تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > منتدى التاريخ

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 11-03-2004, 09:32 AM   #1
علاء الدين رمضان
كاتب جديد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2003
الدولة: مصر
المشاركات: 13
علاء الدين رمضان is an unknown quantity at this point
افتراضي كتاب صورة المجتمع العباسي تأليف علاء الدين رمضان

[ALIGN=CENTER]صورة المجتمع العباسي [/ALIGN]
[ALIGN=CENTER]في كتاب البخلاء للجاحظ[/ALIGN][ALIGN=CENTER]علاء الدين رمضان السيد[/ALIGN]• المقدمـــــــة :
لقد نظر الجاحظ إلى وظيفة التأليف الأدبي من زاوية مغايرة لما كان سائداً في عصره من نظريات متعلقة بمهمة التأليف ودور الكتاب ، تلك التي اعتنقها كتاب عصره إذ عنوا في كتاباتهم بالتثقيف الإدلائي والتلقين المعرفي بينما كان الأسلوب الأمثل للتأليف عند الجاحظ هو الذي يثبت فيه الكاتب قدرته على إسباغ روح العصر على كتاباته كي لا تتحول إلى نسخة نمطية مكرورة من العلوم المنقولة رواية عن العرب في العصور السابقة عليه ، وقد اجتهد الجاحظ في إبراز شخصيته وفلسفته ، ثم أراد التعبير عن موقفه إزاء أنماط السلوك البشري في ضوء الحياة الاجتماعية التي يعيشها أهل عصره ؛ وتم له ذلك من خلال عدة أبعاد منها أبعاد مذهبية بتوضيح القيم الاجتماعية للمعتزلة ، ومنها أبعاد ثقافية بالاقتباس والتأثر بالفلسفة والمنطق اليونانيين ؛ ومنها أبعاد لغوية بالاهتمام بالتعبير اللهجي والتأكيد على ما يسمى بطاقة اللهجة وقد كان الجاحظ من أوائل الكتاب الذين حذروا من ( تفصيح ) النص اللهجي وطالب بالإبقاء عليه إبقاءً على ما يحمله النص من مدلولات لا تحمل قوة أدائية إلا في قالبها اللهجي .. كما اهتم الجاحظ بعدد كبير من المظاهر البيئية والاجتماعية فجاءت كتاباته مصطبغة بصبغتها ؛ ولذلك لا نرى كاتباً في عصره أو العصور التي لحقته استطاع أن يبني تصوراً كاملاً ودقيقاً جداً في بعض المواطن الاجتماعية ، من خلال كتاباته ، مثلما فعل الجاحظ ؛ ومن هنا تنبع الأهمية الدقيقة لدراسة الحياة الاجتماعية في العصر العباسي مأخوذة صورتها التقريبية من كتابات كاتب ضليع له باعه الكبير في التأليف المنوع والموسوعي في ذلك العصر مثل الجاحظ .
وقد سبقتني إلى دراسة المجتمع العباسي في كتابات الجاحظ دراستان مهمتان في بابهما وإن لم تتعمقا في الدراسة الاجتماعية والبيئية كما حاولت في دراستي هذه :
أولاهما : الجاحظ والحاضرة العباسية ، وقد أعدت هذه الدراسة الأستاذة الدكتورة وديعة طه نجم (دكتوراه في الأدب العربي ، جامعة لندن) ، وقد تم إنجاز هذه الدراسة سنة 1965م ، ويغلب عليها دراسة القضايا الأدبية مع الإشارة إلى المظاهر الاجتماعية.
ثانيتهما : صورة المجتمع العباسي ؛ ضمن كتاب البخلاء للجاحظ ، وهي دراسة الأستاذ الدكتور أحمد أحمد منصور نفادي ـ رحمه الله ـ ( أستاذ الأدب العربي وموسيقا الشعر ، في جامعة الأزهر ) وقد تم إنجاز هذه الدراسة سنة 1984م .
على أن هاتين الدراستين لم تتعمقا في مجال بحثهما ولم تقدما إلا الصورة العامة المكرورة للدولة العباسية في مستوياتها السياسية والثقافية والاجتماعية الرسمية أي كل ما يتعلق بالمظاهر الحضارية ، من خلال صيغ عامة تكاد تهمل الصيغة الشعبية وبعدها الإنساني إهمالاً كاملاً .. ومن هنا تنبع أهمية هذا الموضوع .
• التمهـــــيد :
• الجاحـــــــظ ( ) :
بدأ الجاحظ حياته فقيراً معدماً اضطرته أمه أن يزاوج بين التَعَلُّم والارتزاق فكان بعد انقضاء الدرس يذهب إلى سوق البصرة ليبيع سمكاً صغيراً ، هزيلاً كبائعه ، فقيراً بين الأغنياء ، حتى قرر أن يجعل من علمه موجة تسافر به إلى مرافئ الأغنياء ليحط رحله بينهم ، فسافر إلى بغداد وصار من وجوهها وعلمائها ، وتثقف الجاحظ بثقافة الاعتزال التي كانت تتطلب علماً واسعاً بالديانات والشرائع المختلفة ومعرفة عميقة بالفلسفة اليونانية ، وما ذلك إلا لما كان يتسم به الاعتزال من روح الجدل والمحاورة ؛ وإلى جانب الاعتزال كان الجاحظ من العلماء البارزين في التصنيف الفكري في معارف مختلفة ، وقد تميزت ثقافة الجاحظ بمظهرين رئيسين هما :
المظهر الأول : يتمثل في تناول الموضوعات التي تناولها في أعماله ، فهو تحدث عن العلوم الطبيعية والكونية ، والظواهر البيولوجية ، كما درس مسائل العلوم العقلية والنقلية من كلام و تفسير وأدب ونقد واجتماع وفلسفة وعلم نفس وغير ذلك ، مما جعل دارسيه يعدونه أكبر كاتب موسوعي في تاريخ العربية.
المظهر الثاني : كان الجاحظ يتمتع بشخصية فكرية ذات استقلالية فريدة من نوعها في عصره لا يتحكم في هذه الشخصية إلا نزوعه الشخصي وهدفه الذاتي ، وإن كانت النزعة النفعية في حياة الجاحظ قد غيرت مسار هذه الاستقلالية إلى ما يشبه التبعية الفكرية في بعض الأمور .
وقد لقيت شخصية الجاحظ الفكرية قبولاً وحضوراً عن الكثيرين من علماء عصره والعصور التالية ، كما لقيت انتقاداُ ومؤاخذة وطعناً من آخرين ؛ لكن الفائدة الحقة التي عادت على كتابات الجاحظ لم تكن من المحبين لأنهم قبلوا ما قدم الجاحظ وما أتت به كتاباته ، أما نفعه فقد أتاه من المناوئين والمناهضين لأفكاره وكتاباته لأنهم فتحوا المجال فسيحاً للقراءة المتأملة والمتمهلة لآثار الجاحظ وأعماله ؛ ومن أنصار هذا التيار الأخير :
• ابن قتيبة : الذي هاجم الجاحظ في كتاب "تأويل مختلف الحديث" ورماه بالتناقض والذبذبة العقدية والدينية ، والاستهزاء بالحديث والكذب والوضع ومناصرة الباطل وأنه تارة يناصر الشيعة في بعض تآليفه وتارة يذب عن بني أمية في بعض آخر ، إلى غير ذلك من الأمثلة ، على الرغم من بصره بالحق واستقامته في استخلاص الحكم ( ) .
• بديع الزمان الهمذاني : كتب الهمذاني في مقاماته مقامة سماها "الجاحظية" جعلها مجالا وميدانا للطعن في الجاحظ( ) .
• الأزهري: أنكر الأزهري صاحب التهذيب خبرة الجاحظ في مجال اللغة ورسوخ قدمه في فنونها( )، وكانت حملة الأزهري دافعاً لأبي حيان التوحيدي لأن يكتب كتابا سماه "تقريظ الجاحظ" رد فيه على الأزهري وانتصر للجاحظ ( ) .
• أبو بكر الرازي الطبيب : صنف الرازي كتاباً في الحملة على الجاحظ وعلى مذهبه في علم الكلام والاعتزال سماه" مناقضة الجاحظ في كتابه في الكلام"،وكان الجاحظ قد بسط مذهبه في الاعتزال ورؤيته لهذا المذهب في كتابه" فضيلة المعتزلة"،وهو ما ناقضه الرازي .
• أبو جعفر الاسكافي : وضع أبو جعفر كتاباً للرد على كتاب للجاحظ مفنداً آراءه معارضاً لرؤاه، وقد سمى كتابه "نقد كتاب العثمانية"،وكتاب العثمانية من مؤلفات الجاحظ، دافع فيه عن مذهب العثمانية ووجهة نظرهم في الإمامة( ).
