفاضة في العمارة

هذه المدينة العراقية الباسلة التي تحملت آلام ومعاناة ثمان سنوات من الحرب المتواصلة مع إيران إذ دارت فوق أراضيها وعلى حدودها معارك ضارية قدمت خلالها تضحيات جسيمة من شبابها وكان الضغط الاقتصادي عليها شديداً لاستضافتها ما يعادل عدد سكانها من الجنود والمقاتلين منذ عام 1980.. أهلها عرب أقحاح من عشائر "السواعد والبو محمد وبني مالك والفريجات وآل ازريج وغيرهم"، وهم على الرغم مما كانوا يلمسون من تمييز طائفي ضدهم مارسته مختلف الحكومات والأنظمة الحاكمة منذ بداية ما يسمى بالحكم الوطني عام 1921، فان سوح المعارك والسواتر والمواضع على حدودنا الشرقية تشهد لهم بالبسالة والشجاعة والتضحية بسخاء دفاعاً عن العراق.
ينتابني شعور بالحنين إلى مدينة العمارة، وإذا كان لا بد من تشخيص سبب مباشر لهذا الحنين، فهو ما لمسته من أهلها من كرم وعناية عندما أصبت بجروح في "14 تشرين الأول 1980"، في بداية الحرب مع إيران ونقلت إلى مستشفى العمارة الجمهوري وكان معي ضابط جريح من أهل العمارة، فكان أهله وأصدقائه يزورونني معبرين عن اعتزازهم بي ويتمنون لي الشفاء قبل أن يمروا على إبنهم وصديقهم مما جعلني لم أشعر بأني بعيد عن أهلي الذين لم يعلموا بأني جريح إلا بعد خروجي من المستشفى وذهابي إليهم بإجازتي المرضية. وفي "7 تشرين الثاني 1982"، جرحت مرة أخرى ونقلت إلى مستشفى الطوارئ في العمارة ولم تختلف تلك المعاملة عن سابقتها من قبل أبناء المحافظة، ويبدو أن تلك القيم والعادات متأصلة في نفوسهم ولم تغيرها الأحداث والمعاناة.
وفي المعارك، كان الضباط والجنود "الميسانيون" في قمة الرجولة والشجاعة والبسالة في الدفاع عن أرضهم، شأنهم شأن كل عراقي نجيب ولكني كنت أشعر أو أميل إلى تمييزهم إنصافا لما لمسته فيهم من شجاعة وشهامة، فقد كان كثير من أبنائهم معي في كتيبتي السابقة "كتيبة دبابات 1 حزيران" وما زالت أسماء شهدائهم، عبد الرضا ومحيسن ومحمد وعلي ترتسم صورا استقرت في ذاكرتي ووجداني.
ظهر يوم 2 آذار 1991، اندلعت شرارة الانتفاضة في مركز محافظة ميسان وخلال ساعات سيطر الثوار على المدينة وضواحيها وهرب أزلام النظام واشتعلت النيران في دوائر الأمن ومؤسسات الدولة التي كانت الهدف الأول للثوار. هكذا رويت لي قصة الانتفاضة في العمارة باختصار شديد من قبل أحد أبنائها الذي جاء يبحث عن شقيقه الجندي في الفرقة المدرعة السادسة وكانت المدينة مركزا لتجمع كثير من القوات العائدة من الجنوب وخاصة من الحرس الجمهوري .. وفي جنوب المدينة على بعد (10كم)، يوجد مقر للفيلق الرابع الذي تعرض له الثوار منذ اليوم الأول وسيطروا على جميع محتوياته، لذا فان كثيراً من الفرق العسكرية قد مكثت في العمارة لبضعة أيام في طريق عودتها شمالاً أو غرباً.
وقبل نهاية آذار 91، مررت بمدينة العمارة عند تمتعي بالإجازة وأنا في طريقي إلى بغداد .. كانت المدينة تحكي قصة مأساوية عن التخريب والدمار الـلذين أصاباها، فالجسور مقطعة وهناك استدارة واسعة حول مدينة "المشرح" * لغرض اجتياز المدينة وآثار قصف الحلفاء بادية على الجسور والمواقع الحيوية، أما الدور المخربة والبنايات المحروقة وحواجز الطرق فإنها دليل مقاومة باسلة أبداها السكان المدنيون ضد قوات النظام. كانت الشعارات المعادية للنظام تغطي الجدران ولا وجود لجداريات أو صور "الرئيس القائد..!" التي كانت قد أزيلت وكسرت كلها وكان البؤس بادياً على وجوه أهالي العمارة المتجمعين هنا وهناك للحصول على كمية الطحين من وكلاء توزيع المواد التموينية.
نُسّب الفريق الركن "هشام صباح فخري" ** قائداً عسكرياً لمدينة العمارة، وكان هشام في بداية الثمانينات قائداً للفيلق الرابع وهذا هو سبب تعيينه بهذا المنصب، فهو يعرف أهل ميسان وهم يعرفونه أيضا لما له من سوابق خطيرة معهم، فهو متهم بقتل العشرات من شبابهم في الاهوار بين عامي "1982-1984" وهو طموح ويحاول استرضاء صدام ولكن الأخير يضطر إلى أن يكبح جماحه من حين لآخر ليوقف حدة طموحه الذي يعتبره غير شرعي بالتأكيد، خاصة وان هشام يمتلك تاريخاً حزبياً، فهو من أوائل البعثيين في مدينة الموصل ويتمتع بشخصية فيها قدر من الجرأة. وعلى أية حال، تم اقتحام المدينة بالقوة المسلحة واشتركت قوات الحرس الجمهوري وقوات قليلة من الجيش في استباحتها، وعلى الرغم من كل ذلك، ظلت المدينة تحتضن كثيراً من الضباط والمسؤولين الذين اختبئوا فيها، فأكرمتهم وأمنت وصولهم إلى بغداد بسلام. وهناك قصص كثيرة حول هذا الموضوع، فقد دار حوار بيني وبين ضابط برتبة مقدم من الأنبار وهو ينتسب إلى إحدى وحدات الحرس الجمهوري التي هاجمت مدينة المشرح حيث قال:
في هذه المدينة، اضطررت إلى دخول أحد البيوت إنقاذا لحياتي من خطر موت يترقبني بعد انقطاع الاتصال مع وحدتي!
- وكيف كانت استجابة أهل الدار لك في تلك الظروف ؟
- ما أن طرقت باب الدار، حتى خرج أهلها كلهم يرحبون بي ويدعونني للدخول وهم يلهجون بـ "أهلاً وسهلاً، بالضيف العزيز، تفضل.. تفضل.. إنك في بيتك وبين أهلك" !
ثم دخلت وجلست وكانوا أمامي يبدون من كرم الضيافة ما أعجز عن وصفه، وأثناء ذلك دخلت مجموعة شباب يحمل أحدهم جريحا وهو ينزف، فطلبت أن أتولى أمر معالجته وبدا لي حينها أن جميع أولادهم يقاتلون في صفوف الانتفاضة.
- (الشيخ) سنعالجه نحن ولا تكلف نفسك.
- لا يا شيخ، إني أحمل معي ضماداً طبياً وعندي خبرة في العلاج وسوف استخدم الضماد لإيقاف النزيف.
وخلال دقائق ضمدت الشاب وتوقف نزيفه ولكنه ظل في حالة خطرة وعند سماعي بوصول قوات الحرس الجمهوري إلى المدينة التمست الشيخ صاحب الدار، وقلت له:
- يجب أن أخرج وبسرعة قبل وصولهم إلينا وإلا فسوف اتهم بالعمل معكم واقتل حالا‍ً !
- لك ما تشاء أيها الضيف العزيز !
- غير أن وصولي إلى أحد المعسكرات يتطلب أن أرتدي ملابس مدنية وأن تصاحبني أنت شخصيا للوصول بسلامة حيث أن الثوار يسيطرون على الطرق.
وفعلا تفرغ الشيخ كلياً لي وقد أحضر لي ملابس مدنية وسار معي حتى أوصلني إلى مكان أمين، تاركا إبنه الجريح في البيت !!!
هذا الموقف بين الضابط من الأنبار والعائلة الجنوبية من المشرح يعكس نوعا من روح الفروسية التي تعني (النبل والشهامة والعفو عند المقدرة) عندما تستقبل العائلة وهي من الثوار عسكريا في جيش يقاتلهم فيضيفونه ويكرمونه وعندما يتطوع الضابط لإيقاف نزيف ثائر ضد النظام وهو يعلم حجم المساءلة التي يتعرض لها ونوع العقوبة التي ستطبق عليه في حال الوشاية به.
وهذا النموذج يعبر عن عمق العلاقة الحميمية بين أبناء الشعب الواحد التي حاولت مختلف الأنظمة السياسية المتعاقبة على حكم البلاد تمزيقها من خلال إتباع سياسة التمييز الطائفي بين عرب العراق خاصة وفقا لسياسة "فرق تسد" كي يسهل ترويض هذا الشعب ومن ثم تسهل قيادته.. كانت هذه السياسة أكثر وضوحا منذ انقلاب 8 شباط 63 وتصاعدت تدريجيا ووصلت ذروتها في عام 1991 خلال قمع الانتفاضة وبعدها، ولكن أي حكم ديمقراطي عادل كفيل بإزالة كل ترسباتها خلال فترة مناسبة من الزمن..!
جنود ... طعم للاسماك !

حدثني اللواء الركن "رعد مجيد فيصل التكريتي"، قائلاً: إن فرقته "قيادة قوات الأربعين" التي اشتركت في اقتحام مدينة العمارة الباسلة في منتصف آذار 91 قد استخدمت المدفعية وكل الأسلحة المتيسرة لديها في عملية "تحرير المدينة" على "حد قوله" وانه كان لا يخاف ولم يخلع رتبته العسكرية عندما كان يقتحم المدينة مثلما فعل الآخرون، وذكر لي بعض أسمائهم، وحينما سألته عن الاشتباكات المسلحة قال، وقع قتال مدن ضار وتم هدم كثير من البيوت بنيران الدبابات والقاذفات كما وقعت خسائر بأفراد من الحرس الجمهوري والقوات الأخرى. هذا الضابط كثيراً ما يخلط بين الجد والهزل في حديثه، فقد عرفته هكذا منذ كان زميلي في كلية الأركان عام 1984، وعندما سألت بعض الأصدقاء عن مدى الصدق في حديثه ، قالوا : صحيح، إن المدينة تعرضت لقصف مدفعي وكذا وكذا ولكن رعد كان متمارضا ومؤشرا عليه بعلامات تقصير في إنجاز ما طلب منه! قلت؟ كيف يتهم نفسه بهكذا جرائم إذن ؟
قالوا: هذه هي الانتهازية والوصولية، المهم عنده الآن أن يثبت حماسته للنظام وهذا كان شأن كثيرين مثله، فاللواء الركن "فوزي أحمد لطيف التكريتي"، قائد قوات عدنان، حرس جمهوري آنذاك تحدث أمام مجموعة من الضباط قائلا:-
"لقد قدمنا للأسماك في الأهوار طعماً يكفيها لمدة سنة!، فقد رمينا لها جثث آلاف الغوغائيين والخونة". هكذا يأخذ حديث هؤلاء المستأسدين صيغة الاستهتار المبالغ به بحياة الناس، لأن النظام السياسي الذي منحهم ميزة على الآخرين دون استحقاق مشروع، يطلب منهم التصرف بهذه الصورة وإلا فانهم يصبحون غير مرغوب فيهم * . لا شك أن أياديهم قد تلطخت بدماء أبناء الشعب من مناضلين وأبرياء ولكنهم كانوا خائفين على أنفسهم في الوقت ذاته، لذا نجد من بدأ يصور جرائمه بجهاز الفيديو أو يبالغ في حديث القتل والجريمة ويتهم نفسه علنا بأفعال دنيئة وبأكثر مما فعلت يداه أو بما لم يفعله أصلا! لذا فاني أجد في حديث فوزي كثيراً من الاستخفاف بحياة المواطنين العراقيين الذي نتج عن الشعور بالتعالي والغطرسة التي غرسها النظام في نفوسهم على مدى ربع قرن من الحكم الجائر.
الطفل "الغوغائي"

روى لي ضابط ركن كان يعمل في مقر الفيلق المتواجد في مدينة العمارة (بأن قائد الفيلق أحمد إبراهيم حماش التكريتي، * وبينما كنا معه ومجموعة الحماية نجتاز أحد الطرق في مركز المدينة، شاهدنا طفلاً لا يتجاوز عمره ستة سنوات يركض من حولنا سريعا .. فقال حماش اقتلوه.. اقتلوه، وعندما قال له أحد الضباط :
- سيدي هذا طفل عمره ست سنوات وهو لا يحمل سلاحاً! أجابه.. "هذا من يكبر يصير غوغائي"!!
ربما لم يقتل الطفل حيث لم يجد أمر أحمد حماش صدى عند ضباط ركنه ولكن عندما يأخذ الحديث هذا الاتجاه الذي يدل على مدى الاستخفاف بحياة الناس إلى حد الاستهتار والحقد بين أبناء الوطن الواحد، فان النتائج التي تترتب على هذا السلوك تكون خطيرة بلا شك. فسلوك حماش هذا هو انعكاس لنظرة النظام السياسي حيال هؤلاء الناس في تلك المحافظات عموما وليس تجاه أهل ميسان وحدهم!
بعد بضعة أشهر، صدر أمر نقلي من رئيس أركان الفرقة المدرعة السادسة إلى منصب ضابط ركن في مقر الفيلق الرابع وكان المقر في الديوانية آنذاك، وعندما كنا نتحدث نحن كضباط ركن عن فعاليات الفيلق عندما كان في العمارة خلال الانتفاضة، علمنا بأن هيئة تحقيقية قد شكلت في مقر الفيلق برئاسة عميد ركن كان مدير شعبة في مديرية الاستخبارات العسكرية* ، وبدأت الهيئة في التحقيق وأصدرت أحكام الإعدام التي شملت المئات من الشباب الذين تم القبض عليهم خلال عملية قمع الانتفاضة في العمارة وان جثثهم كانت تلقى على السواتر الترابية المحيطة بمقر الفيلق وكان الكثير منهم جنوداً عائدين من الكويت وجدوا في الانتفاضة ما يعبر عما يعتمل في دواخلهم فاشتركوا في التظاهرات والمسيرات والهتافات .. الخ.
أحكام الموت ...!؟

لكن عوائل هؤلاء المعدومين ظلت تنتظر عودتهم، وبعد أن فقدت الأمل في العودة، اعتبروا مفقودين في الكويت (وربما حتى الآن لم تفقد عوائلهم الأمل في عودتهم !). كنت أتساءل كيف كانت تجرى المحاكمات ؟ ومن الذي يحيل المتهمين إلى المحكمة ؟
فكان الرد على تلك التساؤلات يأتي واضحاً، بأن المئات من الشباب كانوا يحملون بأرتال من السيارات من مركز المحافظة وهم مكبلون وتحت الحراسة المشددة ومعهم قوائم تضم أسمائهم (مؤشر على بعضها) بما يدل على أن قرار الحكم أُعد مسبقا وينفذ في مثل هؤلاء الإعدام فورا، أما الآخرون فانهم يخضعون للتعذيب والتحقيق وبعدها يقرر إعدامهم أو ترحيلهم إلى بغداد أو وضعهم في السجن المخصص لأمن الفيلق، وكان ضباط أمن الفيلق يعملون كأعضاء في هيئة التحقيق، وقد سمعت همساً كثيراً حول هذه الهيئة سيئة الصيت إذ كان الضباط يتحدثون بألم كبير عن مجمل الأحداث المأساوية. *
مجزرة في المجر الكبير..!

يقع قضاء المجر الكبير جنوب محافظة العمارة "30كم"، وهو ذو كثافة سكانية عالية وتستند حافاته الجنوبية على هور الحمار وقد تفجرت فيه مقاومة شعبية باسلة استمرت بضعة أشهر وقال لي صديق من أهالي المجر: عندما اندلعت الانتفاضة في 2 آذار، قتل الثوار ثلاثة عشر عضواً من حزب السلطة الحاكم.
- تساءلت.. لماذا ؟
- لأنهم تورطوا مع النظام كثيراً وأصبحوا جواسيس له وتسببوا في قتل العشرات من أبناء القضاء بعد اتهامهم بالهروب من الخدمة العسكرية أو النشاط السياسي المعارض .. الخ.
- قلت، هل يوجد بين هؤلاء الـثلاثة عشر، أفراد جاءوا من غير محافظات الجنوب ؟
- قال: لا، الجميع من المجر أو المشرح أو البصرة ولكن المحافظ (دوري)* ! ونحن نعلم أن النظام لا يهتم لقتلهم طالما هم من نفس المنطقة، إذ أنه يعتبر الجميع أعداء له سواء كانوا بعثيين أو معارضين ولا أظن ذلك يخفى عليك !
واستطرد يقول: في الحرب العراقية - الإيرانية، كان النظام لا يبالي بالتضحيات لان أغلب الشهداء كانوا من جنوب ووسط العراق ولا تنس مقولة "خير الله طلفاح"، "هدوا كلابهم عليهم"، وقبلها قال عبد السلام عارف حول القتال في شمال العراق عام 1964 عبارات تدل على المضمون ذاته، واستطرد صديقي * قائلا: لو كان هؤلاء الأعضاء البعثيون من المحافظات الوسطى أو الشمالية ويقصد "بغداد - صلاح الدين - الأنبار - نينوى" لكان التعامل معهم من قبل الثوار أسهل وربما لم يحدث القتل، حيث أن الحاجز الأخلاقي والاعتباري قد يحول دون قتل المحايدين منهم على أقل تقدير، كما حصل لكثير من المسؤولين الإداريين الذين جاءوا من تلك المحافظات الذين تمت رعايتهم واحترامهم والمحافظة على سلامة حياتهم، وعندما سألته عن الحس المذهبي الطائفي وانعكاساته في التعامل مع الموظفين الإداريين والعناصر الحكومية المنسبين من محافظات شمال وغرب العراق، أجاب بوضوح: لم يكن للجانب الطائفي المذهبي دور في تعامل الثوار مع هؤلاء، لقد كان لحسن السيرة ومدى العلاقة الإيجابية مع المواطنين دور حاسم في تحديد نوع العقوبة أو المكافأة التي يستحقها أي من هؤلاء المسؤولين، ولكنهم بلا شك عوملوا كأشخاص يمثلون النظام سواء كانوا من ميسان أو من خارجها، كما بدأنا نتحسس بعدم قبول هؤلاء حكاماً علينا !
لماذا ينصب رؤساء الدوائر والمسؤولون الإداريون والأمنيون من خارج محافظاتنا بينما ينسب أبناؤنا للعمل في الخدمات ( جندي ، معلم ، مضمد ، موسيقي ، فراش ! )
ترى، هل أننا غير جديرين بتحمل المسؤولية! أم خلت محافظاتنا من الكفاءات ؟ وهل كتب علينا القتال والموت والخدمة الذليلة من أجل أن يظل هؤلاء يحتلون مراكز القيادة سياسياً وعسكرياً وأمنياً وإدارياً!؟
إذا حدث ذلك في الماضي وأثناء الوضع الراهن السيئ، فسوف لن نتقبله في المستقبل بأية صورة كانت ومهما بلغت التضحيات !
ولم يخف صديقي ما يعانيه هو وبقية الشباب من أقرانه وعموم أهل مدينته من شعور حاد بالاضطهاد والتمايز الطائفي والعزل السياسي الذي مارسته مختلف الأنظمة المتعاقبة على الحكم ضدهم وخاصة منذ عام 1980، فأشار إلى التمايز في الوظائف العامة والتدرج في السلم الوظيفي والقيادي في الدولة وفي القوات المسلحة والمحاكم والإدارة العامة..الخ. واعتبر هذا التمايز المجحف واحداً من أهم أسباب الانفجار والانتفاضة،وأن الجيل الجديد من الشباب ليس على استعداد لتحمله أو السكوت عليه مثلمـا فعل آباؤهم.
الانتفاضة في ذي قار

كانت محافظة ذي قار مهيأة للانتفاضة ضد الطغيان وكانت بانتظار الوقت المناسب، فهذه المحافظة ذات تأريخ وطني ونضالي عريق، فهي منبت الحركات الوطنية اليسارية والقومية على حد سواء، وفي قراها وأهوارها ترعرعت تنظيمات الأحزاب الإسلامية التي لا تزال تخوض نضالاً جهادياً ضد النظام، وذي قار أسوة بمحافظات الجنوب الأخرى عاشت أوضاع الرفض والإحتجاج على سياسة النظام ولم يمر يوم دون أن تكون هناك عمليات تعرضية جريئة ضد المقرات الحزبية والأمنية انتقاما لما يقوم به هؤلاء من تعسف واضطهاد للمواطنين..!
ومعروف أيضاً، أن هــذه المحافظة تعرضت إلى ضغط شديد خلال الحرب *، فقد كانت هدفاً لغارات جوية كثيفة أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح والمباني والجسور التي دمرت جميعها، إنها كالبصرة عندما أصبحت ساحة عمليات رئيسية لجيوش التحالف التي طوقتها من الشمال حيث وصلت إلى قاعدة "علي بن أبي طالب" الجوية ومما زاد الأمر سوءاً، الكره الشديد الذي كان يبديه أهل ذي قار للتركيبة الإدارية في المحافظة (المحافظ وجماعته)، فقد قال لي أحدهم (إن المحافظ جمع حوله بطانة من المنتفعين والمنافقين الذين فقدوا الروابط مع أبناء بلدتهم وعاشوا حياة الفسق والمجون وسرقة أموال المواطنين والمتاجرة بالحصص التموينية حتى وصل بهم الأمر إلى أن يؤجلوا توزيع الحصة الشهرية للمواطنين من المواد الغذائية بحجة الاستعداد للطوارئ وهذه سياسة اتبعوها لإذلال العوائل التي كانت تنتظر تلك الحصة شهريا بفارغ الصبر لعجزها عن شراء تلك المواد بسبب ارتفاع أسعارها من جهة ولمحدودية موارد تلك العوائل من جهة أخرى مما اضطر بعضهم إلى أكل علف الحيوانات ووصل الحال بالبعض الآخر إلى التفتيش عن فضلات الطعام في القمامة!!)

الطائفية ... سياسة إذلال !؟

من المظاهر والأفعال التي أفرزتها الطائفية والعزل السياسي التي اتبعها النظام تجاه أبناء المحافظات الوسطى والجنوبية، هو تعيين المحافظين والمسؤولين الإداريين ومسؤولي الأجهزة الأمنية والحزبية من خارج تلك المحافظات وبالتحديد من محافظات (صلاح الدين و الأنبار و نينوى) لإذلال الناس والسيطرة عليهم وغرس الضعف والتبعية في نفوسهم ومنع تطلعهم نحو المناصب القيادية في الدولة * (وقد مارس أغلب هؤلاء المسؤولين سلوكا غير شريف ودون نزاهة في تعاملهم مع أهل المحافظة، حيث يبدأ هذا المسؤول حال استلامه لمنصبه بتجميع عدد من المنافقين والوصوليين والانتهازيين والسماسرة وضعاف النفوس حوله لكي تبدأ مرحلة علاقات المنفعة الشخصية والمصالح بعيداً عن احترام المواطنين وتقديم الخدمة المطلوبة لهم وسوف يكشف لنا المستقبل الكثير من الحقائق حول هذه السياسة الخبيثة التي أدت بشكل أو بآخر إلى تمزيق الوحدة الوطنية العراقية إلى حد يصعب فيه رتقها واعادتها إلى وضعها الطبيعي دون تغييرات جذرية في البنية السياسية للدولة العراقية. وبنظرة سريعة إلى لوحة المحافظين الذين تناوبوا في ذي قار تجد فيها هذه الحقيقة الدامغة، ففي خلال العشر سنوات الأخيرة كان المحافظون في ذي قار كالآتي:
1- طه الهيتي ... قتل في الانتفاضة / الأنبار.
2- نوري فيصل الحديثي / الأنبار
3- عبد الإله حامد العناز / نينوى.
4- طاهر جليل الحبوش التكريتي / تكريت.
5- صلاح عبود محمود الجبوري / الأنبار.
6- أحمد عبد الله صالح / صلاح الدين.
وفي هذا الصدد، حدثنا اللواء الركن "عبد الإله حامد العناز" في نهاية عام 1991 في مبنى المحافظة وبحضور اللواء الركن "صباح التكريتي" قائد الفيلق الرابع وأشخاص آخرين، وفي معرض إنتقاده للمحافظ السابق "نوري فيصل الحديثي" قال: زارنا وزير التجارة "محمد مهدي صالح" في ديوان المحافظة قبل بضعة أيام وكان هنا نوري فيصل شاهر (المحافظ السابق)، ولما سأله الوزير عن حاجة المحافظة إلى المواد الغذائية أو أي خدمة ضمن صلاحية وزارة التجارة لتقديمها .. أجابه نوري وبأسلوب شخصي خاص يجمع أبناء "الديرة الواحدة!" حيث هو من "حديثة" والوزير "من راوة" المتجاورتين في أعالي الفرات !
(هذوله، وهو يقصد "أبناء ذي قار"، بحاجة إلى عرق "خمر"، أكثر لهم من العرق، أهم شيء لديهم شرب العرق! مع ما رافق الحديث من استهزاء واستخفاف بهؤلاء الناس..‍‍‍!
هذه هي نظرة المسؤولين في الدولة العراقية، ليس لأبناء ذي قار وحدهم، بل تشمل كل أبناء محافظات الجنوب والفرات الأوسط الأخرى، ففي البصرة صدرت توجيهات بتنشيط دور الدعارة والإكثار من الملاهي ومنح مزيد من إجازات محلات بيع الخمور بعد 1991.

في اليوم الثاني من آذار 1991 * ، اشتعل فتيل الانتفاضة في الناصرية على يد جماعة لا تتجاوز العشرين شخصاً ممن كانوا يعيشون حالة المقاومة الدائمة للنظام متخفين هنا وهناك وقد دخلوا مدينة الناصرية تحملهم سيارات بيك آب وبأسلحة خفيفة وكلهم ثقة واعتداد بالنفس وتوجهوا نحو مقرات الحزب والمؤسسات الإدارية والأمنية وبسرعة هاجت الجماهير وانتفض الناس، فقد كانت القلوب متعطشة والنفوس قد آلمها الصبر الطويل وتنتظر هذه اللحظة حين تدفق الشباب بأسلحتهم التي وزعها حزب البعث لمواجهة أي إنزال لقوات التحالف !
هوجمت المؤسسات الحكومية وقتل المسؤولون الذين اشرفوا على إعداد قواطع الجيش الشعبي وقادوا الناس بالقوة واهانوهم والقي القبض على المحافظ وكانت أعداد كبيرة من المنتفضين تطالب بمحاكمته ثم وضع في سيارة مكشوفة وطافوا به في الشوارع ثم اعدم !
ويروى أن أحد المواطنين واسمه "علي" توسل بكل طريقة لتكون نهاية المحافظ على يده ليثأر لدم اخوته وعائلته. * القي القبض على مدير الأمن مع مجموعة من ضباط أمن المحافظة وارتأى البعض أن يبقوا على حياتهم وفعلا استبقوهم ولكن لما تقدمت قوات الحرس والأمن الخاص في هجومها المقابل تم إعدام مدير الأمن وجماعته واتجهت مجموعات مسلحة نحو مركز الاستخبارات العسكرية واتحاد النساء ومديرية الطرق والجسور التي تحولت إلى مقر عسكري ** وتمركزت جماعة منهم في ساحة "القيثارة" خلف مدفع مضاد للطائرات عيار 37 ملم فيما قامت مجاميع أخرى بإيصال الإمدادات الطبية والغذائية للمدافعين عن المدينة قرب "نهر الهولندي".
لقد هبت العشائر في "الناصرية وسوق الشيوخ والفهود والجبايش والإصلاح والشطرة والقلعة والغراف والكرمة" وغيرها من المدن والمناطق "كآل جويبر وبني سعيد والبو صالح وحجام والنواشي وبني حسن والعساجرة والجماملة وآل ازريج وآل ابراهيم وآل غزي والبدور وغيرهم من العشائر".
وفي سوق الشيوخ، حيث اندلعت الانتفاضة في اليوم الأول من آذار 91 وتدفقت الجماهير إلى الشوارع واتجه اغلبها إلى مقر فرع الحزب الحاكم الذي سقط بيد الثوار بعد مقاومة طفيفة أبداها بعض الحزبيين، وكان لعشائر سوق الشيوخ دور كبير في المساهمة في الانتفاضة وكان من ابرز رجالاتها "الشيخ كاظم آل ريسان" الذي دعم الانتفاضة واسهم مع أبناء عشيرته "حجام" مساهمة فعالة فيها واستطاع أن يحد الكثير من التصرفات المتطرفة لبعض الثوار وان يكون مؤثرا في اتخاذ سياسة متزنة وقد كان مضيفه ملجأ لكثيرين من الحزبيين البعثيين والمسؤولين الإداريين والضباط العسكريين.
وتكاد تكون الصورة واحدة في أغلبية المحافظات التي سرت فيها شرارة الانتفاضة حيث تبدأ أولاً بتقدم الثوار باتجاه الدوائر والمقرات الحزبية والأمنية وقد وضع الثوار ضوابط لمن يرغب من المسؤولين الحزبيين في التخلي عن سيرته وان يدين الممارسات السابقة ويتعهد بالإخلاص والعمل النزيه للشعب ولا يعود إلى ممارسة العنف والاضطهاد ضدهم وانحاز فعلا الكثيرون منهم إلى جانب الانتفاضة، أما الذين التجأوا إلى مقراتهم وقرروا المقاومة، فقد حكموا على أنفسهم بالموت إذ ليس أمام المنتفضين إلا القضاء عليهم وفضل الكثيرون الهرب والتخفي وقد القي القبض على بعض المسؤولين الحزبيين وضباط الأمن وهم متنكرون لإخفاء شخصيتهم. وقد ذكرت أسماء كثيرين من المناضلين والثوار من أبناء ذي قار،كان في المقدمة منهم السادة آل يوشع ومنعم الكطان وحسين البناء وشمخي آل ياسين وترددت أسماء شهداء كثيرين تميزوا بالبطولة مثل، محمد جواد كاظم السهر، وحيدر السنيد وحسن داخل وعشرات آخرين* ومما يذكر أن بعض عناصر حزب البعث اسهموا بشكل واضح وفعال في الانتفاضة كما كان لمشاركة المواطنين الصابئة والمسيحيين وتواجدهم الدائم في أماكن تجمع المنتفضين دور هام في التأكيد على طابع الانتفاضة الشعبي الشامل وعدم طائفيتها.

الهجوم على ذي قار ..‍‍!

وكما كان الحال في البصرة وبقية المحافظات المنتفضة، كان رد فعل الدولة عنيفا وقاسيا ضد الجماهير المنتفضة في ذي قار، إذ تحركت قوات كبيرة من الحرس الجمهوري وأفواج من الحرس الخاص وعناصر من أجهزة الأمن الخاص والمخابرات يقودهم هذه المرة اللواء الركن كمال مصطفى التكريتي * ومعه كل من حسن العامري ومحمد حمزة، والحقيقة كان هؤلاء الاثنان يعملان بإشرافه أو تحت أمرته المباشرة بتعبير أدق. استخدمت المدفعية ومدافع الدبابات في قصف المواقع المدنية وكأنها استحكامات دفاعية في حرب نظامية‍! وقد حدثني بعض الضباط والجنود في الحرس الجمهوري أن كثيراً من المنتفضين وبإسناد أهالي ذي قار قد قاتلوا ببسالة نادرة دفاعاً عن مدينتهم ضد قوات الحرس الخاص والحرس الجمهوري ولكن التفوق في التسليح وتراجع الموقف الدولي وعدم تكامل القيادات الميدانية للانتفاضة أدى إلى انهيار المقاومة في النهاية وبذلك استعادت الدولة سيطرتها على المدن والمواقع الرئيسة أما مواقع الثوار القريبة من الأهوار فقد استمرت في المقاومة وبقيت لها نشاطات محدودة تتكرر من حين لآخر حتى الآن.

عفواً، عفواً .. سيادة رئيس الوزراء‍!

