تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > الأقسام الإسلامية > ساحة الحوار الاسلامي

الملاحظات

 
 
أدوات الموضوع
قديم 29-01-2005, 05:52 PM   #1
محمد حبيب
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 345
محمد حبيب is an unknown quantity at this point
افتراضي هل يسمع الأموات كلام الأحياء ويعرفونهم ..؟؟؟


هل يسمع الأموات كلام الأحياء ويعرفونهم ..؟؟؟

محمد حبيب الفندي



بسم الله الرحمن الرحيم




مقدمة
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد سيد الأملين والآخرين وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين .
أما بعد :
يعترض البعض على من يزور قبور الصالحين ويستشفع بهم أو يتوسل بهم أو يستنجد بهم فيقول من ضمن ما يقول :

إنّ طلب الشفاعة أو مخاطبة الميت أو الجلوس عنده لاجدوى منه لكون الشفيع بعد الموت لا يستطيع أن يقوم بالدعاء .
ثم إن الأموات لا يسمعون ..فكيف نخاطب من لا يسمع ولا يدرك ما يدور حوله ….؟؟
أما من يقول إن الأمة اليوم ليست بحاجة لمثل هذه الأحاديث ...!
مع العلم أن من يقول هذا الكلام لا ينتبه كل يوم إلى أقوام سخروا إذاعات وفضائيات وليس لهم إلا طرح مثل هذه المواضيع وتكفير المسلمين المخالفين لرأيهم .
وعندما نأتي لنصحح أفكارهم ونطرح لهم رأينا عسى أن يرجعوا الى الحق أن أن نحمي الناس من الانزلاق في دروبهم الوعرة يعترض البعض علينا أننا نبحث في قضايا فرعية والأمة تنتظر أن بحث في أمور أعمق من هذه المواضيع
كلام عجيب .!!






على هامش السؤال :

السؤال جدير بالدراسة والتحليل ، وهو عالق في ذهن لفيف من الناس فهم يناجون في أنفسهم كيف يُطلَب الدُعاء والشفاعة من النبي الأكرم وهو ميّت لا يستطيع على إجابة طلب الطالب ؟

أوّلا: إنّ الرجوع إلى القرآن المجيد ، واستنطاقه في هذا المجال يوقفنا على جليّة الحال ، وهو يعترف بموتهم مادياً لا موتهم على الإطلاق ، بل يصرّح بحياة لفيف من الناس الذين انتقلوا من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة من صالح وطالح ، وسعيد وشقيٍّ ، وها نحن نتلو على القارئ الكريم قسماً منها ليقف على أنّ الموت أمرٌ نسبي ، وليس بمطلق ، ولو صار بدن الإنسان جماداً ، ليس معناه بطلانه وانعدام شخصيته ، وليس الموت إلاّ انتقالا من دار إلى دار ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة وإليك لفيفاً من الآيات:

1 ـ قال سبحانه: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ).

والآية صريحة في المقصود ، صراحةً لا تتصوّر فوقها صراحة ، حيث أخبرت الآية عن حياتهم ورزقهم عند ربهم وتبشيرهم لمن لم يلحقوا بهم ، وما يتفوهون به في حقّهم بقولهم: (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .

وعلى ذلك فلو كان الشفيع أحد الشهداء في سبيل الله تعالى فهل يكون هذا المطلب لغواً ؟!

2 ـ إنّ القرآن يعدّ النبي شهيداً على الأُمم جمعاء ، ويقول سبحانه: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً ) .

فالآية تصرّح بأنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شاهد على الشهود الذين يشهدون على أُممهم فإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شاهداً على الأُمم جمعاء ، أو على شهودهم فهل تعقل الشهادة بدون الحياة ، وبدون الاطلاع على ما يجري فيهم من الأُمور من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان؟!

ولا يصح لك أن تفسّر شهادة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بشهادته على معاصريه فقط ، وذلك لأنّه سبحانه عدّ النبي شاهداً في عداد كونه مبشّراً ونذيراً ، وهل يتصوّر أحدٌ أن يختص الوصفان الأخيران بمن كان يعاصر النبي ؟!
كلاّ .
فإذن لا وجه لتخصيص كونِهِ شاهداً على الأُمّة المعاصرة للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .
3 ـ الآيات القرآنية صريحة في امتداد حياة الإنسان إلى ما بعد موته ، يقول سبحانه في حقّ الكافرين: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) .
فهذه الآية تصرّح بامتداد الحياة الإنسانية إلى عالم البرزخ ، وإنّ هذا العالم وعاءٌ للإنسان يعذّب فيها مَن يُعذّب وينعَّم فيها من ينعَّم .
أمّا التنعُّم فقد عرفت التصريح به في الآية الواردة في حقّ الشهداء .
وأمّا العقوبة ، فيقول سبحانه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)
4 ـ هذا هو الذكر الحكيم ينقل بياناً عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ، وأيّد رسل المسيح ، فلمّا قتل خوطب باللّفظ التالي: ( قيل ادخل الجنة ) فأجاب بعد دخوله الجنة: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ)إلى غير ذلك من الآيات الدالة على امتداد الحياة ، واستشعار لفيف من عباد الله لما يجري هنا وهناك ، غير أنّا لا نَسمع بيانَهم ولا نفهم خِطابهم ، وهم سامعون ، عارفون بإذن الله سبحانه .

ثانياً: إنّ الأحاديث الواردة في هذا المورد فوق الحصر فحدِّث عنها ولا حرج ، وقد روى المحدِّثون عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله روحي حتى أردّ عليه السلام» وفاء الوفا 4: 1349 ..
كما نَقَلوا قوله: «إنّ لله ملائكةً سيّاحين في الأرض يبلّغوني من أُمّتي السلام» .

ثالثاً: نرى أنّه سبحانه يسلّم على أنبيائه في آيات كثيرة ، ويقول: (سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ) ، (سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ، (سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ) ، (سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) ، (وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ) .

كما يأمرنا بالتسليم على نبيّه والصلوات عليه ويقول بصريح القول: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ،
فلو كان الأنبياء والأولياء أمواتاً غير شاعرين بهذه التسليمات والصلوات فأيّ فائدة في التسليم عليهم وفي أمر المؤمنين في الصلاة; بالسلامِ على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟ والمسلمون أجمع يسلّمون على النبي في

صلواتهم بلفظِ الخطاب ، ويقولون: السلامُ عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ، وحَمْلُ ذلك على الشعارِ الأجوف والتحية الجوفاء ، أمرٌ لا يجترئ عليه من له إلمامٌ بالقرآن والحديث .

السؤال الثاني: هل الشفيع ميّت وهو لا يسمع ؟

هذا هو السؤال الثاني الذي ربّما يُطرَح في المقام ، وهو أيضاً جديرٌ بالدراسة ، ولكنّه في التحقيق صورةٌ صغيرة من السؤال السابق ، فالتركيز ـ هنا ـ على خصوص عدم السماع ، ولكنّه في السابق على معنىً أعم وهو عدم الاستطاعة على شيء سماعاً كان أو غيره .

ونقول: ربما يقال: ظاهر الذكر الحكيم على أنّ الموتى لا يسمعون ، حيث شبّه المشركين بهم . ووجه الشبه هو عدم السماع . قال: ( إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) ، فالآية تصف المشركين بأنّهم أموات وتشبِّهُهُم بها ، ومن المعلوم أنّ صحة التشبيه تتوقّف على وجود وجه الشبه في المشبَّه به بوجه أقوى وليس وجه الشبه إلاّ أنّهم لا يسمَعون ، فعند ذلك تُصبح النتيجة: إنّ الأموات مطلقاً غير قابلين للإفهام ، ويدل على ذلك أيضاً قوله سبحانه: ( إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ)

ووجه الدلالة في الآيتين واحد .
على هامش السؤال
القرآن الكريم منزّه عن التناقض والاختلاف وكيف لا يكون كذلك وهو يقول: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً )
وهو يصرّح في غير واحد من آياته على أنّ الأنبياء كانوا يكلّمون الموتى ويخاطبونهم . ونلمس ذلك بوضوح في قصتي صالح وشعيب .
أمّا الأُولى: فالقرآن يحكي خطابَه لقومه ـ بعد هلاكهم وأخذ الرجفة لهم ـ فيقول: ( فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) .
أمعن النظر في قوله: ( فتولّى ) حيث تصدَّر بالفاء الدالة على الترتيب: أي بعدما عمّهم الهلاك أعرض صالح بوجهه عنهم وخاطبهم بقوله: يا قوم . . .
أمّا الثانية فهي أيضاً قرينة الأُولى ونظيرتها قال سبحانه: ( فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ* فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ ) .
إنّ الأُوليين من الآيات صريحتان في نزول البلاء عليهم وإبادتهم وإهلاكهم جميعاً ـ فبعد ذلك ـ يخاطبهم نبيُّهم شعيب معرِضاً بوجهه عنهم ، مشعراً بالتبرّي ويقول: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي . . . وليس لنا ، ولا لغيرنا تأويل القرآن لأخذ موقف مسبق في الموضوع ، بل يجب عرض الرأي عليه لا عرض القرآن على الفكر الإنساني .

ونكتفي من الآيات بما تلوناه عليك وهناك آيات أُخرى موحدة في المضمون نترك نقلها للاختصار .

السنّة لا تتفق مع عدم السماع...

إنّ السنّة الكريمة ، عدل القرآن ، يُحتَجُّ بها كما يُحتجّ به ، فقد أخذت موقف الإيجاب فهي لا تتفق مع عدم السماع وإليك نزراً يسيراً منها:

ـ ما أنتم بأسمعَ منهم
هذه الكلمة ألقاها النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما كان بمقربة من قتلى قريش ، وسنذكرها لاحقا.

ـ رواية الصحابي الجليل: عثمان بن حنيف

روى الحافظ الطبراني عن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف: أنّ رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له ، وكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى ابنَ حنيف فشكا إليه ذلك ، فقال له ابنُ حنيف: إئت الميضأة ، فتوضّأ ثم ائتِ المسجد فصلِّ ركعتين ، ثم قل: اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمد نبيّ الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّك أن تقضي حاجتي ، وتذكر حاجتك .

فانطلق الرجل فصنع ما قال ، ثم أتى باب عثمان فجاءَه البوّاب حتى أخذ بيده ، فاُدخِلَ على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: حاجتك ؟ فذكر حاجته وقضى له ، ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت الساعة ، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها ، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقى ابن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيّ .

فقال ابن حنيف: والله ما كلّمته ، ولكن شهدتُ رسول الله ، وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إن شئت دعوتُ أو تصبر ، فقال: يا رسول الله إنّه ليس لي قائدٌ وقد شقّ عليّ ، فقال له النبي: ائت الميضأة فتوضّأْ ثم صلّ ركعتين ثم ادعُ بهذه الدَعَوات . قال ابنُ حنيف: فو اللهِ ما تفرَّقْنا وطال بنا الحديثُ حتى دَخَلَ علينا الرجلُ كأنّه لم يكن به ضر .
قال الترمذي: هذا حديث حقٌّ حسنٌ صحيحٌ .
وقال ابن ماجة: هذا حديثٌ صحيحٌ .
وقال الرفاعي: لا شك أنّ هذا الحديث صحيحٌ ومشهورٌ .