• الكندي : لم تبلغ العداوة والبغضاء والجهر بالمناوأة بين الجاحظ وأحد من علماء عصره ما بلغته بينه وبين الكندي الذي كان كثير الاعتراض عليه لدرجة دفعت الجاحظ نفسه إلى تصنيف رسالة في بيان " فرط جهل الكندي"، وربما يكون هو نفسه صاحب نوادر البخل الكثيرة في كتاب البخلاء .
• ابن حزم الظاهري : قال بن حزم الظاهري الأندلسي عن الجاحظ ، في الفصل الرابع من كتاب الفصل :"هو وإن كان أحد المجان ومن غلب عليه الهزل ، وأحد الضلال المضلين ؛ فإننا ما رأينا له في كتبه كذبة يوردها مثبتاً لها وإن كان كثير الإيراد لكذب غيره"( ).
• كتاب البخـــلاء للجـــاحـظ :
اختلف الباحثون في تحديد زمن تأليف الجاحظ لكتاب "البخلاء" إلا أنهم اتفقوا على نتيجة متقاربة ترى أن الجاحظ قد ألف كتابه هذا في أواخر حياته وبعد أن أصيب بمر ض الفالج ( ) ، بينما كان للباحث رؤية مخالفة لما وصل إليه الأساتذة الأجلاء في كتاباتهم ، تتضح في ما يلي ..
ذكر الدكتور طه الحاجري في مقدمة تحقيقه لكتاب البخلاء ما يدل على أننا لا نملك نصاً قاطعاً نستطيع بوساطته أن نتعرف ذلك التاريخ الذي ألف فيه " كتاب البخلاء " على وجه التحديد والتيقن ، أو ما هو أدنى إلى اليقين ، وإن كانت هناك حقيقتان يمكننا الاهتداء بهما في هذا المضمار .
أولاهما : أن كتاب"البخلاء" مذكور في مقدمة كتاب الحيوان،حيث يقول الجاحظ في الحيوان:" وعبتني بكتاب احتجاجات البخلاء ومناقضاتهم للسمحاء" ، فهو إذن سابق عليه .
وثانيتهما : أن الجاحظ أشار في البخلاء إلى إصابته بالفالج في سياق قصته التي رواها عن "محفوظ النقاش" الذي قال له : ".. أنت رجل قد طعنت في السن ولم تزل تشكو من الفالج طرفاً " .
إذن الجاحظ كتب كتاب البخلاء بعد أن أصيب بالفالج ، وهكذا نرى أننا بهذين النصين لا نتقدم كثيراً في افتراض التاريخ الذي ألف فيه "كتاب البخلاء" ، وإن كان الدكتور الحاجري يرى أنه يستطيع أن يستيقن ـ بما كان يغلب على الظن ـ أن اتجاه الجاحظ إلى مثل هذا النوع من التأليف الفني الخالص إنما كان بعدما علت سنه واتسع أفقه وبلغ من الدراسة النظرية والكلامية ما يريد واستوت له المنزلة التي كان يطمح إليها ، فأخذ بعد ذلك ينزع إلى ذلك النوع من الكتابة ( ).
لكننا من استقراء كتب الجاحظ نلاحظ أنه في آخر حياته كان يعاني من القلق والاضطراب النفسي، كما كان كثير الشكوى من آثار المرض وأعباء الشيخوخة والوهن،على نحو ما نراه واضح المظاهر في مواضع مختلفة من كتبه التي كتبها في هذه المرحلة الأخيرة من حياته ككتاب الحيوان وكتاب البغل وكتاب النساء،مما لا موضع هنا للإفاضة فيه،وليس في كتاب البخلاء أية إشارة إلى ذلك أوأثارة من شكوى أو تبرم تدل على هذه الحالة النفسية بل إنه ليدل دلالة واضحة على حالة نفسية مطمئنة وعلى نشاط موفور لا يقعد به شيء،وهو الأمر الذي يبعد عندنا معه أن يكون كتب في تلك المرحلة،وإنما الأشبه عندنا بعد استقراء الألوان الأسلوبية التي اتخذتها كتبه في المراحل المختلفة أن يكون قد كتب هذا الكتاب في أواخر عهد ابن الزيات وأوائل إصابته بالفالج( ) في الوقت الذي كتب فيه رسالة الجد والهزل إن لم يكن سابق عليها.
وهذا الرأي يتفق مع رأي الدكتور أحمد كمال زكي الذي يرى أن الجاحظ ألف كتاب البخلاء باقتراح من ابن الزيات وأنه بعد ان انتهى من تأليفه دخل به عليه بعد موت " الواثق " وإعلان خلافة " المتوكل" وكان ذلك لست بقين من ذي الحجة سنة 232هـ ، وأن ابن الزيات قتلت بعد ذلك بأربعين يوماً ونهبت داره في شهر صفر 233هـ ( ).
• رأي الباحـــث :
كان الدكتور طه الحاجري متحرزاً حذراً في تحقيقه لزمن كتابة البخلاء ، بينما كان الدكتور أحمد كمال زكي على العكس من ذلك ، إذ اندفع في تراتب الظنون والتوقعات لدرجة جعلت تحقيقه لهذا التاريخ مشوباً بشيء من التناقض ، وقد حاول الباحث تحقيق زمن كتابة البخلاء متوسلاً لذلك بالنقاط التالية :
1 ـ لم يكن كتاب البخلاء من المؤلفات المتأخرة للجاحظ كما زعم بعض الكتاب ، ولا غرو في أنه كتب قبل ولاية المتوكل التي بدأت في ذي الحجة سنة 232هـ ، لأن المتوكل قد فرط على المعتزلة وأهل الكلام ونكل بهم ( ) ، بينما نرى في البخلاء أن الجاحظ يتكلم عن أهل الكلام والتناظر ويصرح فيه بأخبار عن ذلك دون إشارة إلى كلفة أو احتمال مؤاخذة .
2 ـ كما يرى الباحث أن الكتاب لا يمكن أن يكون قد دخل به الجاحظ على ابن الزيات قبل مقتله بوقت وجيز كما ذكر الدكتور أحمد كمال زكي لأن الجاحظ ذكر كتاب البخلاء في مقدمة كتاب الحيوان وكتاب الحيوان أهداه الجاحظ إلى محمد بن عبد الملك ابن الزيات وزير المعتصم فكافأه عليه ابن الزيات بخمسة آلاف دينار ( ) ، فلا نستطيع أن نقر عندئذ أن البخلاء قدمه لابن الزيات قبل مقتله سنة 233هـ، وبهذا تسقط وجاهة رأي الدكتور أحمد كمال زكي.
3 ـ كما أنه من المؤكد أن البخلاء كتب بعد ظهور بابك الخرمي وحركته ضد الدولة الإسلامية ، لأن من المتسولين الذين ذكر كتاب البخلاء طرفاً من أخبارهم ؛ طائفة يشيع واحدها أنه كان مؤذناً في أذربيجان وقطع بابك لسانه ، فهو يستجدي الناس ، وبابك هذا ظهرت دعوته سنة 201 هـ ، لكن الكتاب لم يشر من قريب أو بعيد إلى انتصار جيش المعتصم بقيادة حيدر بن كاوس الأفشين ، على بابك الخرمي سنة 222هـ ، فيحتمل أن يكون البخلاء قد كتب قبل ذلك لأنه يعرض صورة المؤذن وتعاطف الناس معها حية نابضة ، ومن ناحية أخرى نجد أن الكتاب قد كتب قبل انتقال عاصمة الخلافة العباسية من بغداد إلى سامراء سنة 219 هـ ، لأنه لم يرد في البخلاء ذكر سامراء على الإطلاق .
4 ـ وإذا كنا نؤكد أن كتاب البخلاء كتب قبل كتاب الحيوان وبعد ثورة بابك الخرمي فإنه كذلك كتب في المرحلة البغدادية للجاحظ ، وهي تلك المرحلة التي بدأت في عصر المأمون سنة 204 هت ، وكان الجاحظ آنذاك في الخمسين من عمره ( ) .
في ضوء ما قدمنا نرى أن كتاب البخلاء للجاحظ محصور زمن تأليفه بين سنتي 204 هـ ، وهي مطلع المرحلة البغدادية للجاحظ ، و 219 هـ وهي السنة التي انتقلت فيها الخلافة من بغداد إلى سامراء ، أي في نطاق خمس عشرة سنة تقريباً ؛ وهذا يعني أن ما جاء في الحيوان من ذكر البخلاء كان مقصوداً ، وربما يكون الجاحظ في هذا يعني الوقت وهو بعد سن الخمسين قد أصيب فعلاً بالفالج كما جاء على لسان محفوظ النقاش في أول البخلاء ؛ لكن محفوظاً قال : "لم تزل تشكو من الفالج طرفاً " ، أي جانباً ويحتمل أن تكون إصابته بهذا الداء آنئذ يسيرة ، كما يحتمل أن يكون هذا الفالج قد بقي معه حتى آخر حياته ولم يقعد به عن النشاط لخفته فيه ، فقد كان الجاحظ وهو مفلوج يختلف إلى المساجد الجامعة للمناظرات والكلام حتى ساعة متأخرة من الليل في أيام الشتاء الممطرة : ثلجاً وبَرَداً ، وهو المناخ نفسه الذي حدثت فيه قصته مع محفوظ النقاش ، ولم يظهر الجاحظ الشكوى من مرضه إلا عندما وضع في تناقض نفسي غريب في أخريات حياته، قال أبو العباس المبرد :"عدت الجاحظ فسمعته يقول : أنا من جانبي الأيسر مفلوج ، فلو قرض بالمقاريض ما علمت ، ومن جانبي الأيمن منقرس ، فلو مر بي الذباب لألمت"( ).