اظهر فلم وثائقي مسجل على كاسيت فيديو ساعدت المعارضة الوطنية على توزيعه في داخل العراق عام 1991 صورا لكمال مصطفى يتحدث إلى عناصر الأمن ويطلب منهم القبض على أحد الثوار في ذي قار وجلبه إلى مقر القوة بعد تقطيعه إلى قطعتين وحمل كل قطعة في عجلة بيك آب !
كان الأمر واضحا بالصورة والصوت ويظهر في الفلم محمد حمزة وهو يعطي تعليماته أيضا لكيفية هدم بيوت الثوار ويقول (اضربوها أولاً بالقاذفات Rbg7، ثم امسحوها بالشفل !) ويبدو من كلامه رغبته في إرضاء كمال مصطفى، وكذا بالنسبة إلى حسن العامري الذي وقف واضعاً يده اليمنى فوق اليسرى على بطنه دون حماس لما يجري. كان الإثنان أذلاء في الصورة رغم المكابرة، فقد اختيرا لهذه المهمة القذرة لأسباب مقصودة، فهما "شيعيان" ومن الواضح أن المعاناة كانت قاسية على حسن العامري وبادية على وجهه، لذا اهمل ولم يعطه صدام أي دور حتى ولو شكلي منذ ذلك التاريخ، أما الثاني فقد عينه رئيسا لمجلس الوزراء ولكن أية شخصية هزيلة يمثل هذا الرجل ! قال لي ضابط تكريتي برتبة كبيرة وهو من "احبال المضيف" ! كما يقول المثل الشعبي،
والله هذا الرجل"يقصد محمد حمزة "خوش ازلمة!
قلت،لازم على كد اليد ! *
قال، طبعا ..
قلت، كيف ..؟
قال، انه يقيم لنا (يقصد بعض الضباط من أهل تكريت في القصر الجمهوري وذكر بعضهم ومنهم كمال مصطفى وآخرون) دعوات طعام وشراب .. الخ في بيته أو مزرعته ويصر على أن يقدم شخصيا لكل واحد منا (ماعونه) بيده مليئا بالمزات ويملأ كؤوس الشراب بيده أيضا ونحن نسخر منه ونقول له … عفواً، عفواً.. سيادة رئيس الوزراء ! فيرد علينا، أنا أحب أن أخدمكم يا أهل تكريت !
قلت، أهكذا يتصرف رئيس وزراء العراق؟
قال، طبعا، اشتعرف أبو عدي، خو ما ايخلي رئيس وزراء شايل خشمه علينا ! **
آباء يبحثون عن أبنائهم ..؟

جرت عمليات تمشيط واسعة لعموم المحافظة والقي القبض على كثير من الشباب بتهمة الاشتراك في الانتفاضة واقتيدوا إلى أماكن مجهولة وظل ذووهم يبحثون عنهم دون جدوى.
وفي منتصف عام 1991، التقى قائد الفيلق الرابع مع رؤساء العشائر وأعضاء المجلس الوطني في مبنى محافظة ذي قار وأبلغهم (مكرمة الرئيس القائد) "حفظه الله"‍! بإطلاق سراح جميع المعتقلين من أبناء المحافظة على أن يقدم كل شيخ عشيرة أو عضو مجلس وطني قائمة بأسماء الأشخاص العائدين أو الذين يتعهد بهم .. الخ.وسوف يتسلمهم هو شخصيا (الشيخ أو عضو المجلس) ليسلمهم بدوره إلى ذويهم.
فرح هؤلاء الناس بـهذه (المكرمة)،‍ فأنها تسبغ عليهم وجاهة واحتراما أكثر في مجتمعهم ولذا تحركوا نحو عشائرهم وقدموا ما طلب منهم من قوائم وظلوا ينتظرون. هذه القصة حكاها لي عضو مجلس وطني وشيخ عشيرة جاءا إلى مقر الفيلق في تشرين الثاني 91 وحينها كنت خفراً في غرفة العمليات وكان يوم جمعة وطلبا مني الجواب" لما وعدا به" لأن العشائر والمواطنين في المحافظة ينتظرون التنفيذ وإطلاق سراح أبنائهم وفقا لذلك وكما وعدهم قائد الفيلق أيضاً !.
وفي ذلك الوقت لم تكن لدي أوليات حول هذا الموضوع الذي هو من اختصاص هيئات ركن الاستخبارات والأمن، وبعد ضيافة قصيرة طلبت منهما أن يعودا بعد ثلاثة أيام إذ ربما سيكون هناك جواب.

وفي تلك الليلة استفسرت عن الموضوع وأحضر لي خفر هيئة الاستخبارات قوائم تتضمن المئات من أسماء هؤلاء الشباب الملقى القبض عليهم وإلى جانب كل مجموعة إسم شيخ العشيرة أو عضو المجلس الوطني الذي يطالب به.
قلت، وأين أصبح هؤلاء الآن ؟
قال، سيدي .. "صفى عليهم الماي"، قتلوا جميعا قبل أن يصلوا إلى بغداد، قتلهم الحرس الجمهوري في الناصرية !!!
قلت، إذن كيف يوعد قائد الفيلق هؤلاء المواطنين ؟
قال، إن قائد الفيلق لا يعلم ويشعر بأنه تورط بعد أن علم الحقيقة، ولذا فانه لا يريد مقابلة الشيوخ حيث يحرجونه *، ولكن ما ذنبه وقد نفذ توجيه القيادة ! وهل كان بإمكانه أن يفعل غير ما فعل ؟

مقر "عمليات الغرب" ... وموقف

ضمن استحضارات الحرب، تم فتح مقر لعمليات غرب الفرات في الناصرية، مركز محافظة ذي قار الذي اتخذ من بناية مديرية طرق وجسور المحافظة مكاناً له وعيّن الفريق الأول الركن "نزار الخزرجي" قائداً له بينما عين اللواء الركن "محمد رضا غثيث التكريتي" معاون مدير الاستخبارات العسكرية رئيسا للأركان إضافة إلى عدد من ضباط الركن أغلبهم من الاستخبارات. وقد بلغ مجموع الأشخاص في المقر سبعة عشر، بينهم عدد من السواقين وجنود الحماية وكانت المهمة المكلف بها المقر هي إدارة العمليات العسكرية التي قد تتطور غرب البلاد. وفي يوم الانتفاضة، تعرض المقر إلى ما تعرضت له مقرات الدولة العسكرية والأمنية الأخرى في مركز المحافظة من تطويق ومحاصرة الثوار المنتفضين لها والطلب من الأشخاص المتواجدين داخل المقر تسليم أنفسهم مقابل ضمان سلامة حياتهم وكان المنتفضون يستخدمون مكبرات الصوت في مخاطبة الضباط داخل المقر مع الإلحاح الشديد بضرورة التسليم أو التعرض إلى الرمي تمهيدا لاقتحام المقر بقوة السلاح في حالة الإصرار على عدم رفع الراية البيضاء وكانت عناصر المقر تنتظر وصول القوات الحكومية لفك الطوق عنهم خاصة بعد الاتصال الذي تم مع مقر القيادة العامة في بغداد حول الموقف. ويبدو أن موقف الأشخاص في هذا المقر وفي تلك اللحظة الفاصلة بالذات يتنازعه مركزا جذب، النظام الذي لا يزال قائماً في بغداد، والإنتفاضة التي تتهددهم بالموت ولم تلح بعد إشارة تغلبها على النظام لحسم الموقف.
لذا قرروا القتال حتى وصول قوات النجدة إليهم ولكنهم لم يكونوا متفقين على هذا القرار، إذ كان بعضهم يرغب في التسليم والمحافظة على حياته في أقل تقدير، إن لم نقل لا يريد مقاتلة شعبه الثائر، واستمرت الاشتباكات بضع ساعات قتل على أثرها عشرات من المنتفضين وجرح آخرون، أما داخل المقر، فقد جرح بعض الضباط والمراتب كان من بينهم الفريق نزار نفسه ثم تم اقتحام المقر ووقع الجميع بقبضة المنتفضين الذين كانت عيونهم تتطاير شرراً من شدة الغضب على هؤلاء الضباط بسبب مقتل الكثير من رفاقهم المقاتلين حول ذلك المقر ولكنهم، أي الثوار، لم يفقدوا صوابهم بل تصرفوا بشهامة فأخلوا الجرحى إلى المستشفى واعتنوا بالفريق نزار عناية خاصة ووفروا له الحماية والرعاية التي كان بحاجة لها وضمن الظروف السائدة والممكنة آنذاك، * أما بقية الضباط، فقد احتجزوا مع بقية الذين تم إلقاء القبض عليهم من ضباط أمن ومسؤولين حزبيين وأُجريت معهم تحقيقات مطولة.
تحدث لي اثنان من الضباط الذين أطلق سراحهم وهم لا يزالان في الخدمة الآن قائلين: لا نعلم ما هي الاعتبارات التي تمت بموجبها عمليات التحقيق، كنا في البداية نعتقد بأنها ستكون لاعتبارات طائفية بحتة، لأن أغلبية ضباط الركن كانوا من الاستخبارات والضباط الشيعة كما هو معلوم ليس لهم مكان في هذه الأقسام ولكن المنتفضين بدأوا بقتل ضابط ركن شيعي كان يعمل في قسم الحركات وهو العقيد الركن "عبد الكريم السمار" من أهل العمارة أصلا وخلال التحقيق معنا لم نلمس هذا الاعتبار ولا هذا القياس الطائفي الذي توقعناه على الرغم من أن بعضنا بدأ يهيئ نفسه بجمع الأحاديث والعبارات والأسماء والأنساب التي تتلائم مع أصول المذهب الجعفري لكي يدعي أنه شيعي وسيد ... الخ لغـرض إنقاذ حياته المحكومة بالإعدام حتما. هكذا كنا نظن ذلك * وأخيراً أطلق سراح أغلبية الضباط وكان من بينهم "محمد رضا التكريتي" في حين تم قتل آخرين لم يكونوا عناصر سيئة ولم يؤشر على أي منهم بعلاقة سلبية ضد الشعب، فقد كان "وعد الله، وزهير السامرائي، وعبد الكريم السمار" وآخرون، يتصفون بسمعة طيبة في القوات المسلحة ومع ذلك تم تنفيذ حكم الإعدام فيهم. قال المنتفضون، إن وصول قوات الحرس الجمهوري المفاجئ والمعركة غير المتكافئة جعل حرس السجن الخاص بالضباط يفقد توازنه ويقتل عددا من المحتجزين دون إذن من مرجعه الأعلى بينما قال بعض الضباط الذين أطلق سراحهم إن وصول قوات الحرس الجمهوري هو الذي أنقذهم من موت محقق ولكني اعتقد أن بضع دقائق كانت كافية لقتلهم جميعا قبل أن يطلق الحرس الجمهوري سراحهم، أي لو كان هناك أمر بتصفيتهم.
وعلى أي حال، فان قتل الأبرياء جريمة لا يمكن تبريرها مهما كانت الجهة المنفذه لها سيما وأن هؤلاء الضباط كانوا قد وقعوا بقبضة المنتفضين ولم يقتلوا خلال الاشتباك!ولكننا لو أجرينا مقارنة بين ما كان عليه تصرف المنتفضين مع الفريق "الخزرجي" وجماعته حينما تم مسكهم بعد قتال دام بضع ساعات،سقط خلاله عشرات القتلى والجرحى * وبين ما حصل للثوار الذين سقطت مواقعهم القتالية ووقعوا أسرى بيد قوات الحرس الجمهوري أو الحرس الخاص حيث كانوا يرصفون على الشارع المعبد وتدوسهم سرف الدبابات طولاً وعرضاً .. ولم يبق من أجسادهم سوى أثر مطبوع على الأرض وقد ذهلت من المشهد عندما شاهدته لأول مرة بعد دخول الحرس الجمهوري إلى مدخل ناحية السويب شمال القرنة عند اقتحامها يوم 15/3/91، لتأكد لنا عند المقارنة أن موقف الثوار كان يحمل كثيراً من القيم الإنسانية والوطنية المتجردة من أي نزوع طائفي وخلافاً لكل المحاولات التي أبداها البعض لتصوير مجريات الأحداث بالشكل الذي يتناغم وينسجم مع ما يريده النظام أو لعقدة ذاتية في النفس.
"فمحمد رضا التكريتي، * وإبراهيم السامرائي وعطيل وقصي وباسل" وغيرهم من الضباط الذين أطلق سراحهم كانوا ضباط ركن في الاستخبارات والعمليات ومذاهبهم وخلفياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية وغيرها معروفة.
بعد عودة جميع الضباط إلى بغداد وإجراء التحقيق معهم في الأمن العسكري قرر صدام تكريمهم بأنـــواط الشجاعة عدا "محمد رضا التكريتي" فقد قرر طرده من الجيــش وإيداعه السجن حيث عثرت المخابرات على السجل التحقيقي الــذي استخدمه المنتفضون في ذي قار وقد ورد فيه ما يدل على أنه قد تبرع بمعلومات استخباراتية وشخصية لم تنتزع منه، ولم يطلب منه الإدلاء بها كما أن الضباط الذين كانوا معه قالوا عنه (انه كان كثير التوسل بالمنتفضين وأبدى لهم ألوانا من الخضوع والذلة مقابل إطلاق سراحه ولم يراع احـترام رتبتـه العسكرية).
ولم استغرب هذا الموقف من "محمد رضا التكريتي"، فتجارب الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج والإنتفاضة الباسلة قد أكدت بالبرهان العملي بأن هؤلاء المنتفعين الذين يحكمون العراق منذ ثلاثين عاما كحاشية منتفعة مترفة متعالية على الشعب كانت أبعد ما تكون عن التضحية أو الصمود في المعارك أو المواقف الصعبة التي كان لها رجالها من أبناء العراق بل كانوا دائما أشخاصا يستثمرون تضحيات وجهود الآخرين وأصبحوا آمرين وقادة في ظل السلطة ولم يكن أي منهم في يوم من الأيام شهما أو فارساً، بل كانوا ذئابا مفترسة بوجه العراقيين، وكانوا جبناء ومتخاذلين في المواجهة على الحدود وفي المواقف الصعبة التي تتطلب صلابة الرجال. إن أمثال هؤلاء الذين عرفوا بالقسوة والعنف ضد الشعب وممارستهم لشتى ألوان التمايز الطائفي والتكتل والاقليمية على حساب وحدة العراق وأبناء شعبه. لم يسبق للتاريخ الوطني والعراقي أن سجل لهم أي موقف مشرف حقيقي وكانوا من أضعف الناس في المواقف التي تتطلب مستوىً مشهوداً من التضحية المعبرة عن الأصالة والوطنية.
الانتفاضة في واسط

اندلعت شرارة الانتفاضة في محافظة واسط في الأيام الأولى من آذار، وجاءت انسجاماً مع تطور الأحداث في محافظات الجنوب والفرات الأوسط . وكما أخذ شكل الحدث- الانتفاضة -مظهره وتأثيره في تلك المحافظات، تكرر ذات الأمر في واسط وبالقابليات نفسها والنتائج التي أكدها المنتفضون من الجماهير والعشائر في أغلب مناطق المحافظة.
فلقد ثار أهالي قضاء الحي، واستولوا على المقرات والمراكز الحكومية الأمنية منها والحزبية وقاموا بتطهير المدينة من واجهات النظام ومؤسساته.
كذلك كانت انتفاضة الثوار في بقية المناطق الأخرى وخاصة مركز المحافظة مدينة الكوت، فقد سيطر الثوار عليها أيام عديدة واستولوا على دوائر الدولة ومؤسساتها وكذلك مراكز الشرطة والأمن.
لكن النظام ونتيجة لأهمية الكوت باعتبارها منطقة قريبة على بغداد ولها تأثير واضح في مجمل الأحداث، والخشية من اتساع رقعة الانتفاضة فيها، فقد قامت قوات الحرس الجمهوري بهجوم سريع ومكثف بغية السيطرة واحتلال المدينة وبقية المناطق الأخرى في المحافظة وقد تم ذلك بالفعل حيث انحسر دور الانتفاضة فيها.

الانتفاضة في النجف الأشرف ...

يعود تاريخ مدينة النجف الأشرف إلى حوالي "1400" عام وتسمى (وادي السلام) وهي تقع على أطراف الصحراء التي تمتد حتى حدود المملكة العربية السعودية وقد اشتهرت بأراضيها الزراعية الخصبة وعرف أهلها بممارسة العمل التجاري خصوصا أثناء فترة العمرة والحج إلى بيت الله الحرام حيث تمر قوافل الحجاج عبر صحراء النجف إلى "عرعر" ثم المدينة المنورة، فمكة المكرمة، وكانت مدينة النجف حتى عام 1920 محاطة بسور ذي أربع أبواب تغلق مساءً وقد بقيت آثار هذه السور إلى فترة 1970.
سكنت النجف منذ القدم عشائر وعوائل عريقة تنتمي إلى قبائل عربية محتفظة بقيمها الأصيلة انحدرت إما من نجد أو الحجاز أو جنوب العراق كـ (آل الحبوبي، الحكيم، بحر العلوم، الصافي، كاشف الغطاء، آل شبر، الخرسان، خفاجة، معله، العطية، الفضل، شعبان، الشبيبي، سميسم، أبو كلل، الاعرجي، الشيخ راضي، العامري، البو شبع، آل كمونه، المظفر، النجم، الجواهري، آل الصدر، آل جريو، الشمرت، الفرطوس، الأنصار، الجيلاوي، الرفيعي، المحمدي، الفتله، آل ياسر، الظالمي، الدجيلي، الحكاك وكثيرين غيرهم) .
احتلت النجف موقعا متميزاً في تاريخ العراق من النواحي الدينية والسياسية والعلمية، فقبل الإسلام كانت جزءاً من مناطق ملوك الحيرة ومدفن الأنبياء آدم ونوح وهود وصالح (ع) وفي ظل الإسلام احتضنت مرقد بطل العروبة والأسلام الإمام علي بن أبي طالب "كرم الله وجهه"، وظلّت عبر العصور مركزاً للحوزة العلمية تحتفظ بالمرجعية الدينية والزعامة السياسية وتعقد حلقات علمية في الفقه والشريعة واللغة العربية وعلوم الكلام والفلسفة في المدارس الدينية المنتشرة في المدينة والمساجد وفي الصحن الشريف حيث مرقد الإمام وهي لذلك تشتهر بدورها الثقافي ومنتدياتها الشعرية وقد أنجبت فحول الثقافة والشعر ومنهم شاعر العرب الكبير "الجواهري واحمد الصافي النجفي وعبد الرزاق محيي الدين والشيخ علي الشرقي ومصطفى جمال الدين وغيرهم ".. كما تنتشر فيها العديد من المكتبات العامة والخاصة التي ضمت مئات الآلاف من الكتب المخطوطة والمطبوعة بدعم من رجالات الدين المعروفين، كالإمام الطوسي وصاحب الجواهر وكاشف الغطاء، وأبو الحسن الاصفهاني ومحسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي والشيخ الأميني والشهيد محمد باقر الصدر وعبد الأعلى الشبزواري، والسيد السيستاني، وغيرهم من الأعلام، كما أنها أسهمت من خلال أسماء بعض أبنائها بصنع التاريخ السياسي الحديث للعراق، إذ برز من هذه الأسماء الكثير من قياديي الحركات السياسية الذين اعدموا واعتقل منهم المئات كالسيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ رضا الشبيبي وسعد صالح جريو ولا يمكن التحدث عن مصير العراق أو مستقبله السياسي دون الإهتمام بموقف النجف ودورها.. ففي ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني اجتمعت لها الزعامتان الدينية والسياسية، والنجف معروفة بتاريخها الوطني والقومي ويتميز أهلها برفضهم للظلم والاستبداد ومقاومتهم له حتى قبل تأسيس الدولة العراقية عام 1921، وكان ثمن ذلك قوافل متعاقبة من الشهداء على مذابح الحرية وظلت النجف مصدر قلق للأنظمة المتعاقبة على حكم العراق، فكانت دوما موضع الريبة عند الحكام لعدم طواعيتها في تقديم الولاء، وهي المدينة التي يتم احتلالها تحسبا لأحداث متوقعة عسكرياً وأمنياً قبيل كل مناسبة دينية كانت أم سياسية وعلى مدار السنوات الماضية.

تظاهرة ... ثم انتفاضة؟

عند سريان شرارة الانتفاضة في البصرة، تدفق المئات من عناصر الأمن والمخابرات إلى مدينة النجف لتطويق أية محاولة وإخمادها، وقبل أن تندلع شرارة الانتفاضة فيها يوم 3 آذار، كانت الأوضاع تنذر بالانفجار بين لحظة وأخرى وبدأت قوى الأمن تعيش حالة التأهب والرعب معا، وبرغم امتلاء شوارع المدينة بمظاهر القوة والقمع فقد مارس النجفيون قبل انتفاضتهم نشاطات بسيطة للنيل من النظام والجهر بالمشاعر المكبوتة.
كانت الجماهير بانتظار أن تبادر "الحوزة العلمية" بإطلاق الشرارة الأولى لتكون منطلقا لثورة عارمة لأن مثل هذه المبادرة تزرع في النفوس روحاً فدائية عالية لكن المبادرة الأولى جاءت من أبناء المدينة الذين استعدوا للقيام بما يمليه عليهم الواجب الوطني المشرف فأخذ أبناء النجف يتماسكون ويتحركون وينسقون فيما بينهم وهكذا اندلعت الانتفاضة وخرجت السيوف والقامات من أغمادها وبدأت النجف تشهد مرة أخرى زمجرات الشباب وأعمال البطولة الرائعة وكان توجه الجماهير طبعا نحو مرقد الإمام علي بن أبي طالب وكأنهم يستأذنونه ويستمدون منه العزم على مقاومة الطغيان، وقد غص الصحن الشريف بأفراد الأمن والمخابرات واندفع المنتفضون وكان أغلبهم من الشباب من مركز المدينة "ميدان الإمام علي" على اثر نداء بمكبرات الصوت يدعو الشعب للتظاهر ورفض الهزيمة التي لحقت بالعراق.. توسعت التظاهرة وشملت مئات الشيوخ والأطفال واتجهوا بجموعهم الهادرة إلى الصحن الشريف وحاول أفراد الأمن التدخل فكانت نهاية بعضهم على أيدي المنتفضين * ثم ولى الآخرون هاربين ودوت الزغاريد واستقر وضع الانتفاضة بدخول المنتفضين إلى الصحن.. ثم بدأت جماهير أطراف النجف تنقض على المراكز الأمنية والحزبية والإدارية وانهارت مقاومة أزلام السلطة أمام الحشود الثائرة من الشباب الذين كانوا بأعمار لا تتجاوز الثامنة عشرة وقد أسهموا في القتال مساهمة الأبطال وبروح معنوية عالية واتسعت رقعة الأمل في التحرر من آثار النظام واصل الثوار ملاحقة وتصفية الزمر المحسوبة عليه والتي ولت هاربة ثم امتدت الانتفاضة إلى الكوفة وقد حدثني أحد شهود العيان• عما حدث في النجف في 3 آذار قائلاً:
لجأ الكثير من المسؤولين الحزبيين وضباط الأمن إلى الفرار متخفين في أثواب نسائية وكانت أصوات الجماهير تهدر بهتافات وشعارات تثير الحماس في النفس ونزعت مدينة النجف وشاح الألم والحزن وأصبح الصحن الحيدري الشريف مركزاً لإدارة شؤون الانتفاضة وبدأ بعض من وجوه الحوزة العلمية الدينية يشترك في إدارة المركز بعد أن تمت دعوتهم من قبل المنتفضين.
ظل المنتفضون والكثير من أبناء النجف ينتظرون أن يعلن السيد الخوئي الجهاد والكل بات يتوقع ذلك بين لحظة وأخرى وقد استمر النشاط على أساس القناعة بان الجهاد قد توفرت شروطه مما خلق الاندفاع والحماس عندهم مثل هذه التصورات التي ربما لم تجد لها صدى حثيثا عند السيد الخوئي، حيث اكتفى بإصدار البيان الآتي:
أبنائي الأعزاء المؤمنين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله على نعمه وآلائه والصلاة والسلام على أفضل أنبيائه محمد وعترته الأطهار وبعد، لا شك في أن الحفاظ على بيضة الإسلام ومراعاة مقدساته أمر واجب على كل مسلم وإنني بدوري إذ أدعو الله تبارك وتعالى أن يوفقكم لما فيه صلاح الأمة الإسلامية، أهيب بكم أن تكونوا مثالاً صالحاً للقيم الإسلامية الرفيعة برعاية الأحكام الشرعية رعاية دقيقة في كل أعمالكم وتصرفاتكم وجعل الله تبارك وتعالى نصب أعينكم في كل ما يصدر منكم، فعليكم الحفاظ على ممتلكات الناس وأموالهم وأعراضهم وكذلك جميع المؤسسات العامة لأنها ملك الجميع والحرمان منها حرمان الجميع.
كما أهيب بكم بدفن جميع الجثث الملقاة في الشوارع ووفق الموازين الشرعية وعدم المثلة بأحد فإنها ليست من أخلاقنا الإسلامية وعدم التسرع في اتخاذ القرارات الفردية غير المدروسة والتي تتنافى والأحكام الشرعية والمصالح العامة حفظكم الله ورعاكم ووفقكم لما يحب ويرضى إنه سميع مجيب .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التحق ضباط وعسكريون كثيرون من أهل النجف وأبي صخير والمشخاب والمناطق الأخرى بإدارة شؤون الانتفاضة واستلموا بعض الأسلحة وبادر أهل أبي صخير والشامية وكربلاء وغيرها من المدن المجاورة إلى تقديم العون والدعم لانتفاضة النجف.
تولت إدارة الانتفاضة قيادة مركزية فيها عدد من الضباط في الخدمة ومتقاعدين من أهل النجف وكان لعلماء الدين دور هام فيها حيث أخذت تأثيراتهم تلعب دورها في مراقبة التصرفات والأعمال والدعوة إلى الابتعاد عن مظاهر العنف، وبدأت الأسواق تعرض المواد الغذائية والبضائع المختلفة بأسعار زهيدة تقترب من الأسعار التي كانت قبل حرب الخليج أو دونها واستمرت المستشفيات ومرافق الحياة الأخرى على وضعها الطبيعي واتجه الناس إلى مزاولة الشعائر الحسينية التي كانت قد منعت وعاشوا وكأنهم في موسم عاشوراء وقد التقيت بأحد المثقفين من أبناء النجف الأشرف الذي تحدث عن هذا الجانب قائلا ..
(اهتم أبناء النجف بإحياء الشعائر الحسينية وما صاحبها من ولائم وطبخ الطعام لأن رأس النظام كان يرى في كل ممارسة لهذه الشعائر تهديداً لنظامه إذ كانت مدينة النجف وكربلاء تمنعان في كل مناسبة دينية من إقامة أي شعيرة من شعائر إحياء ذكرى الحسين أو أهل البيت "ع").
ولإحياء هذه الشعائر وجهان، الوجه الشعبي الذي يشد الناس بعواطفهم الطاهرة إلى هذه المناسبات والوجه التعبوي ولا أسميه السياسي، وقد منع النظام المؤمنين من إقامة هذه الشعائر مما أحدث قطيعة في التعايش معها وأدى ذلك إلى ابتعاد أذهان الجيل الجديد عن هذه الشعائر الحميدة. وقد أحيا المجاهدون * هذه الشعائر وجعلوا الناس يعيشونها في أجواء سقوط النظام وكأن الناس استفاقت من هول كابوس جثم على صدورهم لسنين طويلة وقد حاول الثوار أن تكون هذه المراسيم الدينية هادفة قريبة من النفوس وذات مضمون وليست مجرد ممارسة لعادات دينية مألوفة.

كربلاء ... الانتفاضة .. والصمود

اندلعت شرارة الانتفاضة، بصرخة انبعثت من جذوة الإيمان المستعرة قرب ضريح الإمام الحسين "ع" وانتشرت بأسرع مما يتصوره الإنسان وفي ليلة كانت كربلاء تضم آلاف الزوار وخلال ساعات استقر الوضع في المحافظة وتهاوت مؤسسات النظام وانتهى وجود الحزبيين ومسؤولي الأمن ولقي المجرمون منهم جزائهم العادل وتمتعت كربلاء بأجواء الانتفاضة على غرار بقية المدن العراقية حيث هبّت رياح الحرية عليها بعد معاناة رهيبة استمرت عشرات السنين، ويروى أن مركزية الانتفاضة فيها كانت أقل درجة من مثيلتها في النجف الأشرف.
زرت كربلاء المقدسة بعد الانتفاضة ببضعة أشهر .. وكان ما مسح من البساتين والأبنية ومن مساجد وحسينيات وبيوت سكن لم يعد لها أثر شاهدا على بسالة أهل كربلاء وبطولة المنتفضين وشاهدا على حجم الحقد والكراهية التي سعرها النظام ضدهم وهو يحاول أن ينقذ نفسه (فقد حوصرت المدينة وطلب من أهلها أن يتركوا البلدة باتجاه بحيرة الرزازة ورشقت البلدة برشقات متوالية من الصواريخ ثم اشتد القصف مما اضطر السكان إلى مغادرة بيوتهم باتجاه البحيرة وما أن امتدت حشود السائرين على الطريق مسافة طويلة حتى بدأت الطائرات السمتية تحصدهم وتقتل الأبرياء والعزل) * وكلما تقدمت قوات النظام كان ثوار كربلاء يتصدون لها بعمليات تعرضية جريئة وأوقعوا بها خسائر، فلقد جرى في كربلاء قتال باسل من متر إلى متر ... ومن شارع إلى شارع .. ومن بيت إلى بيت .. وان ما شاهدته من تدمير في المدينة وما سمعته من قصص بطولية رويت لي من عسكريين ومدنيين متميزين بدقة وأمانة وصفهم لما جرى، جعلني أضع كربلاء في مقدمة المحافظات المنتفضة من حيث البطولة الفردية والاستبسال القتالي الرائع وليس في ذلك عجب أو غرابة، فهي مدينة سيد الشهداء ورمز البطولة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب "عليهما السلام".

صدام : لقد انتهينا.. انتهينا!

كان حسين كامل، وبأمرته فرقة مدرعة ووحدات متفرقة من الحرس الجمهوري والحرس الخاص وعناصر من الأمن الخاص وبقايا المخابرات والأمن العام وعدد من المرتزقة الحزبيين، هو الذي يقود الهجوم على كربلاء وقد أبدى من القسوة وانحطاط الخلق وانعدام الضمير ما يندي له جبين الإنسانية وخاصة كلمته الشائعة على ألسن الناس وهو يقف أمام قبر الحسين "ع" قائلاً "أنت حسين وأنا حسين كامل" تعبر عن النفسية المريضة لهذا الإنسان التي كشفت مدى الكراهية الدفينة لآل البيت والتي لا نجد لها مكاناً إلاّ في قلوب أعداء العروبة والإسلام معاً، فقد كان يصدر أوامر مشدّدة إلى قواته بتدمير البيوت وقتل السكان.
ورداً على المقاومة العنيفة للثوار ومقاومتهم الباسلة لقواته، وعندما تم اقتحام المدينة، ألقى حسين كامل القبض على المئات من شباب كربلاء فأعدم بنفسه الكثيرين ورمى الأحياء في مقابر جماعية في الرزازة وأخرى في منطقة الحر قريباً من مرقد الشهيد "الحر بن يزيد الرياحي"، ولما توغلت القوات داخل المدينة أخذت تترك ورائها آثار دموية مروعة، جثث وحرائق وخراب واقتحامات للبيوت ونهب محتوياتها ودبابات تتفجر القذائف بداخلها وسط الأحياء السكنية مما اضطر بعض الثوار إلى الاعتصام داخل مرقد الإمام الحسين، فأمر حسين كامل بتوجيه مدافع الدبابات والقاذفات R.b.g7 إلى الصحن الشريف وقد هدمت الدور الواقعة حول الصحنين الشريفين، صحن مرقد الإمام الحسين وصحن مرقد أخيه العباس "عليهما السلام" على من فيها وبقيت الجثث أشهرا تحت الأنقاض!
لقد كان حسين كامل يريد أن ينهي مهمة القتل والتدمير في كربلاء دون تأخير لكي يتجه نحو النجف الأشرف وقد أصدر من الأوامر والتعليمات ما يكفي لقتل أكبر عدد ممكن من أهل المدينة وإنزال الدمار بها وسوق الآلاف من شبابها إلى معتقلات الرضوانية في بغداد وما أن أنهى الأجزاء الهامة من خطته وتأكد له أن بقايا الثوار قد لجأت إلى البساتين المحيطة بكربلاء أمر بمطاردتهم بالدبابات والسمتيات وتوجه هو إلى مدينة النجف حسب الخطة الموضوعة التي اتفق عليها ليكون مع طه الجزراوي للانقضاض عليها. *

الهجوم المقابل .. على النجف

حين ورد نبأ الهجوم المقابل الذي شنه النظام على محافظة كربلاء، هب أهل النجف لمساعدة الثوار فيها ووجهت نداءات إلى النجفيين واعدت الشاحنات وعجلات النقل وتدفق الناس من مختلف الأعمار وراحت تتوجه الارتال وهي تنقل المئات وهم في الغالب يحملون هراوات وسكاكين والبعض من الشيوخ كانوا يلوحون بعصيهم وينوون القتال بها وقد شارك أهل النجف ثوار كربلاء في ملاحم بطولية رائعة للدفاع بحق عن مدينتهم.
الخطة العسكرية التي وضعها النظام كانت على دراية تامة بنوعية المقاومة التي سيبديها النجفيون وكان النظام يدرك جيدا بان استمرار الثورة في النجف سيؤدي إلى تأجيج نار الثورة ثانية في كل مكان، لذا تضمنت خطة الهجوم أن تتجه القوات التي بقيادة حسين كامل إلى كربلاء والقوات التي بقيادة طه الجزراوي إلى الحلة وتلتقي في نقطة النجف وكان في أذهانهم أن المقاومة الحقيقية هي في مدينة الإمام "علي" وكانت المقاومة البطولية لأبناء كربلاء وبابل قد أثرت بشكل ما على سير الأحداث وتوقيتاتها في النجف الأشرف.
لقد كان الهجوم على النجف شرساً وعنيفاً ودون رحمة وقد استخدمت عشرات من صواريخ أرض - أرض (التي أعدها صدام لحرق نصف إسرائيل)!؟ في ضرب الأحياء السكنية في هذه المدينة المقدسة وخرجت العوائل هائمة وكان عدد الضحايا بالمئات في الشوارع واكتظت طرق المدينة بالناس وهم يحاولون أن يتركوها بينما كان الثوار يأخذون مواقعهم لمواجهة القوات العسكرية والدفاع عن النجف بقتال بطولي رائع. لقد فقدت مئات العوائل أبنائها وبناتها بسبب القصف الصاروخي والمدفعي وقد رويت لي قصص مأساوية كثيرة * عن معاناة النجفيين من جرائم الهجوم الوحشي عليهم، وان بعض هذه القصص يقترب من الخيال ولا يصدقها العقل، إلا أن ذاكرة النجفيين ستظل تحتفظ بصفحات مؤلمة من جرائم طه الجزراوي في تاريخ تضحياتها وكفاحها البطولي الطويل ضد الطغاة المعتدين.

اتلفوا ... أضابيرهم ..!