ما يدل على حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره :

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ) رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي في حياة الأنبياء وغيرهم .

قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ( 8 / 211 ) : رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبي يعلى ثقات .
وفي فيض القدير ( 3 / 84 ) : رواه أبو يعلى عن أنس بن مالك وهو حديث صحيح اه .
قال المحدث الكتاني في نظم المتناثر ( 135 حديث رقم 115 ) : قال السيوطي في مرقات الصود : تواترت - بحياة الأنبياء في قبورهم - الأخبار ،
وقال - الحافظ السيوطي - في أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء ما نصه : حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علما قطعيا ، لما قام عندنا من الأدلة في ذلك ، وتواترت بها الأخبار الدالة على ذلك ، وقد ألف الأمام البيهقي رحمه الله تعالى جزءا في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم اه .

وقال ابن القيم في كتاب الروح : صح عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن الأرض لا تأكل أجساد الانبياء ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس ، وفي السماء خصوصا بموسى ، وقد أخبر بأنه : ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام وأنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر .

إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم ، وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة ، فانهم أحياء موجودون ولا نراهم ا ه . . . . انتهى من نظم المتناثر للمحدث الكتاني .

وهذا الكلام لابن القيم موجود في كتاب الروح ص ( 53 - 54 ) طبعة دار الفكر الطبعة الثانية سنة 1986 ) . وهذا الكلام المتقدم نص عليه الإمام المناوي في فيض القدير ( 3 / 184 ) فراجعه .

في إثبات أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يسمع بعد موته وكذا سائر الأموات :
الذين توهموا أن الأموات لا يسمعون حسبوا أن قول الله تعالى ( وما أنت بمسمع من في القبور ) دليلا على ذلك .
والحقيقة ليست كذلك ، بل إن هذه الآية دليل على أن الكفار المصرين على الكفر لن ينتفعوا بالتذكير والموعظة كما أن الأموات الذين صاروا إلى قبورهم لن ينتفعوا بما يسمعونه من التذكير والموعظة بعد أن خرجوا من الدنيا على كفرهم ، فقد شبه الله تعالى هؤلاء الكفار المعاندين بالأموات من هذا الوجه ، وهذا ما ذكر ه المفسرون قديما وحديثاً.
جاء في مختصر تفسير ابن كثير رحمه الله للشيخ الصابوني حفظه الله تعالى ( 3 / 45 ) في تفسير آية ( وما أنت بمسمع من في القبور ) إن المعنى : أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ، ولا تستطيع هدايتهم ( إن أنت إلا نذير ) . اه

واعلم أن الله تعالى قال ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ) النمل / 80 ، وأنت تعلم أن الأموات لا يولون مدبرين بعد العظة والتذكير وإنما المراد بذلك الكفار ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين : ( مثل الذي يذكر الله تعالى والذي لا يذكره مثل الحي والميت )

الضمير في قوله سبحانه : ( إذا ولوا مدبرين ) عائد على الموتى وعلى الصم ، لأن المراد بكل منهما الكفار ، وهذا ظاهر بداهة ، فالموتى والصم هم الكفار لا الاجساد .

-قال الطبري في تفسيره ( مجلد 11 جز 25 صحيفة 12 ) : وقوله ( إنك لا تسمع الموتى ) يقول : إنك يا محمد لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلبه فأماته لأن الله قد ختم عليه أن لا يفهمه ( ولا يسمع الصم الدعاء ) يقول : ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصم الله عن سماعه سمعه ( إذا ولوا مدبرين ) يقول : إذا هم أدبروا معرضين عنه لا يسمعون له ، لغلبة دين الكفر على قلوبهم ولا يصغون للحق ولا يتدبرون ولا ينصتون لقائله ، ولكنهم يعرضون عنه وبنكرون القول به والاستماع له . انتهى من . الطبري .
وهذا يثبت بلا شك أن الضمير في قوله ( ولوا ) يعود على الأموات وعلى الصم .
وكذا قال الإمام الحافظ أبو حيان في تفسيره النهر الماد ( مطبوع مستقل دار الجنان 1407 صحيفة 2 / 632 ) .

وأما حديث : ( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ) فحديث ثابت في الصحيحين ، انظر الفتح
( 11 / 208 ) وقال الحافظ صفحة 210 : وقع في مسلم عن أبي كريب بلفظ : ( مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر فيه مثل الحي والميت ) ثم قال : الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا السكن ، وإن إطلاق الحي والميت في وصف البيت إنما يراد به سكن البيت ، فشبه الذاكر بالحي الذي ظاهره تزين بنور الحياة . . . . الخ كلامه اه
__________________
[align=center]أنا المحبُ ومهجتي لاتنثني =عن وجدها وهيامها بمحمدِ

قد لامني فيه العذول ولو درى =معنى الهيام به لكان مساعدي

يا رب صلِّ على النبي محمد =و اجعله شافعنا بفضلك في غدِ
[/align]
محمد حبيب غير متواجد حالياً  
قديم 29-01-2005, 05:54 PM   #2
محمد حبيب
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 345
محمد حبيب is an unknown quantity at this point
افتراضي



وفي أحاديث الشفاعة ما يدل على عموم الشفاعة في دفع المضار الدنيوية والأخروية:

وقد نقل عن الصحابة بطرق معتبرة أن الصحابة كانوا يلجأون إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويندبونه في الأستسقاء ورفع الشدائد والأغراض الدنيوية:

1- روى البيهقي بطريق صحيح عن مالك الدار خازن عمر رضي الله عنه أنه أصاب الناس قحط، فذهب رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إستسق لأمّتك فقد هلكوا، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فقال له: قل لعمر: قد سقوا(البيهقي:3/344).

وقد روي أنّ من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نومه فكأنما رآه في يقظته، لأن الشيطان لا يتمثل به(صحيح مسلم (كتاب الرؤيا)، باب1 حديث11).

2- وروى البيهقي بطريق صحيح أن رجلاً في أيام عمر رضي الله عنه جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله سلم، فقال: يا محمد إستسق لأمتك(البيهقي:3/350).

3- وروى الطبراني وابن المقري أنهم كانوا جياعاً، فجاؤا إلى قبر النبي، فقالوا: يا رسول الله الجوع، فأشبعوا.

والغرض أن ذلك ظاهر بين الصحابة والسلف، لا يتناكرونه أبداً، وحيث كان لا يزيد على سؤال الدعاء، واتضح في البحث الآتي أن الأنبياء والأولياء أحياء، لا يبقى كلام أصلاً.
في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته
وأنه يسمع الكلام ويرد الجواب، كما في حياته غير أن الله حبس سمع الناس إلاّ قليلاً من الخواص، ولا بعد في ذلك بعد الأقرار بعموم قدرة الجبار، فأن من أودع تلك النطفة روح الإنسان، قادر أن يودعها في أي محل كان.

ولا ينافي ذلك إطلاق إسم الموت عليه، وأن الحياة إنما هي وقت البعث، لأن المراد أن عود تلك الأجسام على الحال السابق والكيفية السابقة، إنما يكون في ذلك الوقت، وإن ظهور ذلك للناظرين، إنما يكون في ذلك الحين، ولابد أن تتلقّى ما ورد عن النبي الكريم، بأشد القبول والتسليم:

- وقال شيخ الشافعي(عبدالقاهر بن طاهر البغدادي الأسفراييني، ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان واستقرّ في نيسابور، ومات في أسفرائين. له مؤلفات كثيرة): نبينا حي بعد وفاته، فإنه يستبشر بطاعات أمته، ويحزن من معاصيهم، وتبلغه صلاة من يصلّي عليه.

- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ أعرابيا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله إستغفر لي، فنودي من داخل القبر ثلاث مرات: قد غفر الله لك(كنز العمال: 1/506).

- وروى أبو داود في مسنده، عن أبي هريرة، مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ما من أحدٍ يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله روحي حتى أردّ عليه.

- وذكره إبن قدامة من رواية أحمد أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من أحد يسلّم عليّ عند قبري إلاّ ردّ الله عليّ روحي. وذكره بعض أكابر مشايخ البخاري.

- وفي خبر النسائي وغيره، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض، يبلغونني من أمتي السلام.

فعلى هذا لا فرق بين السلام من قرب، أو بعد.

- وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من صلّى عليّ عند قبري سمعته(كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: 1/488، الباب السادس في الصلاة عليه وعلى آله، حديث 2197).

- وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من صلى عليّ عند قبري، وكل الله به ملكاً يبلغني(كنز العمال، حديث2196).

- وروى إبن أوس مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فأن صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: أو كيف تعرض عليك وأنت رميم؟! فقال: إنّ الله حرّم على الأرض لحوم الأنبياء(كنز العمال:ج1، الباب السادس، حديث2141). وهذا يعم الأنبياء (صلى الله عليهم).

- وروى الحافظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: علمي بعد مماتي كعلمي في حياتي(كنز العمال:ج1، الباب السادس، حديث2242).

- وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الله وكّل ملكاً يسمعني أقوال الخلائق، يقوم على قبري، فلا يصلّي عليّ أحد إلاّ قال: يا محمّد (فلان) بن (فلان) يصلّي عليك، صلّوا عليّ حيثما كنتم، فأن صلاتكم تبلغني.

- وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ أعمالكم تعرض عليّ(صحيح مسلم (كتاب المساجد)، باب57؛ ومسند أحمد بن حنبل، الكتاب الخامس).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الله وكّل ملكاً يسمعني أقوال الخلائق، يقوم على قبري، فلا يصلّي عليّ أحد إلاّ قال: يا محمّد (فلان) بن (فلان) يصلّي عليك، صلّوا عليّ حيثما كنتم، فأن صلاتكم تبلغني.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ أعمالكم تعرض عليّ صحيح مسلم (كتاب المساجد)، باب 57؛ ومسند أحمد بن حنبل، الكتاب الخامس. .
والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وفيها دلالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب في مماته كما يخاطب في حياته، بل يظهر من بعض الروايات أنّ كلامه يسمعه بعض الخواص.
أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة، عن سعيد بن المسيب، قال: لقد كنت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فما يأتي وقت صلاةٍ إلاّ سمعت الأذآن من القبر.
وأخرج ابن سعد في الطبقات، عن سعيد بن المسيب أنه كان يلازم المسجد أيام الحرّة، فإذا جاء الصبح سمع أذاناً من القبر الشريف ( الطبقات الكبرى: 5/132. ).
وأخرج زبير بن بكار في أخبار المدينة، عن سعيد بن المسيب، قال: لم أزل أسمع الأذان والأقامة من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيام الحرّة، حتى عاد الناس.
وأخرج الدارمي في مسنده، عن مروان، عن سعيد بن عبدالعزيز أنّه كان لا يعرف وقت الصلاة إلاّ بهمهمةٍ تخرج من القبر ( سنن الدارمي: 1/56. ).
والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وفيها دلالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب في مماته كما يخاطب في حياته، بل يظهر من بعض الروايات(في النسخة المطبوعة:الأخبار) أنّ كلامه يسمعه بعض الخواص.
ما جاء أن الأموات يعرفون بزيارة الأحياء