• ( أليجـــــــورية ) كتاب البخــــلاء :
يبدأ الجاحظ كتابه "البخلاء" بعد المقدمة الموجهة إلى من كتب من أجله الكتاب( ) ببيان موجز لآلية الكتاب ومنهج الإفادة منه كاشفاً عن مستوى غير قياسي، عميق يختبئ وراء الظاهر منه، فيقول الجاحظ: "ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء : تبين حجة طريفة، أو تعرف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة. وأنت في ضحك منه إذا شئت،وفي لهو إذا مللت الجد. وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع ومحمود المغبة...."( ).
فقدم الجاحظ هنا أموراً ثلاثة تسلم لثلاثة أخرى ، أي أن الأولى تعمل كمفاتيح للأخيرة ، وكلها يدور حولها الكتاب إذا تتبعها القارئ سيجد في الكتاب مدداً لحال من حالين ؛ إما الضحك ، وشرط هذه الحالة بوجود الرغبة في ذلك ، والثانية اللهو عند ملل الجد ، الأمور الثلاثة جعلها إشارة إلى رسائل خطابية استفتحها برموز لا يخفى على فطنة الجاحظ أنها لا تدل على التظرف والتفكه بذكر البخلاء، وإنما ترمي إلى ما هو أعمق وأكثر أهمية وقيمة، فاستخدم ألفاظاً تدل على معنى بعيد إلى جانب معناها القريب(تبين/ حجة،أو تعرف/ حيلة،أواستفادة/ نادرة)، ثم يؤكد على الظاهر القريب للحالة التأثرية أو"رد الفعل " بقوله : "وأنت في ضحك منه " ، فهذا الضحك هو الأثر القريب لقراءة الكتاب ، ثم يعلق الجاحظ هذا الضحك بالمشيئة ، فغن لم يشأ القارئ الضحك فليس أمامه إلا الجد ، ثم جعل فيه اللهو عند الملل من الجد ، وهنا إشارة دائرية منطلقها غير مذكور وهو الأساس (الأليجوري) الملوح به عند الجاحظ ، وقد أكد هذه الإشارة بأنه ألحق حديثه عن موضوع الكتاب الذي يشير ظاهره إلى الفكاهة والطرافة والظرف، بحديث عن البكاء ، وهو كما يتضح نقيض موضوعه تماماً وكأنه يشير إلى قاعدة الجد التي أراد لها الجاحظ أن تظل في الخفاء وتحمل معها سر الكتاب ، ناعياً على الضاحكين الذين ليس لهم من قراءة الكتاب سوى التفكه والضحك:"وأنت في ضحك منه"..،مؤيداً أن ما هو أقرب لطبع الجاحظ ليس الجد الذي هو أصلح للطبائع وأحمد عند المنقلب،قال الجاحظ:"وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع ومحمود عند المغبة".
من هنا نستطيع أن نصنف كتاب البخلاء في نمط الكتب الإشارية ذات العمقين : القريب والبعيد ؛ مع التأكيد على أن هذا الأمر وما يتعلق به ـ من محاولة تفسير الظاهرة الأليجورية في كتاب البخلاء ـ لم يكن معاظلة من الباحث بل هو واقع فريد ومبهر في كتابات الجاحظ ، فنجده في الحيوان كما نجده في عدد من رسائله وكتاباته الأخرى ، فهو يقول في أول الحيوان : " هذا كتاب عظة وتفقه وتنبيه . وأراك قد عبته قبل أن تقف على حدوده وتتفكر في أصوله ، وتعتبر آخره بأوله ، ومصادره بموارده . وقد غَلَّطَكَ فيه بعض ما رأيت في أثنائه من مزح لم تعرف معناه ، ومن بطالة لم تطلع على غورها ، ولم تدر لم اجتلبت ، ولأي علة تُكُلِّفَتْ ، وأي شيء أريغ بها ، ولأي جد احتمل ذلك الهزل ، ولأي رياضة تجشمت تلك البطالة . ولم تدر أن المزاح جد إذا اجتلب ليكون علة للجد ، وأن البطالة وقار ورزانة إذا تكلفت تلك العاقبة .. .. ، وما أكثر من يقاد إلى حظه بالسواجير وبالسوق الشديد وبالإخافة الشديدة "( ).
لكننا والحالة هذه ، لن نستطيع أن نبحث عن صورة المجتمع العباسي، في ذلك الوقت ،دون أن نأخذ في الحسبان ذلك البعد الإشاري.
وكان الجاحظ في هذا الكتاب يهدف إلى أمور إشارية محددة :
أولها؛استرضاء العباسيين بالغض من الأمويين وانتقاص مروءاتهم وطعنهم بإلحاق خصلة البخل بهم.
ثانيها؛انتقاد الشعوبيين وإثبات البخل عليهم وإلصاقه بهم بوصفه نقيصة من النقائص الإنسانية المعيبة،وهواتجاه نحوالطعن في الشعوبية له صداه وقوته عندالجاحظ،وكان الباعث عليه مذهبه في الاعتزال والانتصار المستميت للعرب في محاولة لرد اتهام البعض له بأنه من الموالى وليست أرومته عربية صليبة.
ثالثاً؛التعويل على ما ساد المجتمع من روح الطمع والبخل والاكتناز،وانهيارقيم السماحة والتكافل الاجتماعي والعطاء،وتفشي الطبقية بين أفراد المجتمع الإسلامي بروحها البغيضة وتبعاتهاالاجتماعية السيئة.
رابعاً ؛ النوال من بعض أصحاب الحملة علة الجاحظ مثل الكندي وثمامة .
وعلى هذا نجد أن البعد الإشاري كان له دور رئيس في أيديولوجية كتاب البخلاء وخطابه الثقافي ، وهناك بعد آخر أود أن أشير إليه ، هو البعد الكاريكاتوري ، فقد كان الجاحظ يصطنع نماذج كاريكاتورية تجعلنا نستطيع أن نكتفي في كل باب من أبواب الحياة بنموذج واحد مكتظ بالدلالة ؛ لشموله المبالغ فيه ، وفرط إلمامه بموضوعه ، مثلما هو الحال ـ مثلاً ـ مع (الكندي) صاحب العمارة والدور .

صورة المجتمع العباسي في كتاب البخلاء
الفصل الأول
البيئة الاجتماعية في عصر البخلاء
• رؤية عامة لملامح عصر البخلاء :
لم يجهد الجاحظ نفسه عندما صور البخلاء في كتابه هذا ؛ لأنه لم يبعثهم من بطون التاريخ وقديم الأخبار وعتيق الأسفار ؛ بل جاء بهم من بيئته هو ، فقد استقى الجاحظ معظم ما في مادة كتابه البخلاء من العصر العباسي ؛ وحتى تلك الحكايات التي استمدها من عصور أخرى إنما استمدها بشرط عباسي ؛ إما لإرضاء الدولة العباسية ، أو لإذكاء مذهب سائد في ذلك العصر الذي كان يعيش فيه ، ومن هنا نجد أن رسم صورة المجتمع العباسي كما وردت في كتاب البخلاء لابد لها من عرض صورة مقاربة لأهم ملامح العصر الذي نبت فيه الكتاب ومؤلفه ، لذا يجد القارئ في الكتاب البخلاء صوراً حية نابضة من حياة مجتمع الجاحظ وبيئته ومعاصريه ، تلك التي كانوا يحيونها ، وكيف كانوا يضربون في تلك الحياة، ويتعاملون ويتفاهمون،ويغدون ويروحون،وقد مكن لذلك إحاطة الجاحظ بأساليب الحياة في بلاده وعصره،لأنها البعد المقياسي الذي يملك وحده إمكان تحديد وصول أحاديثه إلى وجدان قرائه أم لا ؟؛ وهذه الحقيقة أشار إليها الجاحظ في صدر كتابه،فقال:"ليس يتوفر أبداً حسنها ـ أي الأحاديث والأخبار ـ إلا بأن تعرف أهلها،وحتى تتصل بمستحقها،وبمعادنها واللائقين بها،وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها سقوط نصف الملحة،وذهاب شطر النادرة"( )،ويتسم عصر الجاحظ بتناقضاته التي خلفتها الحضارة العربية التي اتسعت في كل الاتجاهات فانعكس ذلك بالضرورة على حياة العامة،فكان منهم"من يعلق على نفسه المؤن ويلزمها الكلف،ويتخذ من الجواري والخدم ومن الدواب والحشم،ومن الآنية العجيبة والبزة الفاخرة والشارة الحسنة،فيذهب ماله وهو مذموم،ويتغير حاله وهو ملوم،وربما غلب عليه حب القيان واستهتر بالخصيان،وربما أفرط في حب الصيد،واستولى عليه حب المراكب"( ).