حدثني اللواء الركن "صباح إسماعيل فرحان التكريتي"،* قائد الفيلق الرابع نهاية عام 1991في الطريق إلى محافظة ذي قار خلال زيارتنا لإحدى التشكيلات وحينها كنت ضابط ركن الثاني حركات للفيلق ومقرنا في الديوانية. كنا أربعة بداخل عجلة نوع باجيرو موديل 90 أنا وهو وجندي سائق وآخر حماية وكان صباح قد عاد لتوه من بغداد بعد حضوره اجتماعاً للقيادة العامة للقوات المسلحة، وعلى الرغم من عدم وجود علاقة متينة أو قديمة لي معه ** إلاّ أنّه بادرني القول، "هذا العراق أصبحت شغلته معقدة ! وخاصة بعد الأحداث الغوغائية"، "ويقصد الانتفاضة"، "لقد وجدت جروح لا تندمل ووقعت أخطاء كبيرة يصعب إصلاحها .. قتول كثيرة، ظلم كثير، فوضى لا نعرف من هو الوطني، من هو الحريص.. هذوله شيعة .. هذوله سنة .. هؤلاء أكراد .. هؤلاء تكارتة .. وهؤلاء بعثيون.. كم شكلاّ أصبح العراق ؟! "
قلت مع نفسي .. لا بد أنه سمع أشياء في بغداد تدفعه لمثل هذا الكلام، فسألته عن الأخبار في بغداد فقال، دعنا يا نجيب ! الأخبار هنا! وأشار بيده إلى المدينة التي كنا نمر بها وهي "عفك" * ناحية فقيرة جدا من نواحي محافظة القادسية، قال، ماذا تبدل من حالهم من السابق وحتى الآن ؟ هناك مثل شعبي يقول (قيّم الركاع من ديرة عفج) .. في إشارة إلى أن الناس هنا حفاة ولا يلبسون الأحذية من شدة فقرهم وطلب من السائق أن يخفف السرعة ونحن نجتاز المدينة وهو يقول، انظر، أنظر لا زال الناس حفاة ! ماذا تغير منهم ؟ ماذا عملنا من أجلهم منذ ربع قرن وحتى الآن ؟ (ويقصد بذلك منذ تموز 1968) يبدو ماكو شيء ! لم نعمل شيئاً ... الخ، ثم طلب من السائق أن يتوقف خارج الطريق لأداء فريضة صلاة الظهر وعندما ابتعدنا قليلا عن العجلة همس بأذني قائلا، لا تسألني عن بغداد وما فيها بحضور هؤلاء وأشار باتجاه السائق والحماية!
ماذا أجيبك عن بغداد ... غير الخراب .. باقية عاصمة بالاسم فقط وأردف قائلا .. أخبار بغداد تقول أن نظام صدام على وشك السقوط ..! وسيتم تبديله بحكم يشبه نظام نوري السعيد .. والغرب مشغول الآن بالبحث عن هذا (السعيد) الجديد ..! وضحكنا سوية .. وبعد أن سارت بنا العجلة من جديد نحو مركز محافظة ذي قار .. كان صباح يردد مع نفسه ولكن بصوت مسموع عبارة (اتلفوا أضابيرهم) وكررها عدة مرات مع نوع من الحسرة والتأفف البالغين، قلت، ما هو الموضوع؟ هل هي نكتة جديدة في بغداد ؟
قال، لا، إنها مأساة مررت بها ولم تغادر ذاكرتي منذ بداية العام وحتى هذه اللحظة.. وسأحكيها لك.. قال، عندما كنت قائداً للفرقة الرابعة مشاة، كلفت في آذار 1991 بالهجوم على الحلة والنجف لتطهيرها من "الغوغائيين" وتحت امرة طه الجزراوي وحسين كامل، وفي النجف حيث التقيت طه الجزراوي في مقره وكان "عبد الرحمن الدوري وماهر عبد الرشيد وعناصر من الحرس الخاص والحمايات" جالسين أيضا .. الخ.
دخل علينا أحد المخبرين وقال .. (توجد مجموعة من علماء الدين مجتمعين في أحد البيوت واعطى العنوان والدلالة كاملة .. فاهتم الجزراوي بذلك وصرخ يأمرهم، "كتفوهم واحضروهم فورا"، وبعد مدة تم إحضارهم وكانت تظهر عليهم الهيبة والوقار ويتقدمون باتجاهنا بثقة واطمئنان وتعرف بعضنا على أحدهم وهو ابن السيد الخوئي وكان الخوئي قد أرسل إلى بغداد بناءاً على أوامر من صدام نفسه.
وخاطبهم طه الجزراوي: على من تتآمرون يا خونة ؟
أجابه أحدهم: لا .. نحن لا نتآمر .. هدفنا تهدئة الأمور وقد أوصينا الناس بذلك ونعمل على حفظ الأرواح ونتجنب سفك الدماء ما أمكن، وهنا أومأ الجزراوي إلى ضابط الحماية قائلا: "اتلفوا أضابيرهم!"
وأضاف محدثي "صباح التكريتي" .. فهمت من عبارة "اتلفوا أضابيرهم انه أمر بإعدامهم واقتيد العلمــاء الثمانية إلى مقر قوات النداء حرس جمهوري * لتنفيذ الإعدام فيهم رميا بالرصاص .. وتم ذلك بالفعل ..!!
وبعد ذلك اتصل صدام هاتفياً، يريد أن يرى هذه المجموعة من العلماء، ويبدو انهم كانوا موضوع حديث للسيد الخوئي مع صدام، فأصبح الجميع في مأزق ولا بد أن يتدبروا الموضوع ويلبوا طلب صدام، رغم أن هذا الفعل، وهو قتل رجال الدين، لا يعرض أحدا إلى المحاسبة وانما بالعكس في تلك الفترة بالذات يعتبر صفة للولاء والشجاعة!
ماهر عبد الرشيد .. اقترح أن يقولوا أن الغوغاء قتلوهم !
عبد الرحمن الدوري .. اقترح وضعهم داخل عجلات مقلوبة على الطريق فيبدو موتهم وكأنه حادث!
ثم قال صباح: لا اعلم كيف تم تدبير الموضوع!
ولكن كان يبدو عليه تأثر شديد لما حدث دون أن يعلن ذلك صراحة وكان يردد بين الحين والحين ساخرا من عبارة "اتلفوا أضابيرهم"، وعند وصولنا الناصرية ولقائنا بالمحافظ اللواء الركن عبد الإله العناز .. أعاد صباح سرد الحكاية نفسها وبذات التفاصيل والأسلوب ودون أي تحفظ أيضا!

ماذا جرى في قوات النداء ..؟

بقيت هذه القصة تتردد في ذاكرتي أنا أيضا وكنت أحاول تكملة جوانبها الأخرى وبدأت ابحث عن رواية أخرى اكثر صدقا ! وكيف تم تنفيذ حكم الإعدام بمجموعة علماء الدين ومتى ومن هو المسؤول .. الخ ؟ وبعد عام، التقيت بأحد الضباط في مقر قوات النداء حينذاك .. وقلت له سمعت كذا وكذا (رويت له ما سمعت) ما هو رأيك هل في الكلام مبالغة ؟ فقال: الكلام صحيح، ولكن القصة ناقصة وسأروي لك الفصل الثاني منها والذي بقي غامضا، قلت: ما هو ؟ قال: جيء بهؤلاء العلماء إلى مقر قوات النداء.. حيث كان القائد العميد الركن "معتمد التكريتي" * واخبروه بان هؤلاء محـكوم عليهم بالإعدام وعليك إعدامهم خلال (30) دقيقة وإخبار "طه الجزراوي" بذلك ..
قال معتمد مع نفسه وسمعه قريبون منه، "هاي ورطة جديدة ! ما ذنب هؤلاء الأبرياء؟" وبدأ يماطل في تنفيذ الإعدام وكان كل نصف ساعة تقريبا يأتي إلى مقر القيادة مسؤول حماية الجزراوي ليتأكد من تنفيذ الإعدام، ويعطيه معتمد عذرا ليصرفه بعض الوقت عسى أن تنجلي بعض الأمور ولكن طه الجزراوي كان يلح في موضوع الإعدام كثيراً ومعتمد يدعو الله سبحانه على تخليصه من هذه الشدة وكان ينتنظر وصول حسين كامل عله يؤثر عليه ويمنع تنفيذ الإعدام وخلال ذلك الوقت الحرج جاء مرافق الجزراوي ليخبر معتمد قائلا ..
الرفيق طه يقول، أمامك ثلاثون دقيقة فقط لتنفيذ حكم الإعدام بهؤلاء الخونة وإلا سأخبر صدام وأقول له انك متخاذل أو ... الخ ..
وصل حسين كامل الذي استقبله معتمد على الفور شارحا له الموقف وأجابه حسين أمام عدد من الضباط لماذا يعدمون، انهم لم يفعلوا شيئا وأبدى تعاطفه الظاهري معهم، ولكنه لم يصمد أمام إصرار الجزراوي على إعدامهم والذي هدد ثانية بإخبار صدام بهذا التردد والتخاذل، (هؤلاء الناس لا أمان لهم في مواقف الخير لان قانون الشر يحكمهم وما يتعلق بالشر يصرون عليه فما كان أمام قائد قوات النداء إلا أن ينفذ حكم الإعدام برجال الدين الثمانية على مضض منه * )
ومما يذكر أيضا، أن طه الجزراوي بعد أن فرغ من مهمة محافظة بابل وتقدم باتجاه النجف وشرعت قواته وقوات حسين كامل بالهجوم اخبر صدام قائلا "إننا نطبق على النجف وإنها فرصة التاريخ لسحق رأس الأفعى "ولا يستغرب مثل هذا الوصف وهو يصدر من شخص الجزراوي، فهو من بين جملة الأفراد الذين حافظوا على بقائهم في مواقعهم من خلال العزف لصدام على النغمة التي تطربه واسماعه الكلمات والأوصاف التي يرغب بها وإعادة التعابير التي تترجم أفكاره ولذلك فهو على علم بموقف صدام من هذه المدينة، فتراه يوقع بأهلها الضربات الصاروخية ليقتل اكبر عدد ممكن ويتجه إلى الحوزة العلمية ليختار من يمثلون وجودها التاريخي وروحانيتها المعروفة كما كان بحاجة إلى أن يعزز برقيته السابقة إلى صدام بإنجاز فعلي يعزز مركزه لديه لا سيما وانه كان قد تأخر في الوصول إلى النجف بعد تطورات المقاومة في مدينة الحلة وما واجهته من مقاومة عنيفة في طريقه نحو النجف، فقد كثرت الاشتباكات واستمرت على طول الطريق ولقد كان يلاحق الجزراوي شعور بأنه قد تأخر يومين في إنجاز مهمته، فكان يخشى عدم رضا صدام عنه.

ماذا حدث في فندق السلام ؟

روى لي مفوض أمن كان ضمن مجموعة الأمن والمخابرات والحرس الخاص والحرس الجمهوري التي نفذت الهجوم المقابل لاستعادة مدينة النجف الأشرف من أيدي الثوار، قائلا:
(في مرحلة الاستعداد للهجوم في تلك الأيام، أذعنا نداءات بواسطة مكبرات صوت من الجوامع طلبنا رقمها من الشباب "النجفي" التوجه إلى فندق السلام لضمان حياتهم لان قوات الحكومة ستبدأ بتمشيط المدينة بحثا عن الخونة والغوغائيين وقد تجمع في الفندق حوالي أربعمائة شاب استجابة لذلك النداء الذي كنا نعتقد أن فيه نوعا من الإنسانية والفرز العملي بين من شارك في أعمال التخريب وبين من لم يشارك فيها !
ولكن يبدو أن الهدف كان الانتقام العشوائي من كل النجفيين ومن شبابهم خاصة دون تمييز بين من انتفض أو من لم ينتفض! فصدرت الأوامر بقتل الجميع ونقل جثثهم إلى مقابر جماعية أعدت في ضواحي المدينة !
نعم قتلوا جميعا دون تمييز أو حتى تحقيق شكلي، حقد اسود ينتج عنه انتقام بشع بهذه الصورة الوحشية واللاإنسانية ..!!

مقبرة النجف

إن مختلف الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق قد مارست السلوك الطائفي ضد الأغلبية العربية فيه بدءاً بسلاطين آل عثمان ومرورا بما يسمى بالحكم الوطني وحتى صدام حسين، ولكن لأول مرة في تاريخ العراق الحديث أصبحت سياسة التمييز الطائفي بهذه الدرجة من الشراسة والعلانية والوقاحة ودون وازع من ضمير أو حياء من مشاعر المواطنة أو حتى مقتضيات المجاملة التي يجتمع عليها العراقيون في اقل اعتبار، مستهدفا ما يميزهم ويدلل على هويتهم، فدمرت أربعة مساجد في داخل مدينة النجف واتجهت جرافات الدولة نحو مدافن النجف حيث رمال ذلك الوادي الفسيح الذي ضم قبور الأجداد ورفاة مئات الألوف من الشهداء والأخيار العراقيين على اختلاف مذاهبهم الإسلامية وقومياتهم والتي تعتبر من اكبر مقابر العالم بعد مقبرة الصين لتجرف قبورهم وتحولها إلى شوارع عرضية وطولية واسعة. أن منظر القبور وشواهدها التي تحمل أسمائهم وتواريخ استشهادهم وتراصفها وتجمعها في مقبرة النجف يعطي الدليل الساطع على حجم روح التضحية وحب العراق، ولو استعرضنا الألقاب التي تذكر في العديد من الشواهد، لرأينا أن شهداء هذه القبائل والعشائر العربية كانوا هوية أصالتها وبرهانا على دورها في بناء وحماية هذا البلد الذي ينتظر منهم الآن أن يسهموا في إنجاز خلاصه ورسم صور مستقبله المشرقة. وإذا كان لا بد من ذكر منظر لهذه المقبرة التي تمتد إلى مسافات بعيدة حتى تتصل بتخوم محافظة كربلاء، يجدر أن نشير إلى حديث عدنان خير الله قبل مقتله في اجتماعات القيادة القطرية التي خصصت لمناقشة أمر الحرب وغيرها فيقول: (سقطت من يد إيران ورقة تعاطف الشيعة معها بدليل أن مقبرة الشهداء في النجف كادت أن تصل إلى حدود محافظة كربلاء).. وهذا برهان على أن هاجس الاتهام الدائم لطائفة الأغلبية العربية في العراق لم يجد ما يبرره أو يؤكده في هذه الحرب.
ولقد اجتاز "أبناء المذهب الشيعي في العراق" الاختبار التاريخي وكتبوا صفحاته بدمائهم وتضحياتهم عندما قاتلوا إيران "المنتمية لذات المذهب الشيعي" نحو ثماني سنوات متواصلة اثبتوا خلالها صدق انتمائهم القومي والوطني ولولا وقفتهم وتضحياتهم هذه لاندفعت القوات الإيرانية نحو أهداف أخرى تروم الوصول إليها في المنطقة تتعدى حدود العراق* في تلك المرحلة !!
شخصيات كردية .. موقف محسوب!!

في تلك الظروف الحرجة وحيث يوشك النظام على الانهيار والسقوط على أيدي الثوار في محافظات الفرات الأوسط والجنوب، استدعت مديرية الاستخبارات العسكرية وبأمر من صدام مجموعة من الشخصيات الكردية والعشائرية وبعضاً من آمري الأفواج الخفيفة التي كانت متعاونة مع الدولة بقصد التنسيق معهم حول تكليفهم بواجبات خاصة، وكانت الغاية من الاجتماع الذي أداره مدير الاستخبارات "صابر عبد العزيز الدوري" وشاركه عدد من الضباط الكبار في المديرية هو الطلب من الشخصيات الكردية تهيئة عشائرهم وأفواجهم للقيام بعمليات قتالية في وسط العراق وجنوبه حيث أبلغهم "صابر" بأن الشيعة هناك قد سيطروا على الموقف والمطلوب إعادة المدن الساقطة من أيديهم بسرعـــة، وهنا تحدث الكرد قائلين: (نحن كرد عراقيون .. وأهالي تلك المحافظات من العرب وعراقيون أيضا ولا نريد أن تُسجل سابقة خطيرة مثل هذه بين الكرد والعرب كوننا أبناء شعب واحد كما إن هذا الموقف يتسبب في عمليات السلب والنهب وربما انتهاك للأعراض..‍!)
وفي الوقت الـذي كان فيه صابر يقول، نحن في موقف حرج ونحتاج إلى جهودكم … مكتفياً بهذه العبارات، انبرى ضابط ركن كان قريباً منه مخاطباً الأكراد قائلاً.. (نحن نريد أن يحدث هذا، هؤلاء خونة شعوبيون، نريد أن نهتك أعراضهم وتسلب أموالهم). ليس في الموقف غرابة أو ما يثير الدهشة، فتاريخ الكرد العراقيين مشرف في قيم الرجولة والشرف والوطنية، وموقفهم هذا يعبر عن مدى التلاحم وروح الأخوة العربية الكردية في العراق، والتي لم تتمكن كل الظروف الشاذة وما سادها من سياسات دكتاتورية وشوفينية وتدخلات أجنبية دولية وإقليمية من فصم عرى هذه الاخوة، ولكن الغريب في هذا الموقف " الحكومي" الذي يدعو إلى انتهاك الأعراض والسلب والنهب!!؟
من الذي أشار على صدام تسخير الكرد ضد العرب وبالصورة التي يطالبون بها بانتهاك الأعراض وسلب الأموال؟
ومن هم الشعوبيون حقاً؟
أين قيم العروبة والقومية العربية؟
أين روابط المواطنة العراقية؟
أين شرف المسؤولية القيادية تجاه الشعب والوطن؟
يبدو لي أن كل هذه المعاني قد تهاوت وأصبحت بلا محتوى عندما بدى كرسي الرئاسة يتدحرج نحو الهاوية‍‍‍.


الفصل الخامس


سعير الانتفاضة يتصاعد في بابل والقادسية
الوضع العام
خلال عمليات القصف الجوي التي بدأتها قوات التحالف ضد مدن العراق من شماله إلى جنوبه، وكما ذكر في الفصول السابقة ، فقد بدأت موجات الغليان الشعبي تزداد لاسيما بعد عودة أعداد كبيرة من العسكريين وهم ينسحبون على نحو عشوائي من الكويت لعدم إيمانهم بعدالة المعركة وقد بلغ هذا الأمر ذروته خلال المعركة البرية. في إطار هذه الفترة واحتداماتها ، جرت اتصالات بين الشخصيات الوطنية * التي لها تأثير اجتماعي وسياسي لغرض التشاور والتنسيق للشروع بالعمل واتخاذ قرارات وإجراءات موحدة لكن هذه الاتصالات لم تكن بالمستوى الذي من شأنه تفعيل الآراء وبلورتها في آلية سياسية واضحة وربما يعود السبب إلى صعوبة الاتصالات بسبب الحرب التي أدت إلى شحة الوقود وتدمير بعض الطرق والجسور والضعف الواضح في المواصلات السلكية وغيرها.
كذلك الظروف الأمنية السيئة التي يعيشها الشعب والتأثير السلبي لتلك الظروف في ازدياد حالة الرعب والقلق وانتشار عدم الثقة الذي زرعها النظام بين مفاصل المجتمع، كما يمكن التأكيد بهذا الصدد على دور الإعلام الغربي الذي كان يوحي بأن قوات التحالف ستدخل بغداد وسيتم إسقاط النظام وقد تزامن هذا الطرح مع حقيقة مفادها إن أمريكا متهيئة لطرح البديل السياسي وكان هذا الأمر متسقاً مع ظهور أسماء عراقية وشخصيات معارضة قديمة على مسرح الأحداث مثل، سعد صالح جبر، حسن النقيب، ليث كبه، إبراهيم الداوود. هذه الأحداث كانت متزامنة مع حملة إعلامية واسعة ومركزة ضد صدام شخصياً تهديدات عسكرية متواصلة ..
هذه الأمور بمجملها، جعلت الغالبية من العراقيين شبه متأكدين من أن تغييراً حتمياً سيحدث للنظام وعليه لم تبرز حاجة ملحة إلى تكوين قيادة تكون نواياها معروفة سلفاً. بعد هذا يمكن القول إن ما تقدم من عوامل ومسببات أدى إلى ضعف التنسيق والتواصل والاستعداد للقيام بعمل منظم لإسقاط النظام.
لقد كانت عصيبة تلك الأيام التي سبقت اندلاع الانتفاضة ، فالأوضاع قلقة ومصير البلاد يبدو مجهولاً وغامضاً كما إن حالة الأمن الداخلي أصبحت مزرية والأمن شبه مفقود، السلطة مشلولة وأجهزتها تعيش حالات من الرعب والخوف والترقب .. في هذه الأثناء وقعت بعض الحوادث الصغيرة في مدن مختلفة في الجنوب وفي منطقة الفرات الأوسط قبيل الانفجار الحقيقي للانتفاضة وما أجج الموقف وزاد الوضع سوءاً هو الهزيمة النكراء للنظام عسكرياً وسياسياً والذي أدى إلى بروز حالات اضطراب وفوضى من بينها وصول أعداد كبيرة من العسكريين إلى المدن بحالة يرثى لها والمصير المجهول لاعداد أخرى منهم في الوقت الذي تم فيه وقف إطلاق النار دون المساس برأس النظام.

انتفاضة بابل - أيام ساخنة
اليوم الأول :
انطلقت الشرارة الأولى في مدينة الحلة، مركز المحافظة يوم 3 آذار 91.. وقد ظهرت في البداية على شكل تجمعات للشباب أخذت تتطور حتى أصبحت تظاهرة اجتاحت شوارع المدينة ما لبثت أن تحولت إلى هجوم مسلح على الدوائر الحكومية والمراكز الأمنية والشرطة ومقرات الحزب والجيش الشعبي والوحدات العسكرية المتواجدة ومنها مركز تدريب مشاة الحلة. وقبيل الضياء الأخير، تمت السيطرة على المدينة بأكملها من قبل الثوار والجماهير المنتفضة بعد مقاومات طفيفة من قبل بعض المقرات الحكومية باستثناء مركز الاستخبارات الكائن في حي الجمعية فقد أبدى عناصره مقاومة شديدة والسبب يعود إلى كونهم عسكرين مدربين تدريباً عالياً والكثير منهم، أن لم يكن جميعهم، ينحدرون من المناطق الغربية التي كانت قريبة من النظام وخصوصاً العمل في مؤسساته العسكرية والأمنية الخاصة. وضمن هذا التصور الذي يبدو واقعياً إلى حد ما، كان يجول في عقول البعض منهم بأنهم سيكونون عرضة للانتقام الشديد من قبل الثوار، وربما يؤدي إلى إعدامهم جميعاً لاسيما انهم من العناصر الأمنية، لذا كان قتالهم دفاعاً عن النفس اكثر مما هو دفاع عن مؤسسات النظام، وحدث اشتباك بالأسلحة الخفيفة والرمانات اليدوية تمكن الثوار بعدها من اقتحام المركز وتطهيره بعد أن تكبد خسائر بالأرواح واسر البعض من عناصره بينما لاذ البقية بالفرار!
في ذلك الوقت من تلك الليلة، لم تكن ثمة مقاومات أو أحداث تذكر في أنحاء المدينة حيث استقر الموقف لصالح الثوار! تجدر الإشارة إلى أن العمليات التي جرت اشترك فيها أساسا الشباب من مختلف الفئات العمرية ومن قطاعات، الطلاب ، العسكريين، الموظفين، والعمال، كما أسهمت بعض العوائل المعروفة في المدينة وقدمت تضحيات جسيمة بالاشتراك الفعلي في تلك العمليات كما سيرد ذكره لاحقاً.
اليوم الثاني :
استمر الوضع هادئاً طوال ساعات النهار ولم يستثمر النجاح الذي حققه المنتفضون في الليلة الماضية بالاندفاع باتجاه معسكر المحاويل* لاحتلاله والذي يبعد عن مدينة الحلة 25كم، فلو تمت السيطرة عليه لامكن القول بأن الكفة ربما ستكون راجحة لصالح الثوار! لكن هذا الأمر لم يحدث والسبب يكمن بعدم وجود قيادة سياسية وعسكرية منظمة قادرة على التخطيط والتنسيق والإدارة وهكذا لم يتم استثمار النجاح في الحلة والاندفاع شمالاً لإحراز تقدم تكون فائدته كبيرة وهذا ما كان واضحاً في سياق الأحداث.
ولأهمية مدينة الحلة وما حولها حيث تعد المفتاح الرئيس لمحافظات الفرات الأوسط، كان رد فعل النظام سريعاً لاستعادة السيطرة عليها. وبهذا الصدد، يمكننا التأكيد على مسألة مهمة وهي أن المحافظات التي حصلت فيها انتفاضات كبيرة مثل القادسية وذي قار والنجف تمتعت بقسط معين من الاستقرار النسبي تمكن الثوار فيه من تكوين وبلورة قيادات لهم وبدرجات متفاوتة من محافظة إلى أخرى بسبب كون تلك المحافظات بعيدة نسبياً عن بغداد وعن خطوط التماس معها وهذا الأمر لم يكن متوفراً في مدينة الحلة القريبة من بغداد ولم يحدث إلا بعد حين*.

هجوم و قصف مروع ..؟؟

اليوم الثالث:
في فجر الخامس من آذار، شرع النظام بإرسال تشكيلاته العسكرية لمحاصرة المدينة والبدء في عمليات القصف التمهيدي الكثيف والذي أخذ ينصب عشوائياً على كافة أنحاء المدينة محدثاً خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات والمباني، ومن الأحياء السكنية التي تعرضت لعمليات القصف (حي الثورة، حي الإمام، حي الطيارة، حي 17 تموز، حي الجامعيين، حي الأكراد، حي نادر، حي الفقراء، حي البكرلي، حي الجمعية.)
استمر القصف حوالي ثلاث ساعات، بعدها تقدم رتلان من التشكيلات المدرعة مسندة بالمدفعية والطائرات المروحية، الأول على طريق بغداد- الحلة والثاني كربلاء - الحلة، ودارت معركة ضارية بين الطرفين استعملت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة من قبل قوات النظام وكانت الاشتباكات مزيجاً من قتال المدن و الشوارع والغارات ومن سطوح الأبنية والبيوت والبساتين وكذلك انتهاج أسلوب الغارات ليلاً و استعمال الدراجات النارية. هذا ما يخص قتال الثوار، إما تشكيلات الجيش فكان يغلب على طبيعة أداءها القتالي الأسلوب التقليدي في الهجوم واتخاذ المواضع الدفاعية، ورغم التباين في قوة الطرفين من حيث العدة والعدد والذي أوجد حالة من اللاتوازن، لم تتمكن التشكيلات العسكرية المهاجمة إلا من احتلال جزء صغير في الطرف الغربي من المدينة أقامت فيه موضعاً دفاعياً على شارع (60 ) بسبب المقاومة الشديدة والصمود الذي أبداه الثوار!
في هذه الأثناء، انسحب الثوار إلى داخل المدينة و أطرافها نتيجة الضغط المتزايد عليهم .. بعد ذلك حاولت التشكيلات العسكرية اقتحام المدينة، ولم تفلح ..وأعادت المحاولة ثانية ولم تستطع الدخول أيضا، وظلت تكرر محاولاتها الفاشلة مرات عديدة، بعدها اضطرت إلى البقاء في موضعها الدفاعي واستمرت بالقصف المدفعي وبالدبابات على الأحياء السكنية الذي أحدث تدميراً كبيراً لمساكن المواطنين وخسائر بالأرواح مما اضطر بعض المواطنين إلى النزوح من المدينة إلى مناطق أخرى، في الوقت ذاته، استمرت الفعاليات البطولية لشباب الانتفاضة التي اتسمت بالجرأة و الاندفاع مما أفضى إلى اتساع رقعة المشاركة من قبل المرأة والتي كانت لها إسهامة فعلية وبمختلف الواجبات بما فيها القتالية وكان بعضهن يحملن السلاح ويشاركن في القتال حيث استشهدت إحدى النساء أثناء المعارك إضافة إلى قيامهن بالتشجيع والتحفيز ورفع المعنويات من خلال الزغاريد والأهازيج والقيام بتهيئة مستلزمات المعالجة الطبية وإعداد الطعام وجلبه إلى المقاتلين الثوار!

القتال مستمر

استمر الحال بين الطرفين المتقاتلين خمسة أيام ، حاولت فيها القوات النظامية اجتياح المدينة وإحكام السيطرة عليها في عدد من المرات وباستخدام أساليب قتالية متنوعة وبأحجام مختلفة ، لكنها لم تتمكن من إحراز تقدم ملحوظ في المعارك الدائرة، ويعود السبب إلى طبيعة القتال الدائر بما يعرف (بقتال المدن) حيث اختلطت المواقع من جانب لآخر، فأحيانا ترى محاولة من قوات النظام التقدم برتل دبابات أو فصيل ناقلات أو جنود مشاة لاحتلال موقع معين أو بناية قريبة أو ساحة فتفشل تلك المحاولة وتعاد ثانية وتفشل وعلى اثر ذلك منيت فيه قوات النظام بخسائر فادحة بأفرادها وآلياتها ومعداتها مما أضطرها إلى القيام بتبديل تشكيلاتها بقطعات جديدة ورفدها بتعزيزات إضافية لحسم الموقف في المدينة.

اجتياح المدينة

وبالنظر لمحدودية الأسلحة والأعتدة المتوفرة لدى الثوار، والنقص الكبير في القضايا الإدارية والفنية، وعدم تمكن بعض القيادات من السيطرة والإدارة بالشكل الصحيح وتدمير المدينة جراء القصف المدفعي، اضطر شباب الانتفاضة إلى الانسحاب من داخل المدينة نحو الأطراف الجنوبية والشرقية كان ذلك يوم التاسع من آذار حيث باشرت القطعات العسكرية باجتياح المدينة والتوغل فيها وبالتالي إحكام السيطرة على أغلب أحيائها. في هذا الوقت، تمركز الثوار في الأحياء السكنية الواقعة شرق وجنوب المدينة وهي، حي نادر، الحي الصناعي، حي الفقراء، والضواحي القريبة منها. وبالرغم من الخسائر، إلا أن الفعاليات التعرضية للثوار كانت مستمرة والاشتباكات تحدث هنا وهناك، إلا أن قوات النظام أخذت تزيد من حجم قطعاتها وتعزيزاتها واستخدامها الطائرات المروحية التي كانت تحلق فوق سماء المدينة محدثة تأثيراً واضحاً على ساحة القتال، لكن معنويات الثوار كانت عالية ونشاطهم المسلح مستمر وقد تجسد ذلك بقيامهم بفتح نقطة سيطرة على الشارع العام حلة - ديوانية في المدخل الجنوبي للمدينة لا يبعد عن نقطة سيطرة قوات النظام سوى مسافة (300-400 م ) ونتيجة للضغط العسكري المتواصل لتلك القوات والنقص الواضح في مواد التموين، أضطر الثوار يوم 11 آذار إلى الانسحاب والخروج من المدينة نهائياً والتوجه إلى القرى المجاورة والى مدينة القاسم الواقعة جنوب الحلة على بعد 35 كم حيث انضم قسم من شبابها إلى ثوار الانتفاضة.
يذكر، أن المشرف المباشر على العمليات العسكرية في قاطع محافظة بابل كان طه ياسين الجزراوي وقائد العمليات الميدانية طالع رحيم الدوري* ، أما القطعات المشتركة في الهجوم فكانت تضم تشكيلات من الحرس الجمهوري و الحرس الخاص وفرقة المشاة الرابعة وقطعات أخرى.

البداية من القاسم ..!!

صباح الثامن من آذار، بينما كان الحزبيون وأفراد الجيش الشعبي وجهاز الأمن يجوبون الشوارع ويتمركزون في أماكن محددة في مدينة القاسم ويغلب على ملامحهم القلق والتوتر الشديد، كان شباب الانتفاضة يتأهبون في مواقعهم لإطلاق الشرارة.
كان الجميع يعيش حالة ترقب وحذر، وفي حوالي الساعة العاشرة صباحاً سُمعت إطلاقات نار كانت إيذانا بإشعال الشرارة الأولى في المدينة، حيث تم الهجوم على مقر الفرقة الحزبية ومقر الأمن والشرطة ومعسكر الجيش الشعبي والقوة المتجولة في المدينة المكونة من أفراد التنظيم الحزبي. وبعد مقاومة طفيفة تمت السيطرة على المقرات المذكورة دون مقاومة مهمة عدا مركز المدينة الذي كانت فيه القوة المتجولة وهم مجموعة من أعضاء التنظيم الحزبي وأفراد من الجيش الشعبي يقدر عددهم بعشرين شخصاً مسلحين وبأمرة مالك عباس الجوذري أحد قياديي التنظيم. حدث هذا في السوق الذي يقع في الطريق العام (حلة-ديوانية)، وعند سماعهم إطلاق النار هربوا إلى أحد البيوت القريبة وتوزعوا في داخله وعلى السطح وأخذوا بالمشاغلة، ولما كان هذا البيت يتمتع بموقع محصن ومحمي لذا كان من الصعب مداهمته دون خسائر، وبعد مشاغلة بسيطة من قبل شباب الانتفاضة، تمكن اثنان منهم القيام بمناورة بطولية بالقفز من سطح إلى آخر حتى تمكن الشاب مؤيد م. م. ج. ح؟ الذي لا يتجاوز عمره ستة عشر عاماً من قتل آمر المجموعة وجرح آخر بينما لاذ البقية بالفرار!!
بعد ذلك استمرت الفعاليات التعرضية من قبل شباب المدينة بمداهمة المقرات الإدارية والحزبية والأمنية والسيطرة عليها! أثناء ذلك حدثت مناوشات ومقاومات بسيطة تمكن بعدها الثوار من القضاء على جيوب المقاومة والاستيلاء والسيطرة على المدينة برمتها وخلال أربع ساعات فقط!
وقد سقط بعض الشهداء خلال تلك العمليات التي شملت ساحات وشوارع المدينة وبعض المراكز الحكومية* ..