قال ابن القيم في كتابه " الروح ":

ه[ وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ) وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد

والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي ويستبشر به] ولا يسمع الميت إلا إذا ردت إليه الروح كما في الأحاديث الصحيحة

وجاء أن الميت يسمع قرع نعال أصحابه بعد وضعه في قبره ، فعن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن العبد غذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه ، إنه ليسمع قرع نعالهم .....)، ووقف الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة أيام من معركة بدر على قتلى بدر من المشركين فنادى رجالا منهم فقال ( يا أبا جهل بن هشام ، يا أمية بن خلف ، يا عتبة بن ربيعة ، يا سيبة بن ربيعة ، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا ) فقال عمر بن الخطاب : ( يا رسول الله ! كيف يسمعوا أنى يجيبوا وقد جيفوا ) قال : ( والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ثم أمر بهم فسحبوا ، فألقوا في قليب بدر ) رواه البخاري
وقد ساق ابن تيمية جملة من الأحاديث تدل على أن الموتى يسمعون ، ثم قال ( فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي ، ولا يجب أن يكون السمع له دائما ، بل قد يسمع في حال دون حال ، كما قد يعرض للحي ، فإنه يسمع أحيانا من يخاطبه ، وقد لا يسمع لعارض يعرض له )
وقد أجاب ابن تيمية على إشكال من يقول : إن الله نفى السماع عن الميت في قوله ( إنك لا تسمع الموتى ) وكيف تزعمون أن الموتى يسمعون ؟
فقال : ( وهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء ، ولا هو السمع المنفي بقوله ( إنك لا تسمع الموتى ) ، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال ، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه ، وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى ، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى ، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي ، ولا امتثال ما أمر به ، ونهي عنه ، فلا ينتفع بالأمر والنهي ، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي ، وإن سمع لخطاب ، وفهم المعنى كما قال تعالى ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم )
وقد جاءت النصوص دالة على أن الميت مع سماعه يتكلم ، فإن منكرا ونكيرا يسألونه فالمؤمن يوفق للجواب الحق ، والكافر والمنافق يضل عن الجواب ، ويتكلم أيضا في غير سؤال منكر ونكير ، وكل هذا مخالف لما عهده أهل الدنيا من كلام ، فالذي يسأل ويتكلم الروح ، وهي التي تجيب وتقعد وتعذب وتنعم ، وإن كان لها نوع اتصال بالجسد ، وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلك كان يسمع من هذا شيئا كثيرا، كما جاء في حديث ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ..... ) رواه البخاري ومسلم


جاءفي مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد الرابع والعشرون ( 482 من 645 )


[وسئل ـ رحمه الله‏:‏
هل الميت يسمع كلام زائره، ويري شخصه‏؟‏ وهل تعاد روحه إلى جسده في ذلك الوقت، أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره‏؟‏ وهل تصل إليه القراءة والصدقة من ناحليه وغيرهم، سواء كان من المال الموروث عنه وغيره‏؟‏ وهل تجمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين مبله، سواء كان مدفونًا قريبًا منهم أو بعيدًا‏؟‏ وهل تنقل روحه إلى جسده في ذلك الوقت، أو يكون بدنه إذا مات في بلد بعيد‏؟‏ ودفن بها ينقل إلى الأرض التي ولد بها، وهل يتأذي ببكاء أهله عليه‏؟‏ والمسؤول من أهل العلم ـ رضي الله عنهم ـ الجواب عن هذه الفصول ـ فصلا ـ جوابا واضحا، مستوعبًا لما ورد فيه من الكتاب والسنة، وما نقل فيه عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وشرح مذاهب الأئمة والعلماء‏:‏ أصحاب المذاهب، واختلافهم، وما الراجح من أقوالهم، مأجورين إن شاء الله تعالى‏
/فأجاب‏:‏
الحمد لله رب العالمين، نعم يسمع الميت ـ في الجملة ـ كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه‏)‏‏.‏ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك قتلي بدر ثلاثا، ثم أتاهم فقال‏:‏ ‏(‏يا أبا جهل بن هشان خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا‏؟‏ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا‏)‏‏.‏ فسمع عمر ـ رضي الله عنه ـ ذلك فقال‏:‏ يا رسول الله، كيف يسمعون، وأني يجيبون، وقد جيفوا‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده،ما أنت بأسمعولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا‏)‏‏.‏ ثم أمر بهم فسحبوا في قليب بدر، وكذلك في الصحيحين عن عبد الله بن عمر‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال‏:‏ ‏(‏هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا‏؟‏‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏إنهم يسمعو
وقد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه كان يأمر بالسلام على أهل القبور‏.‏ ويقول‏:‏ ‏(‏قولوا‏:‏ السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقـون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللرمنا أجـرهم، ولا تفتنا بعـدهم، واغفـر لنا ولهم‏)‏‏.‏ فهـذا خطاب لهم، وإنما يخاطب من يسمع‏.‏ وروي ابن عبد البر عن النبي صلى الله عليه وسلم / أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه

وفي السـنن عنـه أنـه قال‏:‏ ‏(‏أكثروا مـن الصـلاة على يـوم الجمعـة، وليلـة الجمعـة، فـإن صلاتكم معروضة على‏)‏،فقالوا‏:‏يا رسول الله،وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت‏؟‏ ـ يعني صرت رميما ـ فقال‏:‏‏(‏إن الله ـ تعالى ـ حرم على الأرض أن تأكل لحوي السـنن أنه قال‏:‏‏(‏إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام
فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائماً، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي فإنه قد يسمع أحياناً خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 80‏]‏، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال‏.‏ فإن اللّه جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى‏.‏ فالميت وإن سمع الكلام وفقه يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر به، ونهى عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي‏.‏ وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما / قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ‏}‏ ‏[‏الأنف
وأما رؤية الميت‏:‏ فقد روي في ذلك آثار عن عائشة وغيرها‏

فصل

وأما قول القائل‏:‏ هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت، أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره‏؟‏ فإن روحه تعاد إلى البدن في ذلك الوقت‏.‏ كما جاء في الحديث‏.‏ وتعاد ـ أيضاً ـ في غير ذلك‏.‏ وأرواح المؤمنين في الجنة كما في الحديث الذي رواه النسائي، افعي، وغيرهم‏:‏ ‏(‏إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه‏)‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش‏)‏‏.‏ ومع ذلك فتتصل بالبدن متي شاء اللّه، وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك، وظهور الشعاع في الأرض، و‏
وهذا جاء في عدة آثار، أن الأرواح تكون في أفنية القبور، قال مجاهد‏:‏ الأرواح تكون على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه، فهذا يكون أحياناً‏.‏ وقال مالك بن أنس‏:‏ بلغني أن الأرواح مرسلة، تذهب حيث شاءت‏.‏ واللّه

/ فصل

وأما ‏[‏القراءة، والصدقة‏]‏ وغيرهما من أعمال البر، فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية، كالصدقة والعتق،كما يصل إليه ـ أيضاً ـ الدعاء والاستغفار، والصلاة عليه صلاة الجنازة، والدعاء عند قبر
وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية‏:‏ كالصوم، والصلاة، والقراءة‏.‏ والصواب أن الجميع يصل إليه، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من مات وعليه صيام، صام عنه وليه‏)‏‏.‏ وثبت ـ أيضاً ـ‏:‏ أنه أمر امرأة ماتت أمها، وعليهاعن أمها‏.‏ وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمرو بن العاص‏:‏ ‏(‏لو أن أباك أسلم فتصدقت عنه، أو صمت، أو أعتقت عنه، نفعه ذلك‏)‏، وهذا مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وطائفة من أصحاب مالك، وال
وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى‏:‏‏{‏وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 39‏]‏، فيقال له‏:‏ قد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة‏:‏ أنه يصلى / عليه، ويدعى له، ويستغفر له‏.‏ وهذا من سعي غيره‏.‏ وكذلك قد ثبت ما سلف مننه، والعتق، وهو من سعي غيره‏.‏ وما كان من جوابهم في موارد الإجماع، فهو جواب الباقين في مواقع النزاع‏.‏ وللناس في ذلك أجوبة متعدد
لكن الجواب المحقق في ذلك أن اللّه ـ تعالى ـ لم يقل‏:‏ إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه، وإنما قال‏:‏‏{‏وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى‏}‏، فهو لا يملك إلا سعيه، ولا يستحق غير ذلك‏.‏ وأما سعي غيره فهو له، كما أن الإنسان لا يملك إلا مافع نفسه‏.‏ فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير، لكن إذا تبرع له الغير بذلك، جاز‏
وهكذا هذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه اللّه بذلك، كما ينفعه بدعائه له، والصدقة عنه، وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم، سواء كان من أقاربه، أو غيرهم، كما ينتفع بصلاة المصلىن عليه ودعائهم له عند قبره‏.‏

/ فصل

وأما قوله‏:‏ هل تجتمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه‏؟‏ ففي الحديث عن أبي أيوب الأنصاري وغيره من السلف، ورواه أبو حاتم في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الميت إذا عرج بروحه تلقته الأرواح يسألونه عن الأحياء، فيقول بعضهم لبعض‏:‏ دعوه حتى يولون له‏:‏ ما فعل فلان‏؟‏ فيقول‏:‏ عمل عمل صلاح‏.‏ فيقولون‏:‏ ما فعل فلان‏؟‏ فيقول‏:‏ ألم يقدم عليكم‏؟‏‏!‏ فيقولون‏:‏ لا‏.‏ فيقولون‏:‏ ذُهِب به إلى الهاوية‏)‏‏.‏ ولما كانت أعمال الأحياء تعرض عليه الموتي، كان أبو الدرداء يقول‏:لا أخزي به عند عبد اللّه بن رواحة‏.‏ فهذا اجتماعهم عند قدومه يسألونه فيجيبهم‏
وأما استقرارهم فبحسب منازلهم عند اللّه، فمن كان من المقربين كانت منزلته أعلى من منزلـة مـن كان من أصحاب اليمين‏.‏ لكن الأعلى ينزل إلى الأسفل، والأسفل لا يصعد إلى الأعلى، فيجتمعون إذا شاء اللّه، كما يجتمعون في الدنيا مع تفاوت منازلهم، ويتزاورون‏
/وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا، أو متقاربة، قد تجتمع الأرواح مع تباعد المدافن، وقد تفترق مع تقارب المدافن، يدفن المؤمن عند الكافر، وروح هذا في الجنة، وروح هذا في النار، والرجلان يكونان جالسين أو نائمين في موضع واحد، وقلب هذا ينعم، وقلب هذا يعذب‏.‏ليس بين الروحين اتصال‏.‏ فالأرواح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
والبدن لا ينقل إلى موضع الولادة، بل قد جاء‏:‏ ‏(‏إن الميت يذر عليه من تراب حفرته‏)‏ ومثل هذا لا يجزم به، ولا يحتج به‏.‏ بل أجود منه حديث آخر فيه‏:‏ ‏(‏إنه ما من ميت يموت في غير بلده، إلا قيس له من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في الجنة‏)‏‏.‏ والإنسان يبعث حيث مات، وبدنه في قبره مشاهد، فلا تدفع المشاهدة بظنون لا حقيقة لها، بل هي مخالفة في العقل، والنقل‏.
__________________
[align=center]أنا المحبُ ومهجتي لاتنثني =عن وجدها وهيامها بمحمدِ