هذا وجه من أوجه الحياة الاجتماعية المترفة في ذلك العصر،يقابله وجه آخر قسماته ملؤها الضيق والحاجة،كتب محمد بن عباد إلى الفيض بن يزيد؛قال:"مالي يضعف،والدخل قليل والعيال كثير،والسعر غال وأرزاقنا من الديون قد احتبست،وقد تفتحت علينا أبواب النوائب في هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب، فإن رأيت أن تبعث إليَّ بما أمكنك فعجل به، فإن بنا إليه أعظم الحاجة"،وكان الفيض بن يزيد قد ألم به ضيق شديد، فكتب إلى محمد بن عباد؛ قال:" يا أخي تضاعفت عليَّ المصيبة، حتى جَمَعْتَ خلة عيالي إلى خلة عيالي،وقد كنت على الاحتيال لهم .. وسأتحرك في بيع ما عندي ولو ببعض الطرح"؛هذان وجهان للمجتمع بينهما نبتت كثرة من المفاسد على رأسها خيانات الأمناء والاحتيال لتولي القضاء والتحفز لأكل مال اليتيم والترصد للنيل وافتعال المظاهر للوصول إلى مكاسب اجتماعية، قال مساور بن الوراق لابنه:
شـمـر قـمـيصـك واسـتعــد لـنـابـل واحكك جبينك للقضاء بثوم
واخفض جناحك إن مشيت تخشعاً حـتى تصـيب وديعـة ليتــيم ( ).
فمساور يربي ابنه على أن يدع أشرعته للريح ويركب بها الموجة وينطلق مع المنطلقين في سخرية لاذعة من المجتمع الذي تَرَدَّى حاله ، فتردت أفعاله بتبدل الحال ، ولكل زمان تدبير ، قال الجاحظ:" كان الفقيه يمر باللقطة فيتجاوزها ولا يتناولها ، كي يمتحن بحفظها سواه ، إذ كان جل الناس في ذلك الدهر يريدون الأمانة ويحوطون اللقطة فلما تبدلوا وفسدوا وجب على الفقيه إحرازها والحفظ لها"،فقد"ذهبت المكارم إلا من الكتب" كما قال بعض أهل ذاك الزمان ؛ ومن أوضح علامات ذهاب المكارم: شيوع الخمر التي دفعت الناس إلى غض الطرف عن المحارم والذود عنها ، قال بعض الشعراء في ذلك العصر :
أرى كل قـوم يمنعـون حـريمــهم وليـس لأصـحـاب النبـيذ حــريم
بل إن الجاحظ غالى في نظرته الخلقية لعصره ؛ إذ قال : كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد ـ أي أكثر ما يكون ـ فأما اليوم فقد استوى الناس( ) .
فهذه صورة تقريبية لأهم ملامح الحياة الاجتماعية في عصر البخلاء ، كما صورها الجاحظ كتابه . وهناك ثلاثة جوانب مهمة كفيلة بتقريب صورة تلك البيئة ، بل تجسيدها عند تضام معطياتها مع ما قدمه الجاحظ في البخلاء ، وهذه الجوانب هي الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية ، ولذا رأيت أن أتخذها منطلقاً لحديثي حول صورة المجتمع العباسي في كتاب البخلاء .
أولاً : الجــانب الاجـتماعـي
ظروف الحياة في ذلك العصر كانت غاية في التعقيد الحضاري والخروج على المظاهر التي عرفت بها المجتمعات العربية الإسلامية في عهد رسول الله(صلىالله عليه وسلم) وعصور خلفائه الراشدين، فالمجتمع الإسلامي في العصرالعباسي كان مزيجاً من حضارات وأعراف وأجناس متعددة اختلطت وتشابكت وتلاقحت تلاقحاً غريباً في دمائها وأفكارها وعاداتها وتقاليدها وأنماط تفكيرها وخصائص سلوكها،وقد انقسم الناس من حيث الوضع الاجتماعي إلى خاصة وعامة، فالخلفاء العباسيون كانوا يعيشون في قصورهم الفارهة في معزل عن الرعية وبعيداً عن العامة الذين يمنعهم الحراس والحجاب كما كان الشأن في بلاط ملوك الساسانيين( )،فلا يجدون متنفساً لما يلقونه من تهميش إلا الفرجة على الحواة والقرادين ويتجمعون حول القصاص الذين يقصون عليهم قصصاً متفائلة أو تضرب بسهم في تفريج الهموم بالانتقام للمظلوم من الحكام والظالمين،أما قصورهم عظماء الدولة من الخلفاء والوزراء والوجهاء فكانت في فخامتها وما تشتمل عليه،شاهدة على تجذر ظاهرة التفاوت الطبقي في المجتمع العباسي.
• التـفاوت الطـبقي :
من أبرز مميزات العصر العباسي التي تجلت بوضوح في كتاب البخلاء:" تفاوت الطبقات"،فهناك طبقة السادة من علية القوم وأغنيائهم،وهناك طبقة العامة من الغوغاء والعبيد والموالي وغيرهم من الفقراء والمعدمين:
1 ـ طبقة السادة الذين يملكون كل شيء ويتنعمون بما يستطيعون من وسائل الترفيه ، ويعيشون حياة هانئة ناعمة ويقابلون من المجتمع المحيط بالتوقير والإجلال والمهابة والاحترام ، فهم لا يجلسون إلا في صدور المجالس ويأمرون فيطاعون ويشيرون فيستجاب لهم ، لهم مجموعة من مظاهر الترف التي ينعمون بها فلم تكون مظاهر الترف في ذلك العصر قاصرة على الخلفاء وحدهم ، بل كان يرفل في أعطافها بطانة الخلفاء وحواشيهم من الأمراء وولاة العهود وكبار القواد ، والوزراء والحجاب ، ومن نالوا حظوة القرب من الخلفاء من الشعراء والعلماء والأطباء والمغنين والندماء والمسامرين والكتاب ، وذلك بسبب ما كان يفيضه عليهم الخلفاء من أكداس المال وما يمنحونه إياهم من القطائع وصنوف الهبات والأعطيات .
2 ـ أما عامة الناس فكانوا يعيشون في فقر مدقع وضنك شديد ولا يجدون في حياتهم العادية ما يفرج عنهم ، فكانوا يعيشون حياة ملؤها البؤس والشقاء في ذلك المجتمع الطبقي الرأسمالي الذي عاشت فيه طبقة مترفة غاية الترف في قمة الهرم الاجتماعي بينما هبطت الطبقة الأخرى إلى الحضيض ، في سفحه، وكان أبناؤها يشعرون بالضعة والهوان ويصطلون بنار الغربة في مدينة مترفة كبغداد ، أو في بقية المدن في إطار الدولة العباسية ، فهذه الفوارق الاجتماعية والطبقية بين الناس جعلت العامة يشعرون بالضعة وبضياع شخصيتهم وسط طوفان الوصوليين والانتهازيين والمتجرين ، جعلهم ينطوون على أنفسهم وينفضون أيديهم من السياسة بسلبية كبيرة وأسوأ صورة لسلبية العامة في ذلك الوقت ما تقره كتب التاريخ من أن الخليفة "المهتدي" لما ضيق الأتراك الخناق عليه لجأ إلى العامة فلم يأبه به أحد فتمكن منه الأتراك وخلعوه وقتلوه( ) .
• الجانب الثقافي :
ازدهرت الثقافة العربية وتألقت في أيام الدولة العباسية ، وهذا أمر طبعي لأن الدولة بلغت قمة المجد والعظمة ، قوة وحضارة وغنى ، وتلك هي العوامل الثلاثة التي ينمو بتأثير منها الفكر والثقافة والعلم ، وكان من أهم مظاهر الازدهار الثقافي أن عامة الناس وخاصتهم اعتادوا إرسال أطفالهم إلى الكتاتيب التي كانت منتشرة آنذاك في كل مكان ( ) ، وإلى جانب الكتاتيب كان ذلك العصر يمتاز بوجود السوق الأدبية المشهورة في بادية البصرة ، وهو المعروف آنذاك وحتى الآن باسم سوق ( المربد ) وكان منهلاً للثقافة العربية وكان الناس يغدون عليه ويروحون للقاء الفصحاء من الأعراب ، كما كانت المساجد في ذلك العصر أشبه بالجامعات التي تزخر بالعلماء الكبار في كل فروع المعرفة ، لكن يبدو أن المترددين على حلقات العلم في المساجد آنذاك كانوا يختلفون قلة وكثرة بحسب أهمية الحلقة ، والحاجة الاجتماعية والفكرية إليها ، فحلقات الفقه كانت من أكثر الحلقات احتشاداً بالطلاب الذين يختلفون إليها طمعاً في مناصب الحسبة أو القضاء أو الشرطة أو أو غيرها من المناصب السياسية ، كما كان علم الكلام والمجادلة والمناظرات من المعارف التي يعتني بها العامة والخاصة على السواء .