الانتفاضة تتصاعد

بعد ذلك بدأت مرحلة جديدة من العمل فيما يتعلق بإعادة التنظيم والسيطرة على مداخل ومخارج المدينة والعمل على توسيع رقعة الانتفاضة خصوصاً القرى والقصبات المجاورة وفعلاً تم إرسال قوة من الثوار إلى قضاء الهاشمية الذي لم يزل حينها تحت سيطرة قوى النظام وبالتعاون والتنسيق مع أبناء القضاء وبعد قتال قرب مقر شعبة الحزب استمر عدة ساعات، استخدمت فيه الأسلحة الخفيفة والهاونات والرشاشات تمت السيطرة على المقر والتوجه بعد ذلك إلى النواحي الأخرى في المدينة من مراكز إدارية إلى الساحات والشوارع وتم إحكام السيطرة عليها ثم التوجه إلى نواحي المدحتية والشوملي والطليعة وقصبة الإبراهيمية والحصين وقرى الطريق السياحي والسيطرة عليها دون قتال.
من المعروف، إن هذه النواحي والقصبات من الوحدات الإدارية التابعة لمحافظة بابل، فقضاء الهاشمية يبعد عن القاسم حوالي 12 كم وناحية المدحتية تبعد عن القاسم 20كم وتبعد الإبراهيمية ( الدبلة ) عن القاسم 15 كم وناحية الطليعة تبعد عن القاسم 16 كم.

العشائر دور مؤثر .. وصمود

يمكن التأكيد هنا على أن أبرز العشائر التي شاركت في عمليات الانتفاضة الباسلة، هي عشائر الجبور في القاسم والطليعة والهاشمية وكذلك عشائر زبيد في المدحتية والشوملي ثم بعض العوائل والعشائر في المدن كربيعة وعبيد ومشهدي، وبالنظر لاحتلال مدينة الحلة من قبل قوات النظام، ولانسحاب معظم الثوار منها إلى القاسم كونها مدينة كبيرة تحيط بها العشائر وتمتاز بموقع جغرافي مهم، أصبحت مقر قيادة تنظيم الثوار ومركز الانتفاضة في محافظة بابل.

قوات القاسم

على اثر التطورات السريعة التي حدثت ونتيجة للنجاحات التي حققها الثوار، كان لابد من تشكيل قيادة ترعى وتشرف وتخطط للنهج الذي تسير عليه عمليات الانتفاضة مستقبلاً وما يتطلبه ذلك من حشد للجهود ووضع الخطط المناسبة للتحرك لبلوغ الهدف، وعليه فقد تم تشكيل قيادة تتألف من سبعة أشخاص وهؤلاء من الوجوه الاجتماعية المعروفة باتزانها وموضوعيتها*.. كذلك تم تأليف لجان عسكرية واجتماعية وأمنية واجبها وضع الخطط الأمنية والدفاعية عن المدينة. وفعلاً تمت المباشرة بوضع خطة دفاع عن المدينة كذلك بوشر بتشكيل قوات شعبية تحت اسم ( قوات القاسم) أفرادها من سكان المدينة والقرى المحيطة بها واغلبهم من عشائر الجبور وطلب منهم التطوع في تلك القوات خصوصاً العسكريون منهم وكان الإقبال عليها جيداً.

ملامح الخطة الدفاعية

وضعت اللجان التي شكلت خطة دفاع عن المدينة في حال تعرضها لهجوم مقابل من قبل قوات النظام ويمكن تحديد سمات الخطة بإيجاز :
تقسم المدينة إلى أربعة قواطع، لكل قاطع آمر قوة بإمرته ما يزيد عن 150 مقاتلا من حملة البنادق ، وتم الاحتفاظ بالقوة الرئيسية في مركز المدينة كاحتياط جاهز وتمثل النطاق الخارجي بفصيل مدرعات ورشاشات ثقيلة عدد (2) ورشاشات متوسطة وعدد من الهاونات (60-82 ) خارج المدينة بمسافة 2 كم كنطاق أول على الطريق الرئيسي الذي يربط القاسم - حلة وطرق التقرب المحتملة الأخرى، كما تم إخراج مدفع عيار 57 ملم م/ط، كمين للطائرات السمتية خارج المدينة بمسافة تقدر(2.5) كم، كما تم ممارسة أسلوب الكمائن والدوريات والاستطلاع وحتى مدينة الحلة عندما كانت تحت سيطرة قوات النظام وكما اشتملت الخطة على وضع نقاط سيطرة ومراقبة ثابتة كإنذار مبكر على طريق القاسم - حلة لمسافة 30 كم.. إضافة إلى ما تقدم، فأن اللجنة العسكرية قامت بتوزيع القواطع وتنسيب آمرين لها وتعيين مواقع الأسلحة الساندة المتيسرة لاسيما الرشاشات المتوسطة والثقيلة وأسلحة م/ط وتعيين نقاط سيطرة.
ومن أجل الوقوف على طبيعة الإمكانات وحل المشاكل والمعوقات ولغرض التوجيه والتنسيق، فقد قام رئيس اللجنة العسكرية بزيارة النواحي والاقضية الوارد ذكرها وتنسيب ضابط لكل مدينة أو قصبة كمسؤول عسكري على أن يكون من أبناء المنطقة ذاتها كذلك نسب عقد مؤتمر يومي في مدينة القاسم "مركز القيادة" لمسؤولي المدن والقصبات لتدارس ومناقشة آخر التطورات والتوجيهات المناسبة لكل مدينة ثم وضعت خطة هجومية موحدة لاستعادة مدينة الحلة من أيدي قوات النظام.

المؤتمر .. موقف يومي وقرارات

في مدينة القاسم، مركز القيادة حيث يعقد المؤتمر اليومي لمسؤولي المدن والقصبات بإدارة رئيس اللجنة العسكرية لتدارس مجمل المهمات والواجبات المطلوب_تنفيذها وكذلك التنسيق بين القواطع لتنفيذ الأوامر الصادرة بشأنها فقد كان جدول المؤتمر يشتمل في سياقات عمله اليومية الأمور التالية :
1. استعراض الموقف الحالي.
2. ما تم تنفيذه_ يوم أمس.
3. متطلبات التعبئة.
4. الموقف الأمني لكل منطقة .
5. الأعمال التعرضية المطلوب القيام بها ( كمائن، دوريات، هجمات محدودة).
6. التصرف بالأشخاص المحجوزين من الحزبيين_ أو العسكريين.
7. مناقشة عمليات الخرق من قبل الأجهزة الأمنية الحكومية.
8. مناقشة الحالة المعنوية وكيفية ديمومتها والحفاظ عليها.
9. الاستعدادات الممكنة لتحرير مدينة الحلة0
ومن القرارات التي اتخذت خلال المؤتمر ونفذت بأسلوب جيد هو القيام بعمليات تعرضية ( دوريات - قتال على الطريق العام المؤدي إلى الحلة ودوريات استطلاع ليلية ونهارية ) وبذلك تمكنت من اختراق القطعات العسكرية والدخول الى مركز الحلة لإكمال واجبها ولغرض التحضير لوضع خطة الهجوم على القطعات العسكرية المتواجدة في المدينة وإعادة تحريرها ومن ثم استئناف التقدم باتجاه بغداد، كما تم نصب عدة كمائن على الطرق العامة بشكل يومي نهاراً وليلاً وخصوصاً على طريق القاسم - حلة .

مشكلات في القاسم .. ؟

من الأمور والمشكلات المهمة التي واجهتها الانتفاضة في مدينة القاسم حيث يوجد مقر القيادة ولجانها الإدارية الأخرى يمكن إيجازها بما يأتي:
1. الضعف الواضح في إيجاد آلية للتنسيق مع بقية المحافظات التي تمت السيطرة عليها من قبل الثوار باستثناء بعض المحاولات الإيجابية نسبياً مثل عملية التنسيق بين قيادتي بابل والقادسية و بين المثنى والقادسية وبين القادسية والنجف، إلا أنها لم تكن متكاملة ولم تف بالغرض.
2. صعوبة تيسير وسائل اتصال أو ارتباط مع بقية الثوار وتجمعاتهم في المحافظات.
3. النقص الحاد في الاعتدة لاسيما الخفيفة منها.
4. النقص في الأسلحة الساندة .
5. شحة المواد الغذائية والوقود وضعف الخدمات الطبية.
ولغرض التغلب على المعضلة الأولى، بادر رئيس اللجنة العسكرية يوم العاشر من آذار بزيارة الى محافظة القادسية للقاء قياديي الديوانية لغرض التشاور والتنسيق حول الخطط المستقبلية حيث جرت مناقشة العديد من الأمور بغية الوصول إلى قرار توحيد قيادتي بابل والقادسية وتم التوصل إلى تبني مشروع قرار يعتمد مبدئياً على القيام بهجوم واسع لاستعادة مدينة الحلة ومن ثم استئناف التقدم إلى بغداد وفي محاولة للتغلب على مشكلة النقص في الاعتدة والأسلحة فقد تم البحث في مخازن العتاد في الديوانية وعفك ولم يتم الحصول إلا على كمية قليلة من الاعتدة الخفيفة.

الانتفاضة في القادسية

البدايات الراكزة :
بدأت الشرارة الأولى للانتفاضة في الديوانية بسيطرة الشباب الثائر على بعض الدبابات والأسلحة الموجودة في أحد المعسكرات الواقعة في أطراف المدينة، طريق ديوانية - الحمزة الشرقي، وطريق ديوانية - نجف وقد تقدموا بها نحو المدينة تحت غطاء حماية المسؤولين والسيطرة على الوضع المتدهور أمنياً للحيلولة دون اتساع الانتفاضة على مستوى المحافظة ولكن هؤلاء الشباب، بدلاً من تنفيذ هذا الغرض المعلن، غيروا وجهتهم وأخذوا مواقعهم قرب بناية المحافظة والمقر الرئيس للحزب وبدأوا بشن الهجوم من خلال إطلاقات مدافعهم، وبعد مقاومة حصلت من قبل عناصر المقرات والدوائر الأمنية حدثت معركة شرسة كانت نتيجتها قتل وجرح عدد كبير من العناصر الحكومية وهروب البقية كالمحافظ "كاظم بطين الحديثي" وبعض المسؤولين الحزبيين الذين تركوا أعمالهم وهربوا خوفاً من بطش الثوار بهم وخلال عدة ساعات كانت الديوانية برمتها تحت سيطرة المنتفضين من أبنائها ومما يذكر أن النواحي والاقضية التابعة للمحافظة وهي الحمزة الشرقي، السدير، عفك، الدغارة، سومر، السنية، آل بدير، كانت هي الأخرى تحت سيطرة الثوار.
كانت الانتفاضة في القادسية قد تميزت ببلورة قيادة ميدانية موحدة عسكرية- عشائرية ضمت في صفوفها وجوه اجتماعية مرموقة وعدد من كبار الضباط الذين اسهموا بشكل مباشر في إدارتها وقيادتها، نذكر منهم العميد توفيق الياسري والعميد الركن عبد الأمير عبيس والعقيد عبد الحمزة،، والمقدم الركن محمد علي غني، كذلك الشيخ حسين علي الشعلان شيخ عشيرة الخزاعل الذي كان له دور متميز في تفجير الانتفاضة وتفعيلها في الديوانية والشيخ كاظم عبد علي آل دانة شيخ عشيرة الجبور في الحمزة الشرقي والشيخ جليل آل جبارة شيخ عشيرة بني عارض والشيخ حسين آل رباط من شيوخ عشيرة بني عارض.
كان الطابع العام للانتفاضة يتميز بمشاركة العشائر وابنائها مع الشباب المتواجد في المدن بالاندفاع الجيد والاستعداد للتضحية وهذا ما كان واضحاً وجلياً في أغلب مناطق المحافظة * .

التنسيق يتواصل

كانت عمليات التنسيق و التشاور متواصلة بين ثوار بابل والقادسية وقد تأكد هذا الأمر من خلال الزيارات المتبادلة بين قيادتيهما والذي أدى بعد ذلك إلى توحيدهما واتفاقهما على الشروع بهجوم موحد وواسع لاستعادة مدينة الحلة، كذلك تزويد ثوار بابل ببعض الأسلحة والأعتدة المتيسرة في المخازن العسكرية. وفي إطار التشاور بين قيادتي الثوار في المحافظتين، عقد اجتماع مصغر في مدينة القاسم تم الاتفاق فيه على اتخاذ قرار يثبت فيه التوقيت المناسب لبدء الهجوم المقابل من قبل الثوار لاستعادة مدينة الحلة والاتفاق على مواصلة التقدم باتجاه بغداد بعد العمل على إكمال نواقص آليات الرتل المدرع الذي كان مسؤولاً عنه المقدم الركن محمد علي غني * .

استعادة الحلة

كما ذكرنا آنفاً، فقد تم اتخاذ قرار الشروع بهجوم موسع لاستعادة الحلة من أيدي القوات النظامية يشترك فيه الثوار من أبناء بابل والقادسية وقد حدد القرار آلية التحرك والأسلوب الذي يتم فيه التنفيذ وأشار القرار إلى أن القاسم ستكون نقطة التحرك في يوم محدد وساعة محددة وقد تم وضع الخطط اللازمة لجمع المعلومات وإرسال عدد من دوريات الاستطلاع إلى المدينة والمناطق المحيطة بها لمعرفة قوة وحجم القطعات العسكرية وأماكن تواجدها ومواقع المدفعية وشقق السمتيات ونهج الدوريات والكمائن وتم الحصول على نتائج إيجابية ومعلومات دقيقة تم بموجبها تهيئة القوة اللازمة ووضعت خطة الهجوم التي تضمنت الآتي:
الهجوم الموسع على القطعات والتشكيلات العسكرية في الحلة بقصد تحريرها وبصفحتين:
الصفحة الأولى: تبدأ عند الضياء الأول ليوم 15 آذار 91، وتنفذها قوة تتكون من مقاتلي بابل والديوانية والسنية * لاحتلال المناطق التي تقع في جنوب المدينة والسيطرة على المقرات الرئيسية فيها كما تتضمن فرز قوة خاصة مهمتها التدمير أو السيطرة على الطائرات السمتية0
الصفحة الثانية : تبدأ حين الانتهاء من تنفيذ مهمة الصفحة الأولى ويقوم بتنفيذها أبناء عشائر القادسية بعد الضياء الأول لذلك اليوم ويكون واجبهم استثمار النجاح وإحكام السيطرة على المدينة.

موقف شجاع

قبل الشروع بالانطلاق من منطقة التجمع في القاسم، قام رئيس اللجنة العسكرية بجولة تفقدية استطلع فيها أوضاع المقاتلين الثوار واحتياجاتهم من أبناء العشائر لتشجيعهم وتدقيق مستلزمات المعركة وفحص الاحتياجات والنواقص ولاسيما الأسلحة والأعتدة، واثناء التفتيش لاحظ رئيس اللجنة العسكرية بعض الشباب من الثوار من غير سلاح وكانوا متأهبين للذهاب مع القوة المهاجمة، وعند السؤال عن عدم امتلاكهم أسلحة،أجابوا : بأن أسلحتهم موجودة أمامهم في الحلة .. !وعند مطالبتهم التوضيح، قالوا : أن الأسلحة التي تم توزيعها لم تعد كافية للجميع ، وعليه، فأنهم سيشاركون في المعركة، وأكدوا، انهم سيحصلون على الأسلحة كغنائم عندما يبدأ القتال هناك، وكان هؤلاء الشباب يتحدثون بثقة وشجاعة عالية.. لكن القيادة لم تقبل مشاركتهم ضمن القوة المهاجمة في بادئ الأمر، ولكنهم أصروا على ذلك مؤكدين تحملهم المسؤولية .. ونزولاً عند رغبتهم تمت الموافقة وكان لهم ما أرادوا..

سير المعركة

بالساعة العاشرة ليلة 14/15 آذار، وصلت إلى مقر القيادة في القاسم (منطقة الاجتماع) قوة مؤلفة من حوالي مائة مقاتل من أبناء مدينة الديوانية والسنية بقيادة العميد توفيق الياسري إضافة إلى مقاتلي محافظة بابل الذين كانوا متهيئين للقيام بالواجب. تحقق عقد الاجتماع بحضور عدد من الضباط لمناقشة الخطة وإجراء أية تغييرات إن وجدت، وهم العقيد الركن عامر مخيف الجبوري والمقدم الركن جعفر وتوت، الذي أصر على قيادة الهجوم كونه من أهالي مدينة الحلة والملازم الأول ميثم وتوت والعميد توفيق الياسري وآخرون وقد استمر الاجتماع من الساعة الواحدة صباحاً حتى الرابعة والنصف فجر يوم 15 آذار بعدها تم الانتهاء من عملية تدقيق المقاتلين والعمل على إكمال نواقصهم وإجراء الايجازات النهائية.
بالساعة الخامسة والنصف صباحاً، تحركت القوة المكلفة بالهجوم وهي محمولة بالعجلات من مدينة القاسم باتجاه الحلة برتل يضم 20 عجلة مختلفة وباص ركاب كبير، ريم،om ، عجلة حمل، بيك آب، سيارات صالون صغيرة، جميعها تعود للمواطنين والبعض من الثوار المشاركين.
في الساعة السادسة صباحاً، اصطدمت القوة المهاجمة للثوار بكمين عسكري حكومي على مسافة تقدر بـــ 10 كم عن مركز المدينة تمكنت القوة من معالجة الكمين والقضاء على عناصره،بعد ذلك استمرت بالتقدم بالرغم من أن هذا الحادث سبب بعض التأخير في توقيتات الهجوم المتفق عليه.
في الساعة السابعة صباحاً، فتح مقر القوة المهاجمة للثوار في طرف المدينة وبدأت بذلك عملية تنفيذ الصفحة الأولى حيث جرت معركة شديدة في معظم مواقع ومناطق المدينة التي اتخذت منها القطعات العسكرية مواقع لها وكانت نتيجة هذه المعركة أن تمكنت قوة الثوار من اجتياح المواقع الأمامية بعد أن تكبدت التشكيلات العسكرية خسائر بالأرواح والمعدات واسر العديد من الضباط والجنود.
في هذه الأثناء، ساد الارتباك والذعر قوات النظام مما خلق لديهم حالات من الفوضى والتشتت واستمر القتال بين الطرفين فترة وجيزة استطاع الثوار رغم قلة عددهم وعدتهم من التغلغل إلى مركز المدينة والسيطرة على شوارعها وبعض المواقع المهمة فيها.
في الساعة العاشرة صباحاً، قامت قوات النظام بهجوم مقابل استخدمت فيه القطعات المدرعة والطائرات المروحية مسندة بقصف مدفعي مركز حيث تمكنت الطائرات من تدمير مقر قوة الثوار الذي استقر في بداية تنفيذ الصفحة الأولى على الطريق العام قرب المدينة بمسافة خمسة كيلو مترات في بناية عامة وأسفر هذا الهجوم عن إصابة المقدم الركن جعفر وتوت والملازم الأول ميثم وتوت إصابات خطيرة أدت إلى استشهادهما في الحال، كما جرح العميد توفيق الياسري وفي حينها كانت القيادة موزعة على آمري المجموعات إذ لم تتوفر وسائل اتصالات.
في ذلك الوقت، وصلت الى مدينة القاسم طلائع قوة الصفحة الثانية حيث التقى العقيد الركن عامر مخيف الجبوري مع الشيخ حسين علي الشعلان والعميد الركن عبد الأمير عبيــس، والشيخ جليل آل جبارة، والشيخ كاظم الدانة، والشيخ حسين آل رباط، وبعد قليل، تم استئناف التقدم بالعجلات وباتجاه مدينة الحلة على شكل رتل طويل يعد بأكثر من مائة عجلة كبيرة محملة بالأشخاص والأسلحة الخفيفة والمتوسطة وبعض الهاونات والرشاشات الثقيلة.
أصبح هجوم الثوار مكشوفاً لدى قوات النظام التي بدورها أخذت تواصل استعداداتها للتصدي له وسار الرتل متوجهاً نحو المدينة وعلى بعد 5كم منها، أعطي أمر الترجل من العجلات والانفتاح بتشكيل المعركة وحسب تسلسل العشائر بأفرادها وكان كل شيخ عشيرة يعد آمراً على مجموعته وكان كل ذلك قد تم من خلال الإيجاز الذي اعد قبل التنفيذ. ورغم صعوبة الظروف وفقدان وسائل الاتصال مع آمري المجموعات فقد استخدمت الإشارات كبديل وكان الوقت يمر سريعاً ووجوه الثوار تطفح بمعاني الفرح والبسالة والمعنويات العالية.
وفي الساعة العاشرة والنصف، باشر الثوار بالتقدم وعند الوصول إلى أطراف المدينة فتحت النار من قبل قوات النظام حيث تحركت الدبابات والمدرعات المتواجدة على أبواب المدينة وأخذت الطائرات السمتية بالتحليق وبدأ القصف المدفعي الثقيل والمركز وهكذا بدأت المعركة بين الطرفين. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهها الثوار في تلك اللحظات من ملاحقة الطائرات المروحية لهم حيث كانت ترصدهم وتحاول مشاغلتهم، إلا أن القوة المهاجمة وبجزء منها حاولت الدخول إلى المدينة والتغلغل فيها، حينها قامت قوات النظام بتعزيز قدراتها القتالية بإضافة تشكيلات مدرعة جديدة وتكثيف الإسناد المدفعي بعيد المدى الذي كانت قذائفه تنطلق من معسكر المحاويل. استمر القتال إلى الساعة الثانية بعد الظهر، حيث أخذ الوضع يميل إلى صالح القوات الحكومية مما اضطر قوة الصفحة الأولى من الانسحاب والخروج من المدينة، في الوقت ذاته شوهد رتل من الدبابات يتحرك على الطريق العام باتجاه الجنوب لقطع الطريق ومنع الثوار من كسر الطوق الذي بدأت تفرضه القوات العسكرية عليهم، لكنهم تمكنوا من التجمع في أطراف حي نادر الواقع جنوب المدينة حيث تم تبليغهم من قبل عناصر الارتباط، بضرورة سحب قواتهم بشكل منظم والاتجاه إلى مدينة القاسم، وفعلاً تم تنفيذ الأمر بشكل سليم ولم تتمكن القوات الحكومية من إعاقة هذا الانسحاب والتأثير عليه.
في الساعة الرابعة عصراً تكامل وصول الثوار إلى القاسم ومن ثم تفرقت القوة وعادت إلى مواقعها الأصلية!

في ذاكرة الانتفاضة

في خضم أحداث انتفاضة بابل والقادسية، برزت مواقف بطولية كبيرة أسهمت بشكل فاعل في إنضاج الحدث البطولي الزاخر بالتأثير والحماسة الوطنية وكان وراء هذه المواقف أسماء شخصيات وعشائر ستبقى حية في الذاكرة الشعبية والوطنية على مر الأجيال.
وهنا لابد من ذكر العشائر العربية التي شاركت في الحدث وما رفدته بالوسائل المتاحة من أسلحة وأموال ورجال، وتشير الوقائع إلى عشائر الجبوروالجنابيين والأشراف والعذاريين وخفاجة في محافظة بابل، وكذلك العشائر التابعة لمحافظة القادسية والتي كان لها دور كبير ومتميز في أحداث الانتفاضة وتطورها ومنها عشيرة الخزاعل وعلى رأسها الشيخ حسين علي الشعلان وعشيرة الجبور في الحمزة الشرقي وفي مقدمتها الشيخ كاظم عبد علي الدانة الذي استشهد مع ولده في إحدى صفحات تلك الملحمة الرائعة وكذلك عشيرة بني عارض وعلى رأسها الشيخ جليل ال جبارة والشيخ حسين آل رباط وكذلك عشيرة الاكرع.
وفي سياق الحديث عن البطولات النادرة التي سجلها بعض الأبطال من ثوار الانتفاضة في محافظة بابل، لابد من ذكر المقدم الركن جعفر وتوت، الذي يتحدر من عائلة عريقة ومعروفة في مدينة الحلة وكان ضابطاً كفوءاً تدرج في مناصب عسكرية عديدة وكان ذا موقفٍ من النظام قبل الانتفاضة. وبعد الانفجار جاء إلى ناحية القاسم لينضم إلى قوة الثوار ويشارك فعلياً في وضع خطة الهجوم وان يكون في طليعة منفذيها وقاد عملية الهجوم وفتح مقره قريباً من أطراف المدينة وحدثت المعركة، وبينما هو يوجه مقاتليه، غدره صاروخ طائرة سمتية، خر صريعاً على أثره وهو يكتب شهادة كبرى من اجل الحق والحرية والدفاع عنها.
كذلك الملازم الأول ميثم هادي وتوت الذي ينتسب إلى العائلة ذاتها، وكان معوقاً إذ بترت ساقه ولكنه كان مملوءاً بالحيوية والعزم وشارك بالانتفاضة واسهم في المعارك التي دارت في الحلة قبل إعادة احتلالها من قبل قوات النظام. وعند احتلال المدينة، نزح مع بقية إخوانه وأقربائه ورفاقه إلى القاسم وكان يعمل بجدية عالية في تهيئة المقاتلين وتدريبهم أو عمل الاستحضارات المطلوبة ورفع المعنويات. طلب أن يكون آمر مجموعة في قوة الصفحة الأولى ونظراً لوضعه الصحي، فقد رفض طلبه من قبل القيادة، إلا انه أصر وعزم على المشاركة رغم المحاولات التي أرادت أن تثنيه عن ذلك، وتم تعيينه آمراً لإحدى المجموعات الأمامية والتي قادها في معركة شديدة. نال خلالها وعلى أبواب المدينة وسام الشهادة وهو يسطر بدمه ودماء رفاقه من الثوار ملاحم الشهادة من اجل الحرية وقيم الوطنية الحقة.

جرائم … لا تنسى!

كان لقوات الحرس الجمهوري وقوات الحرس الخاص دور رئيسي في الجرائم الوحشية التي ارتكبت ضد أبناء الشعب تحت ذرائع شتى وبمختلف المبررات، وبهذا الصدد نسوق هذه الحادثة دليلاً على الممارسة اللاإنسانية التي تتصف بها تلك القوات ضد الأهالي العزل:
ففي أعقاب الانتفاضة بأيام قليلة وفي أحد مناطق عشائر الجبور في محافظة القادسية وصباح ذات يوم، تم تطويق المنطقة من قبل قوات الحرس الجمهوري حيث اخذ فوج من تلك القوات بالدخول من جهة بينما استطاعت وحدة مدرعة الدخول من الجهة الثانية وقد أخذت تلك القوة تشكيل المعركة وواصلت التقدم باتجاه القرى والمساكن الآمنة وفتحت النار بغزارة دون تمييز بين رجل وامرأة وطفل إذ كانوا يطلقون النار على السكان والبيوت وهم على بعد 400 متر وبنحو عشوائي. كانت هناك مزرعة قريبة، ونتيجة للرمي الكثيف والمرعب هرب شاب من الشباب الذين يعملون في تلك المزرعة وكانت رصاصة قد أصابته في ساقه بالحين، لكنه فضل الهرب في تلك اللحظة. استمرت القوة بإطلاق الرصاص نحوه وبمطاردته ونتيجة طبيعية لأصابته المؤثرة، فقد سقط على الأرض وعندها تمكنوا منه ووجدوه جريحاً، فانقضوا عليه كالذئاب الشرسة، وانهالوا عليه بالضرب بأعقاب البنادق والأحذية ثم حملوه ووضعوه في الحوض الخلفي للعجلة وهو ينزف دماً وتركوه على هذا الحال تحت أشعة الشمس دون أي محاولة للإسعاف وبعد ساعات قليلة كان هذا الشاب قد فارق الحياة!
ويستمر مسلسل المجازر والتصفيات، فقد شكلت في معسكر المحاويل محاكم صورية من ضباط أمن ومسؤولين حزبيين وعناصر من جهاز الأمن الخاص والاستخبارات يعملون بإشراف طــه الجزراوي وقد تعاون معهم أفراد من بعض القرى والعشائر المتواجدة هناك لتأمين المعلومات والمشاركة في الملاحقة وإلقاء القبض على الكثير من العوائل والأفراد الذين يوجه إليهم الاتهام بالاشتراك في أعمال الانتفاضة في محافظة بابل والمحافظات المجاورة الذين تسللوا عبر القرى والأرياف والبساتين للاختفاء من اجل العثور على أماكن آمنة نسبياً.
وقد باشرت تلك المحاكم واللجان الأمنية مهماتها بتنفيذ حملة إعدامات واسعة ضد هؤلاء المواطنين، والذين كان البعض منهم يقضي نحبه أثناء التحقيق والبعض الآخر في الإعدام الفوري!
وقد تم تحديد أحد المبازل الاروائية الجافة ليكون ساحة إعدام للمئات من الشباب وعشرات العوائل من نساء وأطفال وشيوخ حيث يتم جمعهم في نسق واحد ويطلق عليهم الرصاص من الخلف وهم بمواجهة المبزل ومن ثم دحرجتهم إلى القاع الذي تحول إلى مقبرة جماعية لا تزال آثارها باقية حتى الآن متمثلة ببقايا الأحذية والملابس والعظام المهشمة.
وقد روى شاهد عيان تفاصيل حادثة مروعة جرت أمام عينيه إذ قال: أن عائلة كانت ضمن العوائل التي أجري معها التحقيق قد صدر حكم الإعدام ضدها من ضمنها امرأة (حلاوية) الأصل تحمل طفلها الذي لا يتجاوز السنة اقتيدت إلى ساحة الإعدام وهناك أطلق أحدهم النار عليها فسقطت وتدحرج طفلها الصغير على الأرض وهو يصرخ فما كان من مطلق النار ذاته إلا أن يوجه فوهة بندقيته نحو الطفل ويطلق النار عليه فيقتله في الحال إلى جانب أمه!!
وهنا أكد شاهد العيان الذي روى الحادثة وفي معرض السؤال عن حقيقة هذا القاتل والمنفذ لتلك الجريمة المروعة، هل هو من أفراد الحرس الجمهوري أو الحرس الخاص أو من عناصر الأمن والاستخبارات؟
فكان الجواب: كلا، انه أحد منتسبي الحزب الحاكم وهو من أهالي محافظة بابل!!

الانتفاضة في المثنى

انطلقت شرارتها في يوم 3 آذار من منطقة الشرجي تحديداً، وكان الهجوم الأول للمنتفضين على مديرية الأمن إذ حدث قتال استمر يومين أسفر عن السيطرة الكاملة للثوار بعدما هرب مدير الأمن وعناصره الأخرى وفي تلك المعركة استشهد ثلاثة شبان من القوة المهاجم ثم عمت الانتفاضة المحافظة برمتها.
بعد سقوط مراكز الشرطة وفتح السجون وإخراج المعتقلين والموقوفين وكان بضمنهم بعض الكويتيين المحتجزين كانت المدارس في تلك الفترة معبأة بالسلاح والذخيرة العائدة للحرس الخاص والجيش الشعبي، حيث قامت الجماهير المنتفضة بالاستيلاء عليها وتوزيعها على كل من يرغب بحملها.
ثم توجهت الجماهير المهاجمة إلى منطقة الغربي والبساتين الشرقية ومنطقة الصوب الصغير (القشلة) وعلى أثر المقاومات التي أبداها بعض عناصر النظام وكذلك الاشتباكات التي حدثت في مناطق متناثرة من المحافظة، سقط 25 شهيداً من الثوار!
وبعد أن استقر الموقف لصالح الثوار، شكلت قيادة في المحافظة للإدارة والإشراف والتوجيه على سير العمليات، تكونت من المحامي حسن اللوزي، والسيد نعمة كحيل والشيخ نوري عزارة آل معجون والشيخ خزعل خشان آل جازع والسيد سعد والشيخ حاجم عزارة آل معجون، أما في الصوب الصغير فقد ترأس المحامي خزعل كاطع مجموعة من الشباب.
بعد ذلك امتدت الانتفاضة إلى الأقضية والنواحي التابعة للمحافظة ومنها قضاء الخضر، حيث قامت مجموعة من الشباب بمهاجمة المقرات الحزبية والحكومية وتشكلت قيادة للإدارة والتوجيه في القضاء تألفت من السيد نعمة عبد الرضا الياسري والحاج شريف فريح الجابري وسلمان وناس التويجي وهو من تجار القضاء .
وفي قضاء "الرميثة"، سيطر مجموعة من الثوار على المقرات والدوائر الحكومية وكان في مقدمتهم السيد صالح محمود الشرع والسيد حميد أبو طبيخ والسيد إبراهيم محمود الشرع والسيد فليح السيد حسن الياسري والشيخ مطشر آل محمود ونجله مجبل مطشر آل محمود والشيخ ياسين الرميثاوي، كما ضمت المجموعة الرائد حميد الرميثاوي وكان مشرفاً على الأمور العسكرية، استشهد بعد ذلك دفاعاً عن مدينة النجف مع مجموعة من شباب المدينة في عمليات التصدي للقوات الحكومية.
وفي ناحية "الوركاء"، اندلعت الانتفاضة هناك وسيطر الثوار على المنطقة وشكلت مجموعة قيادة مؤلفة من الشيخ جفات جياد شعلان أبو الجون والسيد كريم آل عيسى الياسري والسيد إحسان السيد محسن واشترك فيها شباب عشيرة الظوالم والبو جياش.
أما في ناحية "السوير"، فقد تجمع الشباب من عشائر آل غانم والبركات وقاموا بمهاجمة مركز الشرطة ومقر المنظمة الحزبية حيث هرب منتسبوها وسيطر الثوار بعد ذلك على الناحية، وكان المشرف على إدارة عمليات الثوار وتوجيههم السيد محسن آل عبد الرضا الياسري وقد استشهد في هذه الأحداث من شباب الناحية الشاب شاكر الغانمي .
وكان أهم ما يميز الانتفاضة في السماوة، هو تمركز قوات الثوار والجماهير المنتفضة في منطقة الصوب الكبير، ونظراً لتهديم الجسور فقد تعذر عليهم العبور إلى منطقة الصوب الصغير بالشكل الذي يحقق وجوداً كبيراً وواضحاً في تلك المنطقة مع العلم أن تلك المنطقة تتواجد فيها عشائر بني حجيم وعشيرة الظوالم، وعشيرة آل جياش، وعشائر أخرى.
على أثر السيطرة الكاملة للثوار على المدينة، فقد قاموا بحجز حوالي اكثر من 400 شخص من العناصر الموالية للنظام وكان هؤلاء حزبيين وأفراداً تابعين للجيش الشعبي أو عناصر من الأمن والمخابرات في بنايات السجون الحكومية.
ومن أبرز الذين تميزوا بفعالياتهم وقيادتهم الجماهير المنتفضة في السماوة، هم آل فاضل عبوسي، والشهيد جاسم عطشة، وحسين آل عبس، وعقيل آل داغر، وعلي الحميدي، وجابرالسماوي، وعدنان آل جفات، وعماد آل عبس، ورعد وقاسم آل طالب.
استمرت سيطرة الثوار على المحافظة أكثر من 25 يوماً تمكنوا خلالها من تهديم كل السجون في المحافظة والاستيلاء على المقرات الحكومية والحزبية وعلى مخازن الحبوب وتوزيع ما فيها على المواطنين.
بعد هذه الفترة التي عمت فيها الانتفاضة أرجاء المحافظة، قامت قوات النظام متمثلة بالحرس الجمهوري والحرس الخاص تدعمهما الطائرات المروحية بالهجوم المقابل لاستعادة المدينة من أيدي الثوار، وفعلاً تمت محاصرة المحافظة وأخذت المدفعية تطلق قذائفها بشكل مركز وكثيف مما أضطر أهالي المدينة إلى الهروب إلى خارجها واللجوء إلى معسكرات اللاجئين في صفوان، جنوب البصرة، ومعسكر "السلمان" في منطقة السلمان، ومعسكر العبدلي الموجود جنوب الكويت.. وقد استشهد أكثر من ثلاثين شخصاً جراء هذا الهجوم الذي قامت به قوات الحرس الجمهوري عندما فتحت لها ثغرات للدخول إلى المدينة والسيطرة عليها.
أما الشهداء الذين سقطوا في انتفاضة المثنى دفاعاً عنها فهم، خالد جنباله، قاسم جبر البركي، عبد الرضا عدل ناصر الغانمي، محمد آل سويلم الغانمي، باسم بجاي العطوي، ومطشر نعيثل التوبي وآخرون لم يتسن لنا التأكد من أسمائهم.