قد لامني فيه العذول ولو درى =معنى الهيام به لكان مساعدي

يا رب صلِّ على النبي محمد =و اجعله شافعنا بفضلك في غدِ
[/align]
محمد حبيب غير متواجد حالياً  
قديم 29-01-2005, 05:57 PM   #3
محمد حبيب
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 345
محمد حبيب is an unknown quantity at this point
افتراضي


فصل
وأما قول السائل‏:‏ هل يؤذيه البكاء عليه ‏
فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف والخلف والعلماء‏.‏ والصواب / أنه يتأذي بالبكاء عليه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه‏)‏‏.‏وفي لفظ ‏(‏من ينَح عليه، يعذب بما نيح عليه‏)‏‏.‏ و‏:‏ أن عبد اللّه بن رواحة لما أغمي عليه جعلت أخته تندب، وتقول‏:‏ وا عضداه وا ناصراه،فلما أفاق قال‏:‏ ما قلت لي شيئاً إلا قيل لي‏:‏ أكذلك
وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، فهو مخالف لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 15‏]‏‏.‏ ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث
فمنهم مـن غلط الرواة لها، كعمـر بن الخطـاب وغـيره‏.‏ وهـذه طريقـة عائشة، والشافعي وغيرهما‏
ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصي به فيعذب على إيصائه، وهو قول طائفة‏:‏ كالمزني، وغيره‏
ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كانت عادتهم، فيعذب على ترك النهي عن المنكر، وهو اختيار طائفة‏:‏ منهم جدي أبو البركات، وكل / هذه الأقوال ضعيفة جداً‏
والأحاديث الصحيحة الصريحة ـ التي يرويها مثل عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللّه، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم ـ لا ترد بمثل هذا‏.‏ وعائشة أم المؤمنين ـ رضي اللّه عنها ـ لها مثل هذا نظائر ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه، ولا يكون الأمر لك‏.‏ ومن تدبر هذا الباب، وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئا‏.‏
وعائشة ـ رضي اللّه عنها ـ روت عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظين ـ وهي الصادقة فيما نقلته ـ فروت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله‏:‏ ‏(‏إن اللّه ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه‏)‏‏.‏ وهذا موافق لحديث عمر، فإنه إذا جاز أن يزيده عذابا ببكاء أهله، جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله؛ ولهذا رد الشافعي في مختلف الحديث هذا الحديث نظرا إلى المعنى‏.‏ وقال‏:‏ الأشبه روايتها الأخري ‏(‏إنهم يبكون عليه، وإنه ليعذب في قبره.
والذين أقروا هذا الحديث على مقتضاه، ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة الإنسان بذنب غيره، وأن اللّه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد‏.‏ واعتقد هؤلاء أن اللّه يعاقب الإنسان بذنب غيره، فجوزوا / أن يدخلوا أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم‏.‏ وهذا وإن كان قد قاله طوائف منتسبة إلى السنة، فالذي دل عليه الكتاب والسنة‏:‏ أن اللّه لا يدخل النار إلا من عصاه‏.‏ كما قال‏:‏ ‏{‏لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 85‏]‏، فلابد أن يملأ جهنم من أتباع إبليس، فإذا امتلأت لم يكن فَإِذَا امْتَلَأَتْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فِيهَا مَوْضِعٌ فمن لم يتبع إبليس، لم يدخل النار‏.‏
وأطفال الكفار أصح الأقوال فيهم‏:‏ أن يقال فيهم‏:‏ اللّه أعلم بما كانوا عاملين‏.‏ كما قد أجاب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏.‏ فطائفة من أهل السنة وغيرهم قالوا‏:‏ إنهم كلهم في النار، واختار ذلك القاضي أبو يعلى، وغيره، وذكر أنه منصوص عن أحمد ، وهو غلط على أحمد‏.‏ وطائفة جزموا أنهم كلهم في الجنة، واختار ذلك أبو الفرج بن الجوزي، وغيره، واحتجوا بحديث فيه رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لما رأي إبراهيم الخليل، وعنده أطفال المؤمنين، قيل‏:‏ يارسول اللّه، وأطفال المشركين‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏وأط‏)‏‏
والصواب أن يقال فيهم‏:‏ اللّه أعلم بما كانوا عاملين، ولا يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار، وقد جاء في عدة أحاديث أنهم يوم القيامة في عرصات القيامة يؤمرون وينهون، فمن أطاع، دخل الجنة، ومن / عصى، دخل النار، وهذا هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجعة‏.‏
والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار،وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فيقال لأحدهم‏:‏ من ربك‏؟‏ وما دينك‏؟‏ ومن نبيك‏؟‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 42، 43‏]‏‏.‏ وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يتجلي اللّه لعباده في الموقف، إذا قيل ما كانوا يعبدون‏.‏ فيتبع المشركون آلهتهم، ويبقي المؤمنون فيتجلي لهم الرب الحق في غير الصورة التي كانوا يعرفون فينكرونه، ثم يتجلي لهم في الصورة التي يعرفون، فيسجد له المؤمنون، وتبقي ظهور المنافقين كقرون البقر، فيريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون‏.‏ وذلك ق ‏{‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ‏}‏‏)‏ الآية ‏[‏القلم‏:‏ 42‏]‏‏.‏ والكلام على هذه الأمور مبسوط في غيروالمقصود ههنا أن اللّه لا يعذب أحداً في الآخرة إلا بذنبه، وأنه لا تزر وازرة وزر أخري‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه‏)‏، ليس فيه أن النائحة لا تعاقب، بل النائحة تعاقب على النياحة، كما في / الحديث الصحيح‏:‏ أن النائحة إذا لم تتب قبل ميوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران‏.‏ فلا يحمل عمن ينوح وزره أحد‏
وأما تعذيب الميت‏:‏ فهو لم يقل‏:‏ إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه‏.‏ بل قال‏:‏ ‏[‏يعذب‏]‏ والعذاب أعم من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب، كان ذلك عقاباً له على ذلك السبب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏السفر قطعة مندكم طعامه وشرابه‏.‏‏.‏‏)‏‏.‏ فسمي السفر عذاباً، وليس هو عقاباً على ذنب
والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا، ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملا له عوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملا له‏.‏ يعاقب عليه ‏
والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس، ويتألم برؤية بعضهم، وبسماع كلامه، ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى‏:‏ بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها، كما جاءت بذلك الآثار‏.‏ فتعذيبهم / بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم‏.‏ ثُمَّ النِّيَاحَةُ سبب العذاب‏.‏
وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه، فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما يدفع عنه من العذاب، كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة، والأرواح والصور القبيحة‏.‏
وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب‏.‏ وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك‏:‏ إما بتوبة مقبولة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بشفاعة شفيع مطاع، وإما بفضل اللّه ورحمته ومغفرته، فإنه ‏{‏لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَاء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏
وما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التي هي عذاب، فإن ذلك يكفر اللّه به خطاياه، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذي، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر اللّه بها ماياه‏)‏‏
وفي المسند لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 123‏]‏، قال أبو بكر‏:‏ يارسول اللّه، جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءاً‏؟‏‏!‏ / فقال‏:‏ ‏(‏يا أبا بكر، ألست تحزن ‏؟‏‏!‏ ألست يصيبك الأذي‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةٌ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا طَيِّبٌ ‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 73‏]‏‏.‏ وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏إنهم إذا عبروا على الصراط، وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة والكلام في هذه المسألة مبسوط في غير هذا الجواب‏.‏ واللّه أعلم بالصواب‏
وما ذكرنا في أن الموتى يسمعون الخطاب، ويصل إليهم الثواب، ويعذبون بالنياحة‏.‏ بل وما لم يسأل عنه السائل من عقابهم في قبورهم وغير ذلك، فقد يكشف لكثير من أبناء زماننا يقظة ومناماً، ويعلمون ذلك، ويتحققونه‏.‏ وعندنا من ذلك أمور كثيرة‏.‏ لكن الجواب في المسائل العلمية يعتمد فيه على ما جاء به الكتاب والسنة، فإنه يجب على الخلق التصديق به، وما كشف للإنسان من ذلك، أو أخبره به من هو صادق عنده، فهذا ينتفع به من علمه، ويكون ذلك مما يزيده إيماناً وتصديقاً بما جاءت به النصوص، ولكن لا يجب على جميع الخلق الإيمان بغير ما جاءت به الأنبياء، فإن اللّه ـ عز وجل ـ أوجب التصديق بما جاءت به الأنبياء، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 136‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ واإليوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِالنَّبِيِّينَ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 177‏]‏‏.‏ وقد ثبت في الصحيحين عن النبي / صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي ...الخ
فالمحـدث الملهـم المكاشف من هذه الأمة يجب عليه أن يزن ذلك بالكتاب والسنة، فإن وافق ذلك صدق ما ورد عليه، وإن خالف لم يلتفت إليه‏.‏ كما كان يجب على عمر ـ رضي اللّه عنه ـ وهو سيد المحدثين إذا ألقي في قلبه شيء، وكان مخالفاً للسنة لم يقبل منه، فإنه ليس معصوما وإنما العصمة للنبوة‏.‏
ولهذا كان الصديق أفضل من عمر، فإن الصديق لا يتلقى من قلبه، بل من مشكاة النبوة، وهي معصومة، والمحدث يتلقي تارة عن قلبه، وتارة عن النبوة، فما تلقاه عن النبوة فهو معصوم يجب اتباعه، وما ألهم في قلبه‏:‏ فإن وافق ما جاءت به النبوة، فهو حق، وإن خالف ذلك، فهو با‏طل.‏
فلهذا لا يعتمد أهل العلم والإيمان في مثل مسائل العلم والدين إلا على نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وإن كان عندهم في بعض ذلك شواهد وبينات مما شاهدوه ووجدوه، ومما عقلوه وعملوه، وذلك ينتفعون به هم في أنفسهم، وأما حجة اللّه ـ تعالى ـ على عباده، فهم رسله، وإلا فهذه المسائل فيها من الدلائل والاعتبارات العقلية والشواهد /الحسية الكشفية ما ينتفع به من وجد ذلك، وقياس بني آدم وكشفهم تابع لما جاءت به الرسل عن اللّه ـ تعالى ـ فالحق في ذلك موافق لما جاءت به الرسل عن اللّه ـ تعالى ـ لا مخالف له، ومع كونه حقاً، فلا يفصل الخلاف بين الناس، ولا يجب على من لم يحصل له ذلك التصديق به، كما يجب التصديق بما عرف أنه معصوم، وهو كلام الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم‏.‏
ولكن من حصل له في مثل هذه الأمور بصيرة أو قياس أو برهان، كان ذلك نوراً على نور‏.‏ قال بعض السلف‏:‏ بصيرة المؤمن تنطق بالحكمة، وإن لم يسمع فيها بأثر‏.‏ فإذا جاء الأثر، كان نوراً على نور‏{‏وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نالنور‏:‏ 40‏]‏‏.‏ قال تعالى‏:‏‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ اُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 2
‏ وسئل ـ رَحمه اللّه‏:‏
هل يتكلم الميت في قبره أم لا ‏؟‏
فأجاب‏:‏
يتكلم، وقد يسمع ـ أيضاً ـ من كلمه، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إنهم يسمعون قرع نعالهم‏)‏‏.‏ وثبت عنه في الصحيح‏:‏ أن الميت يسأل في قبره فيقال له‏:‏ من ربك ‏؟‏ وما دينك‏؟‏ ومن نبيك‏؟‏ فيثبت اللّه المؤمن بالقَوْلِ الثابت، فيقول‏:‏ اللّه ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، ويقال له‏:‏ ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم‏؟‏ فيقول المؤمن‏:‏ هو عبد اللّه ورسوله، جاءنا بالبينات والهدي، فآمنا به، واتبعناه‏.‏ وهذا تأويل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها نزلت في عذا ب القبر‏.‏
وكذلك يتكلم المنافق فيقول‏:‏ آه ‏!‏ آه ‏!‏ لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان‏.‏
/وثبت عنه في الصحيح أنه قال‏:‏ ‏(‏لولا ألا تدافنوا لسألت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر مثل الذي أسمع‏)‏‏.‏ وثبت عنه في الصحيح‏:‏ أنه نادي المشركين يوم بدر لما ألقاهم في القليب، وقال‏:‏ ‏(‏ما أنتم بأسمع لما أقول منهم‏)‏‏.‏ والآثار في هذا كثيرة منتشرة‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ ]