ومن الأسباب التي أعانت على إحداث نهضة ثقافية وفكرية في ذلك العصر : المجالس والمجامع العلمية ، وظهور صناعة الورق وانتشارها ، واتخاذه وسيلة للكتابة ، فترتب على ذلك ظهور المكتبات ودكاكين الوراقين وانتشار النساخ ، ومن ثم زيادة عدد النسخ المدونة من الكتاب الواحد ، ومن المظاهر الثقافية في ذلك العصر شيوع المكتبات العامة ، حتى إنه ليقال أن الدكاكين التي كانت مهنتها التجارة في الكتب كان أصحابها لا يمنعون من يؤمونها بقصد القراءة الحرة ( ) ؛ وهذه النهضة الفكرية الواسعة كان من آثارها أنها عملت على تغلغل الثقافة بين جميع الطبقات بلا استثناء حتى أن النساء كن يختلفن إلى حلقات المتكلمين والفقهاء وغيرهم ، وقد برزت في الثقافة الدينية حينذاك نساء كثيرات ، ومنهن من جلسن لسماع المظالم والحكم بين المتظلمين ، وقبل ذلك أشار عدد من الكتاب في القرن الثالث الهجري إلى شيوع تصدي النساء للكتابة والخطابة والعمل في بعض المناصب الإدارية في الدولة العباسية .
وقد قدم كتاب البخلاء عدداً كبيراً من الظواهر والمظاهر اللافتة للنظر والتي لم يعتن بها الجاحظ في كتاب من كتبه على هذا النحو ، مثلما فعل في كتاب ( البخلاء ) ، لدرجة أن بعض الكتاب المعاصرين أرجع إلى ذلك وحده ، أهميةَ هذا الكتاب .
فنحن إذا تجاوزنا الصورة الكاريكاتورية التي يرسمها الجاحظ للبخلاء في كتابه سنجد عالماً مشرع الأبواب أمامنا ، يجسد لنا صورة نابضة حية للحياة العباسية في عصر الجاحظ هذه الصورة تقدم لنا نموذجاً مفصلاً للحياة العباسية في الغنى والترف أو الفقر والإملاق،كما تقدم لنا نفسية العداء بين العرب والشعوبية، وجانباً من تملق الشعب للعباسيين بالغض من الأمويين استرضاءً للحكام ، وتقدم لنا ما كان يعتلج في وجدان ذلك العصر من ألوان الثقافة وأنماط التفكير ، وتقدم كذلك صوراً متعددة لما ساد المجتمع آنذاك من نظم مدنية وتنظيمات اجتماعية ، وكلها عناصر تشكل في مجموعها صورة المجتمع الكاملة فكراً وسياسة واجتماعاً واقتصاداً ، ونحن هنا معنيون بكل هذه الأقسام .
• الجــانب الســياسـي :
كان العنصر العربي في مطلع الدولة العباسية هو صاحب السيادة والسيطرة والهيمنة في كل شيء ، ثم بدأ العنصر الفارسي يسيطير تدريجاً بداية من البرامكة في أيام الرشيد وإن كانت القبضة العربية هي الأقوى ثم أخذت هذه القبضة تضعف وتتراخى شيئاً فشيئاً إلى أن أسلمت الزمام تماماً للفرس بعد قتل الأمين وتولي المأمون وظل الأمر كذلك إلى أن أقبل المعتصم فعمل على إبراز عنصر جديد هو عنصر الأتراك ، وإن كانت قبضته وقبضة ابنه الواثق من بعده هما القويتان صاحبتا الحل والعقد فلما مات الواثق وجاء المتوكل بوساطة إيتاخ ومن حوله تجلى الاستبداد التركي بمقاليد الأمور في أبشع صورة ، فالخليفة رهن مشيئتهم بقاؤه أو عزله أو قتله ، فقد قتلوا المتوكل والمستعين والمعتز والمهتدي .
ويمكن لنا أن نجمل الحالة السياسية في العصر العباسي في واجهتين ميزتا الحياة السياسية فيه منذ بداءته في ذي الحجة سنة 132هـ ، وحتى سنة 255 هـ التي شهدت نهاية الخليفة المعتز بالله وبداية خلافة المهتدي بالله ، وهي السنة التي كادت تجمع الروايات على أن الجاحظ مات أثناءها ؛ هاتان الواجهتان هما :
1 ـ الواجهة الخارجية:وقد بلغت الدولة العباسية ذروة المجد فيها:هيبة وسلطاناً،واستمرت هذه الهيبة والقوة إلى أن انتقلت مقاليد الحكم إلى"المتوكل"الذي نصبه الأتراك دون الرجوع إلى مشورة أحد، سنة 232هـ .
2 ـ الواجهة الداخلية : تنوعت فيها صنوف الاضطرابات والقلاقل والثورات ومظاهر الشغب على مستويات منوعة ، وما ذلك إلا لتعدد العناصر المتنافرة في الدولة آنذاك ، وكان من أهم هذه العناصر :
[I] العنصر العربي : توزع العنصر العربي في ذلك العصر عدد من المذاهب والانتماءات ، فكان منهم الشيعة من أبناء على بن أبي طالب ، وهم من أشد أعداء الدولة العباسية والحانقين عليها وعلى أبناء عمهم العباس ، ويرون أنهم جائرون مغتصبون لحقهم في الخلافة حيث زعموا أنهم أحق بذلك منهم لقرابتهم القريبة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) لأنهم أبناء فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، وهنا إشارة إلى محمد بن الحنفية ، ابن علي بن أبي طالب من غير فاطمة الزهراء ، وكان من المنشقين على الدولة العباسية
[II] العنصر الفارسي : كان الفارسيون شديدو التطلع إلى إحياء المجد الفارسي القديم بوساطة إغراء الحكومات العربية بعضها ببعض لذلك أعانوا العباسيين ضد الأمويين ، لكنهم أحسوا بخيبة الأمل وضياع الجهود والأموال والدماء عندما أهملهم العباسيون ونظروا إليهم نظرة المتبوع لتابعه ؛ ثم قدموا عليهم عناصر أخرى ؛ وكانت هناك طائفة من الفرس ذات خطر كبير هي طائفة الزنادقة من المجوس الذين كانوا على مذهب ماني الثنوي ، وكذلك أنصار الزارادشتية والمزدكية حاولوا بعث دياناتهم القديمة في شكل حركات سياسية ، وعملوا على نشرها بين المسلمين بوساطة الثورات السياسية ، في محاولة لتغيير نظام الحكم القائم بقوة السلاح ، ولما فشلوا سياسياً تحولوا إلى الدعوة الاجتماعية .
[III] العنصر التركي: وهو من العناصر التي استفحل خطرها بعد موت الخليفة الواثق إذ حملوا رجال الدولة على البيعة للمتوكل سنة 232هـ، ثم قتلوه سنة 248هـ، كما قتلوا من بعده المستعين والمعتز والمهتدي.
[IV] عناصر أخرى : وكانت هناك بعض العناصر الأخرى العربية وغير العربية ، من بينها طائفة من بقايا الأمويين الذين كانوا يستميتون في سبيل استرجاع عز ذاهب ومجد غارب ، وكان الخوارج من طوائف العنصر العربي ، الذين أضعف المأمون قوتهم ، لكن ثورتهم ضد الدولة العباسية كانت لما تزل متوقدة متحفزة للسفور دائماً .
العناصر البيئية في المجتمع العباسي
كان المجتمع العربي في الدولة العباسية يضم عدداً من العناصر غير العربية من الهند والفرس والروم والترك والديلم وغيرها إلى جانب العنصر الرئيس وهو العنصر العربي .