أصداء الانتفاضة في بغداد

مع بدايات الأيام الأولى لانفجار الانتفاضة في الجنوب وخاصة البصرة وامتدادها بسرعة شمالاً إلى الناصرية والعمارة والكوت والنجف وكربلاء والديوانية والحلة والسماوة، كان يسود بغداد العاصمة توتر شديد، فقد تهيأ البعض للقيام بانتفاضة ضد السلطات الحكومية، إلا أن الإجراءات الأمنية الشديدة التي اتبعتها الحكومة حالت دون تنفيذ ذلك، حيث قامت بنشر قوات كبيرة من الأمن الخاص والجيش الشعبي والاستخبارات في أغلب مناطق بغداد ولا سيما المناطق والأحياء الشعبية بالإضافة إلى إجراء التفتيش للعديد من البيوت وإلقاء القبض على المشتبه بهم.
في هذه الأثناء، كانت معاناة الناس تزداد يوماً بعد يوم. وحياتهم تتجه نحو الصعوبة، فالأسعار ترتفع بشكل جنوني، والطوابير أصبحت شيئاً مألوفاً للحصول على الغاز، أو البنزين، كذلك، الهواتف معطلة، والتيار الكهربائي مقطوع.
في هذا الوقت، كانت حملات التحري والتفتيش التي ينفذها جهاز الأمن الخاص وقوات الحرس الخاص والأدلاء الحزبيين مستمرة وهي أشبه ما تكون بغارات مفاجئة حيث تطوق الأحياء السكنية ويبدأ التفتيش عن الأسلحة، وعن هويات الأشخاص، وسبب تواجدهم في تلك المناطق.
كان الناس في هذه الفترة يتابعون أخبار الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط ويترقبون ما سوف يحصل، ربما كانوا يتوقعون حدوث حركة مسلحة في بغداد تكون استجابةً وامتداداً للانتفاضة لكن على ما يبدو ويتضح حينها من أخبار متسارعة، بأن الانتفاضة كانت عفوية وتفتقر إلى القيادة والتنظيم والعامل الاستراتيجي في الكثير من جوانبها.
كان البعض في بغداد وخاصة الشباب متهيئاً في أية لحظة للاندفاع إلى الشارع بعدما طال الانتظار، وفي هذا الوقت بالذات، كانت الطائرات المروحية تتزود بالعتاد من مطارات بغداد لتتجه نحو الجنوب لضرب الثوار الذين كان الناس في بغداد يطلقون عليهم اسم "المعارضة"!
في هذه الأثناء، عمد النظام إلى إشاعة نشر صواريخ موجهة إلى بعض أحياء العاصمة وخصوصاً الشعبية منها مثل (الثورة والكاظمية والشعلة) وأوعز إلى جهازه الحزبي وقوات الأمن والاستخبارات إلى القيام بأساليب استفزازية وقمعية للحيلولة دون انتشار النشاطات والفعاليات المناوئة له.
لقد وقعت في مدينة الثورة والشعلة أحداثً كانت استجابة سريعة للانتفاضة في الجنوب حيث قامت مجاميع كبيرة من الشباب في أحد الشوارع الرئيسية في مدينة الثورة بتظاهرة كانت تسير باتجاه مركز العاصمة لتعبر عن نقمتها على النظام وسياساته القمعية وكذلك لتؤكد تواصلها مع الأهداف والمرامي التي جسدها شباب الانتفاضة في محافظات الجنوب والفرات الأوسط وكأنها تستجيب للنداء الذي أطلقه الشهيد محمد باقر الصدر (الثورة تنطلق من الثورة!) كانت حالة الطوارئ في بغداد بأقصى درجاتها، وكانت أجهزت النظام الأمنية تراقب عن كثب حركة الناس في الشوارع والساحات العامة وقد تصدت تلك الأجهزة لتلك التظاهرة وأخذت بإطلاق النار مباشرة على المشتركين فيها حيث قتل وجرح وأعتقل الكثير.
كما حدثت في الفترة نفسها تظاهرة مشابهة في مدينة الشعلة على أثر تشييع جنازة، فقد بدأ إطلاق النار أثناء مراسم التشييع، فتوقع الكثير من الناس أن الانتفاضة انطلقت في الشعلة، فتعالت الهتافات وازداد حجم المتظاهرين وبدأوا المسير إلا أن قوات النظام تصدت للجموع الغفيرة وفرقت التظاهرة بعدما قتل البعض وجرح آخرون واعتقال البقية وحدث هذا الأمر بإشراف مباشر من قبل وطبان الأخ غير الشقيق لصدام، الذي أمر بترك الجثث في الشارع وإلقاء البعض الآخر في براميل القمامة كما تم احتجاز عوائل المشتركين واستباحة بيوتهم وممتلاكاتهم.
وعليه، فقد بقي الحال في بغداد في مستويات الترقب والانتظار والتوقع، فقد ظن البعض من أن الجماعات التي أشعلت الانتفاضة في المحافظات الجنوبية والوسطى لهم قواعدهم وخطوطهم في بغداد وانهم سوف يتحركون بشكل سريع ومنظم في حين أن بقية المحافظات التي لم تنتفض كانت تنتظر حدوث شيء ما في بغداد، بعد أن تصل شرارة الانتفاضة إليها!
وفي ظل هذه الأجواء، كانت ردود الأفعال متباينة، فقد قال البعض أن الأمور ازدادت غموضاً خصوصاً وأن قوات النظام المدعومة بالطائرات المروحية، كانت قد أعاقت تقدم الثوار في الجنوب وعملت على تفتيتهم، وعليه كنا نتوقع أن يكون هناك تحرك عسكري عبر كركوك وباتجاه ديالى.. لكن هذا الأمر لم يحدث والسبب على ما يبدو عدم وجود التنسيق الكامل بين قوى المعارضة وفصائلها وبين المنتفضين والثوار على مستوى البلاد، فلو كان هذا الأمر موجوداً لاتخذت الأحداث اتجاهاً آخر، قد يكون مؤثراً بشكل واضح في تصاعد الانتفاضة وبلوغ أهدافها..!

الفصل السادس




الانتفاضة في كردستان

البداية المستمرة
ما أن تم إعلان وقف إطلاق النار بين دول التحالف والعراق في 28 شباط 1991، حتى وجهت الحركة الكردية دعوة إلى قوات البيشمركه للاستعداد والتهيؤ لتنفيذ الأوامر والتوجيهات التي ستصدر إليهم عن طريق إذاعتي "صوت شعب كردستان" و"صوت كردستان العراق" *وكان لهما دور رئيسي في تحفيز الجماهير الكردية والعراقية عموماً نحو التحرك والانتفاضة.
في هذه الأثناء، تناقلت وكالات الأنباء أخباراً عن حصول انتفاضة شعبية في الجنوب ضد السلطات الحكومية وبالتحديد في البصرة بقيام أحد الجنود العائدين من ساحة القتال بإطلاق الرصاص من فوق دبابته على صورة كبيرة لصدام حسين كانت معلقة على واجهة مبنى المحافظة ثم توسع هذا الأمر بأن شاركت أعداد كبيرة من الجنود والضباط العائدين وكذلك جموع من الجماهير وأفراد مسلحين من قوى المعارضة في الهجوم على دوائر الاستخبارات ومقرات الحزب ومبنى المحافظة والدوائر الأخرى والمعسكرات التابعة للجيش، وتمكنوا من الاستيلاء عليها، وامتدت هذه الحركة بسرعة شمالاً حتى شملت الناصرية والعمارة والكوت والنجف وكربلاء والديوانية والحلة والسماوة، وهذا ما ورد ذكره في الفصول السابقة بشيء من التفصيل0
وتابع سكان كردستان أنباء الانتفاضة في الجنوب باهتمام بالغ وكانت المعلومات الواردة عنها مقتضبة وغير دقيقة لعدم وجود مراسلين أجانب في مواقع الأحداث وفرض تعتيم إعلامي عليها من قبل السلطات الحكومية، حيث كان مصدر المعلومات، أما الإذاعات الخارجية، أو الجنود والضباط الذين وصلوا كردستان من الجنوب بعد الانسحاب ونقل هؤلاء العسكريون بعض التفاصيل عن مشاهداتهم لأحداث الانتفاضة في المدن التي تواجدوا فيها أو مروا بها في طريق عودتهم.
يذكر، بأن قسماً كبيراً من الجنود الأكراد كانوا قد تركوا وحداتهم العسكرية بوقت مبكر بناءاً على توجيهات قد صدرت من القيادة الكردية، واثناء توارد أنباء الانتفاضة الواقعة في الجنوب بدأت تطرح بين الجماهير الكردية تساؤلات حول الموقف الذي ينبغي عليهم اتخاذه حيالها، ولم تكن لدى الغالبية فكرة واضحة حول القيام بأي عمل، وكان هناك آخرون يرومون الانتظار لحين أن تتوضح الأمور في الجنوب، وخاصة ذوي الرأي القائل ، بأن الكرد قاوموا النظام لسنين طويلة والآن جاء دور أهالي الجنوب كي يظهروا مقدرتهم في التصدي لنظام الحكم، أما رأي المعارضة الكردية والتي تتمثل في أبرزها الحزبان الرئيسان الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، فكان ينطوي على ضرورة التحرك السريع للقضاء على مرتكزات النظام في كردستان ومن اجل ذلك، فقد أبرم الحزبان المذكوران اتفاقاً بمشاركة بعض أحزاب المعارضة القيام بالانتفاضة وتحرير كل المدن العراقية.
في هذه الآونــة، أخذت ( صوت شعب كردستان ) بإذاعة النداءات بالشفرات والرموز الموجهة إلى وحدات البيشمركه بصورة مستمرة وكان يمكن للمرء التوقع بإمكانية حصول أحداث مثيرة في كردستان في هذا الوقت بالذات.

تظاهرة في أربيل

وفي خضم هذه التطورات والأحداث، حصلت في مدينة أربيل بتاريخ 4 آذار1991، تظاهرة ضد النظام انطلقت من وسط المدينة بمئات من المتظاهرين هتفوا بشعارات ( الحرية والديمقراطية )، ورغم التوقع من وصول قوات حكومية إلى موقع التظاهرة والاصطدام بها، كذلك ظهور علامات الخوف على المتظاهرين والتي بدت واضحة على وجوههم، إلا أنهم استمروا بسيرهم وفي هذه اللحظات، وصلت قوة من أفراد الجيش الشعبي والشرطة والمفارز الخاصة للتصدي للمتظاهرين وبدءوا بإطلاق نيران مختلفة من بنادقهم فوق الرؤوس واستطاعوا تفريق التظاهرة بسرعة دون إراقة دماء.
وكانت لهذه التظاهرة دلالات منها• :
1. تعد أول تظاهرة معادية للحكومة تحصل في أنحاء كردستان خلال ما يقارب عشر سنوات .
2. كان يلاحظ من الملابس الريفية لبعض المتظاهرين الذين كانوا يوجهون سير التظاهرة إنها لم تكن عفوية بل كان مخطط لها من قبل قوى المعارضة الكردية.
3. إن موقف البعض من سكان أربيل يمكن اعتباره سلبياً حيث لم يكتفوا بعدم مساندتها أو الانضمام إليها بل آثروا الابتعاد خشية الاصطدام بالقوات الحكومية.
4. إن هؤلاء المتظاهرين الذين يستحقون لقب أبطال وان لم يفلحوا في التأثير على سكان المدينة وجرهم للاشتراك في التظاهرة إلا انهم تركوا في نفوسهم أثرا ايجابياً0
هذا الأمر أثار تساؤلاً هاماً، هل إن الانتفاضة الشعبية التي حصلت في كردستان بعد أيام معدودة كان يمكن أن تحصل لولا تدخل القوات التابعة للأحزاب المعارضة الكردية؟
نستطيع القول، إن الانتفاضة لم تكن أمرا عفوياً، بل خططت لها ونفذتها قوى المعارضة الكردستانية بالتعاون والتفاعل مع الجماهير المنتفضة صاحبة القضية الأساس وذلك من خلال الاستمرار في بث النداءات والتوجيهات من خلال إذاعتي "صوت كردستان العراق" و"صوت شعب كردستان"، حيث نقلت هذه الإذاعات ما كان يحصل من حوادث متفرقة في أنحاء المنطقة.
وفي الوقت ذاته، بدأت قيادة الجبهة الكردستانية الاتصال بمستشاري أفواج الدفاع الوطني وآمري المفارز الخاصة* وطلبت منهم الوقوف إلى جانب شعبهم وربط مصيرهم بمصيره وليس بالنظام الحاكم0

الإنتفاضة في رانية

في يوم 5 آذار 1991، قامت مفرزة من رجال أمن السلطة بحملة اعتقالات واسعة ضد المواطنين في مدينة رانية (قضاء حدودي يرتبط إداريا بمحافظة السليمانية) شملت بعض الجنود الفارين، وقد تصدى لهم مجموعة من المنتفضين الذين كانوا على اتصال مع قوات البيشمركه حيث تمكنوا من القضاء عليهم جميعاً، وفور وقوع هذه الحادثة، انتفض أهالي المدينة وبدءوا الهجوم على الدوائر التابعة للأمن والاستخبارات والاستيلاء عليها مما اضطر بعض الوحدات لتسليم أسلحتها إلى المنتفضين.
ويبدو أن السيطرة على هذه المدينة كانت نقطة البدء في سلسلة عمليات تحرير كل المدن الكردية، فقد تحدث شهود عيان عن حصول حادثة مروعة أثناء الاستيلاء على المدينة المذكورة، (حيث اجبر الثائرون عدد اً من رجال الأمن بالصعود إلى سطح مبنى عال ثم دفعوهم منه، وكان بانتظارهم على الأرض المحيطة بالمبنى مسلحون شاهرون رؤوس حرابهم نحو الأعلى ليسقط هؤلاء عليها!)
وبعد ذلك أخذت إذاعة ( ص . ش . ك ) تكرر إعادة خبر تحرير رانية على مدى يومين!

الانتفاضة في السليمانية

أذاعت " صوت شعب كردستان " يوم 7 آذار، نبأ تحرير مدينة السليمانية وكان لهذا الخبر وقع مهم على نفوس الشعب الكردي لما لهذه المدينة من أهمية بالغة بالنسبة لهم، فهي من اكبر المحافظات الشمالية من حيث عدد سكانها الذي يقارب المليون وربع المليون، كما وإنها كانت طوال تاريخها معقلاً من معاقل المعارضة والنضال الوطني من اجل نيل الحقوق المشروعة للشعب الكردي وقد استطاعت قوات البيشمركه التي لم يزد عدد أفرادها على المائة بالاشتراك مع الجماهير الشعبية من السيطرة على معسكرات الجيش ومقرات الحزب الحاكم ومراكز الشرطة والمخابرات ومبنى المحافظة وجميع الدوائر الأخرى في غضون ساعات قليلة باستثناء مبنى مديرية أمن السليمانية حيث تجمع هناك عدد كبير من المسؤولين الحكوميين من بينهم المحافظ ومدير الأمن ومسؤولي الحزب في المحافظة0
وأبدى المتواجدون في بناية تلك المديرية مقاومة عنيفة استمرت 26 ساعة تقريباً رغم أن البناية كانت محاصرة من كل الأطراف وتهاجم من قبل مهاجمين غاضبين بمختلف الأسلحة بما في ذلك القاذفات للدروع، إلا أن المقاومين أبدوا نوعاً من التصدي والثبات لأنه لم يكن في تصورهم أن الحكومة تتركهم لوحدهم إنما ستهب لنجدتهم حتماً وقد غاب عن ذهن هؤلاء انشغال الحرس الجمهوري بقمع الانتفاضة في الجنوب. وبعدما يأس من بقي منهم على قيد الحياة من تلبية نداءاتهم التي أرسلوها إلى كركوك وبغداد عبر أجهزة اللاسلكي المتوفرة لديهم، اضطروا إلى التسليم، وبدءوا بالخروج من المبنى المحاصر، وما أن وصلوا إلى أبواب البناية حتى هوجموا من قبل الجماهير الغاضبة المجهزة بالسلاح والتي تجمعت طوال اكثر من يوم حول المبنى، فبدءوا بقتل كل من يخرج من البناية، وكان من بين القتلى أربعة من أعضاء الفرع التابع للحزب الحاكم وعدد من أمناء الشُعب والأعضاء الحزبيين بالإضافة إلى 186 من أفراد جهاز الأمن ضباطاً ومراتب وعلى رأسهم مدير الأمن العقيد خلف عبد احمد الحديثي إضافة إلى المحافظ وأبنائه وكان هذا الأمر وبالصورة التي حدثت بمثابة ردة فعل عنيفة للممارسات القمعية الرهيبة التي قامت بها السلطات الحكومية ضد أبناء الشعب الكردي عموماً وابناء السليمانية بشكل خاص على مدى أكثر من عشرين عاماً خلالها كانت دائرة الأمن على رأس الأجهزة المنفذة لتلك الممارسات.
ورافق تحرير السليمانية تطهير كافة الأقضية والقصبات التابعة لها مثل قلعة دزه ودوكان ودربندخان وحلبجة وسيد صادق وكلار وجمجال من القوات الحكومية وقوات الأمن والأجهزة الحزبية، وكما تم الاستيلاء على معسكرات الجيش المنتشرة في كافة أرجاء المحافظة ، ومن بين المواقع العسكرية المهمة التي تمت السيطرة عليها ، رحبة عينة الفيلق الاول في منطقة بكرجو، والتي احتوت على مختلف الأسلحة والأعتدة مع كمية كبيرة من التجهيزات ومواد للتحصينات والملابس ، والمواد الكهربائية والأثاث، كما تم الاستيلاء على مراكز العتاد الواقعة في السليمانية وسيد صادق ودربندخان وجوار قرنة التي احتوت على عتاد الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والصواريخ، والمدافع النمساوية والمدافع المتوسطة والثقيلة والأسلحة الكيماوية وقد بلغ مقدار هذه الاعتدة ملايين الطلقات.

الانتفاضة في مدينة طوز

تتمتع مدينة طوز (طوز خرماتو) بموقع حيوي ، فهي تقع على الطريق العام الذي يربط مدينة كركرك بالعاصمة بغداد وتبعد عن الأخيرة حوالي 180كم وعن كركوك 70كم وعن تكريت حوالي 100كم ، عدد سكانها يتراوح بيــن100 –150 ألف نسمة من الكرد والتركمان والعرب0
وقد أولت قوى المعارضة الكردية اهتمامها بتحرير هذه المدينة ومدن أخرى مثل خانقين وجلولاء ودربندخان وكلار وقد أشرف مسؤولون في المعارضة الكردية على العمليات في تلك المنطقة التي تقع فيها هذه المدن وكلفت قوة من البيشمركه يبلغ عددها 35 مقاتلاً وبأمرة اثنين من القادة الميدانيين للهجوم على مدينة ( طوز ).
واستطاعت هذه القوة الاتصال بعدد من سكان المدينة وشكلت منهم مفارز وتم تزويدهم بالأسلحة اللازمة كما تم الاتصال بعدد من مستشاري أفواج الدفاع الوطني وآمري السرايا والمفارز الخاصة ( كلهم من الكرد) وابلغوا بقرار الجبهة الكردستانية بالعفو عنهم وطلبوا منهم المشاركة في انتفاضة شعبهم ضد السلطات الحكومية.
وقررت القوة المكلفة بتحرير مدينة( طوز ) أن تبدأ أولا بمدينة ( كفري ) التي تقع شرقي المدينة وقد تم تحريرها ليلة 9/10 آذار 91، بعد ذلك تم الإيعاز إلى قوة أخرى بالتوجه لتحرير مدينة ( طوز ) وعند ذلك بدأت العمليات العسكرية ضد قوات النظام، وفي الساعة الثالثة بعد ظهر يوم 10اذار، قامت المفارز المسلحة داخل المدينة بمعاونة المسلحين من الجماهير بالهجوم على دائرة الأمن والمخابرات والشرطة ومقر الحزب الحاكم وتم تحرير المدينة بأكملها، وعند وصول القوة المكلفة بتحريرها بساعات وجدتها واقعة تحت سيطرة الجماهير المنتفضة، ويذكر أن الكثير من الشباب التركماني ومن أهالي المدينة كانوا قد شاركوا رفاقهم الكرد في مجمل النشاطات والفعاليات التي استهدفت الاستيلاء على المقرات والدوائر الحكومية.

دفاعاً عن المدينة

منذ اليوم الأول لتحرير مدينة (الطوز ) أي 10اذار، ظلت تتعرض لقصف مدفعي من جانب الجيش بصورة مستمرة، أو في بعض الأحيان من جانب قوات مجاهدي خلق* ، وكذلك بقصف صاروخي وقنابل فسفورية من قبل الطائرات التي كانت تنطلق من مطار عسكري قريب يبعد ثلاثة عشر كيلومتراً عن المدينة، وكان القصف يشتد أثناء قيام وحدات الجيش بشن هجماتها البرية لاستعادة السيطرة على المدينة، كما وتعرضت لسلسلة من الهجمات العنيفة من قبل الألوية الخاصة ولواء من المغاوير ابتداءً من يوم 11اذار ولغاية 18منه، وقد أبدت قوات البيشمركه مع جماهير المدينة مقاومة بطولية متميزة. وفي يوم 16 آذار، وصلت قوات أخرى من البيشمركه لتعزيز القوة المدافعة، كذلك وصلت في اليوم التالي مفرزة مسلحة أخرى للغرض نفسه واستطاعت أن ترد جميع الهجمات على أعقابها والتي استمرت تسعة أيام بعد أن تكبدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة، أما بالنسبة لخسائر المدافعين عن المدينة فقد بلغت 250 قتيلاً، إضافة إلى عشرين من أفراد البيشمركه وإصابة أعداد كبيرة بجروح اثر اشتداد وطأة القصف المدفعي والصاروخي وتكثيف هجمات الوحدات التابعة للجيش، عندئذ أبرق قائد القوة المدافعة عن المدينة إلى قيادة الجبهة الكردستانية طالباً قوة إضافية لنجدتهم، وقد وعدت تلك القيادة بالاستجابة للطلب، لكن لم تصل تلك القوات حتى يوم 19 آذار، مما جعل القوة المدافعة عن المدينة* تقرر الانسحاب باتجاه كفري والمرتفعات الواقعة شرق المدينة.

الانتفاضة في أربيل

تعد مدينة أربيل عاصمة الحكم الذاتي الذي أقرته الحكومة العراقية في كردستان عام 1974 ، لذلك تواجدت فيها هيئات المجلس التنفيذي والتشريعي وكذلك كانت مقراً للفيلق الخامس التابع للجيش، كما كانت فيها مديرية منطقة أمن الحكم الذاتي ومديرية استخبارات المنطقة الشمالية.
وقبل تحرير أربيل استطاعت الجماهير بمساعدة قوات البيشمركه يوم 9 آذار من السيطرة على مدينة ( كويسنجق ) التي تبعد عن أربيل 70 كم وكذلك السيطرة على مدينة شقلاوة وأدت السيطرة على هذه المدينة إلى قطع الطريق على وحدات الجيش المنتشرة في شقلاوة وجومان وحاج عمران على الحدود العراقية الإيرانية، لذلك لم يمض إلا وقت قصير حتى سلمت هذه الوحدات نفسها بكامل أسلحتها ومعداتها إلى قوات البيشمركه والجماهير المنتفضة، ومنذ الحادي عشر من آذار بدأ أفراد من البيشمركه والمفارز المسلحة الداخلية وعدد من مسلحي أفواج الدفاع الوطني والمفارز الخاصة بالهجوم على مديرية أمن منطقة الحكم الذاتي ومديرية أمن أربيل ومقر الفيلق الخامس ومقر الحزب الحاكم ومبنى المحافظة وتم الاستيلاء عليها جميعاً باستثناء مديرية استخبارات المنطقة الشمالية التي قاوم أفرادها حتى عصر ذلك اليوم حيث قتل قسم منهم واحتجز البقية. وقد أفاد شهود عيان آخرين بأن مدينة أربيل تم تحريرها بجهود أبنائها دون تدخل مباشر من البيشمركه.

الانتفاضة في دهوك

تم تحرير مدينة دهوك بتاريخ 14 آذار بالأسلوب نفسه الذي تم به تحرير أربيل وبالأسلوب ذاته تم تحرير مدن مخمور، عقرة، والعمادية وزاخو وغيرها0* ففي يوم 12 آذار، وصلت مجموعة من قوات الجبهة الكردستانية إلى زاخو ووجدوها محررة من قبل البيشمركه والجماهير الشعبية، كذلك واصل المنتفضون استيلائهم على المواقع العسكرية الحكومية، فقد سيطروا على كدس عتاد عين هيزوب قرب كويسنجق، ومخازن عتاد ديانا - صديق ومخازن عتادأربيل، واحتوت هذه المخازن على كمية كبيرة من عتاد الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والصواريخ وعشرات الملايين من العتاد الخفيف والمتنوع.

تعسف ورهائن في كركوك!

علمت السلطات الحاكمة في بغداد باستعدادات القوات الكردية للسيطرة على مدينة كركوك، لذلك تحركت بسرعة للحيلولة دون حدوث ذلك رغم انشغالها بقمع الانتفاضة في الجنوب، فقد قام علي حسن المجيد بزيارة ميدانية للإشراف على الاستعدادات المتخذة للدفاع عنها وعدم التخلي عنها بأي ثمن.
في هذه الأثناء جرت عملية كبرى لاعتقال السكان الأكراد في المدينة حيث قام رجال الأمن والجيش الشعبي والمنظمات الحزبية بإجراء تفتيش في المناطق والمحلات الكردية والفنادق والأسواق واعتقال كل شخص كردي أو تركماني يصادفونه بصرف النظر عن عمره أو مهنته أو انتمائه السياسي. وخلال هذه الفترة القصيرة تم إلقاء القبض على حوالي ثمانية آلاف شخص، نقل أكثرهم إلى معسكرات اعتقال في تكريت0
وقصدت الحكومة من هذه الإجراءات والاعتقالات الحد من معاونة أهالي المدينة قوات البيشمركه في هجومهم المتوقع وكذلك الاحتفاظ بهم كرهائن!

الانتفاضة في كركوك

وضعت خطة للهجوم على كركوك من محورين.. الأول، محور أربيل والثاني، محور سليمانية - جمجمال :
محور أربيل
بعد يومين من تحرير أربيل ، أي في 13 آذار، تمت الاستعدادات لشن هجوم على مدينة كركوك وشاركت في قوة الهجوم مجاميع من فصائل قوى المعارضة الكردية ودخلت هذه القوة في 15 آذار مدينة التون كوبري التي تقع على مسافة 40كم شمال كركوك ووجدتها محررة من قبل جماهير المدينة، وعقد اجتماع يوم 16 آذار لوضع الخطة النهائية للهجوم وتوزيع المهمات على القوات المهاجمة، وتم الاتفاق على أن تباشر هذه القوات عملياتها ليلة 16/17 آذار مع قوات البيشمركه الآتية من محور السليمانية - جمجمال، إلا أن تأخر القوات الأخيرة أدى إلى تأجيل الهجوم، وعقد اجتماع آخر في التون كوبري ليلة 18/19 آذار واتخذ قرار بضرورة التسلل إلى داخل المدينة لحث السكان على القيام بالانتفاضة .. وفي فجر يوم 19 آذار، وصلت القوة المهاجمة إلى كركوك والتحمت في معركة كبيرة مع قوات النظام المدعوم بالدبابات والطائرات المروحية وتم في المساء إلحاق الهزيمة بقطعات النظام وتكبيدهم خسائر في الآليات والمعدات والأفراد.

محور سليمانية - جمجمال
تم إعداد قوة من البيشمركه للهجوم على مدينة كركوك إذ وصلت هذه القوة إلى جمجمال التي تبعد عن كركوك 40كم وحاولت بعض ألوية المشاة الحكومية معززة بالطائرات المروحية مساء يوم 13 آذار بشن هجوم على جمجمال ، وفي معركة كبيرة استطاعت القوات الكردية من رد الهجوم وسحقه والاستيلاء على آليات القطعات المهاجمة، وكذلك استطاعت قوات البيشمركه التقدم إلى منطقة قره هنجير المجاورة ليلة 14/15 ثم وضعت خطة لدخول كركوك .
وفي هذا الوقت، تم إعادة تنظيم قوات البيشمركه وتعزيزها استعدادا لشن هجوم آخر نحو المدينة، ووقعت معارك بين الطرفين استمرت حتى الفجر، حيث عادت قوات البيشمركه إلى مواقعها السابقة0
عقد اجتماع في جمجمال يوم 18 آذار، حضره القادة المسؤلوون عن عملية الهجوم، تم فيه توزيع المهمات على القوة المهاجمة للمدينة، وحاولت تلك القوة التسلل إلى داخل كركوك مساء يوم 18 آذار، لكنها أخفقت بسبب وجود بعض الكمائن العسكرية وحاولت مرة ثانية أن تتجنب الاصطدام مع القوات العسكرية للتمكن والتوجه بسرعة إلى وسط المدينة.
وبدأت القوات الحكومية في يوم 19 آذار، هجوماً على القوة المتقدمة من اجل محاصرتها والقضاء عليها حيث تعرضت إلى قصف شديد بالمدافع والطائرات الهليكوبتر، وفي هذا الوقت، قامت قوات البيشمركه بتسليح الأهالي لأجل الحصول على مؤازرتها واشتد ضغط القوات الحكومية على البيشمركه التي اصبح وضعها قلقاً خاصة بعد مقتل العديد من قادتها الميدانيين.. لكن القتال استمر إلى الساعة الرابعة عصراً، وبعد ذلك وضعت خطة سريعة لدخول قوة إلى المدينة من طرف جنوب شرقها للقضاء على مقاومة الجيش وتسهيل دخول قوات أخرى إليها لمعاونتهم، وحققت هذه الخطة نجاحا كبيراً حيث تم تطهير عدد من المواقع، مما أدى إلى تدفق البيشمركه إلى داخل المدين، وفي هذا الوقت بالذات، كان عدد من الوحدات العسكرية قد سلم أسلحته بالكامل وبصورة جماعية للقوات المهاجمة.
في هذه الأثناء، استطاعت قوات البيشمركه والجماهير المنتفضة أن تضع يدها على قاعدة ( دارمان) التي كانت تعد المستودع رقم (1) لقوات الجيش في المنطقة الشمالية لما تحتويه على عدد كبير من الأسلحة بمختلف أنواعها وعلى التجهيزات والمعدات وغيرها.
كما تمت السيطرة على مقر الفيلق الأول ومطار للطائرات يحتوي على 25 طائرة ومحطة التلفزيون الحكومية ودوائر المخابرات والاستخبارات والأمن ومقر الحزب الحاكم ومراكز الشرطة ومبنى المحافظة ومباني ومنشآت شركة النفط ، كما وقعت في أيدي القوة المهاجمة كمية كبيرة من الوثائق والملفات التابعة لدوائر الأمن والمخابرات الحكومية.
وقد رحب الأهالي في كركوك وخاصة الكرد والتركمان والأقليات الأخرى ترحيباً حاراً بقوات البيشمركه، وكان ترحيب التركمان اشد بهذه القوات، إذ شاركوا بحمل السلاح لمعاونة تلك القوات، في تشكيل بعض اللجان المحلية لحماية المناطق السكنية.
وهكذا استطاعت القوات الكردية بالاشتراك مع أهالي المدينة من الاستيلاء على المدينة في غضون ثلاثة أيام من المعارك الطاحنة.
وقد فر معظم قادة قوات النظام ومسؤوليه تاركين بيوتهم وممتلكاتهم، وكان على رأس هؤلاء الهاربين علي حسن المجيد .. وبذلك حقق أهالي كركوك من الكرد والتركمان والأقليات الأخرى انتصاراً كبيراً لم يشهد تاريخهم مثيلاً له، حيث تم بسط السيطرة على المدينة بأكملها وبعد ذلك زينت السماء بالألعاب النارية التي عبرت عن الفرحة الكبيرة النابعة من الدلالات العميقة لتحرير كركوك من النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية.