في حياة سائر الشهداء والأنبياء

قد سبق أن الارض لا تأكل لحومهم.
قال البيهقي في كتاب الأعتقاد : إنّ الأنبياء بعدما قبضوا رّدت إليهم أرواحهم، فهم أحياء كالشهداء.
وقال القرطبي في التذكرة : الموت ليس عدماً محضاً، يدل على ذلك أن الشهداء أحياء، فالأنبياء أولى، وقد صحّ أنّ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إجتمع بالأنبياء ليلة الأسراء في بيت المقدس وفي السماء.
وقال الأستاذ أبو منصور عبدالقاهر بن طاهر البغدادي شيخ الشافعي: إنّ الأنبياء لا تبلى أجسادهم، ولا تأكل الأرض منهم شيئاً، وقد إلتقى نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم مع إبراهيم، وموسى بن عمران.
وعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنّه مرّ بقتلى بدر فكلّمهم، فقال له أصحابه: كيف تكلّم أجساداً لا أرواح فيها؟! فقال: لستم اسمع منهم لكنهم لا يتكلمون.
وعن قتيبة وأبي الفضل، عن إبن عباس أنّ الحواريين قالوا لعيسى: أحي لنا يحيى بن زكريا، حتى ننظر إلى وجهه، فخرج معهم وأحياه، وإذا نصف شعر رأسه ابيض، وقد كان أسوداً فسألوه، فقال: لما نوديت زعمت أنها القيامة، فقال عيسى: أتريد أن أسأل الله أن يردك إلى الدنيا؟ فقال: إن مرارة الموت لم تخرج من حلقي بعد.
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه مرّ بابراهيم يصلّي، وبموسى يصلّي. وفي حديث المعراج أنه مرّ بكثير من الأنبياء يصلون.
وقال الحافظ شيخ السنة أبو بكر البيهقي في الإعتقاد: إن الأنبياء تردّ إليهم أرواحهم بعدما يقبضون، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة منهم، وصلّوا خلفه، وقد أخبر هو عن ذلك، وخبره صدق، أنّ صلاتنا تعرض عليه، وانّ الأرض لا تأكل من لحمه.
وعن الشيخ عفيف الدين أنّ الأولياء من جملة خصائصهم رؤيا الأنبياء.
وقال الشيخ تقي الدين السبكي: إنّ حياة الأنبياء والشهداء في القبور كحياتهم في الدنيا، ويدل عليه صلاة موسى وجماعة من الأنبياء ليلة الأسراء مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وروى الثقات عن أنس مرفوعاً، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الأنبياء أحياء في قبورهم.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: مررت بقبر موسى بن عمران فرأيته يصلّي ( تراجع هذه الأحاديث في كنز العمال، الفصل الثالث في زيارة القبور، المجلد الخامس.
وقال الله تعالى في حق من قتلوا في سبيل الله: ((أحياء عند ربّهم يرزقون))
إلى غير ذلك من الأخبار.


في حياة سائر الموتى

روى إبن عباس مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما من أحدٍ يمر بقبر أخيه المؤمن فيسلم عليه إلاّ عرفه، وردّ عليه السلام.
وفي رواية: ما من أحدٍ يمر بقبر رجلٍ يعرفه إلاّ عرفه وردّ عليه السلام (كنز العمال: 5/646.
ونقل أبو عبدالله البخاري أنّ الشهداء وسائر المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلّم عليهم، عرفوه وردوا عليه السلام.
وروى الثعلبي في تفسيره، : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه لما حملهم البساط، وصلوا إلى موضع أهل (الكهف)، فقال: سلّموا عليهم، فسلّموا عليهم، ولم يردوا، فسلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله .
وأخرج الشيخ ابن حيارة في كتاب (الوصايا)، عن قيس، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من
لم يوص، لم يؤذن له في الكلام مع الموتى، قيل، يا رسول الله الموتى يتكلمون، فقال: نعم ويتزاورون.
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى جعفرا يطير في الجنة.
ونقل أبو بكر محمد بن عبدالله الشافعي أن عيسى لما دفن مريم، قال: السلام عليك يا أماه، فأجابته من جوف القبر: وعليك السلام حبيبي، وقرة عيني، فقال لها: كيف وجدت طعم الموت؟ فقالت: والذي بعثك بالحقّ ما ذهبت مرارة الموت من حلقي، ولا خشونته من لساني.
وروى الحاكم عن سالم بن أبي حفصة قال: توفي أخ لي، فوضعته في القبر، وسوّيت عليه التراب، ثم وضعت أذني على لحده، فسمعت قائلاً يقول له: من ربّك، فسمعت أخي يقول بصوت ضعيف: ربي الله، فقال له: وما دينك، فسمعت أخي يقول بصوتٍ ضعيف: ديني الأسلام، فسمعته يقول له: ومن نبيّك؟ فسمعته يقول بصوت ضعيف: محمّد نبيّي، فسمعته يقول له: نم نوم العروس، وسمعت الملك الآخر يقول له أبشر بروحٍ وريحان، وربّ غير غضبان كنز العمال: 15/605.
وفي الأخبار، عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما من ميت يموت، يوضع على سريره، فيخطى ثلاث خطوات، إلاّ وينادى بنداء يسمعه ما شاء الله من الخلائق غير الثقلين. فيقول: يا إخوتاه، يا خدماه، يا حملة نعشاه، لا تغرّنكم الدنيا كما غرّتني، ولا يلعبن بكم الزمان كما لعب بي، خلّفت ما جمعت لورثتي، ولم يحملوا من خطيئتي شيئاً، والديّان يحاسبني، وأنتم تشيعوون جنازتي، ثم تدعونني في لحدي.
وزيد في آخر: ثم تسلمونني الى منكر ونكير، واندامتاه واندامتاه، واندامتاه ( كنز العمال: 1/596.