• العرب :
كان العنصر العربي ينقسم إلى نوعين : الأعراب من البدو، وهم أصحاب النجعة وارتياد الكلأ وتتبع مساقط الغيث ؛ والعرب وهم الذين استوطنوا الريف والمدن والقرى ، وهم أرق طبعاً وألين جانباً وأكثر تحولاً وتمذهباً من الأعراب ؛ فكان الأعراب والخلص من العرب الأقحاح هم المبقون على خصائصهم ، الذين لا يتنكبون دربها ؛ قال معاوية في سمات وصفات القبائل العربية:"من لم يكن من بني عبد المطلب جوادا فهو دخيل ، ومن لم يكن من آل الزبير شجاعاً فهو لزيق ، ومن لم يكن من بني المغيرة تياهاً فهو سنيد"، وقال سلم بن قتيبة :"إذا رأيت الثقفي يعز من غير إطعام ويكسب لغير إنفاق ، فبهرجه.. بهرجه..!" أي اهمله ، وقال بلال بن أبي بردة :" لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة مال" ، وقد بقي الأقحاح من العرب على سجيتهم يجتمعون في المساجد ويفيضون في الحديث ويذكرون الشعر والشاهد والمثل ، ومن الخبر والأيام والمقامات ويدعون ما يريبهم إلى ما لا يريبهم ، ويسكتون إلا عما يوقنون أنه يسر من حضر مجلسهم ، وقد ذم أبو العاص بن عبد الوهاب رجلاً من ثقيف يبخل ويأمر الناس بالبخل ويزينه في عيونهم ، فقال له أبو العاص :" لقد سرى إليك عرق ، ولقد دخل أعراقك جور ، ولقد عمل فيها قادح ، ولقد غالها غول ؛ وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف ، ولا من شيم أعرقت فيها قريش ، ولقد عرض لك إقراف وأفسدتك هجنة"( )؛ والمقرف : هو الذي أمه عربية وأبوه ليس كذلك ، والمهجن من كانت أمه غير عربية وأبوه عربياً .
• الفرس :
كان العنصر الفارسي من العناصر التي اختلطت بالعرب في مرحلة مبكرة من التاريخ الإسلامي ، لكنهم مروا بمرحلة مظلمة في العصر الأموي إذ عاشوا في قهر وظلم اجتماعيين ؛ بسبب تعصب الأمويين للعرب ومناوأتهم للعنصر الفارسي ؛ فوجدوا في العصر العباسي فسحة للتعايش مع العرب ، وفرصة للقصاص من تهميش بني أمية لهم ، وعلى الرغم من أن مطامعهم لم تتحقق على الوجه الذي كانوا يرجونه إلا أنهم ظلوا يحتالون على ذوي السلطان بالخداع والمداهنة حتى تفتح أمامهم أبواب السلطان ويتاح لهم تولي المناصب القيادية في الدولة ، ولذلك شاع في المجتمع العباسي آنذاك أن الفرس أهل غش وخداع ، وقد روى الجاحظ خبراً عن والٍ كان بفارس لم يعرفه إلا أنه إما أن يكون خالداً أخا مهرويه أو غيره ، قال:"بينا هو يوماً في مجلس ، وهو مشغول بحسابه وأمره ، وقد احتجب جهده ما أمكنه الاحتجاب ؛ غذ ظهر بين يديه شاعر فمدحه ، فلما فرغ أقبل على كاتبه ، وقال : أعطه عشرة آلاف درهم ففرح الشاعر فزاده ، وجعل الشاعر يفرح وهو يزيد حتى بلغت أربعين ألف درهم ، فلما أظهر كاتبه العجب ، قال له : يا أحمق ، إنما سرنا بكلام وسررناه بكلام .. ويلك ! ، أَوَ تُريد أن تعطيه شيئاً؟ "( ) . ؛ وكان للخراسانيين خبر ذائع بين الناس في ذلك العصر ، لكثرة نوادر بخلهم ؛ وخراسان إقليم فارسي هو أخص نادرة في البخل والغش من فارس ، ومرو مدينة في خراسان ، هي أخص من الجميع بقدر ما خصهم الناس به في هذا الشأن ؛ فقد بالغ الناس في التندر بما عرفت به مرو من بخل ، قال ثمامة بن أشرس النميري ، وكان من زعماء المعتزلة :"لم أر الديك في بلدة قط إلا وهو لافظ يأخذ الحبة بمنقاره ، ثم يلفظها قدام الدجاجة ، إلا ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب" ؛ ثم غالوا في إلصاق البخل بهم فنسبوا البخل إلى تراب مرو ومائها ومناخها وأهلها وحيوانها ؛ قال ثمامة :"إن بخلهم شيء في طبع البلاد ، وفي جواهر الماء ، فمن ثم عم جميع حيوانهم"، فهو في أطفالهم على الفطرة ، فقد روى أحمد بن رشيد خبراً عن صبي صغير بخل عليهم في مجلس أبيه في الطعام والشراب وغيرهما ، فضحك أبوه ، وقال ما ذنبنا ؟ هذا من علمه ما تسمع ..! ،يعني أن البخل طبع فيهم وفي أعراقهم وطينتهم .
وقد أورد الجاحظ عدداً من الروايات التي تحقق فكرته عن بخل الفرس بعامة،وأهل مرو بخاصة ، كما روى من الحكايات ما يؤكد بخل أهل مرو وكرم العرب ، ومن ذلك أن رجلاً من أهل مرو كان لايزال يحج ويتجر وينزل على رجل من أهل العراق فيكرمه العراقي ويكفيه مؤنته مما يحتاج إليه،وكان يقول للعراقي:" ليت أني رأيتك بمرو حتى أكافئك ، وعد در عرضت للعراقي حاجة في مرو، فلما قدمها مضى إليه في ثياب سفره فأنكره المروزي، والعراقي يخلع قناعه وعمامته وينتسب له، فلما رأى المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل ، قال : لو خرجت من جلدك لم أعرفك"( ) .
• من أنواع الناس في عصر البخلاء :
المجتمع العباسي شأنه شأن أي مجتمع من المجتمعات ينقسم الناس فيه من حيث المزاج إلى كالحين وفكهين، ومن حيث الدين والخلق إلى صالحين وطالحين ، ومن حيث المال إلى أغنياء وفقراء ، ومن حيث العطاء إلى بخلاء وسمحاء ، ومن حيث النعمة إلى مترفين ونفاجين ؛ لكن يبدو أن المجتمع العباسي آنذاك كان يميل إلى الفكاهة حتى وإن كانت باردة ، وهم يقبلون عليها ويهشون لها ، وقد نجم عن ذلك ظهور طائفة المتندرين الذين يلتقطون من المواقف والأقوال والأفعال ما يبعث على التندر بالمفارقة والطرف والنوادر والملح ، قال تمام بن جعفر : ليس يفسد الناس إلا الناس ؛ هذا الذي يتكلم بالكلام البارد وبالطرف المستنكرة، لو لم يصب من يضحك له وبعض من يشكره ويتضاحك له ، لما تكلف النوادر"( )؛ ويبدو أن أمر هؤلاء المتندرين الفكهين قد بلغ الدرجة التي يقصد معها عظما الدولة منازلهم ، فهذا جعفر بن يحيى البرمكي وزير الرشيد مر بباب الأصمعي ، ودفع إلى خادمه كيساً فيه ألف دينار ، وقال له : "سأنزل إلى الأصمعي ، وسيحدثني ويضحكني . فإذا رأيتني قد ضحكت فضع الكيس بين يديه" ، فلما دخل عليه ، لم يدع الأصمعي شيئاً مما يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده عليه . وكانت بغداد تعج بعدد كبير من الفكهين الظرفاء ، منهم : أبو الحارث جمين المديني صاحب النوادر والمزاح ، والهيثم بن مطهر الفأفاء ، وأبو إسحق مزبد المديني ، وابن الأحمر ؛ قال الجاحظ : لو أن أحداً ألزق نادرة بأصحاب هذه الأسماء وكانت باردة لجرت على أحسن ما يكون . وفي مقابل هؤلاء كان يعيش في المجتمع العباسي آنذاك نوع آخر من الناس يؤثر العبوس والقطوب ؛ وكانوا يَعُدُّون البكاء من صلاح الطبائع إذا وافق الموضع ولم يجاوز المقدار ، وأنه دليل على الرقة والبعد عن القسوة ، وربما عُدَّ كذلك من الوفاء وشدة الوجد على الأولياء ، وهو أعظم ما تقرب به العابدون واسترحم به الخائفون ، ومن رواياتهم وأخبارهم أن عامراً بن عبد القيس ضرب بيده على عينه فقال:"جامدة شاخصة لا تندى"؛ ومن البكائين في ذلك العصر : صفوان بن محرز ، وصالح بن حنين ، وابن النواء ؛ وسليمان بن عم أبي محمد المكي الذي قال حين عوتب في قلة الضحك وشدة القطوب :"إن الإنسان أقرب ما يكون من الهزل إذا ضحك وطابت نفسه"؛ وكانوا يسمونهم البغضاء لسيادة الهزل والمزاح والفكاهة في ذلك العصر .