سقوط حلم !!

في الوقت الذي كان صدام حسين يوجه خطاباً إذاعيا يذكر فيه انه تم القضاء على الانتفاضة في الجنوب والتي اسماها بـ (صفحة الغدر والخيانة)، أكد على القضاء على الانتفاضة الكردية والتي اسماها بـ (تمرد الخونة والعملاء في الشمال ).
كانت تشكيلات من الحرس الجمهوري والجيش قد بدأت هجومها الواسع على كردستان منتصف شهر آذار عام 1991، وكانت خانقين أول مدينة تمكن الجيش من إعادة السيطرة عليها بسهولة ثم شن هجوما على مدينة ( طوز) تمكنت فيه للمرة الأولى قوات البيشمركه والأهالي من رد الهجوم على أعقابه، لكن قوات النظام كررت هجومها على المدينة حتى تمكنت من إعادة السيطرة عليها في 19 آذار. بعد ذلك وفي إطار توجه الجيش للسيطرة على كركوك ، دارت معارك على أطراف المدينة بين قوات البيشمركه والقوات الحكومية خاصة في منطقة تازة خورماتو وقرية يارمجة اضطرت القوات الكردية إلى الانسحاب ليلاً شرق كركوك وذلك للتفوق الحاصل عند قطعات الجيش عدة وعدداً0
وبعد أيام قليلة، أخذت مدينة كركوك تتعرض إلى قصف مدفعي عشوائي، ففي ليلة 27 / 28 آذار، تحركت القوات الحكومية نحو المدينة من عدة اتجاهات وكانت الخطة تقضي بالتقدم السريع بمحاولة تطويق المدينة وسد مخارجها، للحيلولة دون وصول مساعدات إلى قوات البيشمركه المتواجدة في داخلها ولذلك وصلت قوات حكومية إلى مدخل المدينة وشمالها وشرقها، أي الطريق الذي يربطها بجمجمال - سليمانية، وتقدمت قوة أخرى من منطقتي دبس والتون كوبري لقطع طريق كركوك - أربيل في الوقت الذي تقدمت فيه قوة أخرى عن طريق تكريت ومعسكر خالد متجهة نحو قلب المدينة، لكن قوات البيشمركه المتبقية فيها تصدت ببسالة للقوات المهاجمة واصطدمت معها حوالي ساعتين، لكن القوات الحكومية استطاعت بعد ذلك من بسط سيطرتها على المدينة بشكل كامل بعد أن تخلى عنها المدافعون!
وكانت إعادة سيطرة الجيش على كركرك مفاجأة مؤلمة لقيادة الحركة الكردية ونكسة كبيرة لها واعتبرت نقطة تحول لتغيير الوضع العسكري العام ومن ثم تعرضت المدينة إلى عمليات سرقة ونهب للمساكن والمحال التجارية ثم واصلت قوات النظام تقدمها نحو التون كوبري واحتلتها دون مقاومة وتقدمت شمالاً نحو مدينة أربيل وفي الوقت ذاته، أخذت بعض قطعات الجيش تتقدم من كركوك نحو السليمانية رغم نداءات الحركة الكردية التي تحث على الصمود والمقاومة والتي لم تلق أذنا صاغية لا من قوات البيشمركه ولا من السكان المدنيين.. وهكذا دخل الجيش مدينة السليمانية وتكرر ما حصل في أربيل من نهب وسرقة للمحلات التجارية من قبل أفراد الجيش.
بعد ذلك، تقدم الجيش من أربيل شمالاً نحو صلاح الدين وشقلاوة، ومن جانب آخر تقدم باتجاه مدينة الموصل نحو مدن زاخو ودهوك وعقرة وغيرها واستطاع السيطرة عليها دون مقاومة فقد تعرضت مدينة دهوك يوم 29 آذار إلى قصف مدفعي صاروخي شديد أدى إلى هروب الغالبية من سكانها وتشريدهم وفي يوم 30 آذار دخلها الجيش دون مقاومة وتعرض قسم كبير من المحال التجارية والمنازل للنهب والسرقة.
وهكذا تمكن الجيش في غضون أسبوعين من إعادة احتلال أجزاء واسعة من أراضى كردستان بما في ذلك مراكز المحافظات الأربع، السليمانية، كركوك، أربيل، ودهوك، ومدن خانقين وطوز خورماتو وعقرة وغيرها من المدن والقصبات* .
وضمن هذه الأحداث وتطوراتها، يكون الشعب الكردي قد تعرض إلى نكسة كبيرة وكذلك حركته التحررية المعاصرة التي هي جزء لا يتجزأ من التاريخ الوطني والقومي للشعب العراقي.

الفصل السابع



ما بعـد الانتفاضة

التداعي المر 00 ؟
ما الذي يمكن وصفه وسط ركام الحرب وزحمة الأحداث المتدافعة00؟
كل شيء منهار 00 الأجهزة الحكومية والدوائر العامة 00 الحالة النفسية والاجتماعية للشعب، ما تركته ضربات الحلفاء الجوية من هياكل الجسور والطرق والمباني 00 اصبح كل شيء يتداعى ويرسم مشهدا واضحا للخراب. في هذا الوقت بالذات، حيث يبدو الوضع ضبابيا ومجهولا إلى حدما00 اخذ القلق يتزايد لدى العوائل العراقية ويتسع التساؤل عن مصير أبناءها حين بدا غامضا وغير معروف أثناء عمليات الانسحاب من الكويت.. فقد قتل البعض منهم، وسلم آخرون إلى قوات التحالف 00 أما القسم الآخر وفي طريق عودته، فقد ألتحم بالانتفاضة التي كانت مشتعلة في مدن الجنوب والفرات الأوسط 00 في تلك الأثناء، بدأت الدولة تستعيد عافيتها بعد أن هدأت الأمور نسبيا في مناطق الجنوب والوسط خصوصا بعد سيطرة قوات النظام على زمام الأمور من خلال الضغط العسكري المباشر والذي أسهم في قمع الانتفاضة الشعبية في المناطق التي اندلعت فيها .
عندئذ جاء صوت الإذاعة شاحباً وهو يحمل خطاب صدام حسين الذي ألقاه في منتصف آذار 91، والذي أشار فيه إلى القضاء نهائيا على انتفاضة الجنوب والتي اسماها ( بصفحة الغدر والخيانة ) وكذلك توعده بالسيطرة والتصدي للانتفاضة المشتعلة في كردستان ( تمرد العملاء والخونة في الشمال).
اشتمل هذا الخطاب على عدد من النقاط، أشار فيها صدام إلى الانتفاضة في الجنوب والتي اتهمها بأنها كانت محاولة إيرانية غادرة وان العناصر التي اشتركت فيها وأسهمت في قيادتها جاءت من خارج الحدود، كذلك حدد الخطاب المشهد الذي يرسم الوضع الخاص بالدولة مستقبلا وضرورة تعاملها الجدي مع المستجدات الاجتماعية والسياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي وذلك بخلق مناخات جديدة في العمل السياسي، منها إجراء انتخابات عامة ، وإنشاء مؤسسات ديمقراطية من شأنها إعادة ترتيب الوضع الاجتماعي والقانوني للبلاد بعد ما مر بإنعطافات حادة في المجالات كافة.
كذلك أشار الخطاب إلى ضرورة التركيز على العمل الوطني بما يخدم قضايا المواطن وبالشكل المباشر في إمكانية تفعيل الاقتصاد وجانب الخدمات العامة ذات الصلة بالمجتمع، كذلك أعلن صدام عن عفو شامل عن كافة المشتركين في الأحداث، لكن تلك الوعود والنوايا التي طرحها الخطاب لم تدخل حيز التطبيق والواقع والسبب معروف يتلخص، بأن النظام الحاكم لم يفكر في أي حال من الأحوال بإمكانية رسم وتنفيذ سياسة متوازنة لعموم الشعب وعلى مدى فترة حكمه ، فقد اخذ يفتعل الأزمات الداخلية ويسعى إلى تطوير مظاهرها بما يخدم سياساته التي تعبر عن نظرته في إدارة الحكم، فضلا عن تفجير المشاكل الخارجية والتي أدت إلى حروب وخلافات كبيرة مع دول الجوار والمنطقة عموماً • 00

مقالات صفراء ..!

بعد أيام قليلة وضمن حالة التداعي السياسي والاجتماعي الذي أنتجته الانتفاضة الشعبية التي عمت الجنوب والفرات الأوسط وشمال العراق، خرجت جريدة "الثورة"، الناطقة باسم الحزب الحاكم، بمقالات يمكن اعتبارها المصدر الوحيد الذي يمثل وجهة نظر القيادة الحاكمة من تلك الأحداث، على الرغم من عدم تطرق المقالات لتفاصيل وأسباب الحرب ودوافع احتلال الكويت وأسباب رفض الانسحاب عنها وغيرها من الأسئلة التي لا تزال بحاجة إلى إجابة، إلا أن هذه المقالات لها أهمية خاصة في معرفة طريقة تفكير رأس النظام وحاشيته 00 فالمقالات تتطرق لجوانب تاريخية واجتماعية وطائفية تتعلق بصميم المجتمع العراقي، خاصة في التعامل مع سكان جنوب الوطن وشماله في إضافة إلى موضوعات أخرى، كالمرأة العراقية وظاهرة العنف وغيرها * 0
أما على الصعيد السياسي، فالمقالات تضع السلطة بمنزلة خاصة، فنعتبرها الواهبة للخير، بينما تنظر لقطاعات شعبية واسعة تشكل في حـقيقة الأمر غالبية السكان كفئات حاقـدة ومارقة تسيرها أيدي خبيثة ومطامع ضيقة ، وبذلك تختزل المعارضة في الجنوب والشمال إلى مجرد طابور خامس في خدمة الأجنبي والاستعمار.
ومما جاء في بعض تلك المقالات والتي تعبر بوضوح عن الحقد الدفين المستقر في ذهن قيادة النظام حيال شعبنا في الجنوب، إذ تقول إن هذا الصنف من الناس بوجه عام، كان مركز إيواء ونفيضة غير شريفة لعناصر الشغب والخيانة التي اجتاحت جنوبي العراق ومدن الفرات الأوسط في الأحداث الأخيرة، وإذا ما عرفنا كل هذا وغيره كثير، وعرفنا أن بعض هذا الصنف من الناس في أهوار العراق هم من أصول جاءت مع الجاموس الذي جلبه القائد العربي محمد القاسم من الهند، وعرفنا أن من ابرز عاداتهم سرقة ممتلكات الخصم عندما يتخاصمون، وحرق دار القصب التابعة لمن يتقاضون منه أو يتنازعون معه، سهل علينا تفسير الكثير من ظواهر النهب والتدمير والحرق والقتل وانتهاك الأعراض التي اقدم عليها المجرمون المأجورون)0

مناخ تعسفي يتشكل 00!!

في ظل هذه المستجدات، طرح النظام صيغا وأساليب جديدة للعمل في مكافحة الآثار الناجمة عن الانتفاضة الشعبية، منها تلك الإجراءات التي تبنتها أجهزة النظام في محاولة لتفكيك عرى وأواصر البناء الاجتماعي الذي شكل سمات الأرضية التي انطلقت منها الانتفاضة والذي كان لها دور كبير في اهتزاز أركان النظام ورفضه من قبل اكثر من 14 محافظة بالكامل، إذ كانت بمثابة هبة شعبية شملت العرب والأكراد والأقليات الأخرى من الجنوب حتى الشمال، الشيعة والسنة وجميع التيارات الفكرية والسياسية داخل البلاد.
فمن جملة الإجراءات التي بدأ النظام بتنفيذها على الصعيدين الرسمي والشعبي، هي شمول الدوائر الحكومية كافة ، بدءاً من ديوان رئاسة الجمهورية ونزولا إلى المنظمات الأمنية والقوات المسلحة والأجهزة الإدارية الأخرى والحزب، بإبعاد الأشخاص الذين يعملون بها والذين تنحدر أصولهم من المحافظات الجنوبية والوسطى، وبهذا الإجراء أكد من جديد عن عمق نزعته الطائفية السياسية التي اتسمت بالفعل والممارسة العلنية خلافاً لمقتضيات التعامل الوطني الصحيح بين الدولة والشعب، وهذا ما كان واضحا في حقيقة التعامل مع القوات المسلحة حين بوشر بإجراء جرد واسع النطاق لكافة منتسبي الجيش وبالذات الضباط بمحاولة تقسيمهم إلى ثلاث اتجاهات*.
الأول : فرزهم على أساس طائفي مذهبي، شمل العناصر ذات الأصول الشيعية سواء كانوا مشتركين في الانتفاضة أو لم يشتركوا، ومهما كان موقفهم من النظام 0
الثاني : فرز العناصر التي كانت غير مؤيدة للنظام وغير متحمسة للحرب، كذلك الذين لم يشتركوا في قمع الانتفاضة بصرف النظر عن انتمائهم الطائفي 0
الثالث : العناصر الموالية للنظام والتي أبدت نشاطا متميزا في قمع الانتفاضة وتنفيذ سياسات النظام والدفاع عنه، وكانت أولوية التقييم تستند إلى الدور الذي تميز به العنصر في عملية قمع الانتفاضة وإجهاضها وليس على أساس دوره في العمليات العسكرية التي جرت في الكويت.. فقد تمت مكافأة هؤلاء بإحلال البعض منهم في مواقع قيادية لا يستحقونها ضمن قياس الكفاءة والتدرج الوظيفي، كذلك منحهم مبالغ طائلة واراض وعقارات وبهذا الصدد حاول النظام وبشكل استعراضي أن يوسع من دائرة هؤلاء ، حيث اعتبر كل من لم يتغيب عن وحدته أو تشكيله خلال فترة الحرب مع الحلفاء والانتفاضة مواليا له، وخصص نوطا لكل من يحصل عليه سيصبح تقليديا " صديقا " لصدام وبموجبه يستطيع الحصول على الامتيازات التي خصصت وفقا لذلك، وهذا الأمر كان قد شمل الأجهزة المهمة في القوات المسلحة والحرس الجمهوري والخاص والأجهزة الأمنية والحزب * 0

تصفيات وملاحقات

بعد استقرار الأوضاع نسبيا، شرع النظام بتطبيق خطة أمنية للطوارئ اتسمت بالشدة والانتقام والتصفية لبعض الوجوه والشخصيات التي أسهمت بتغذية وتأجيج الانتفاضة واستمراريتها، سواءً أكان بالفعـل المسلح أو حشد التأييد أو بالدعم المادي أو المعنوي لها، وكانت مدينة بغداد وضواحيها مشمولة بتلك الخطة، فقد تعرضت إلى حملة تفتيش واسعة ولعدة مرات وخاصة في المناطق الشعبية التي تقع (شرقي القناة) كالثورة وبغداد الجديدة والشعب والمناطق الأخرى وفي جانب الكرخ الكاظمية والشعلة والبياع وحي العامل والوشاش وأطراف أبي غريب0 أما المحافظات الأخرى وخاصة الوسطى منها والجنوبية، فقد قامت قطعات الجيش المتواجدة فيها وبشكل دوري بتفتيش شامل وإلقاء القبض على المشتبه بهم وتم ذلك بمشاركة مباشرة من قبل الأجهزة الأمنية والحزب 0
وكانت المحصلة النهائية من تلك الإجراءات وتطبيق الخطة، هو امتلاء السجون والمعتقلات بالأفراد الذين تم إلقاء القبض عليهم بتهمة الاشتراك في أحداث الانتفاضة، بعدها سيق هؤلاء إلى سجون الرضوانية لإجراء التحقيقات الصورية معهم وصدرت أحكام بالإعدام للكثير منهم ودفنهم في مقابر جماعية مجهولة أعدت لهم في منطقتي الثرثار والنهروان!

تجفيف الأهوار 00 لماذا ؟

وكان من الإجراءات التي نفذها النظام لأغراض أمنية، هو قيامه ميدانيا بحملة واسعة وكبيرة لتجفيف منطقة الأهوار في الجنوب معتقدا أن بهذا الفعل يمكنه القضاء على التجمعات والفعاليات التي تنطلق من تلك المنطقة والخاصة بالثوار ورجال المعارضة الوطنية وذلك بمحاولته اختزال مياه الأهوار في بحيرات وانهار صناعية خصصت لهذا الغرض، ثم قص البردي والأعشاب حتى تبدو الأرض سالكة ومنظورة بعد ذلك الشروع بفتح الشوارع المعبدة لتسهيل مهمات الملاحقة الأمنية والعسكرية التي تقوم بها أجهزة النظام للضغط على المعارضة الوطنية وضرب تجمعاتها.
لكن قوى المعارضة المتواجدة في المنطقة ومن خلال مفارزها المنتشرة، حاولت اكثر من مرة وبجهد قتالي متميز من ضرب مواقع العمل الهندسي والتأثير فيه ومن قتل بعض العاملين وحرق الآليات المستخدمة، بالرغم من وجود حراسات مشددة من قبل قوات النظام ومنظومة أمن التصنيع العسكري0
إن قرار تجفيف الأهوار بحد ذاته قرار مجحفً بحق سكان المنطقة ويحمل بعداً لاإنسانيا في محاولة الهجوم والإبادة الكاملة للكائنات الحية من طيور وحيوانات وأعشاب وبراري واسماك ومياه.
وهذا يشكل بمجمله تخريبا طوبوغرافيا لجمالية المنطقة وتكوينها المتميز الأخاذ ، كذلك يعد تدخلا سافرا بتلك الأرض التي تميزت بخصائصها الطبيعية الساحرة على مر التاريخ . وكان من ضمن التوجيهات القيادة العراقية أيضاً عدم السماح لسكان الأهوار النازحين منها من السكن في تجمعات سكنية مجاورة للأهوار، لأن ذلك يؤدي إلى تنظيم عملها المعارض ولمنع تكرار ما حدث في شمال العراق عندما تم ترحيل الأكراد من قراهم الآمنة حول مدينة كركوك إلى تجمعات سكنية أعدتها الدولة لهم في بعض المناطق الشمالية، بل كان المطلوب هو بعثرتهم وتفريقهم في المدن والأرياف.

سجل الـ 57 00 والعاصمة بغداد !!

واستطرادا لما تقدم من فضح لإجراءات النظام وضمن سياسة العزل الطائفي والاجتماعي التي تبناها، يواجهنا قرار آخر ينطوي فعله وتأثيره على الكثير مما رأيناه وشاهدناه 00 ويتلخص هذا القرار بضرورة التخلص من سكان العاصمة بغداد الذين تنحدر أصولهم من المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط والذين يشكلون حوالي نسبة 75 % من مجموع سكان المدينة، ويقضي هذا القرار بموجبه ترحيل كافة القاطنين في بغداد من الذين لم يسجلوا في إحصاء 1957 إلى محافظاتهم الاصلية00
واستثنى القرار القاطنين في بغداد والذين تنحدر أصولهم من تكريت والرمادي والموصل. والهدف من هذا تغيير البنية الديموغرافية لسكان العاصمة، في محاولة إنشاء بنية اجتماعية جديدة تنسجم مع رؤى النظام الفكرية ومخططاته السياسية . وكان من نتائج هذا القرار ومعطياته العملية، إيقاف عمليات البيع والشراء والتملك للعقار والمعامل الصغيرة والمصانع والمحلات التجارية … الخ، وتبعا لذلك فقد ارتأى النظام أن تبقى مدينة الأعظمية مثلا محافظة على هوية سكانها من الناحية المذهبية ولا يجوز لأي فرد من غير سكانها أن يبيع أو يشتري، كأن يأتي أحد من سكنة الكاظمية مثلا ويشتري عـقارا أو أرضا. إن هذا الأمر يعتبر ممارسة طائفية مكشوفة في إدارة محاولات الانقسام والتشتت بين الشعب وقد فضحها وكشف مغزاها الخبيث أهل الأعظمية قبل غيرهم! وبهذا الصدد، يمكننا القول بأن ما أظهره نظام صدام من نزوع طائفي كان الغرض منه تعزيز مواقعه ليس إلا، بغية أدامة السيطرة والتحكم من خلال "التعكز" على مذهب معين دون سواه. وأراد من خلال هذا الأسلوب تجزئة بنية الشعب وإشاعة الفرقة الطائفية والتمايز الاجتماعي لبلوغ أهدافه التسلطية في إدارة الحكم، ولكن شعبنا العراقي الواعي المدرك لهذه السياسة، يأنف هذا السلوك المعوج ولا ينخدع به، فنظام صدام حسين في حقيقته وجوهره كان عادلاً إلى حد ما في توزيع أرهابه وبطشه على عموم الشعب حيث شملت قاعدة الاضطهاد السياسي كل العراقيين، وإن اختلفت درجة تركيز هذا الاضطهاد طبقاً للمقاومة التي يبديها هذا الطرف أو ذاك، وتعتمد شمولية وسعة العقوبة وشدتها على اتساع نسبة الرفض، فالعقوبة التي طالت المنتفضين عام 1991 كانت أعم وِأشمل لأنها كانت تمثل رفضاً جماعياً لسلطة صدام، ولم يجابهوا ويعاقبوا بهذا العنف لكونهم شيعة فحسب، بل لكونهم أعلنوا رفضهم بشكل علني لسلطة صدام.
وضمن هذه السياسة المكشوفة، فقد أمر صدام بتخصيص مليار دينار عراقي للخدمات في مركز محافظة الأنبار. وتوالت زياراته للمحافظة وعين عدداً من أبنائها في مواقع حكومية في الواجهة الأمامية للدولة والقوات المسلحة، وتعامل بنفس الأسلوب مع ابناء الموصل و صلاح الدين وبعض الأماكن هنا وهناك حول مدينة بغداد وأصبح الحديث عن تمذهب الدولة وطائفيتها يظهر بشكل علني يرافقه همس مقصود على ألسنة مسؤولين كبار في الدولة، وحول هذا الموضوع التخريبي. قال لي مسؤول حزبي يمثل موقع إداري كبير في معرض تقييمه للوضع العراقي بعد الانتفاضة قائلاً، ( لا توجد أحزاب أو حركات سياسية قومية أو غيرها في العراق وإنما هي كما قالها توفيق السوبدي "رئيس وزارة العراق الأسبق (قبل عام 1958) … يوجد في العراق حزبان فقط، حزب الشيعة وحزب السنة).
كان القصد من هذا كله هو "التعكز!" على صيغ جديدة تتيح للنظام فرصة البقاء لفترة آخرى، أما شعارات الحزب في الوحدة والرسالة الخالدة وغيرها فقد طمرت مع قادة البعث المبدئيين الذين تمت تصفيتهم (فؤاد الركابي، عبد الخالق إبراهيم السامرائي، محمد عايش، مرتضى الحديثي، منيف الرزاز… وغيرهم) على أيدي العصابة الحاكمة ذاتها.
لكن هذه اللعبة لم تنطلي على أحد، وأنفضح أمرها أمام العراقيين وتلقى المنفذ لها الصفعة التي يستحقها بعد حين.

رحيل وتنقل اضطراري 00 !!

في خضم هذه التطورات والوقائع السياسية والأمنية التي أفرزتها الأحداث ونتيجة للطبيعة المأساوية التي شكلتها من ملاحقات واستفزازات، اضطرت الكثير من العوائل في المحافظات الجنوبية والوسطى إلى تغيير محل السكن بالانتقال من أماكنهم الأصلية إلى أماكن جديدة ربما يجدون فيها شيئاً من الطمأنينة والأمان.
لكن النظام وكعادته في مثل تلك الأمور، كان قد اعد خطة تعسفية أخرى لملاحقة تلك العوائل والأفراد ومنعهم من حرية اختيار مكان العيش الذي يرغبون فيه، فقد اصدر توجيهات شديدة اصبح العمل بها قائما وهي منع نقل الأثاث من أي محافظة إلى العاصمة بغداد خاصة للذين استطاعوا السكن فيها أو في المدن الأخرى !
وكذلك وجوب عودة تلك العوائل إلى أماكنهم الأصلية خوفا من انتعاش التكتلات الاجتماعية لا سيما ان هؤلاء من المحافظات التي اندلعت فيها الانتفاضة.
كذلك أدت النشاطات الجائرة إلى هجرة عشرات الآلاف من السكان عوائل وأفراداً إلى الأقطار المجاورة بحثا عن أماكن آمنة تتيح لهم العيش بعيدا عن حراب السلطة وإجراءاتها القمعية .
وكان هؤلاءالمهاجرون قد وجهت إليهم تهما تشير إلى اشتراكهم في تنفيذ صفحات الانتفاضة الشعبية في آذار 1991 0

محافظات بيضاء 00 ولكن !

ظل النظام وهو في غمرة تلك الأحداث ، يدشن خطابه السياسي المحلي بتأكيده على توجيه أصابع الاتهام والتحذير ورمي الأخطاء على سكان المحافظات الجنوبية والوسطى ويصفهم (بمحدثي الشغب)، وأخذت محاولاته وافعاله تزداد للانتقاص من تلك المحافظات وخاصة فيما يتعلق بشمولها بالرعاية الكافية في مجال تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين من إصلاح المنظومة الكهربائية إلى توفير مياه الشرب الصالحة او تعبيد الشوارع وبناء الجسور المحطمة وكذلك ضعف الاهتمام بالمباني والدوائر الرسمية واحتياجاتها المستمرة، في الوقت الذي أخذت تطغي على لغة النظام طبيعة تعاطفه مع بعض المحافظات التي لم يتسن لها المشاركة الفعلية في الانتفاضة الشعبية. فقد أطلقت وسائل الإعلام الحكومية وصفها على المحافظات الخمس، بلقب (البيضاء) وهي كل من بغداد، ديالى، الأنبار، صلاح الدين، نينوى، لكن حقيقة الأمر تقول شيئا آخر ، فقد كان النظام يتعامل بنحو آخر مع بغداد وديالى ويضعهما ضمن حساباته من الناحيتين السياسية والأمنية على انهما غير مواليتين له، وقد جاء هذا التقدير من ان اضطرابات ونشاطات معادية امتدت إلى أجزاء معينة في تلك المحافظتين اتسمت بروح التعارض للنظام ومؤسساته مما جعلها تقع في إطار مشهد التأييد والانتصار للانتفاضة وبرنامجها الثوري الفاعل حيال النظام ، وبذلك فقد انحصر ومن الوجهة العملية لقب المحافظات (البيضاء) على المحافظات الثلاث الأخرى وهي صلاح الدين، الأنبار، نينوى0
ولكن بدا الأمر في وقت لاحق وضمن تفجرات الوضع الوطني، بأن حسابات النظام وتقديراته على موالاة المحافظات الثلاث له، كانت خاطئة، فقد وقعت محاولات انقلابية ومعارضات واسعة في تلك المدن، وكان من أبرزها في "تكريت" مجموعة الدكتور راجي التكريتي وجاسم أمين مخلص وصفر مولود مخلص، والعقيد سفيان الغريري من "الأنبار"، وفي "نينوى" كان اللواء الركن_سالم البصو واللواء الطيار الركن خضر الحاج حسن واللواء الركن بشير الطالب وغيرهم وقد سبقتهم محاولة عشيرة الجبور في الشرقاط وبيجي والعلم. أما في بغداد والأنبار فقد حاول اللواء الركن وضاح ثامر الشاوي والعميد الطيار الركن محمد مظلوم الدليمي ومجموعة من الضباط (غالبيتهم من الأنبار وبغداد وصلاح الدين ونينوى ) بمحاولة للإطاحة بنظام الحكم عام 1994 ولكن المحاولة فشلت، والقي القبض على المشتركين فيها حيث اعدموا في منتصف عام 1995 ، وفي مراسيم التشييع لجنازة محمد مظلوم الدليمي والتي جرت في مدينة الرمادي، تحولت تلك المراسيم إلى تظاهرة واسعة عمت شوارع المدينة .. فقد اشترك في التظاهرة اكثر من عشرة آلاف شخص، توجهوا الى مقرات الدوائر والأجهزة الحكومية لتدميرها وإشعال الحرائق فيها، تعبيرا عن إحساسهم بالغضب والمرارة التي لحقت بهم، وكذلك التعويض عما فاتهم من مشاركة في انتفاضة آذار الشعبية الكبرى، حدث هذا بالفعل وبالرغم من ان النظام كان يحاول وبشكل دائم استمالتهم للعمل في مؤسساته ومحاولة إرضاءهم من خلال تقديم المنح والمكافآت المالية والمناصب والتركيز على مغازلتهم طائفيا بغية إبعادهم عن مشاركة العراقيين في مهمات العمل الوطني العام ضد النظام..!

قطع الأذن 000 ووشم الجباه

من الممارسات والإجراءات الانتقامية التي ابتكرها النظام ضد الشباب الذين فجروا وشاركوا في الانتفاضة، وللحد من ظاهرة الهروب الجماعي التي انتشرت في القوات المسلحة وعلى مدى سنوات عديدة، بدءاً من الحرب مع إيران وحتى احتلال الكويت الذي يعد دخولا غير مبرر ويحمل حقائق غير عادلة في مضمار الادعاء عن الحقوق الوطنية وحق الدفاع عن الأرض، فقد صدر قرار بوجوب قطع صوان الأذن ووشم الجباه لكل من يلقى القبض عليه ويكون مشمولا بذلك.
تمت المباشرة بتنفيذ القرار بإرسال كل من يلقى القبض عليه الى مستشفى حكومي لقطع صوان أذنه ووشم جبهته وكان هذا يحدث تحت حراسة مشددة وبعد ذلك يجري حجزه في السجن، وقد بلغ عدد الذين نفذ بهم بحدود 700 شاب، توفي (20) عشرون منهم على الأقل بسبب المضاعفات الجراحية.
يذكر، إن 680 شابا من الذين نفذ بهم القرار كانوا من المحافظات المنتفضة في الجنوب والوسط والمناطق الشعبية في بغداد والذي يعتقد النظام بان هؤلاء كانوا نواة الانتفاضة ومصدر قوتها، كما كان للقرار تبعات أخرى منها قطع الحصة التموينية عن عائلة المشمول وترحيلها إلى مكان آخر.
وكون هذا القرار قد حمل أسلوباً وحشياً ولا أخلاقيا من الناحيتين الإنسانية والقانونية، فقد وجد صداه في المحافل الدولية حيث نوقشت مضامينه وأبعاده وكان مدار إدانة كاملة من قبل جميع الأطراف سواء في مجلس الأمن أو منظمات حقوق الإنسان أو غيرها 00

من اقترح هذا00 ؟

قبل ظهور القرار الذي اتخذه صدام بتنفيذ هذه العقوبة اللاإنسانية ترددت احاديث مفادها أن محافظ البصرة اللواء الركن "لطيف محل السبعاوي" هو الذي اقترح هذا الحل لمشكلة الهاربين واسماهم بالغوغائيين مشيرا إلى دورهم الفاعل في الانتفاضة التي انطلقت من البصرة.
وفي مكان آخر، تحدث علي حسن المجيد، وزير الدفاع آنذاك، بحضور عدد من الضباط القادة في كركوك قائلا: سنقطع آذان الهاربين، ثم صدرت التوجيهات بعد ذلك من صدام مباشرة وشكلت لجان للمتابعة.
قوبل القرار باستهجان واضح من قبل الضباط العراقيين وظهرت بوادر للتعاطف مع الجنود الهاربين الذين التحقوا إلى الخدمة ومنحوهم إجازات خلافا لتوجيهات صدام التي تنص على حجزهم في المعسكرات لمدة شهرين وتكررت هذه الحالة مما جعل الفريق أياد الراوي رئيس أركان الجيش يقول مخاطبا بعض الضباط : (سأقطع أذن الضابط الذي يتساهل مع الهاربين ..!!) .

عزت الدوري00 قطع الأذن سهوا !

كان الجميع يتحدثون فيما بينهم عن لا إنسانية هذا القرار ولا اخلاقيته وقد تهرب الضباط المسؤولون عن المتابعة والتنفيذ بمختلف الأعذار واستنفر صدام حاشيته وحثهم على المتابعة وكان أول المتحمسين في المتابعة نائب القائد العام عزت الدوري حيث خرج إلى مدخل مدينة الثورة ببغداد مشرفاً على التنفيذ الفوري للقرار، والقى القبض بنفسه على جندي وأمر ببتر أذنه وبعد التحقيق ظهر إن الجندي غير مشمول بالقرار لعدم دخوله الغياب الرسمي ! ولم يكن هذا الجندي وحده الذي قطعت أذنه سهواً بل يوجد غيره كثيرون!

بتر الأذن… بالجملة!