وعن الفقيه الزاهد إسماعيل بن الحسن، عن عمر بن الخطاب أنه دخل المقابر، فنادى يا أهل المقابر الأموال قد قسّمت، والدور قد سكنت، والأزواج قد نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فأخبرونا ما عندكم، قال: فهتف به هاتف، وهو ينادي ويقول: يابن الخطاب وجدنا ما عملنا ربحاً، وما خلفنا خسراناً، والجبار سألنا عن جميع ما فعلنا، ثم سكت.
وعن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يمرّ أحد بالمقابر إلاّ ويناديه أهل القبور: يا غافلاً لو علمت بما نحن فيه لذاب لحمك وجسمك، كما يذوب الثلج في النار .
وعن الضحاك، عن إبن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الموتى ينادون في كل يوم ثلاث مرات من قبورهم: يا أهل الديار عجلوا عجلوا، فأنما نحن محبوسون من أجلكم، الرحيل الرحيل، لا تحبسوا إخوانكم، خرّبوا ما بنيتم، وأتركوا ما جمعتم، نورتم البيوت، وأظلمتم القبور، وبنيتم البيوت، ونسيتم القبور، وعمرتم البيوت، وخربتم القبور، ووسعتم البيوت، وضيقتم القبور، (وذكروا غير ذلك) ( كنز العمال: 15/626.2).
وعن أبي عبدالله محمد بن عمر، يروي عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما من يوم يمضي إلا وملك يهتف: يا أهل القبور من تغبطون اليوم فيقولون: نغبط أهل المساجد، يصلّون في مساجدهم، ويصومون ويصدّقون، ولا نقدر نصلي ونصوم ونتصدق.
وعن محمد بن أبي عبدالله بن الفضل، عن محمد بن كعب، قال: مرّ عيسى على قبر، فرأى فيه عذابا شديداً، فدعا الله حتى أحياه، فقال له عيسى: فلم تعذّب. قال: كنت جالسا في سوق (مصر)، وقد أكلت شيئا، فأخذت عودةً من حزمة شوك لأخلل أسناني بها، ومت منذ أربعة آلاف سنة وأنا في عذابها، ثم قال: يا روح الله منذ أربعة آلاف سنة ومرارة الموت باقية في حلقي. فقال عيسى: اللّهم يسّر علينا سكرات الموت.
وعن وهب بن منبه أن عيسى عليه السلام مرّ على نهرٍ فيه ماء عذب، وحوله خابية ، كلما يوضع فيها من ذلك الماء يصير مالحاً، فقال: إلهي ما خبر هذا الماء المالح؟! فأذن الله للخابية بالكلام، فقالت: إني كنت آدمياً، فبقيت في قبري ثلاثمائة سنة، ثم جاء لبّان، فضرب ترابي لبناً، وبنيت في قصر ثلاثمائة سنة، ثم خرب القصر، فبقيت تراباً مائتي سنة، ثم جاء شخص فجعلني (حبّاً)، ووضعني سقايةً على شاطىء هذا النهر من مائة سنة وكل ما يجعل فيّ يكون مالحاً، لما في من مرارة نزع الروح، وأنا معذب منذ مت، لأني أخذت إبرةً من جاري، وما رددتها حتى متّ. فما أدري أنّ عذابي أشد أم مرارة الموت، فقال عيسى: اللّهم يسّر عليّ الموت، ونجني من عذاب القبر… (الحديث). وقد ذكرنا من مضمونه محل الحاجة.
وعن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن أشد الأحوال على الميت حين يدخل (الغسال) داره ليغسله، فيخرج خواتم الشبان من اصابعهم، وينزع قميص العروس من بدنها، ويرفع عمائم المشايخ عن رؤوسهم. فعند ذلك يقول بصوت يسمع الخلائق غير الثقلين: يا غسال بالله عليك إنزع ثيابي برفق، فأني الساعة استرحت من مخاليب ملك الموت، فأذا صب عليه الماء صاح كذلك. فإذا رفع عن المغتسل، وشدّ مواضع قدميه بالكفن، يقول: بالله عليك لا تشد راس كفني ليرى وجهي أهلي وأولادي وعروسي التي كنت أحبّها، وينظر إلى وجهي أقربائي، وأحبائي وإخواني، وجيراني، ورفقائي، فأن هذه آخر رؤياي.
فإذا خرج من الدار، نادى بالله عليكم يا حملة نعشي لا تعجّلوا بي، حتى أودّع داري التي بنيتها، وزيّنتها ونقشتها بأنواع النقوش، وأهلي ومالي وأولادي، فأن هذا خروج لا مردّ بعده إلى يوم القيامة.
فإذا رفعت الجنازة، نادى يا حملة نعشي بالله عليكم لا تعجّلوا بي، حتى أسمع أصوات أولادي الذين يعولون خلف جنازتي، وعروسي التي تبكي عليّ، ووالدي الذي تقوّس ظهره لموتي، ووالدتي التي شدّت وسطها بالمنديل لمفارقتي، وقد نشرت شعرها، وضربت صدرها، وتقوّس ظهرها، وأبيضّت عيناها لفقدي.
فإذا صلّي على جنازته، ورفع من المصلى،ورجع بعض أصدقائه، يقول: يا إخوتاه كنت أعلم أنّ الميت ينساه الأحياء، لكن لا بهذه السرعة، رجعتم قبل أن تدفنوني، ونسيتموني بهذه السرعة، وجسمي بعد بين أظهركم.
فإذا وضع في لحده، ووضع عليه التراب، ينادي واورثتاه، تركت لكم الكثير، فلا تنسوني، وتصدّقوا عني على فقرائكم، ولو بكسرة خبز محترق، وعلمتكم القرآن والأدب، فلا تنسوني من الدعاء، فأني صرت محتاجاً، كفقرائكم على أبوابكم، ومحتاجاً إلى دعائكم، كصاحب حاجتكم الى ساداتكم ( تراجع هذه الأحاديث في الجزء الخامس عشر من كنز العمال في الباب الأول (في ذكر الموت وفضائله)، حديث 42094 حتى حديث 43011 (من ص548 حتى ص758). ).
ومما يدل على بقاء حياتهم في قبورهم، ما دلّ على أنّ الميّت بعدما يسأل، يفتح له باب إلى الجنة، إن كان من أهل الخير، أو إلى النار إن كان من أهل الشر، وبقاء اللذة والألم ظاهر في بقاء أثر الحياة.
وعن عبدالله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا مات أحدكم، عرض عليه مقعده بالغدوة والعشيّ، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الميت يسأل في قبره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأن
أجاب بالحق قيل له: نم نومة العروس، وإلاّ فتح له باب إلى قبره يكون معذباً إلى يوم القيامة .
وعن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: يأتيه ملكان يجلسانه، ثم ذكر أنهما يسألانه، فأن أجاب بحق، فتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، وإلاّ يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرّها وسمومها. الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالة على أنهم في قبورهم يتلذذون و يتألمون، وهذا من توابع الحياة ولوازمها.
وكيف كان فقد بلغت هذه الأخبار فوق التواتر، وبعد عموم قدرة الفاعل المختار، لا بعد ولا غرابة في مداليلها.
وما دلّ من الكتاب والسنة على أنّ الإحياء يكون عند النفخ في (الصور)، فقد بيّنا أنّ المراد: إمّا الحياة على النحو المعهود من تلك الأشخاص الخاصة بعينها، أو يراد أنّه يوم البروز والظهور على عيون الأشهاد.
وإذا تبيّن بهذه الأخبار المتواترة، أنهم يسمعون ويعقلون ويعرفون من يخاطبهم، صحّ لنا أن نخاطبهم مخاطبة الأحياء فنلتمس دعاءهم، ونقسم عليهم بالأقسام في أن يكونوا شفعاء لنا في الدنيا وفي يوم القيام، لأنّ الشفاعة أظهر فرديها أنها دعاء خاص، واختصاص الخواص بها باعتبار قبولها.
فلو قال قائل لنبي، أو ولي، أو عبد صالح: إشفع لي، أو إدع لي، أو أغثني، أو أعنّي (أي بدعائك)، أو قال: إقض لي حاجتي، أو إرزقني مالاً، وأدفع الضرر عني، ونحو ذلك ولا يريد سوى التوسط بالدعاء وسؤال الله، لم يكن عليه شيء.
وقد وقع كثير من ذلك في كلام الصحابة والتابعين، بل ربّما كان هذا التعبير أولى، لدلالته على قرب منزلة العبد عند مولاه واحترامه، فتكون شهادة له بنبوته، وقرب منزلته.
وليس على من قال للعبد المقرب، أو إلى الخادم المقرب: إقض حاجتي، (بمعنى إسع لي في قضاءها عند مولاك)، بأس، بل هو أنسب في التواضع الى المولى.
وأما من قال مثل ذلك معتقداً أنّ الأنبياء والأوصياء بأيديهم الأمر أصالةً، يفعلون ما يشاؤون، فهذا كفر والعياذ بالله.
__________________
[align=center]أنا المحبُ ومهجتي لاتنثني =عن وجدها وهيامها بمحمدِ

قد لامني فيه العذول ولو درى =معنى الهيام به لكان مساعدي

يا رب صلِّ على النبي محمد =و اجعله شافعنا بفضلك في غدِ
[/align]
محمد حبيب غير متواجد حالياً  
قديم 29-01-2005, 06:03 PM   #4
محمد حبيب
كاتب مهتم
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 345
محمد حبيب is an unknown quantity at this point
افتراضي

في أدلة سماع الأموات :

1 ) روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ( وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قليب بدر فقال : هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ ثم قال : أنهم الآن يسمعون ما أقول . . . . .

وفي رواية في الصحيح : أن النبي صلى الله عليه واله وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فانا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم . اه

2 ) عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام ) رواه الحاكم في المستدرك ( 2 / 421 ) وقال صحيح الإسناد

3 ) قال الحافظ السيوطي في اللمعة في أجوبة الأسئلة السبعة ( الحاوي 2 / 175 ) : روى الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار والتمهيد من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام ) صححه الحافظ أبو محمد بن عبد الحق .
4 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام ) رواه أبو داود وغيره وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار ، وقال الحافظ ابن حجر : رجاله ثقات ، كما في فيض القدير .
قال الإمام الحافظ السيوطي في رسالته : ( أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء ) المطبوعة ضمن الحاوي ( 2 / 147 ) : قوله ( رد الله ) جملة حالية ، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلا ماضيا قدرت ( قد ) ، كقوله تعالى : ( أو جاؤكم حصرت صدورهم ) أي : قد حصرت ، وكذا تقدر هنا والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد ، و ( حتى ) ليست للتعليل بل مجرد حرف عطف بمعنى الواو ، فصار تقدير الحديث : ( ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله علي روحي قبل ذلك فأرد عليه ) .

وإنما - جاء الإشكال على من ظن أن جملة ( رد الله علي ) بمعنى الحال ، أو الاستقبال ، وظن أن ( حتى ) تعليلية ، وليس كذلك ، وبهذا الذي قررناه ارتفع الإشكال من أصله وأيده من حيث المعنى : أن الرد لو أخذ بمعنى الحال والاستقبال لزم تكرره عند تكرر سلام المسلمين ، وتكرر الرد يستلزم تكرار المفارقة ، وتكرر المفارقة يلزم عليه محذوران :

أحدهما : تأليم الجسد الشريف بتكرار خروج الروح منه ، أو نوع ما من مخالفة التكريم إن لم يكن تأليم .
والاخر : مخالفة سائر الشهداء وغيرهم ، فإنه لم يثبت لأحد منهم أن يتكرر له مفارقة الروح وعودها في البرزخ ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة . انتهى كلام الحافظ السيوطي .

5 ) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( والذي نفس أبي القاسم بيده لينزلن عيسى بن مريم إماما مقسطا وحكما عدلا ، فليكسرن الصليب ويقتلن الخنزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء وليعرضن المال فلا يقبله أحد ، ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجبته ) .
وفي قوله ( لأجبته ) دلالة ظاهرة في سماعه إياه .

6 ) وجاء في الصحيحين البخاري ( الفتح 3 / 205 ) ومسلم وكذا عند أحمد والسدي والبزار وابن حبان مرفوعا :
( إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم ) .

7 ) جاء في حديث أبي هريرة والسيدة عائشة وبريدة واللفظ له عند مسلم وغيره كما في تلخيص الحبير ( 2 / 137 ) : أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر : ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، أسال الله لنا ولكم العافية ) .
وهذا نداء ودعاء للأموات صريح من النبي صلى الله عليه واله وسلم وتعليم للأمة فليس ذلك عبادة لهم ، وليس لأحد أن يقول هنا ( الدعاء هو العبادة ) كما أنه ليس لأحد أن يقول : وجب تغيير نداء النبي في الصلاة بعد وفاته بإبدال ( السلام عليك أيها النبي ) بلفظة ( السلام على النبي ) ، ،

وإني أذكر حديث عرض الأعمال كما أورده الشيخ السقاف وغيره فيما يلي :
( فصل ) : في تحقيق : حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم . . . روي بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ) . ضعف هذا الحديث بعض من لم يوافق الحديث مشربه بلا حجة ، فلبس بذلك على بعض الطلبة البسطاء ، وذهب هذا المضعف يحتج بأن هذا الحديث يعارض حديثا ثابتا في الصحيح وهو : ( حديث الحوض ) وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم القيامة داعيا أمته إلى الحوض : هلموا ، فتضرب الملائكة بعض من أراد الورود على الحوض ، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لماذا تذودوهم ؟ ! فتقول الملائكة : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فيقول صلى الله عليه وآله وسلم : سحقا ، سحقا . انتهى الحديث بمعناه .
قال مضعف حديث عرض الأعمال : فكيف تقول الملائكة في الحديث الصحيح إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك يا رسول الله ؟ ! فلو كانت الأعمال تعرض عليه لعرف ما صنعوا بعده .