وكما ضم المجتمع العباسي في عصر كتاب البخلاء : الكالحين البكائين ، والمتفكهين الساخرين ؛ ضم كذلك الزهاد والماجنين ، ومن أشهر زهادهم : بكر بن عبد الله المزني ، وعامر بن عبد القيس العنبري ، ومؤرق العجلي ، ويزيد الرقاشي ؛ وقد كان تيار الزاهدين بمثابة رد فعل خلقي لما وصل إليه المجتمع العباسي من ترف وانحلال ومجون بلغ ذروته بتقريب الخصيان والمتهتكين واصطناع طائفة من الفتيات الغلاميات للهو بهن من سبيل اللهو بالغلمان ؛ وشيوع الخمر والتهتك بين الناس ، وقد كان من هؤلاء المتهتكين الماجنين : أبو كعب الصوفي ، وعبد المؤمن القاص ، والشاعران : أبو نواس واصف الخمر ، والحسين بن الضحاك الخليع الذي شبب بالغلمان ؛ وكان من الناس في عصرهم أيضاً : الفقير المعدم الذي لا يجد قوت يومه ، والذي طحنته متغيرات الحضارة وجنت عليه الطبقية التي سادت المجتمع،ومنهم الغني المترف الذي حيزت له الدنيا،فهو يعب من نعيمها،وهؤلاء الأغنياء أنواع؛فمنهم السمحاء الأسخياء، ومنهم البخلاء،ومنهم الممزوج الذي هو سخي وبخيل: يسخو بالمال ويبخل بالطعام في الغالب( ).
• الطـبقــية :
شهد المجتمع العباسي في صدر الدولة نوعاً من الإستقرار النسبي والانتعاش الاقتصادي ، ولكن الهوة بين الطبقات الاجتماعية العليا والطبقات الدنيا سرعان ما أخذت في الاتساع ، حتى صارت الحياة بكل أطاييبها وملذاتها رهناً بالثراء الفاحش الذي صار متاحاً لتلك الطبقات العليا(من الوزراء والولاة ، وكبار الموظفين والتجار ..إلخ)، في حين صارت عبئاً ثقيلاً غير محتمل عند الطبقات الدنيا ، كما هو الشأن في النظم الرأسمالية ؛ فقد صارت بغداد مدينة لمال ، مدينة للأغنياء دوي الثراء ، فهؤلاء وحدهم هم الذين يملكون القدرة على الاستمتاع بالحياة فيها ؛ أما الفقراء ، فلم يكن لهم مكان فيها إلا أن يعيشوا مطحونين تعساء ؛ والأمر نفسه سنة عامة ؛ فأي مجتمع من المجتمعات فيه صنوف متضادة ومتفاوتة من الناس والعلاقات، فيهم السلاطين والمساكين والخلفاء والمكدية ، والنساك والفتاك ، ومنهم من يعمر السجون كما أن فيهم من يعمر مجالس الذكر ؛ قال بن التوأم : ليس في الأرض بلدة واسطة ولا بادية شاسعة ولا طرف من الأطراف إلا وأنت وجد بها المديني والبصري والحيري . وقد ترى شنف الفقراء للأغنياء ، وبغضهم لهم وتنكرهم عليهم ، وتسرع الرغبة إلى الملوك ، وبغض الماشي للراكب . وعموم الحسد في المتفاوتين ، وقال سهل بن هارون:"ليس من أصل الأدب ولا في ترتيب الحكم ولا في عادات القادة ، ولا في تدبير السادة أن يستوي في النفيس : التابع والمتبوع والسيد والمسود كما لا تستوي مواضعهم في المجلس ومواقع أسمائهم في العنوانات ، وما يستقبلون به من التحيات"( ) ؛ هذه هي النظرة الطبقية التي كان يتعامل بها المجتمع مع الأغنياء ، بل إنها وصلت لأبعاد غير منطقية في بعض الأحيان ؛ إذ كان يجب على الفقير أن ينهزم أمام الغني وإن كان منتصراً ، وبذلك تفاضلت المجتمعات آنذاك ، فأهل ذلك العصر يفضلون فقراء أهل الأبلة على فقراء أهل البصرة ، لأن فقراء أهل الأبلة أشد تعظيماً للأغنياء وأعرف بالواجب ، فهم يعتدون بأغنيائهم ويمتنعون عنهم حتى في المشاجرات ، فقد وقع كلام بين رجلين أبليين ، فأسمع أحدهما صاحبه كلاماً غليظاً فرد عليه مل كلامه ، فأنكروا ذلك إنكاراً شديداً لأن المردود عليه أكثر من الرَّادِّ مالاً ، وقالوا:"إذا جوزنا هذا له ، جوزنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا ( أي أن يساووهم ) ، ففي هذا الفساد كله" .
أقسـام الأغـنياء :
ينقسم أصحاب الأموال في ذلك العصر إلى سمحاء وبخلاء ، وخليط منهما ؛ أما السمحاء فيستمدون لمذهبهم أوامر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة ، وكل ما يؤكد أن السخاء هو طبع الإسلام ، ومن أمر الله عز وجل وهو فطرة العرب ، أما البخلاء فيستمدون لمذهبهم الخوف من الإسراف ومن ضياع المال ، وعنايتهم به إنما تنبع من أمر الله عز وجل للمؤمنين بعدم الإسراف ، فأهل السخاء يرون أن الأمة لم تبغض جواداً قط ولا حقرته، بل أحبته وعظمته ، بل أحبت عقبه ، وأعظمت من أجله رهطه ، وعلى خلاف هذا يعاملون البخيل ، فهم يبغضونه مرة ، ويحقرونه مرة ، ويبغضون بفضل بغضه ولده ، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه ، ولمحبة الأمة في الأغنياء تعلمت مناقبهم وتدارست محاسنهم ، وأضافت إليهم من نوادر الجميل ما لم يفعلونه ، ونحلوهم من غرائب الكرم ما لم يبلغوه ، ولبغض الناس للبخلاء أضافوا إليهم من نوادر اللؤم ما لم يبلغوه ، ومن غرائب البخل ما لم يقترفوه ، حتى ضاعفوا عليهم من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء ؛ فالجواد هو من طلب حسن الذكر ورجى الشكر وادخر الأجر ، أما البخيل فهو من كان زاهداً في هذه الأمور( ) .
• البخــــلاء :
وقد شكل البخلاء مذهباً قوياً مؤثراً في التشكيل الاجتماعي للعصر العباسي إذ كان لهم ناد يجتمعون فيه ، وحلقة يقعد فيها أصحاب الغنية ، والبخلاء الذين يتذاكرون الإصلاح وطرق البخل ومكانهم في الأغلب المسجد ، حتى سموا بالمسجديين ، ويبدو أن مسجد ابن رغبان بحي البصريين في بغداد كان ملتقاهم ومحط رحالهم ، وكان على رأسهم فيه أبو عبد الرحمن الثوري ، واجتمع له منهم عدد كبير ، منهم : إسماعيل بن غزوان ، وجعفر بن سعيد ، وخاقان بن صبيح ، وعبد الرحمن العروضي والحزامي عبد الله بن كاسب ، ومنهم سهل بن هارون ، وأبو يعقوب الخريمي ، وكان أبو سعيد المدائني إماماً للبخل في البصرة في ذلك العصر ؛ وكان البخل عندهم دعوة ومذهباً اقتصادياً وكان الثوري يحتج للبخل ويوصي به ويدعو إليه( ).
• الممــــــزوج :
كانت هناك طائفة من الناس لا تنتمي إلى البخلاء ولا إلى الأسخياء،فهم يجودون بالأموال لكنهم يبخلون بالطعام وقد روي عن هذه الطائفة من أعاجيب الأخبار الكثير، ومن ذلك أن عبد الملك بن قيس الذئبي دعا رجلاً من أشراف البصرة، فاصطحب الرجل معه مسكيناً ، فلما رآهم عبد الملك، وكان جواداً بالدراهم بخيلاً على الطعام، ضاق ذرعاً بالمسكين فأقبل عليه وقال له: ألف درهم خير لك من احتباسك علينا واحتمل غرم ألف درهم، ولم يحتمل أكل رغيف؛ وصاحب هذا المذهب هو الممزوج الذي امتزح فيه السخاء والبخل، فكان وسطاً بين الكريم والبخيل( )، وهناك نوع رابع مسرف في إنفاقه على نفسه ، بخيل على غيره.
• المترفـــون :
من الأغنياء البخلاء أو السمحاء على حد سواء من يتخذ الجواري والخدم،والدواب والحشم،والآنية العجيبة والبزة الفاخرة ، والشارة الحسنة ، كما أنهم استكثروا من مظاهر الترف مثل حب القيان والغناء والولوع بالخصيان، وحب الصيد والشراب ، وحب المراكب ، ونزهة البحر ، وإكثارهم من الاحتفالات، وكلها من مظاهر الترف والمفاخرة وطلب الرفعة والعظمة ، ومن مفاخراتهم أيضاً الإسراف والمطاولة في البنيان، وركوب البراذين ، ومن مظاهر الترف في ذلك العصر أيضاً الخيوش ، جمع خيش وهي الخيمات، ولعلها في ذلك الوقت كانت تتخذ صيفاً لعظماء الناس ، وهي عند ذاك أشبه بظاهرة التبدي في الجزيرة العربية حيث يخرج الناس بالخيام إلى البوادي يقضون فيها من ليالي الصيف الليلة والليلتين ، ومن مظاهر الترف كذلك عندهم : اتخاذ الحمامات في الدور وهي أشبه بالبانيو الآن ، وكذلك كان من إغراقهم في الترف أن رتبوا من يرسل إليهم في كل يوم مقداراً من الثلج والريحان ؛ وكانوا يستخدمون في الصيف المراوح لجلب الهواء وهي مراوح أولية مصنوعة من الريش يحركها الغلمان( ) .