حشد النظام كل طاقاته الأمنية لتنفيذ تلك الحملة سيئة الصيت، فبعد إنتهاء الفترة القصيرة التي أعطاها لالتحاق الجنود الهاربين إلى وحداتهم، باشرت الأجهزة الأمنية (أمن عام، مخابرات، أمن خاص ) بالإضافة إلى الحزبيين والانضباط العسكري بحملة واسعة واقامة السيطرات المفاجئة على الطرق الداخلية والخارجية في العاصمة بغداد وبقية المحافظات وبشكل خاص (المحافظات والأماكن التي اندلعت فيها الانتفاضة). وحدثني كثير من الجنود الذين كانوا هاربين حينما قالوا: إن عناصر حزبية بعثية قد تسترت عليهم، أو أشعرتهم بوقت مبكر قبل حصول مداهمات ليليـــة أو نهارية على بيوتهم ولكن النظام انتبه إلى هذه الحالة وعالجها بتشكيل المفارز المختلطة بحيث تشمل المفرزة عناصر من المخابرات أحيانا، وفي تلك الفترة كلفت بواجب رسمي بزيارة الى قيادة فرع أبو جعفر المنصور للحزب في بغداد / الكرخ، وعند دخولي عليهم كانوا منهمكين بإعداد (قوائم تكريم)، وقال لي عضو قيادة الفرع (وهو من الحزبيين المتميزين بنشاطهم في الحملة أعلاه)، ( أنا قطعت آذان 47 هاربا، كان سكنهم ضمن قاطع مسؤوليتي الذي يشمل مناطق (أبو غريب، الوشاش، البياع، حي العامل)*!
استفسرت عن عضو الفرع هذا وعن بطاقته الشخصية، فقال لي أحدهم: (هذا الرفيق اصله ضابط شرطة ويعمل في جهاز المخابرات منذ عشرين عاما وعملية قطع الآذان عنده سهلة (مثل الزلاطة)، وليس هو وحده، فهناك كثير من أمناء سر الشعب الحزبية في تنظيمات بغداد، منسبون من جهاز المخابرات!)
ولم تمض فترة طويلة، حتى صدرت قوائم تكريم بأنواط شجاعة وهدايا إلى الأشخاص الذين ساهموا بفعالية ونشاط في مسك الشباب الهاربين وقطع آذانهم!

موقف أطباء ..!!

تعرض الأطباء في المستشفيات إلى احراجات كثيرة في عملية قطع الأذن، فالقرار لم يوضح على نحو كاف، فيما إذا كان المطلوب ببتر صوان الأذن بكامله أو جزء صغير منه!!؟
وللأمانة التاريخية، فقد تهرب كثيرٌ من الأطباء من التنفيذ بمختلف الذرائع برغم العقوبات الشديدة التي كانت تنتظرهم!!
تم حجز المنفذ بهم في سجون ومواقف اعتقال تفتقر إلى النظافة والخدمات الطبية والإنسانية مما تسبب ذلك بوفاة (20) منهم على الأقل وبمعدل (1) أسبوعيا في كل سجن بسبب مضاعفات الجروح 0
كان منظر هؤلاء مؤلماً، فهم يلفون رؤوسهم حول الجبهة والاذان بلفاف طبي ابيض ويرتدون فوقه اليشماغ، لكي لا يظهروا أمام الآخرين بهذا الشكل!
لم يكن هذا الأمر بشعاً على الشاب المعاقب وحده، بل ترك أثرا نفسيا سيئا على أهله وذويه 00 فعبارة (قطع أذن) تحمل دلالات ومعاني اجتماعية سيئة في المفهوم الشعبي العراقي والعربي عموما 0
وقد شعرت بذلك عندما التقيت رجلاً مسنا في مضيف أحد أقاربي في ناحية الإسحاقي (شمال مدينة بلد ) في مناسبة اجتماعية 00 وهمس بأذني يسألني، متى يطلق سراح هؤلاء المعاقبين ببتر صيوان الأذن؟ وكان حريصاً على أن لا يسمعه أحد غيري..! قلت: لماذا؟ قال: بصوت خافت، لان ابني واحد منهم!!
حينها شعرت بألم جارف يعتصرني على الضحية ووالده وأستطيع أن أتصور موقف أشقائه ووالدته وحجم الألم في نفوسهم , إنها جريمة بشعة حقاً!

دولة الوسط - العاصمة البديلة !!

شرع النظام الحاكم منذ عام 92، بالعمل لجعل مدينة تكريت عاصمة بديلة، حيث تم بناء المقرات والقصور الرئاسية ودوائر الدولة على شواطئ دجلة ضمن المدينة وبالشكل الذي يجعلها عاصمة بديلة (للدولة الوسطى) بعد تفتيت العراق إلى ثلاث دويلات، ينتقل إليها النظام ويزاول أعماله اعتياديا، إذ تم تأمين كل ما يلزم من خدمات واتصالات وطرق ومنظومة أمنية ودفاعية ومطارات وكثيرا ما تعقد الاجتماعات وتدار فعاليات على مستوى القطر من المقرات الجديدة ، وهناك ممارسات سرية نفذها النظام لكيفية الانتقال واشغال هذه الدوائر عند الضرورة، كما وضع النظام هناك مقر لاحد فيالق الحرس الجمهوري وأفواج من الحرس الخاص ومقرا لجهاز المخابرات والأمن الخاص ومحطات إذاعية وتلفزيونية خاصة 0 كما مارس النظام التعبئة السياسية والنفسية على نطاق العراق وبعض دول الجوار عن طريق عملائه ، فكثيرا ما ينوه النظام عن خطورة تقسيم البلاد من قبل الاستعمار والإمبريالية وضرورة التحسب لذلك، في الوقت الذي يعمل بجدية لتفتيت البلاد عن طريق إثارة الطائفية والإقليمية بين المواطنين مركزا جهوده على أهل السنّة من العرب مدعيا انتمائه إليهم وراميا بثقله عليهم مصورا لهم أخطارا وهمية سيتعرضون لها بدونه أو عند الإطاحة بنظامه ، ولذلك يجب التحذير بمواجهة الخطر المزعوم القادم من الشيعة وهو يهدف من وراء التلويح به لأبناء المنطقة الغربية أن يستمر المخدوعون منهم في الدفاع عن نظامه.
من جانب آخر عمل صدام حسين على نقل الثروة الوطنية بشتى الوسائل ومنها (العملة العراقية الورقية المزيفة) وتوزيعها بالطريقة التي يراها على المقربين والمحسوبين والأجهزة التي تتولى الدفاع عن نظامه ليشتروا بها العقارات والمعامل والبيوت والسيارات وجمع اكبر كمية ممكنة من الذهب والمجوهرات والأثاث والتحفيات التي بدأ السكان المحرومون ببيعها لاعالة أبنائهم ودرء الجوع والمرض عنهم أو بسبب التهيؤ للسفر الى خارج البلد بعد أن أصبحت الحياة لا تطاق فيه نتيجة الاضطهاد والمحاسبة والضغط المستمر بدافع التهجير لخيرة أبنائه من الكفاءات حتى بلغ عدد المهاجرين منهم في أواخر عام 1996 ما يربو على المليوني عراقي وعراقية ، وبذلك انقسم الشعب العراقي بين قلة من الأغنياء وبين الأغلبية من الشعب العراقي وهم الفقراء المعدمون الذين يعيشون على حافة المجاعة واغلبهم مصابون بالأمراض الخطيرة ولا سيما الأطفال والشيوخ منهم، لقد أصبحت سمة الغالبية العظمى من سكان العراق في المدن والأرياف شبيهة بالأشباح، فالرجال والنساء تلفهم التعاسة والبؤس والفاقة، يوزع عليهم النظام الحاكم بالبطاقة التموينية ( قوت لا يموت) يمثل كما أشارت إليه المنظمات الدولية 34 % من حاجة العائلة العراقية وهي كمية من الغذاء تؤدي إلى الموت البطيء. كما بدأ النظام الحاكم منذ 1992 بإفراغ منطقة جنوب العراق من المنشآت الصناعية والمعامل والخدمات الأساسية واعتبار محتوياتها (مواد احتياطية) لنظيراتها في المنطقة الوسطى وقد شمل ذلك الخدمات الطبية والهاتف والكهرباء والماء مما افرغ المنطقة الجنوبية من جميع مؤسسات البنية التحتية والصناعات الرئيسية التي أقامتها الدولة طوال نصف قرن من الزمان . لقد اصبح سكان المحافظات الجنوبية محرومين من المياه الصالحة للشرب ومن الطاقة الكهربائية ومن الخدمات الصحية والتعليمية بحيث نستطيع القول، ان هذه المناطق، هي أراض محروقة أراد صدام حسين أن يجعلها متخلفة عشرات السنين عن المنطقة الوسطى عقابا لها على ما قامت به من انتفاضة عارمة عام 1991، كما تخلى النظام الحاكم عن شمال الوطن في ربيع 1991 أو فرض عليه حصارا (اقتصاديا) جائرا من خلال الإجراءات التالية :
1 - عدم شمول أبناء شعبنا الكردي في كردستان بتوزيع المواد الغذائية بموجب البطاقة التموينية 0
2 - منع التبادل التجاري بين شمال العراق وبقية المناطق 0
3 - منع السفر من والى شمال البلاد 0
4 - طرد الموظفين والعاملين في الدولة من الأكراد 0
5 - منع وصول مصادر الطاقة إلى شمال العراق ولا سيما الطاقة الكهربائية.
وبعد كل ما تقدم ، اصبح نهج صدام حسين من تجزئة العراق واضحا وقد يقول قائل، إن صدام أراد أن يصبح زعيما على المنطقة العربية كلها، فكيف يقبل ان يكون حاكما على محافظتين أو ثلاث في وسط العراق ؟
الجواب ببساطة، إن صدام يقبل أن يكون حاكما مطلقا على قرية واحدة إذا تعذر عليه بقائه زعيما على العراق، فالمهم أن يبقى متنفذا تحيط به مجموعة من المنافقين على منطقة تكريت أو حتى (العوجة) فقط وليذهب العراق وشعبه إلى الجحيم!!

أفعال وانعكاسات

مقبرة النجف تتهدم 00؟
من الممارسات المشينة التي اقدم عليها النظام وبشكل غير مبرر، تلك الأفعال التي استهدفت مقبرة النجف الكبرى ، والتي أراد أن يصب فيها غضبه على أهالي المنطقة وبالتالي يعبر عن انتقامه ضد أبناء الجنوب والفرات الأوسط بمحاولة استفزاز مشاعرهم وذلك من خلال القيام بهدم القبور تحت مبرر فتح شوارع جديدة، وكذلك ادعاء أن تلك المقابر، وبسبب احتوائها على سراديب وبنايات ، ممكن أن تكون مأوى للمعارضين ونقطة انطلاق لهم، ولكنه بهذه الأفعال والممارسات أكد حقيقة بشاعته وعدم احترامه لكل ما يمت إليه بصلة للحقيقة الإنسانية بتجاوزه السافر هذا على قبور الموتى الذين يشكلون لأغلبية الشعب وبمختلف قطاعاته عالماً كبيراً من المشاعر الإنسانية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال الانتقاص منها أو التجاوز عليها وهذا ما شكل عبئا نفسيا ومرارة كبيرة لكل الذين ذهبوا للمقبرة لزيارة ذويهم ورأوا بأعينهم الدمار الذي حل فيها! والخراب الذي عمها.

خطوط العرض 36-32 00!!

كان لحجم وشراسة عمليات القمع والملاحقة والتصفيات التي مارسها النظام وقواته على أهالي الجنوب والفرات الأوسط وخاصة بعدما تمكن النظام من معالجة الانتفاضة وتطويق فعالياتها ، انعكاسه الواضح على الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والحكومات ، ولذلك سارع مجلس الأمن بإصدار قرار يحمي فيه سكان الجنوب والوسط من الأفعال والممارسات التي يرتكبها النظام من فاعلية قواته وتأثيرها المباشر على السكان والتأكيد على الحظر الجوي الذي يمنع استخدام الطائرات من قبل قوات النظام إلى خط العرض 32، الذي تقع في إطاره اغلب مناطق المحافظات الجنوبية والوسطى، كما اصدر مجلس الأمن قراراً منع بموجبه الطيران في إطار خط العرض 36، والخاص بالمناطق التي تقع في شمال العراق وبذلك يكون النظام قد منع من استخدام طيرانه في الجنوب والشمال..!

الحس الطائفي 00 إلى أين ؟

لقد ارتكز نظام صدام على التفرقة الطائفية من أجل السيطرة على العراق ففي خضم تلك المرحلة الحرجة والتصدع الذي أصاب النظام والدولة العراقية، كرس النظام جهوده على إنعاش العامل الطائفي وتغذيته بالممارسات والدعم الإعلامي وذلك بإطلاق الشائعات وافتعال الدسائس والأخبار الكاذبة من اجل تكوين تصور وهمي لدى أهل السنّة بأن الذي حصل كان يستهدف وجودهم المذهبي والسياسي. وعليه فأن وقوفهم إلى جانبه في هذا الوقت سيشكل لهم قوة واثبات وجود وتصدي للمؤامرات الطائفية والمذهبية كما كان يزعم ويبشر به الآخرين، فقد اخذ النظام ينشر الكثير من مظاهر التفرقة والاحتراب الطائفي والمذهبي الذي يشكل أحد هواجسه وصار عاملاً أساسياً من عوامل بقائه واستمراريته في الحكم، من خلال إصدار التعليمات السرية إلى الحزب* والدوائر الأمنية وكذلك العمل على إبراز النشاطات الدينية ذات السمة المذهبية والعمل بها من خلال بعض مسؤولي النظام.
ولكن وعي شعبنا وإدراكه العميق لخطورة المرحلة والأهداف التي يتوخاها النظام الجائر وسجله الإرهابي الذي شمل جميع العراقيين وعمق العلاقات الصميمه بين أبناء الشعب الواحد، كل هذه العوامل زادت من تماسكه وتمسكه بوحدته الوطنية، ورفضه للسلوكيات والنزعات المنحرفة (طائفية وإقليمية…) ومن يقف خلفها كائناً من يكون.

الفصل الثامن



الحقيقــة الكبيرة ...قراءة وتحليـل
توطئـة
تضمنت فصول الكتاب السابقة وقائع ومشاهدات وأحداث ملموسة تم استعراضها وفقاً لحالة حدوثها وانسيابها الزمني المتسلسل، وفي هذا الفصل الخاص، نود ان نعطي رؤيتنا في التحليل الذي ربما ينطوي على أمور قد تبدو هامة فيما يتعلق بحقيقة الانتفاضة والنظر الى خلفياتها وأبعادها المستقبلية في النواحي السياسية والاجتماعية والإنسانية. ونحن هنا نؤكد على ضرورة فهم ومعالجة الحالة الوطنية وما أحدثته سياسات النظام وأساليبه القمعية والتمييزية في محاولات خلق الانشقاق والانقسام بين أبناء الشعب الواحد، مسلطين الضوء على طبيعة الحقائق التي نراها تتحرك وتسود في المشهد العراقي الآن، من أجل رصدها وكشفها، حتى يتسنى لنا بلوغ الأهداف المرجوة في إقامة الحكم الوطني الديموقراطي الجديد.

جوهر الانتفاضة

بقي اسم "الانتفاضة " متألقاً ومعبراً عما حدث في آذار 1991 من أيام باسلة، كان وقوعها مرتقبا وانتشارها بهذا الشكل السريع متوقعا لأنها الرد العملي على حشد من المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتراكمة التي أوجدها النظام الحاكم في العراق منذ توليه السلطة عام 1968، والتي لم يظهر لها مثيلً في أي منطقة في العالم حتى في اشد الدكتاتوريات تعسفا وظلما. جاءت الانتفاضة لتغير الواقع السيئ واستبداله بواقع جديد يعبر عن مصالح واهداف الشعب العراقي الذي ما انفك يناضل من اجل تحقيقها، واقع يتلاءم ومعطيات الزمان والمكان، ويتفق مع قواعد حماية حقوق الإنسان واحترام الشرعية الدولية المبنية على الاحترام المتبادل وحقوق الجوار وحماية المصالح المشتركة المشروعة، لذا كانت الانتفاضة تعبير حياً عن حقيقة الأمل المزروع في قلوب العراقيين بمختلف شرائحهم الاجتماعية وانتماءاتهم العرقية والمذهبية والتي تمخضت عن أسباب كثيرة منها:
1 0 الجو النفسي الخانق الذي سيطر على نفوس العراقيين طوال فترة ليست قليلة من الزمن، نتيجة الاضطهاد السياسي والتمايز الطائفي والقومي مما شكل لهم حجم معاناة كبيرة.
2 0 الانكسار النفسي الحاد في ضمير أفراد الجيش ضباطا ومراتب بسبب الهزيمة المؤلمة التي فرضها النظام عليهـم والتي شكلت أرضية خصبة للانفعال المعنــوي الذي خلق الهزيمة التي تلقاها النظام من قبل الجماهير0
وعليه نرى التأكيد على جوهر ونقاء الانتفاضة الذي كان نابعا من الروح الوطنية العراقية العامة واستجابة لمعاناتها وأهدافها التي تمثلت في جهود العراقيين بعيدا عن أية تأثيرات خارجية سواء أكانت سياسية أو عرقية أو طائفية 0

البداية كانت من الجنوب..؟

كما هو معروف، فإن البصرة كانت معقل الانتفاضة الأول ومصدر توهجها ثم امتدت على نحو سريع إلى مدن الجنوب الأخرى "ذي قار- ميسان" حتى مدن الفرات الأوسط "بابل-القادسية-كربلاء-النجف الأشرف - واسط -المثنى-" وكادت ان تصل ضواحي بغداد القريبة، إلا أنها انحسرت قبل بلوغها هذا الهدف !
وهناك جملة عوامل جعلت تلك المحافظات والمدن تحظى بأولوية اندلاع الانتفاضة فيها، يمكن إيجازها بالآتي:
اولاً: تاريخياً، كان لأبناء الجنوب والفرات الأوسط دورا فاعلا وقياديا في الحركة الوطنية العراقية إذ أسهموا بدور فاعل بقيام ثورة العشرين التي فجروها وقدموا التضحيات الجسام خلالها، والتي فتحت الطريق لتأسيس الدولة العراقية وتحملوا نتائج ردة الفعل ضدهم بالمزيد من الظلم والعزل عن الإدارة والحكم وعلى مدى العقود الماضية، وقد لعب هؤلاء الدور الرئيس في الحركة السياسية من خلال تشكيلهم القاعدة الشعبية للقوى والأحزاب الوطنية الفاعلة والبارزة، كالحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث والأحزاب الإسلامية التي بدأ دورها يتصاعد منذ السبعينات وكان لها الدور الرئيسي في التصدي للنظام الجائر.
ثانياً : كان الاضطهاد السياسي والعزل الطائفي شديد الوطأة على أبناء تلك المحافظات من قبل الحكومات والأنظمة التي تعاقبت على الحكم وبخاصة نظام صدام حسين وحيث لم يحظ سكان تلك المناطق (وهم غالبية سكان العراق) وعلى مدى تلك السنوات الطويلة بما يلزم من اهتمام ورعاية في تقديم الخدمات الأساسية لهم* ، أو معالجة مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية، كذلك إحساسهم المتراكم ببعدهم عن مركز السلطة وهو ما ولّد فيهم روح اللاتقارب والبعد عن النظام ومركز اتخاذ القرار، إضافة إلى وجود الأنواع المختلفة من التمايزات الاجتماعية والطائفية التي أبعدتهم عن الوظائف العامة والمواقع ذات الأهمية 0
ثالثاً : كانت تلك المحافظات ساحة حرب وعمليات حربية رئيسية في الحرب العراقية الإيرانية على مدى ثماني سنوات وكان أبناؤها وقوداً للحرب ومادة رئيسية لها مع كل ما ترتب من تضحيات جسيمة في الرجال والأموال وما أعقبها من ظواهر اجتماعية واقتصادية ذات أثر سلبي واضح.
رابعاً : وفي حرب الخليج، كانت تلك المدن ساحة حرب أيضا، وقد تحملت ضغطها الشديد، فقد دمرت فيها جميع وسائل الحياة الاعتيادية والخدمات والطرق والجسور وعمت الفوضى وانتشرالارتباك والتداخل بين جيش منسحب ومنكسر، وجماهير غاضبة تترقب شيئا ما، وقوات أجنبية على الأرض الوطنية!
خامساً : أما في كردستان العراق، فكانت السياسة واضحة بخصوص أساليب التمييز والاضطهاد القومي والسياسي للكرد والتركمان والآشوريين ولجميع الأقليات والطوائف الأخرى وهذا ما تجسد في أحداث "الأنفال" سيئة الصيت وجريمة ضرب حلبجة بالقنابل الكيمياوية ومطاردة الوطنيين والاعتقالات المستمرة، كلها كانت عوامل أسهمت بتسخين الأحداث وجعلها قريبة من الانفجار والثورة 0

لماذا محافظات بيضاء ؟!!

أطلق النظام هذه التسمية في البداية على محافظات ( بغداد - ديالى - الأنبار - صلاح الدين - نينوى ) لأنها لم تشارك في الانتفاضة ضده، ولكنه استثنى بغداد وديالى من تلك التسمية وشملها بضوابط العزل التي اتبعها مع المحافظات المنتفضة دون أن يعلن ذلك، مع بعض الاستثناءات لهذا المكان أو تلك المدينة ضمن المحافظة وفقا لتعليمات سرية خاصة، وفي الحقيقة لا توجد محافظات بيضاء مثلما عبر عنها النظام وبالمعنى الذي يقصده، فمحافظة الأنبار قد رفعت شعارات وكتب شبابها على الجدران ما يدعو إلى الثورة، وتحشد الكثير منهم في الجوامع استعداداً للانطلاق وحدثت تجمعات هنا وهناك وهكذا كان الحال في محافظة نينوى،أما محافظة صلاح الدين، فهل يعقل أن أبناء "بلد" و"الدجيل" لم يقفوا ضد النظام ولم يتهيؤا للانتفاضة وهم الذين قتل صدام مجاميع كبيرة من شبابهم على اثر محاولة اغتياله هناك عام 1983 ، وهل يصدق أحد أن يقف مع النظام أبناء الضلوعية من عشيرة الجبور وغيرهم أو عشائر "المجمّع" في "الاسحاقي" وما حولها أو "أبناء سامراء" وهم محملون بروح المعارضة للنظام منذ زمن بعيد؟ أم أهل الدور أو الشرقاط والبيجي؟ انه في الحقيقة لا يستطيع ضمان ولاء أهل تكريت لوحدهم ! وقد برهنت الأحداث التي أعقبت الانتفاضة عدم وجود أية محافظة أو ناحية أو قرية مضمونة الولاء لصدام وحكمه فانتفاضة الأنبار كانت عارمة وجدية والمحاولات التي قام بها ضباط من أبناء عشيرة الجبور في صلاح الدين والشرقاط ونينوى جدية هي الأخرى ومحاولة راجي عباس التكريتي بالاشتراك مع ضباط من أهل الموصل كانت كذلك، وبرهنت على عمق الوعي الوطني لدى العراقيين، ولكننا ينبغي أن نأخذ بنظر الاعتبار على الرغم من الأحداث المتفرقة التي وقعت في أجزاء معينة من محافظتي بغداد وديالى والتي تزامنت مع أحداث الانتفاضة الكبرى في الفرات الأوسط والجنوب إلا أن أحداثا من هذا النوع لم تقع في محافظات الأنبار، صلاح الدين ونينوى، في تلك الفترة ولأسباب تعود في تقديرنا إلى ما يلي :
أولاً : إن تلك المحافظات لم تتعرض إلى نوع وحجم المعاناة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعرضت لها مناطق الجنوب والفرات الأوسط وشمال العراق، فقد كان واضحا أن النظام قد تعامل معها بنوع من الإجراءات ذات الأوجه المتعددة والانتقائية وتعامل مع كل حالة على حدة، فلم يتخذ ضدهم إجراءات سياسية تعسفية شاملة تخص جميع سكان المحافظة أو القضاء ( مثلما حدث لأبناء الجيزاني في الخالص وبلد والدجيل عام 1983 عندما وضع آلاف من الرجال والنساء في السجون وقضى عليهم تدريجيا بعدما هدمت بيوتهم واقتلعت حقولهم وبساتينهم ولم يسمح حتى بتعيين شرطي أو موظف بسيط منهم في دوائر الدولة وعزل الضابط أو الموظف منهم بعد احالته على التقاعد أو التخلص منهم بشتى الوسائل!
ثانياً : خلو هذه المحافظات من التنظيمات السياسية المعارضة ذات الطابع الأيديولوجي المنظم المؤثر والواسع كما هو عليه الحال في المحافظات الأخرى، فكان الاتجاه المعارض يتبلور آنيا أما من قبل ضبـاط أحرار أو بعثيين مسؤولين في الحزب يرون أن المسيرة قد انحرفت عن مسارها الطبيعي، أو شخصيات سياسية مستقلة أو البعض من رجال الدين الذين يبدون نوعاً من التشكك وطرح التغيير السياسي، ولذا كانت مهمة النظام سهلة في انتقاء هؤلاء وتصفيتهم، فقد تم إعدام الكثير من كبار القادة العسكريين في تلك المحافظات وهو دائم البحث والتقصي عنهم لمعرفة المنافسين له وتحديد تحركاتهم ونشاطاتهم، دون الحاجة إلى إجراءات شاملة رادعة مثلما كان يفعل مع أبناء المحافظات الأخرى.
وبصراحة، فان النظام كان قد تعامل مع أبناء تلك المحافظات بنوع من المجاملة السياسية الرخيصة وخاصة ما يتعلق بتوزيع المناصب والمواقع القيادية والإدارات وأجهزة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية بتعيينهم فيها وفتح الآفاق والمجالات الاقتصادية والتجارية لهم وكان هذا التمايز واضحاً ومقصوداً.
ثالثاً : لم تتعرض تلك المحافظات إلى ضغط الحرب المباشر (الحرب العراقية الإيرانية - حرب الخليج) لأن أراضيها وحدودها لم تكن ساحة عمليات حربية، باستثناء بعض عمليات القصف الجوي.
رابعاً : الوضع الاقتصادي والاجتماعي الجيد الذي تمتاز به تلك المحافظات، حيث التسهيلات الزراعية والمقاولات وحركة تجارية واسعة لابنائها داخل وخارج البلاد والتي كان النظام يسهل أمورها ويشجع نشاطها0
خامساً : لا بد أن نعترف بأن النظام نجح إلى حد ما في إثارة المخاوف في نفوس أبناء تلك المحافظات من إمكانية نجاح الانتفاضة في الجنوب والوسط، من خلال تركيزه على إثارة الروح الطائفية والتعصبية، حيث أرسل صدام مندوبين عنه شخصياً تحدثوا مع وجهائها بهذا المضمون. ومن الأفعال الأخرى إطلاق الشائعات السوداء، فالشهداء الذين قتلوا في الكويت، أمر بتسليمهم إلى ذويهم (بعد أن كان يحتفظ بهم بثلاجات في مركز جمع الشهداء في البصرة والصويرة) على أن تسبق جثثهم إشاعة مفادها أن ( أهل الجنوب قتلوهم لانهم من أهل السنّة) وإشاعة (اقتل عشرة من السنّة تدخل الجنة..!!) ليست خافية أهدافها وتأثيرها على أحد، وإشاعة أخرى تقول (إن سيطرت الثوار تعتقل أبناء السنّة فقط!) وكل ذلك كان خلافاً للواقع طبعاً.
الهجوم على الانتفاضة

الحرس الجمهوري
كان لوجود قوات الحرس الجمهوري في مناطق الأحداث، خصوصاً وأنها كانت قريبة من الحدود العراقية - الكويتية أثرها البالغ في استخدامها في قمع الانتفاضة، حيث لا يزال لديها أكثر من 50% من عجلات القتال والأسلحة الصالحة للاستعمال والتي لم تتعرض الى خسائر كبيرة خلال الانسحاب، أي أنها كانت تتمتع بموقف عسكري مناسب تمتلك فيه الإمكانية المادية والمعنوية لضرب الانتفاضة سيما وإنها مصممة في الأساس لخدمة وحماية نظام يرأسه صدام حسين تحيط به مجموعة تم انتقاؤها وفقاً لمعايير القرابة والمحلة والتعصب! إن هذه القوات معبأة نفسياً للوقوف ضد الشعب، فطبيعة تشكيلها وانتقاء أفرادها من الضباط والمراتب مبني على ذات الأسس التي ينتقي صدام بها مجموعة الحمايات الخاصة والتابعة له.
أما البناء الفكري والنفسي لتلك القوات، فيكاد يقتصر على مفاهيم الطاعة والولاء لرأس النظام وتنفيذ رغباته وتأمين مستلزمات بقائه في الحكم وكل هذه المفاهيم والتصورات هي بالضرورة بعيدة عن تطلعات الشعب نحو الحرية والديمقراطية،وهذه التشكيلات المصطنعة وجدت بديلا عــن الجيش العراقــي ذي التقاليد العريقة والتربية الوطنية الصادقة، فهناك فروقً جوهرية بين الجيش والحرس الجمهوري من ناحية الأشخاص والإعداد الفكري والنفسي لهم ودراسة التاريخ الوطني وتقاليد الضبط العسكري وقيم الشهامة والفروسية التي شكلت أهم سمات الشخصية العسكرية العراقية ومبادئها الوطنية العامة، وانه لمن الخطأ الجسيم الخلط بين الجيش العراقي وتلك القوات المصطنعة (الحرس الجمهوري، الحرس الجمهوري الخاص، منظومات الاستخبارات) التي نفذت حتى الآن أهم حدثين وهما احتلال الكويت في 2 آب 90 وضرب الانتفاضة في آذار 1991 ومن ثم تحولها إلى قوة أمن وحماية للنظام، لكن ذلك لا يلغي وجود الكثير من الضباط والجنود من منتسبي تلك القوات، من هم خارج هذا الفهم ويشعر بالورطة بوجوده ضمن هذه المؤسسة ولا يتجاوب مع مفاهيمها وأهدافها وقد تهرب كثير منهم من تنفيذ مهمات كلفوا بها*، وقد سمعت الكثير من الآراء والأفكار والحقائق بهذا الصدد ومن الموضوعية أن نشير إلى أن الحرس الجمهوري قد ضم مجموعة كبيرة من الضباط المخلصين لوطنهم وشعبهم وهم في مشاعرهم الحقيقية بعيدون عن "طبخة النظام" كما معروف عنهم. مما جعل النظام يتخذ إجراءات أمنية إضافية وصارمة للسيطرة على تحركاتهم ونشاطهم، بما في ذلك تعيين أشخاص مدنيين في مقر كل لواء فما فوق يسمونهم ( أساتذة ) مهمتهم المعلنة والسرية هي مراقبة الضباط ! وتسجيل نشاطاتهم الشخصية والاجتماعية والعسكرية وهؤلاء ( الأساتذة ) الذين تم انتقائهم بشكل خاص جداً، يرتبطون بمدير جهاز الأمن الخاص مباشرة بغض النظر عن مستوى الموقع العاملين فيه ! وقد نفذ هؤلاء سياسة عزل القادة والآمرين عن أقرانهم في الجيش وفقاً لضوابط جديدة وتوجيهات عملوا بها وصلت إلى حد منع تبادل الزيارات فيما بينهم داخل المعسكرات!

الحرس الجمهوري الخاص

وهو أيضا قوات عسكرية كبيرة تجاوز تعدادها الـ (30) ألف منتسب تم اختيارهم من مدينة تكريت والقرى والنواحي المجاورة لها وبعض الأطراف هنا وهناك وفقاً لمعايير وأسس خاصة اكثر تطرفا وانعزالا وأقليمياً من الحرس الجمهوري وتخضع هذه القوات لبرامج تدريبية وإعداد نفسي خاص تهدف إلى جعلها قوات معادية للشعب تماما من خلال الافتراض بأن الجميع أعداء للنظام وهم مكلفون بحمايته، ويطرح مثل هذا الأمر في برامج تدريبهم وإعدادهم الفكري وإذا ما اخذ بنظر الاعتبار انهم شباب صغار بأعمار (15-19) سنة وهم من القرى المنعزلة والبعيدة عن المدن ولم يتجاوز تحصيلهم الدراسي المستوى الابتدائي وقد أغدقت عليهم الامتيازات المادية والمعنوية وأعطيت لهم صلاحيات واسعة في عموم البلاد!
وقد لعب هؤلاء دورا كبيرا في قمع الانتفاضة في كربلاء والنجف وبقية المحافظات، أما في بغداد فكانوا على أهبة الاستعداد للحركة السريعة وتطويق الأحداث المتوقعة في مدن الثورة والشعلة وحي العامل والمناطق الشعبية الأخرى وتحولت معسكراتهم في بغداد "الرضوانية" إلى سجن كبير وساحة إعدام جماعية للثوار المنتفضين من جميع المحافظات، وابتكروا أساليب وحشية جديدة في التعذيب الجسدي والنفسي وتنفيذ الإعدام الجماعي، كما اشتركوا على نحو فاعل في عمليات المطاردة والتفتيش والقاء القبض على المواطنين خلال وبعد توقف فعاليات الانتفاضة وخاصة في مدينة بغداد وضواحيها، وكانت تنقل أفواج منهم بملابس مدنية الى مدن البصرة وميسان وكربلاء مهمتها خطف الشباب بأعمار(12-20) سنة والعودة بهم الى بغداد والاحتفاظ بهم كرهائن أو إطلاق سراحهم بعد سحب المعلومات منهم وإرهابهم ومحاولة تجنيد البعض منهم كوكلاء معلومات لجهاز الأمن الخاص! ومع ذلك كان للكثير منهم (ضباط وموظفين ومراتب) مواقف شجاعة تدل على انتماء وطني حقيقي للعراق وليس إلى فقه الحكم، ولذا تم تسريح الكثير منهم خلال السنوات التي تلت الانتفاضة وأحيل آخرون على التقاعد أو نقلوا إلى الجيش العراقي (الضباط) كما نفذ النظام حكم الإعدام السري بعدد منهم!