فالجواب على هذا الاشكال هو ما أجاب به الحافظ في فتح الباري ( 11 / 385 ) جامعا بين الحديثين ناقلا ذلك عن أربع من أكابر حفاظ الأمة وهم : النووي وابن التين والقرطبي والقاضي عياض وهو خامسهم حيث قال ما معناه ملخصا : هؤلاء الذين يذادون عن الحوض هم المنافقون والذين ارتدوا عن الإسلام ، فهؤلاء لا تعرض أعمالهم عليه في الدنيا لخروجهم من أمته حقيقة ، وان كانوا في الصورة يصلون ويتوضأون فيحشرون بالغرة والتحجيل ، فإذا أبعدتهم الملائكة وقال لهم سحقا سحقا أطفا الله تعالى غرتهم وتحجيلهم وأذهبه ساعتئذ . اه من الفتح .
وحديث ( حياتي خير لكم . . . . ) رواه البزار في مسنده كما في كشف الأستار عن زوائد البزار ( 1 / 397 ) بإسناد رجاله رجال الصحيح
كما قال الحافظ نور الدين الهيثمي في المجمع ( 9 / 24 )
وقال الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى ( 2 / 281 ) سنده صحيح ،
وقال الحافظان العراقيان - الزين وابنه ولي الدين - في طرح التثريب ( 3 / 297 ) : إسناد جيد ، وطرح الثريب من آخر مؤلفات الحافظ الزين العراقي .
وروى الحديث ابن سعد باسناد حسن
وقوله تعالى: (فلا تدعوا مع الله أحداً) .
والحاصل: إن دعا نبيّاً واستغاث به فذلك لا يدخل في الدعاء المنهي عنه . وذلك لأن هذا الدعاء ليس معناه هذه الصور الثلاث ـ الأخيرة ـ بل معناه: الطلب من النبي أن يدعو الله أو يشفع له عنده ، مع اعتقاد أنّ الأمر لله إن شاء قَبله ، وإن شاء ردّه .
ولايكون هذا من الدعاء المنهي عنه بعدما عرفت بأنه ليس كل دعاء منهياً عنه ، بل دعاء الغير باعتقاد استقلالية المخلوق في التأثير هو المنهي عنه . وقد بحث هذه المسائل كثير من العلماء ومنهم الشيخ حسن السقاف يمكن الرجوع إلى بحوثه ودراساته .

الاستغاثة بالأنبياء إستغاثة بالأحياء
قد يقال: إن التوسل بالأنبياء والصالحين لا معنى له ، لأنهم أموات ، والميّت لايسمع فلا معنى لأن يقال: يارسول الله أغثني ، أو أتوجّه بك إلى الله ليقضي لي حاجتي .

والجواب: نقول أنه: «لا مانع شرعاً ولا عقلا من أن يسمع النبي أو الولي كلام من يتوسل به وهو في القبر ، امّا النبي(صلى الله عليه وآله) فلأنه حيّ أحياه الله بعد موته كما ثبت من حديث أنس عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال: الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون.

ولأنه ثبت حديث: ما من رجل مسلم يمرُّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلِّم عليه إلاّ عرفه وردّ عليه السلام .
وقال البيهقي: «وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، أنّه(صلى الله عليه وآله) لقيهم ببيت المقدس فحضرت الصلاة فَأمّهم نبيّنا(صلى الله عليه وآله) ثم اجتمعوا في بيت المقدس .
وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة الاسراء انّه لقيهم بالسماوات . وطرق ذلك صحيحة ، فيحمل على انه رأى موسى قائماً يصلّي في قبره ، ثم عرج به هو ومن ذكر من الأنبياء إلى السماوات فلقيهم النبي(صلى الله عليه وآله) ثم اجتمعوا في بيت المقدس فحضرت الصلاة فأمّهم نبينا . قال: وصلاتهم في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يرده العقل ، وقد ثبت به النقل فدلّ ذلك على حياتهم».

إذن: ثبت انّهم أحياء ويسمعون من يسلّم عليهم «من صلّى عليَّ عندَ قبري سمعتهُ» ومعروضة عليهم صلاة من يصلّي عليهم: «اكثروا علي من الصلاة في يوم الجمعة فان صلاتكم معروضة عليّ» . ولا مانع من الاستغاثة بالحي وطلب الاستغفار منه . . (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا) (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً).
قال القسطلاني: «ينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل به(صلى الله عليه وآله) فجدير بمن استشفع به أن يشفعهالله تعالى فيه . . .


سئل فضيلة الشيخ عطية صقر . : هناك كلام كثير حول العلاقة بين الأحياء والأموات ،من حيث الإحساس بهم واطلاعهم على أحوالهم ووصول الثواب لهم نريد توضيحا لهذه العلاقة على ضوء القرآن والسنة ؟ .

أجاب : هناك مسائل كثر الكلام فيها بما يتصل بالعلاقة بين الأحياء والأموات نذكر أهمها فيما يلى :
1 - عرض الأعمال على الرسول و الأموات :
روى البزار بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن مسعود رضى الله عنه مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم : " حياتى خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، فإذا أنا مت كانت وفاتى خيرا لكم ، تعرض علىَّ أعمالكم ، فإن رأيت خيرا حمدت الله ، وإن رأيت شرا استغفرت لكم " .
وأخرج أحمد والحكيم الترمذى في " نوادر الأصول " وابن منده حديث " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشايركم من الأموات ، فإن رأوا خيرا استبشروا به ، وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا " . وأخرج مثله الطيالسى فى مسنده . وجاء عن الحكيم الترمذى فى نوادره " إن الأعمال تعرض على الله يومى الإثنين والخميس ، وعلى الأنبياء والأولياء يوم الجمعة ، فيفرحون بحسناتهم " وروى البيهقى في " شعب الإيمان " حديث " اتقوا الله فى إخوانكم من أهل القبور ، فان أعمالكم تعرض عليهم " وأورد ابن القيم فى كتابه "الروح " أثرا يدل على علم الميت بما يحصل من الحي .
وكل ذلك لا يثبت عقيدة ، فمن لم يصدق فلا يكفر ، كما أنه لا يوجد دليل قوى يمنع تصديق هذه الأخبار .
2 - سماع الموتى للأحياء :
إن سماع الأنبياء والشهداء لمن يسلِّم عليهم فى قبورهم أمر-يسهل التصديق به مادامت الحياة قد ثبتت لمم ، وبخاصة أن هذا السماع ممكن لغيرهم ، بل دل الدليل عليه ، و يستوى في ذلك المؤمنون وغير المؤمنين ، لما يأتى :
1 - جاء فى الصحيح أن الميت إذا دفن وتولى عنه أصحابه وهو يسمع قرع نعالهم يجيئه الملكان ليسألاه .
2 - وجاء في الصحيح أيضا نداء النبي صلى الله عليه وسلم لقتلى المشركين فى بدر بعد إلقائهم في القليب ، وقوله لهم : هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ... فقال عمر رضى الله عنه : يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا ؟ فقال " والذي بعثنى بالحق ما أنتم بأسمع منهم لما أقول ، ولكنهم لا يستطيعون جوابا " .
3 - وفى الصحيح أيضا " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " قال النووى فى شرح صحيح مسلم : معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم . وإلى هذا ذهب الطبرى ، قال القاضي عياض : وهو أولى الأقوال ، واحتجوا له بأن النبي صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على ابنها وقال : " إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه ، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم " .
4 - شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته السلام على أهل القبور بمثل " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد ، والسلف مجمعون على ذلك .
5 - حديث " إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلَّم عليه رد عليه السلام وعرفه ، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام " . ويأتى حكمه فى المسألة التالية :
بهذا وبغيره من الآثار الكثيرة التي ذكرها ابن القيم فى كتاب الروح يكون سماع الأموات للأحياء ممكنا ، وقد أنكرت السيدة عائشة رضى الله عنها سماع أهل القليب لنداء النبى صلى الله عليه وسلم ، وظن جماعة أن ذلك ينسحب على كل الموتى من الكفار وغيرهم ، ورد هذا بأن إنكارها لسماع الكفار هو الإنكار الوارد فى قوله تعالى : { فإنك لا تسمع الموتى} الروم : 52 ، وقوله : { وما أنت بمسمع من فى القبور }فاطر : 22 ، . فالمراد به سماع القبول والإيمان ، حيث شبه الله الكفار الأحياء بالأموات ، لا من حيث انعدام الإدراك والحواس ، بل من حيث عدم قبولهم الهدى والإيمان . لأن الميت حين يبلغ حد الغرغرة لا ينفعه الأيمان لو آمن ، فالسماع الثابت فى الأحاديث الصحيحة سماع الحاسة ، والسماع المنفى في الآيتين سماع القبول ، ولذلك جاء بعد قوله تعالى : {فإنك لا تسمع الموتى } قوله تعالى { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } فأثبت للمؤمنين سماع القبول .
ومما يؤكد أن عائشة رضى الله عنها نفت سماع القبول عن الكفار لا سماع الحس أنها هي التي روت حديث النبي صلى الله عليه وسلم " ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد السلام عليه حتى يقوم " وقيل إنها نفت سماع الكفار لنداء النبي صلى الله عليه وسلم وأثبتت علمهم به فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنهم الآن ليعلمون أن ما قلت حق ، والعلم يستلزم السماع ولا ينافيه . لكن قد يرد بأن علمهم بما قال الرسول لا يستلزم سماعهم له ، لأنهم علموا ذلك بمعاينة العقاب المعد لهم .
ولا يرد على سماع الميت ما قاله الأحناف من أن الميت لا يسمع :
لو حلف الإنسان لا يكلم شخصا فمات هذا الشخص وكلمه ميتا لا يحنث ، لا يرد هذا لأن الإيمان مبنية على العرف ، فلا يلزم منه نفى حقيقة السماع ، كما قالوا فيمن حلف لا يأكل اللحم فأكل السمك لا يحنث ، مع أن الله سماه لحما طريا فى قوله : { وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا } النحل : 14 ، وذلك جريا على العرف .
وقد يقال : إن سماع الموتى للأحياء من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن يرد هذا بعدم وجود الدليل على الاختصاص .
وقال ابن تيمية في كتاب " الانتصار للإمام أحمد " : إنكار عائشة سماع أهل القليب معذورة فيه لعدم بلوغها النص ، وغيرها لا يكون معذورا مثلها ، لأن هذه المسألة صارت معلومة من الدين بالضرورة .
3 - إحساس الميت بالزائر و علمه بمن يموت :
قال ابن تيمية فى الفتاوى : مسألة فى الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلم الأموات بزيارتهم ، وهل يعلمون بالميت إذا مات من أقاربهم أو غيره أم لا ؟ الجواب ، نعم ، قد جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات ، كما روى ابن المبارك عن أبى أيوب الأنصارى قال : إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير فى الدنيا ، فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض : انظروا أخاكم يستريح فإنه كان فى كرب شديد ، قال فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان ، ما فعلت فلانة ، هل تزوجت . الحديث .

وأما علم الميت بالحى إذا زاره ففى حديث ابن عباس رضى الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم " ما من أحد يحمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام " قال ابن عبد البر : ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وصححه عبد الحق صاحب الأحكام .
وقال ابن تيمية أيضا فى موضع آخر من فتاويه : إن الميت يسمع خفق نعال المشيعين حين يولون عنه كما ثبت فى الصحيحين ،و بعد سياق عدة أحاديث قال : تبين من هذه النصوص أن الميت يسمع فى الجملة كلام الحى ، ولا يجب أن يكون السمع له دائما ، وذكر أن روحه تعاد إلى بدنه فى ذلك الوقت ، وتعاد فى غير ذلك أيضا ، وجاء فى عدة آثار أن الأرواح تكون فى أفنية القبور انتهى .
ورويت أخبار تدل على أن روح الميت تكون فى يد الملك ينظر إلى جسده كيف يغسل ، وكيف يكفن ، وكيف يشيَّع ، ويقال له على سريره : اسمع ثناء الناس عليك .
وأخرج أحمد والحاكم عن عائشة رضى الله عنها قالت : كنت أدخل البيت فأضع ثوبى وأقول : إنما هو أبى وزوجى ، فلما دفن عمر ما دخلته إلا وأنا مشدودة على ثيابى حياء من عمر . وجاء فى صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال فى مرض موته : إذا دفنتمونى فشنوا على التراب شنا ، وأقيموا عند قبرى قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها ، اَنس بكم ؟ أنظر ماذا أراجع رسل ربى .
4 - تزاور الموتى :
فى صحيح مسلم " إذا وَلِي أحدكم أخاه فليحسن كفنه " قيل : إن العفة فيه تزاور الموتى وتباهيهم بالأكفان ، كما نص عليه فى أحاديث أخرى منها ما أخرجه الترمذىَ وابن ماجه والبيهقى "إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه فانهم يتزاورون فى قبورهم " وقال : ابن تيمية فى فتاويه إنهم يتزاورون ، سواء أكانت المدائن ، متقاربة فى الدنيا أم متباعدة .
وقال الفقهاء بتحسين الأكفان لهذه العلة ، وللسيوطى كتاب فى ذلك عنوانه " شرح الصدور " وقال ابن القيم فى كتاب الروح : إن الحى يرى الميت فى منامه فيستخبره ، ويخبره الميت بما لا يعلمه الحى فيصادف خبره كما أخبر فى الماضى والمستقبل .
5 - تصرف الموتى بأمر الله :
قال السيوطى فى شرح الصدور : قال الحافظ ابن حجر فى فتاواه إن أرواح المؤمنين فى عليين ، وأرواح الكفار- فى سجين ، ولكل روح بجسدها اتصال معنوى لا يشبه الاتصال فى الحياة الدنيا ، بل أشبه شىء به حال النائم وإن كان هو أشد حالا من حال النائم اتصالا فالأرواح مأذون لها فى التصرف وتأوى إلى محلها من عليين أو سجين وإن قيل إنها عند أفنية القبور . وأورد السيوطى ما أخرجه ابن عساكر عن رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لجعفر بن أبى طالب بعد استشهاده ، وما أخرجه الحاكم عن رده السلام على جعفر حيث رآه فى مجلسه مع أسماء بنت عميس ومعه جبريل وميكائيل يسلمون على النبى صلى الله عليه وسلم ، وحكى له جعفر ما حدث فى يوم استشهاده ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم أعلن ما رآه للناس على المنبر .
6 - اطلاع الأحياء على حال أهل القبور :
أورد صاحب المنحة الوهبية حكايات عن رؤية بعض الناس أمواتا يصلون فى قبورهم ، وأن بعضهم سمع قراءة القرآن من قبر ثابت البنانى ، وسمع بعضهم من أحد القبور قراءة سورة " الملك " ولما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك قال " هى المانعة ، هى المنجية تنجى من عذاب القبر" هذا الحديث رواه الترمذى عن ابن عباس وقال إنه حديث غريب ، أى رواه راو واحد فقط - .
وثبت فى الصحيحين قول النبى صلى الله عليه وسلم " لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع " كما صح أن النبى صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذَّب من فيهما بسبب النميمة وعدم الاستبراء من البول ، وأنه وضع جريدا على القبرين عسى . أن يخفف الله عنهما العذاب .
وجاء فى " الروح " لابن القيم وفى " شرح الصدور " للسيوطى ، وفى " أهوال القبور " لابن رجب ما يفيد أن رجلا رأى رجلا عند " بدر " يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب فى الأرض ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم قال " ذاك أبو جهل يعذب إلى يوم القيامة " .
وبعد :
فكل ما ذكر عن أحوال القبور جر إليه الكلام عن الوسيلة والتوسل ، وهو عرض لما قيل عنها ، ونحن لا نلزم بتصديق شىء منها إلا ما يثبت بطريق قوى . ولا داعى للجدال فيها ، فإن ما لدينا من الثابت القوى كثير ، وأحوال الدنيا التى يجب أن نستعد بها إلى الآخرة كثيرة ، فلنهتم بمعرفتها وتطبيقها فذلك خير وأجدى .
وهل يسمع أو يشعر الميت بما يدور حوله أثناء الجنازة ؟ .
جاء فى كتاب " مشارق الأنوار " للعدوى ص 21 : أن الميت يعرف من يغسله ويحمله ومن يكفنه ومن يدليه فى حفرته ، وأن روح الميت فى يد ملك ينظر إلى جسده كيف يغسل وكيف يكفن ، ويقال له - وهو على سريره -اسمع ثناء الناس عليك .وجاء فيه أن الميت يرى ما يصنع أهله ، ولو قدر على الكلام لنهاهم عن العويل والصراخ .
وكل ذلك وردت به أحاديث أخرجها أحمد وابن أبى الدنيا والطبرانى وابن منده وأبو نعيم و أبو داود ، وقد حكم على بعض منها بالضعف.
ومعلوم أن العقائد لا تثبت إلا بالدليل القطعى من الكتاب والسنة .
وأحوال الموتى من الغيب الذى يعلمه الله وحده ، ولا يطلعُ عليه أحدا إلا من ارتضاه ، ولا يجب علينا الإيمان إلا بما ورد من طريق صحيح .
والأخبار المروية فى سماع الميت كلام المشيعين لم ترق إلى هذه الدرجة . فلا نجزم بالنفى ولا بالإثبات ، حيث إن ذلك ممكن ولم يرد ما يمنعه ، وحيث إن ما أثبتته لم يكن بطريق الجزم . فمن صدق ذلك فهو حر ، ولا يجوز أن يفرض رأيه على غيره ، ومن كذب فلا يكفر .
__________________
[align=center]أنا المحبُ ومهجتي لاتنثني =عن وجدها وهيامها بمحمدِ

قد لامني فيه العذول ولو درى =معنى الهيام به لكان مساعدي

يا رب صلِّ على النبي محمد =و اجعله شافعنا بفضلك في غدِ
[/align]
محمد حبيب غير متواجد حالياً  
قديم 29-01-2005, 07:13 PM   #5
ابن عمر
من كبار كتّاب الملتقى
 
تاريخ التسجيل: Mar 2001
المشاركات: 6,092
ابن عمر is an unknown quantity at this point
افتراضي

الحمد لله وبعد

ما هذا التخريف يا هذا ؟

بل الحق ما خالف هواك ودعواك فأنظر لقول أهل العلم في هذه النقطة بالذات :-

السؤال:
البعض يعتقد بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم شهيد وأنه في حياة البرزخ حيث يستطيع أن يسمعنا إذا سألناه وطلبنا شفاعته (بسبب فضله وقربه من الله ) حين ندعو الله .

الجواب:
الحمد لله

النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة برزخية يحصل له بها التنعم بما أعده الله له من النعيم جزاء له على أعماله العظيمة الطيبة التي قام بها في دنياه ، وليست الحياة في القبر كالحياة في الدنيا ولا الحياة في الآخرة ، بل هي حياة برزخية وسط بين حياته في الدنيا وحياته في الآخرة وبذلك يعلم أنه قد مات كما مات غيره ممن سبقه من الأنبياء وغيرهم قال تعالى : ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) الأنبياء/34 ، وقال سبحانه : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ .وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ ) الرحمن/26،27 وقال : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) الزمر/30 ، إلى أمثال ذلك من الآيات الدالة على أن الله توفاه إليه، ولأن الصحابة رضي الله عنهم قد غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه ولو كان حيا حياته الدنيوية ما فعلوا به ما يفعل بغيره من الأموات .

ولأن فاطمة رضي الله عنها قد طلبت من أبي بكر رضي الله عنه إرثها من أبيها صلى الله عليه وسلم لاعتقادها بموته ، ولم يخالفها في ذلك الاعتقاد أحد من الصحابة بل أجابها أبو بكر رضي الله عنه بأن الأنبياء لا يورثون . ولأن الصحابة رضي الله عنهم قد اجتمعوا لاختيار خليفة للمسلمين يخلفه وتم ذلك بعقد الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه ، ولو كان حيا كحياته في دنياه لما فعلوا ذلك فهو إجماع منهم على موته .ولأن الفتن والمشكلات لما كثرت في عهد عثمان وعلي رضي الله عنهما ، وقبل ذلك وبعده لم يذهبوا إلى قبره لاستشارته أو سؤاله في المخرج من تلك الفتن والمشكلات وطريقة حلها ولو كان حيا كحياته في دنياه لما أهملوا ذلك وهم في ضرورة إلى من ينقذهم مما أحاط بهم من البلاء . أما روحه صلى الله عليه وسلم فهي في أعلى عليين لكونه أفضل الخلق ، وأعطاه الله الوسيلة وهي أعلى منزلة في الجنة عليه الصلاة والسلام .

وحياة البرزخ حياة خاصة فالأنبياء أحياء والشهداء أحياء في البرزخ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون ) أخرجه المنذري والبيهقي ، وصححه وله شواهد في الصحيحين .

وقال تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ) البقرة/154 ، فهذه حياة خاصة لها طبيعة خاصة يعلمها الله وليست كحياة الدنيا التي تفارق فيها الروح الجسد .

والأصل في الأموات أنهم لا يسمعون كلام الأحياء من بني آدم ، لقوله تعالى : ( وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) فاطر/22 ، فأكد الله عدم سماع من يدعوهم إلى الإسلام بتشبيههم بالموتى . ولم يثبت في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع كل دعاء أو نداء من البشر ، وإنما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه يبلغه صلاة وسلام من يصلي ويسلم عليه فقط لما رواه أبو داود (2041) بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " وهذا ليس بصريح أنه يسمع سلام المسلِّم ، بل يحتمل أنه يرد عليه إذا بلّغته الملائكة ذلك . ولو فرضنا سماعه سلام المسلِّم ، فهو استثناء من الأصل كما استثني من ذلك سماع الميت لقرع نعال مشيعي جنازته ، واستثني من ذلك سماع قتلى الكفار الذين قبروا في قليب بدر لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم حين قال لهم : " هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا " انظر فتاوى اللجنة الدائمة ( 1 / 313 ،318 ، 321 )

وأما بالنسبة لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم والطلب منه مباشرة فهذا عين الشرك الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لينهى عنه ، ويحارب أهله ، ولمعرفة حكم ذلك بالتفصيل يراجع السؤال رقم (10289) و (11402) و (1439) . نسأل الله أن يرد المسلمين لدينهم ردا جميلا ، والله أعلم ، وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد (www.islam-qa.com)

والله الهادي الى سواء السبيل
__________________
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا , ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا , ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به , واعف عنا واغفر لنا وارحمنا , أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين
ابن عمر غير متواجد حالياً  
 

مواقع النشر

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رد الى مزيونه بس ملسونه كلام منطقي ماهو كلام سفهاء { ● t o N i ● } ساحة الصداقة والفكاهة 13 06-08-2008 07:13 AM
اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات الأحياء منهم و الأموات بغزيز الساحة المفتوحة 6 12-10-2005 01:00 AM
هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا شهاب الدين ساحة الحوار الاسلامي 0 25-07-2003 04:26 AM
خاص لأنوار الغرى(5) االأمام يسمع كلام الوزغ سبيد بيرد ساحة الحوار الاسلامي 1 10-07-2001 05:52 PM

أضف ايميلك هنا لتصلك مواضيعنا يوميا:

Delivered by FeedBurner


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:13 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م
ابشر