المنظومة الأمنية

( جهاز الأمن الخاص، جهاز المخابرات،الاستخبارات العسكريةوالأمن العسكري، جهاز الأمن العام)
ودور تلك الأجهزة كان معروفاً، سواء في قمع الانتفاضة أو بعدها وذلك بالضغط والمراقبة ونقل المعلومات والقيام بمهمات أمنية داخل المؤسسة العسكرية وخارجها، هذه الأجهزة كانت تمثل عين السلطة التي تراقب الشعب والمؤسسات التنفيذية والمؤسسة العسكرية والحزب، وقد نفذت أدوارا في غاية الخسة والدناءة من خلال عمليات المداهمة وإلقاء القبض والتحقيق تحت ظروف التعذيب الشديدة،شراء الذمم وتنفيذ الاغتيالات السياسية، التوريط وابتزاز المواطنين، بتنفيذ الإعدام بأشكال مختلفة بحق ثوار الانتفاضة أو المؤيدين لها0
ولهذه الأجهزة تأريخ بشع في معاداة الشعب وقمع تطلعاته، أما في القوات المسلحة فقد إزدادت بشاعة وانحرفت كثيراً عن دورها الأساسي الوظيفي المتعارف عليه في مثل هذه المؤسسات في دول العالم، فقد سُخرت موارد مديرية الاستخبارات العسكرية، مثلاً، لقمع الانتفاضة والبحث عن المتعاطفين معها من الضباط والجنود وتنفيذ عمليات الجرد والعزل الطائفي، بينما الواجب الحقيقي لهذه المؤسسة هو البحث عن جيش العدو على الحدود وخارجها!

الجيش العراقي

كان اشتراك الجيش بعمليات قمع الانتفاضة محدودا من حيث الحجم والتأثير وذلك يعود لعوامل عديدة أهمها :
أولاً: انسحبت تشكيلات الجيش من الكويت بعد أن فقدت القسم الأكبر من تجهيزاتها وأسلحتها ومعداتها، مدمرة أو معطوبة أو عاطلة فوق ارض الكويت0 وقد استعرضنا في مباحث الكتاب ما يشير إلى حالة الجيش بعد انسحابه من الكويت من حيث الاستعداد القتالي المادي والمعنوي0
ثانياً: التركيبة الاجتماعية لعموم منتسبي الجيش من الجنود وضباط الصف وطبيعة انحداراتهم الاجتماعية التي لا تقل نسبتهم عن 90% من المحافظات المنتفضة (محافظات الجنوب والفرات الأوسط)0
ثالثاً: الجيش العراقي له تقاليده الخاصة ومفاهيمه الوطنية والقومية ولذا كان الكثير من ضباطه يمتنعون عن تنفيذ أوامر القمع بأشكال مناسبة ووفقا لكل حالة والظرف المناسب مبررين موقفهم بعدم تيسر الإمكانية (أسلحة، معدات ) والنقص الكبير في الأشخاص 000 الخ 0
وتأسيساً على ذلك، فقد لاحظنا أن أغلبية قادة فرق الجيش العراقي وعدد كبير من آمري التشكيلات قد تم عزلهم خلال أو بعد الانتفاضة فمن مجموع (20) قائد فرقة كانوا في الكويت، لم يرشح منهم إلى منصب أعلى سوى ثلاثة فقط، أما الباقون، فمنهم من حكم عليه بالإعدام• ، وآخرون وضعوا في السجن، وأحيل العدد الآخر على التقاعد أو تم عزله وتعيينه في مواقع ثانوية* ،بينما أسندت المواقع والقيادات الرئيسية في الجيش إلى ضباط نقلوا من الحرس الجمهوري أو الأجهزة الأمنية ..!!
وسرح آلاف الضباط من الخدمة على أساس الاعتبارات الخاطئة والمرفوضة ومئات آخرين أحيلوا إلى محاكم عسكرية بتهمة عدم تنفيذ أوامر القمع أو التستر على الثوار المنتفضين أو الإهمال في تنفيذ الواجبات.. الخ !!

الحزبيون والانتفاضة !!

تتمثل التشكيلة القيادية لحزب البعث في الجنوب والفرات الأوسط بقيادات الفروع واغلبهم جاء من محافظات نينوى، صلاح الدين، الأنبار وبغداد، أما القواعد الحزبية من الأعضاء العاملين والأنصار والمؤيدين فهم من أهالي المنطقة المعنية.
ولذا كانت تلك القواعد الحزبية والمنظمات الجماهيرية (الطلاب، النساء، العمال) متعاطفة مع الانتفاضة ومؤيدة لها، ففي بعض الأماكن شارك أعضاء حزبيون وكذلك بعض منتسبي تلك المنظمات الجماهيرية في فعالياتها بشكل سري أو علانية، وهذا ما يفسر انهيار الحزب على نحو سريع جدا في جميع تلك المحافظات المنتفضة كذلك لم يتعرض الثوار لمقاومة مؤثرة من قبل هؤلاء وهذا ما كان واضحاً عند المنظمات الحزبية التي تحولت إلى مقرات للمنتفضين وقتل من حاول من الحزبيين التصدي والوقوف بوجه الثوار بغض النظر عن انتمائه المذهبي، ولكن وجدت بعض العناصر الحزبية التي تعاونت مع الأجهزة الأمنية فيما بعد وشاركت بعمليات القمع والملاحقة وقتل المواطنين.
وعلى صعيد الحزب في الجيش، فقد اختفى دور المنظمات الحزبية قبيل الانسحاب من الكويت، عندما بدأ المسؤولون الحزبيون للفرق والتشكيلات يتهربون عن مسؤولياتهم الحزبية والوظيفية وكان يهمهم الخلاص بأنفسهم، وقد تسرب كثير منهم تاركين مواقعهم الحزبية وقد تبادل بعد ذلك كثير منهم الاتهامات من خلال كتابة تقارير سرية، كان نتيجتها فصل المئات بتهمة التقصير في أداء الواجبات أو التهرب منها أو التهجم على القيادة.. الخ.
وكانت معاناة البعثيين القياديين من أبناء الشيعة قاسية جداً، لأن الخطاب الطائفي للدولة، كان قد أخذ شكلاً مؤثراً وتركز في بعض الأحيان على محاولات الاتهام المباشر للشيعة وأبناء الجنوب والفرات الأوسط والهجوم العنيف عليهم، والذي بدا واضحاً وجلياً دون مراعاة لروح المجاملة والمواطنة العراقية في أقل اعتبار! وبدأت المعاملة الرسمية والحزبية مع البعثيين القياديين ومقدار احترامهم والثقة بهم يعتمد الأساس المذهبي الطائفية السياسية، وليس الدرجة الحزبية أو الانتماء البعثي 000 الخ ، وهكذا اصبح هؤلاء في موقف حرج للغاية في تلك الفترة قال لي أحدهم وهو عضو قيادة شعبة عسكرية وبرتبة عقيد : (بالله عليك، أنا بعثي منذ 40 سنة ولم اعرف غير الحزب والبعث والمبادئ والعروبة!! والآن يعاملونني على أساس انتمائي المذهبي الشيعي وليس على أساس عمق انتمائي البعثي 00 إذن، كم نحن كنا مغفلين؟!) وسمعت العبارة الأخيرة من كثيرين مدنيين وعسكريين وفي الأجهزة الأمنية وخاصة بعد طردهم من مواقعهم الوظيفية ! انهم كانوا حقيقة (كالمهزومين الذين يعيشون في معسكر المنتصرين !)، أما عموم العناصر الحزبية، فقد أعلنت فشلها الذريع في عملها التنظيمي أو كسبها للشارع العراقي وأن الثلاث والعشرين سنة الماضية لم تثمر عن أية نتائج، وفي المحافظات الشمالية بذلت الدولة جهوداً لتجميع الحزبيين تحت لافتة الجيش الشعبي وخاصة في المناطق القريبة من "ضواحي تكريت والدور والشرقاط والموصل" بغرض زجهم في مقاتلة الأكراد! وفي كركوك طلب منهم تنفيذ عمليات السلب والنهب لمحتويات الدور السكنية في مركز المحافظة والمناطق المنتفضة وقضاء طوز خورماتو، وتحت إشراف مباشر من عزة الدوري وعلي حسن المجيد ! ولكنهم لم يكونوا على استعداد لتنفيذ ما طلب منهم.

الانتفاضة 00 ومشكلة القيادة

لم تظهر للانتفاضة قيادة واضحة المعالم ممثلة بشخوص معروفين00 ولم يعلن أي فصيل من فصائل المعارضة مسؤولية القيادة عنها ولكن كان يوجد إيحاءاً وشعور شعبي عام، بأن قيادات الأحزاب الإسلامية كانت وراء الانتفاضة وكان حديث يدور في بعض أوساط الجيش والمجتمع يشير بأن للسيد محمد باقر الحكيم، دور فيها وربما يقودها ميدانيا! ولم يذكر أحد غيره في تلك الأثناء !
والواقع أن العفوية كانت السمة السائدة للانتفاضة وإذا كانت هناك بعض مظاهر القيادة في بعض مناطق الانتفاضة، فهي لم تكن سابقة على وقوعها بشكلها العفوي، أي أن الانتفاضة كانت تقوم ويكون استعداد الناس سريعاً وفاعلاً والكل يسعى إلى إعلان موقفه، ولكن ليست هناك جهة مخططة ولا نقول أن الناس فوجئوا بها! وإنما كان البعض مستعداً لها، ولكن بفعل الأحداث المتصلة التي شكلت هزيمة صدام في الكويت جزءا مهما منها، وليس بفعل قيادة أو تنظيم معين وهكذا وجد العراقيون أنفسهم في طريق لا بد أن يؤدي إلى نهاية النظام ولا بد أن تظهر القيادة في يوم من الأيام المقبلة!

الانتفاضة 000 ومؤسسات الدولة

إن سمة العفوية التي طبعت الانتفاضة تنطبق على الأفعال والتصرفات بشكل أو بآخر. فبعد سنوات من الحكم الظالم والسياسة التعسفية، وجد الناس أنفسهم وقد تهدمت أسوار الكبت وأنهار حاجز الخوف وأن بإمكانهم التعبير عن معاناتهم بحرية والهتاف بسقوط النظام وكذلك التوجه إلى كل ما يمت بصلة له من مؤسسات وأجهزة وعناصر وأشخاص. فكان كل قيادي في الحزب أو مسؤول حكومي يمثل النظام وكل مؤسسة كأنها جزء من وجود صدام، فاتجهت الأفعال إلى تحطيم وتدمير هيكلية الدولة، لأن الفردية والدكتاتورية الصارمة جعلت من المؤسسات والمقرات الحكومية كأنها ملك شخصي لأفراد معينين كانوا قد ارتكبوا جرائم بحق العراقيين مما لم تشهده الشعوب الأخرى 0
لقد عبرت الانتفاضة في كثير من مظاهرها وفعالياتها عن المكنون الداخلي الذي هو عبارة عن تراكم حشد من المعاناة التي ارتبطت مركزياً في الذاكرة العراقية وعلى مدى تفاصيل ونتائج الحكم السياسي في البلاد. فالمؤسسات والأجهزة الحكومية التي تعرضت للتدمير والحرق إنما تمثلت بواجهات الدولة التي تحمل الطابع العدائي للشعب، كالدوائر الأمنية (مديرية أمن، مركز استخبارات، مركز مخابرات) ومقرات الحزب الحاكم بعد أن تحول إلى جهاز أمني مهمته جمع المعلومات عن المواطنين وتقديمها إلى دوائر الأمن الرسمية للاقتصاص منهم، وضمن ذات المضمون دوائر الأحوال المدنية والشرطة ودوائر التجنيد العامة وكلها مرتبطة بحالة واحدة تخدم النظام اكثر من المواطن، علاوة على طابعها البيروقراطي المهين وأنماط من التعامل الصعب وأحيانا اللاإنساني والذي شكل بمجمله إطارا من العقد النفسية والاجتماعية للكثيرمن أبناء الشعب الذين كانوا يتعاملون معها مباشرة، فالتدمير الذي حصل في تلك الدوائر والمؤسسات الحكومية كان يحمل أشكالا للتعبير عن حقيقة تلك الضغوطات والتعاملات الفضة التي مارستها تلك الدوائر طوال فترة ليست بالقليلة مما أصبحت لدى الثائرين هدفا مقصوداً للثأر والانتقام وتعويضاً عن كل اللحظات الإنسانية التي شكلت هموما واحباطات وتهميشاً متعمداً ما زال يرن في الذاكرة، كما وعبرت حالات الهجوم والسيطرة على مخازن الأغذية والتموين الحكومية عن الحاجة الماسة للأهالي والأفراد لتلك الأغذية التي كانت مخزونة في المخازن والمتاجر المخصصة لذلك إذ كان الكثير من أبناء الشعب وخصوصا في تلك الظروف التي أعقبت الحرب يعيشون حالة الكفاف ولم يحصلوا على الغذاء الكافي وسد الحاجات الطبيعية لهم ولأفراد عوائلهم، إذ كان كل شيء معطلا، إضافة إلى إحساس هؤلاء بان مجاميع كثيرة من قوات النظام المقربة له وكذلك حاشيته، يتنعمون بتلك الخيرات ويتصرفون بها حسب ما يشاؤون دون وازع من ضمير وطني وكأن العراق ملكاً شخصياً لهم!

الانتفاضة 000 شعارات وصور

كانت الشعارات التي رفعها شباب الانتفاضة تتسم بالعفوية وكان انتشارها من خلال سلسلة من التفجرات الطبيعية، وليس في ذلك انتقاصً أو طعنً كما يحاول البعض تفسير الأمور وفقا لما يراه، بل أن عفوية الانتفاضة الباسلة دليلً ملموسً على نزاهتها وهويتها الوطنية الصرف وابتعادها عن الشبهات. كان شعار (يسقط صدام) يطغي على كل الشعارات وكان الثوار عندما يقتربون من العسكريين أو يسيطرون على موقع عسكري أو حزبي معين يطالبون الضباط والجنود بالهتاف بهذا الشعار، والحديث عن إقامة نظام عادل بعد سقوط الديكتاتورية وسيادة المساواة، وقد شاهدتهم يرفعون صورا للسيد محمد باقر الحكيم والشهيد محمد باقر الصدر وكان ذلك بشكل عفوي أيضا ويبدو على تلك الصور وكأنها خلعت من أماكن تعليقها داخل البيوت وقد حملوها في تظاهراتهم بنحو عفوي صادق ! ولكن الثوار في بعض المواقع رفعوا شعارا تقليديا (ماكو ولي إلا علي 00 نريد قائد جعفري )* وقد اعتبر هذا الشعار (طائفيا) من قبل النظام، و اعتبروه آخرون شعاراً غير مناسب وقد ذهب البعض الآخر إلى أكثر من ذلك، حين اعتبره أحد عوامل فشل الانتفاضة! وكأن الطائفية في العراق شيءً غريبً وبعيدً عن مجمل تفاصيل السياسة العامة لأنظمة الحكم المتعاقبة على العراق ونظام صدام حسين بالذات، مما أدى إلى ردود أفعال متباينة من داخل الانتفاضة وخارجها وفي قطاعات معينة من الشعب، ولتسليط الضوء على هذا الموضوع الذي ينطوي على أهمية كبيرة00 نرى بحث الحقائق الآتية :
أولاً: عندما أثيرت الشعارات هذه المرة، والتي كانت تعبر عن الإرادة السياسية الحقيقية برفض المخطط الطائفي الذي رافق قيام الحكم الوطني في عام 1921، والذي استبعد الأغلبية العربية العراقية عن الحكم كــ (رئيس دولة، سلطة قرار، مؤسسات تنفيذية، قوات مسلحة ) تلك الأغلبية التي شكلت عماد الحركات السياسية الوطنية وقاعدة العمل الثوري، فإن المنطق الحقيقي والذي يجب أن يسود، هو أن يكون لها المستوى الواضح من القيادة بعيداً عن الظواهر التي انتعشت في مراحل ظهور الإقليمية والطائفية السياسية في الحكم.
ثانياً : كان الخروج عن هذه الحقيقة وتجاوز الواقع العراقي الوطني تنفيذاً لمصالح الأجنبي ورغباته من خلال احتكار السلطة وجعل رئاسة الدولة والمؤسسة الحاكمة بيد فئة محدودة لا تمثل الشعب، وتمارس التمايز الطائفي والإقليمي، يعد انحرافاً خطيراً أدى إلى ما نراه في العراق اليوم !
ثالثاً : رفع هذا الشعار بشكل عفوي ولم يجر التأكيد عليه بشكل متواصل لكنه حقيقة يمثل هاجس الجميع 00 أما النظام فقد كان يرى في شعار (نريد قائد جعفري) أمرا خطيراً على مستقبله لأنه أقرب إلى واقع العراقيين ويعبر عن شيء أساسي قام على تجاوزه المشروع الطائفي ورغم عفوية الشعار في اللحظة التي رفع بها، فقد انتشر على نطاق واسع*، دون تنظيم لانه يمثل هاجساً مكبوتاً تعيشه الأغلبية العراقية! وليس فيه من الغرابة أو التطرف شيء بل الغريب عدم طرح مضمونه بشكل واضح ومباشر واعتماد الأسلوب الباطني بديلاً في معالجة الأمور السياسية ذات الأهمية الخاصة، التي يتحدث بها العراقيون، فإن هذا الموضوع يشكل هاجس الأغلبية العراقية التي تشعر بالظلم وهاجس الفئة الحاكمة والعناصر المستفيدة لأنها لا تريد أن تغادر هذه الحالة التي تتيح لها فرصا أوسع في الوصول إلى مواقع التحكم والنفوذ، لذا فإنها لا تريد أن تناقش هذه الظاهرة بموضوعية وضمير عراقي مخلص بل وتتهم من يتوخى ذلك بالطائفية 00! وهنا يحق لأي عراقي أن يتساءل 00
أيهما اقرب إلى تبني وممارسة السلوك الطائفي من يدعو سراً وعلانيةً إلى حكم الأقلية الفئوية ( المحدد بإقليم وطائفة) كما هو سائد الآن، أو الذي يدعو إلى حكم وحاكم يرشحه الشعب وفقا لانتخابات حرة مباشرة ويكون لصندوق الاقتراع القرار النهائي العادل الذي يرضي الجميع ؟
لماذا يسمح للفئة الحاكمة بتبني الأسلوب الطائفي وممارسته بشكل سافر؟ بينما يحكم على الآخرين بالموت عندما يطالبون بالعدالة والمساواة؟

النظام الحاكم 00 دعاية سوداء

كشف نظام صدام خلال الانتفاضة وبعدها عن سلوكه الطائفي وعلى نحو سافر وبدأ الحديث عن موضوع الشيعة واتهامهم بالعجمة والشعوبية والولاء لإيران يأخذ شكلا هستيرياً، واصبح عدم التحلي باللياقة الأدبية والتخلي عن الاعتبارات الأخلاقية أمرا عادياً مما أوقع الحزبيين وبعض المسؤولين من الأصول الشيعية وبعض الضباط في إحراجات شديدة دفعتهم إلى مراجعة قاسية مع النفس وقد أشرنا إلى ذلك في مكان سابق 00 وقد تبلورت تلك السياسات الطائفية من خلال طرح الشعارات الآتية :
أولاً : شعار (لا شيعة بعد اليوم) وهذه العبارة بلّغ بها منتسبو قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص قبل قيامهم بقمع الانتفاضة وروجته الأجهزة الأمنية والاستخباراتية فيما بينها كوسيلة للحث على الإرهاب ومحاولة يائسة لتكتيل أهل السنّة ضد أهل الشيعة وتصوير الانتفاضة بأنها طائفية تستهدف أهل السنّة إنها في الحقيقة عبارات مخزية يأنفها شعبنا ولو لم نكن نتوخى كشف الحقائق لما تم ذكرها!
ثانياً : شعار ( لا شيعة ولا شروال)* ، أطلق النظام هذا الشعار بعد ان اندلعت الانتفاضة في كردستان العراق بعد يوم 10 آذار، وهو يعني تخليه عمليا عن 80 % من سكان العراق في الشمال والجنوب وتركيزه على جانب طائفي إقليمي محدد.
ثالثاً: شعار ( اقتل عشرة من السنّة تدخل الجنة) روج النظام هذا الشعار ونسبه إلى ثوار الانتفاضة ضمن حملته التشهيرية ضدهم وكان يتوخى منه تحقيق الآتي :
أ 0 إثارة النعرة الطائفية وبالتالي استمالة أهل السنّة له، فهو يدعي حمايتهم من الهجوم الشيعي الطائفي وليس لهم من خيار غير اللجوء إليه ومساعدته في القضاء على الانتفاضة0
ب 0 تصوير أهل الشيعة وكأنهم متخلفون ويؤمنون بأفكار وأوهام خرافية بعيدة عن الدين الإسلامي!
وقد عمد النظام إلى نشر هذه الشائعات في محافظات بغداد، الأنبار، ونينوى، في وقت كان فيه الناس في تلك المحافظات ينتظرون عودة أبنائهم العسكريين من حرب الكويت ! مما أثار قلقهم المتزايد وقد أشرنا في مكان آخر إلى أن النظام قد أرسل جثث بعض الشهداء إلى ذويهم في تلك المحافظات ومعها ما يشاع من انهم قتلوا من قبل أهل الجنوب ! كما أشاع النظام أيضا بأن الثوار الذين فتحوا سيطرات تفتيش في المحافظات المنتفضة، كانوا يستوقفون السيارات المدنية والعسكرية ويعتقلون الراكبين فيها ان كانوا من محافظات (الأنبار، نينوى، صلاح الدين) بعد تمييزهم من " لهجتهم في الكلام" أو بطاقاتهم الشخصية .
رابعاً: روج النظام من خلال أجهزته المخابراتية بأن رجال الانتفاضة قد اعتدوا على الجيش واهانوا الضباط وقتلوا كثيراً منهم وكان القتل يجري على أساس طائفي محض، وفي الحقيقة قتل عدد من الضباط، ولكن لم يكن للانتماء الطائفي دور فيه، بل أن أغلبية الضباط الذين قتلوا في القاطع الجنوبي كانوا من الشيعة ! ولو كانت الممارسة الطائفية غالبة في حينها وإنها من الدوافع الأساسية لما قتل اللواء الركن حميد الكناني وهو من واسط والعقيد الركن عبد الكريم السمار وهو من العمارة، بينما أطلق سراح الفريق نزار الخزرجي قائد عمليات غرب الفرات ومعه معاون مدير الاستخبارات العسكرية اللواء الركن محمد رضا التكريتي وضباط آخرون يعملون في دوائر الاستخبارات والعمليات.
أما الضباط من منتسبي الحرس الجمهوري أو الحرس الخاص أو المخابرات الذين قتلوا في كربلاء والنجف، فقد كان ذلك من خلال الاشتباك التلاحمي والدفاع البطولي الذي أبداه شباب الانتفاضة عن تلك المدينتين المقدستين ! وحيث لا يوجد ضمن تجهيزهم عتاد يميز بين الشيعي ليتجاوزه والسني ليقتله ! ألم يقتل أربعة ضباط شيعة بقذيفة واحدة في مقر الفرقة السادسة يوم 15 آذار؟ ألم يقتل ثلاثة عشر عضو فرقة في حزب السلطة يشكلون منظمة الحزب في ناحية المجر الكبير في ميسان! وجميعهم من أهل (العمارة، المشرح، البصرة)؟ وبالمقابل ألم يستضيف سكان المحافظات المنتفضة الكثير من الحزبيين القياديين وبعض الموظفين (قائممقام- مدير ناحية) وأمّنوا وصولهم إلى ذويهم في الموصل والأنبار وصلاح الدين؟ أما استضافتهم لمئات الضباط من مختلف الرتب وآلاف الجنود فكانت أمرا طبيعياً ومعروفاً وقد تحدثت مع العشرات من هؤلاء الضباط ولم ألمس منهم فيما إذا سئلوا إن كانوا شيعة أم سنّة، بل هناك حقيقة يعرفها الجميع، وهي أن أغلبية الضباط من أهل السنّة ! ولم يتعرض لهم أحد بالاستفزاز أو الاعتداء، كما روج النظام ذلك..‍‍‍‍!!
وبعد كل ما تقدم من حقائق، علينا كعراقين أن نقول بصوت عالٍ (الطائفية السياسية في العراق ممارسة وسلوك مناقض لفكرة العروبة والوطنية وأنها تعمل على تمزيق العراق وتفتيت شعبه.) ولكن من هو الذي مارسها وتبناها عملياً؟ الشعب العراقي (المحكوم)؟ أم الحاكم الذي لا يمكن أن نعتبره ممثلاً أو محسوباً على طائفة أو قومية معينة؟ ويخطئ من يظن أن هذه الممارسات غير المشروعة كانت لصالح طائفة أو قومية أو مذهب محددين. ويخطأ أيضاً كل من يظن أن العراقيين سيلبسون ثوب الطائفية في يوم ما.

إيران 000 والانتفاضة

دأب النظام العراقي على اتهام إيران بتدخلها بشؤونه الداخلية في كل موقف طارئ يمر به، وليست الأحداث التي سبقت الحرب عام 1980 هي الأخيرة في هذا المسلسل الذي يخفي وراءه دوافع سياسية وهو بذلك يريد أن يعطي إشارة إلى الغرب والدول العربية بأنه جاهز للتصدي لإيران وطروحاتها التي برزت بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وما سمي بـ(تصدير الثورة) في حينه، وفي نفس الوقت لكي يروج اتهاما خفيا ضد الأغلبية العربية في العراق بالتعاون أو التعاطف معها مما يتيح له فرصة عزل تلك الأغلبية سياسياً وابعاد أبنائها عن مواقع السيطرة والحكم في الدولة مع ما يترتب على ذلك من ضمان للفردية والتسلط، لذا لم يكن غريبا عندما يتهم نظام صدام إيران بتدخلها في العراق وإرسالها الرجال لتفجير الانتفاضة في 2 آذار 91، فهو يبغي تحقيق آلاتي :
أولاً: إقناع الرأي العام بأن الشعب العراقي لم يتحرك ضده، بل يؤيده ويسانده !
ثانياً: العودة إلى ترديد نغمة الخطر الإيراني المزعوم الذي يثير حفيظة الغرب.
ثالثاً: كسب تأييد أو "حياد" الدول العربية التي تخشى الخطر الإيراني في تلك المرحلة 0
رابعاً: حشد ما تيسر له من قوات ضد الانتفاضة بذريعة كونها عمل خارجي عدواني جديد تقوده إيران ضد العراق 0
وفي الحقيقة ومن خلال المشاهدة العيانية المباشرة، لم نعثر على إيراني واحد اشترك في الانتفاضة سواء برفع السلاح أو التظاهر ضمن مسؤوليتنا في قاطع البصرة، كذلك لم نشاهد أي تواجد للإيرانيين في الأماكن التي انتشرت فيها الانتفاضة، وفي حينها صدرت توجيهات من قيادة النظام للبحث عن الإيرانيين ومسكهم لغرض عرضهم في وسائل الإعلام 00! وكان الموضوع غريبا علينا وإلا فكيف نتصور وجود إيرانيين داخل حدودنا! وكأن لسان حالنا يقول (هل الإيرانيون اكثر شجاعة من العراقيين لكي يتصدوا لصدام داخل حدودنا بينما شعبنا يلتزم الصمت) ؟
إنه في الحقيقة استخفاف واضح بالشعب العراقي وقدراته، وهل يحتاج العراقي إلى من يأتيه من خارج الحدود لتثويره ؟
ثم صدرت توجيهات للبحث بين جثث القتلى من الثوار وتفتيشها، عسى أن يتم العثور على وثيقة أو إشارة أو أي شيء يدل على كون القتيل إيرانيا! وفي حينها صدرت أوامر شديدة بقتل المنتفضين ولكن بعد التأكد من إمكانية وجود إيرانيين معهم، فهؤلاء مطلوب الاحتفاظ بهم لأغراض إعلامية، ولم يتم العثور على أحد وفشلت جميع المحاولات لإثبات ما يدعيه النظام.!
وعندها أٌضطر أن يَعتبر الشباب الذين يحملون الإشارات الخضراء على الجبهة وعلى الزند وغيرها دليلا على انهم قدموا من إيران واظهر منهم ثلاثة أو أربعة على شاشة التلفزيون ! فهزأ الضباط والجنود من هذا الإجراء لأنهم أدرى بما جرى!
ولكن هناك حقيقة ساطعة لا يمكن إخفائها، وهي أن إيران قدمت دعماً إعلاميا ومعنويا للانتفاضة وفتحت حدودها لإيواء اللاجئين العراقيين وأعلنت تأييدها ومساندتها للشعب العراقي للإطاحة بحكومته وكنا نأمل من الأشقاء العرب أن يكون دورهم في دعم الانتفاضة وشعب العراق أكبر وأكثر تأثيراً مما قدمته إيران وبهذا الإسناد الأخوي تتم مواجهة الخطر الإيراني المزعوم! ولكن العكس هو الذي حصل، فقد لاذ الإعلام العربي بالصمت حيال ما يجري داخل العراق من مذابح للشعب على يد حكومته وانفرد الإعلام الإيراني بتغطية ما يجري من وقائع وأحداث! فكيف لا يكسب الإيرانيون ود العراقيين واحترامهم ؟؟
هل يستوي الذي يسند الشعب العراقي بطاقاته وموارده الإعلامية مع من يلزم الصمت ويهمس هنا وهناك قائلاً وجود (صدام ضعيف افضل من خطر أيراني قادم) ونسي أو تناسى حقيقة لا تقبل الشك أن الأغلبية العربية الشيعية العراقية الذين يتم قتلهم، هم عرب عراقيون أولا وآخراً وان الرابطة المذهبية بين شعبي البلدين العراق وإيران لم ولن ولا تلغي الخصوصية الوطنية والقومية لكل منهما وان "الشيعة العراقيين" قاتلوا إيران ثمان سنوات قدموا خلالها80% من مجموع تضحيات العراق من الشهداء وضحايا الحرب، ولم يكن للمذهب دورً في إيقاف نهر الدم الذي امتد عبر مسافة 1200 كم من الحدود بين البلدين.!
ونسي البعض من أشقائنا العرب أيضا، أن صدام "ضعيف حقا" وقد قصمت الانتفاضة ظهر نظامه، ولكنه بقي وسيلة جيدة "يُبتز" عرب الخليج بسببها ! وان السبع سنوات الماضية كانت هي الأكثر تأثيراً في إضعاف العراق مادياً ومعنوياً وان نسبة التخريب الذي حدث خلالها يفوق ما حدث من ضعف وتراجع وتخلف منذ ربع قرن مضى.
لنفكر ونتساءل بصوت عال.. من هو المستفيد من ضعف العراق؟ من هو المستفيد من ابتزاز عرب الخليج؟ من هو المستفيد حقاً..؟؟‍

الانتفاضة .... متواصلة

الانتفاضة لم تفشل، وان لم تحقق أهدافها في آذار 91، وأنها متواصلة في العطاء والتضحية إلى أن يتم تحقيق النصر النهائي والذي يعتبر البداية الحقيقية لعراق ديمقراطي موحد تسود الحياة فيه روح الإخاء والمساواة والعمل المشترك.
لقد استطاعت تلك الفاصلة التاريخية بجهود ثوارها وإمكانياتهم المحدودة من تثوير أربعة عشر محافظة عراقية ودفعت بالنظام الديكتاتوري إلى حافة الهاوية، إنها في الحقيقة قصمت ظهر النظام واذهبت جبروته، إنها تمثل بحق الإرادة العراقية الشعبية والتي لم تفقد مضمونها في يوم من الأيام وإنها لدليل قائم وثابت على حيوية شعبنا وإصراره في القضاء على الظلم والطغيان واللصوصية 0
تميزت الانتفاضة، بعفوية ذات دوافع وطنية متأججة ولو أن هذا يعني ضمن ما يعنيه فقــدان أو عدم تكامل أمور كثيرة كالقيادة الميدانية المؤثرة أو الاتصالات مع قياديين عسكريين ومدنيين، وكذلك التنسيق الإعلامي والعملياتي بين المحافظات المنتفضة 000الخ 0 ولكننا ومن خلال نظرة ميدانية واقعية لسير الأحداث في حينها، كنا ندرك عاملين أساسيين في تحقيق النصر وبلوغ الأهداف النهائية للانتفاضة، أو التوقف في تلك الحدود التي وصلت لها وهما :
أولا : الموقف الداخلي 00 وهو عدم تفجير الانتفاضة على نحو علني وفاعل في محافظات (نينوى، الأنبار ) وعدم تطوير الأحداث المتفرقة التي وقعت في محافظتي بغداد وديالى وتوسيعها لإيجاد التأثير السياسي في العاصمة بغداد مركز الحكم 0
ثانيا: العامل الخارجي 00 وهو موقف الدول العربية المجاورة والغرب (أميركا وبريطانيا) وقد كانت مفاوضات صفوان مؤشراً للتحول المفاجئ في مجريات الأحداث. وعلى أية حال، إذا كان نظام صدام قد أُعطي جرعة ديمومة بقاء أخرى بتأثير عوامل كثيرة، لكنه سيسقط حتما وقريبا إن شاء الله وسواء كانت نهايته "بطلــقة ذهـبية " أو " انقلاب عسكري " أو "انتفاضة أخرى فإن ذلك لم يكن له أن يتحقق لولا انتفاضة آذار 1991، ويومها سيتذكر العراقيون جنديهم "البطل ابن العراق البار" الذي رشق تمثال صدام بوابل من الرصاص يوم 2 آذار 1991 في "ساحة سعد" في البصرة وأعلن شرارة الانتفاضة الكبرى في عموم العراق..!!



منقول
مغروم وادي جردان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2008, 09:38 AM   #2
ولد الجووف
كتّاب ملتقى الحوار العربي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
العمر: 35
المشاركات: 619
ولد الجووف قام بتعطيل التقييم
افتراضي رد: كتاب بعنوان غزو الكويت المؤلف عميد ركن في الجيش العراقي

الاخ الفاضل

ألف شكر علي الوضوع
__________________
سنرجع أن شاء الله ياعباد الصليب
ولد الجووف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
روايه للرئيس العراقي صدام حسين بعنوان اخرج منها يا ملعون (مميز) ahmadmahasneh الساحة الأدبية للشعر العربي الفصيح 0 01-02-2006 11:27 PM

أضف ايميلك هنا لتصلك مواضيعنا يوميا:

Delivered by FeedBurner


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:13 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م
ابشر