ومن الناس من وصف بيئة كاملة بالبخل ومنهم من وصف بيئة أخرى بالكرم ؛ فمن البيئات العباسية التي وصفت بالبخل أهل الجزيرة بين دجلة والفرات ، وقد روى الجاحظ عن أصحابه قوهم : نزلنا بناس من أهل الجزيرة ، وإذا هم في بلاد باردة ، وإذا حطبهم شر حطب ، وإذا الأرض كلها غابة واحدة طرفاء . فقلنا : ما في الأرض أكرم من الطرفاء ، ( أي أحسن وقوداً ) ، قالوا : هو كريم ، ومكرمه نفر . قلنا : وما الذي تفرون منه ؟ قالوا: دخان الطرفاء يهضم الطعام ، وعيالنا كثير ..!" ؛ هاؤم أهل الجزيرة هم على خلاف أهل المازح الذين لا يعرفون البخل، مع أنهم أسوأ الناس حالاً، وكما وصفوا بيئة ما بالكرم وأخرى بالبخل ، وصفوا كذلك جنساً كاملاً بالبخل وآخر بالكرم ، فنحن نجد عند الجاحظ في بخلائه أن الفرس بخلاء والزنج أسخياء ( ) .
• المـجـالـس
1 ـ مجالس الحشمة : وهي نوع من المجالس المنتشرة في ذلك العصر ، وكان يسودها الحياء والانقباض ، ولا يستطيع أحد فيها أن يخرج عن وقاره ظرفاً أو هزلاً ، وهذه المجالس تتميز بتنوع الجماعات وكثرتها وكبر المجلس ، وعلى الأرجح هي مجالس الخلفاء والوزراء ، وكان رواد تلك المجالس الكبيرة يختلفون إليها في جماعات ، كل جماعة تمثل مذهباً فكرياً أو اجتماعياً ، يصطبغ دوره في المجلس بوحدة الاتجاه المذهبي والنفسي ( ) ، ومثل هذه المجالس مهما تعددت فهي محدودة بمحدودية الطبقة القائمة عليها .
2 ـ مجالس العلوم والمناظرة : شاعت في ذلك العصر المجالس الفكرية ، وهي مجالس العلوم والمناظرات الفكرية والمذهبية ؛ وهي واسعة الانتشار والتأثير في ذلك العصر ، تبعاً لاهتمام الناس البالغ بمثل هذه المجالس ومناظراتها التي كانت تضطلع بدور إعلامي أشبه بشعر المناقضات في الدولة الأموية، وقد كانت حلقاتها تعقد في الدور والقصور والمساجد والجبان والمسالك ، وقد ازدهرت في هذا العصر مثل هذه المجالس تبعاً لازدهار الشغف العلمي ، وطمعاً في منح الخلفاء والأمراء ونيل الحظوة عندهم ، ولاشتهار الأمر بين العامة كانوا يتدارسون نتائج تلك المناظرات ، وقد كان الخلاف شديداً بين أنصار المذاهب وأهل الأمصار والشعوب ، وكانت العصبية للبلاد وللنمط العلمي فيها شديداً ، وهذا كله كان وقوداً صالحاً لإشتعال نار المناظرة وحدتها بعنف وقوة ، وكان يتفرع عن تلك المجالس أيضاً مجالس العلماء مثل مجالس مويس بن عمران والأصمعي ؛ ومن آداب تلك المجالس مراعاة مشاعر الجالسين ، فلا يذكرون ما يسيء إليهم من هجاء أقوامهم أو يوغر صدورهم بمدح عدوهم ، قال فتى من البصرة لعبد النور كاتب إبراهيم بن الحسن لو عرفنا نسبك كفيناك سماع ما يسوءك من هجاء قومك ، ومن مديح عدوك( ) ؛إلا أن مجالس المناظرات ـ حتى تلك التي كانت تتم في بلاط الخلفاء ـ لم تسر على ذلك النهج بل تعدته إلى الرغبة في الانتصار المطلق مهما كانت السبل إلى ذلك الانتصار وإن كان سوفسطائية وتطاولاً على الخصوم .
3 ـ مجالس الإخوان : كانت مجالس الإئتناس من السنن الإسلامية المتبعة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كما في حديث بن عباس ـ إذا فاض من عنده في الحديث بعد القرآن ، يقول : أحمضوا (أي أفيضوا فيما يؤنسكم من الكلام ) ؛ وذلك لما خاف عليهم من الملال ؛ وأحب أن يريحهم ، فأمرهم بالأخذ في ملح الحديث والحكايات ؛ لأن العرب لا يحبون الوحدة ولا الفراغ ، لأنهما أجمع الخصال لأبواب المكروه من الشغل حتى وإن كُفِيَ الواحد منهم أمر الدنيا ، وما ذاك إلا كراهة في النبذ والعجز ، وقد كان الاجتماع عند أبناء ذلك العصر ينبع من استطالة فراغ الأيام ، والرغبة في الأنس بالإخوان أو التمتع بالمنادمة ، فلأحاديث بعض رواد هذه المجالس حلاوة تدعو إلى الاستكثار منهم ، بل وإلى الإذعان لهم بإحضار غرائب ما يشتهون( ) ، بل إن أبا هذيل العلاف كان يوزع الهبات من ماله على زائريه في المجلس ، قال :"يدي هذه صناع في الكسب ولكنها في الإنفاق خرقاء .. ! ، كم تظن من مائة ألف درهم قسمتها على الإخوان في مجلس"؛ وكانت للقوم أماكن يجتمعون فيها خارج منازلهم تسمى أندية ، وكانت لهم أروقة يستقبلون فيها ضيفان المنازل تسمى أحوية ( ) .
4 ـ مجالس الشراب :
كانوا يقولون : جمع الشر كله في بيت وأغلق عليه ، فكان مفتاحه السكر وعلى الرغم من ذلك كانوا يسرفون في شرب الخمور ويجتمعون لها في مجالس خاصة بها ، فكان منهم من لا يرضى بالشراب في البيت منفرداً حتى لا يفوته الحديث المؤنس والسماع الحسن ؛ فكانوا يجتمعون له ولا يمنعونه عمن يطلبه كما كانت عندهم أوقات للنبيذ داعية عليه ؛ قال ابن جهانة الثقفية :"عجبت ممن يمنع النبيذ طالبه لأن النبيذ إنما يطلب ليوم فصد أو يوم حجامة أو يوم زيارة زائر أو يوم أكل سمك طري ، أو يوم شربة دواء ولم نر أحداً طلبه وعنده نبيذ ولا ليدخره ويحتكره ، ولا ليبيعه ويعتقد منه [أي يجمعه ويقتنيه] ، وهو شيء يحسن طلبه ويحسن موقعه وهو في الأصل كثير رخيص ، فما وجه منعه ؟ .. إني لست أوجل ـ بما أهب منه ـ على نبيذي النقصان ؛ لأني إذا احتجبت عن ندمائي بقدر ما أخرجت من نبيذي ، رجع إلي نبيذي على حاله ؛ فيبدو أن الواحد منهم إذا احتجب عاده أصحابه ومعهم قراب النبيذ ، فهذا هو محمد المكي يزور إسماعيل بن غزوان ومعه قربة نبيذ ؛ وقد تكون هذه المجالس صباحاً فيشربون الخمر على الريق ؛ ومن عادات ومستلزمات جلسة الشراب عندهم : دريهم لحم وطسوج نقل وقيراط ريحان ، فكانوا يتنقلون على الشراب بالنقل والمسليات مثل الجوز واللوز والسندق والريحان ؛ وربما كان من عاداتهم في ذلك أنهم إذا علموا أن لدى أحدهم نبيذاً خمراً ذهبوا إليه دون دعوة ، قال الخزامي : "إذا علم الصديق أن عندي داذياً أو نبيذاً دق الباب دق المدل ، فإن حجبناه فبلاء وإن أدخلناه فشقاء"؛ كما أنهم كانوا يتكلفون عند النشوة وسورة الشراب والخمار مثلما فعل زبيدة بن حميد عندما سكر كسا صاحبه قميصاً ، على الرغم من بخله ؛ وقد شرب تمام بن جعفر مرة النبيذ وغناه المغني فشق قميصه من الطرب ( ).
• الدعوة :
الدعوة عند العرب :كان العرب ينزعزن بطبعهم إلى الدعوة والتلاقي وما داخل ذلك من مؤاكلة وسمر ، وكل ذلك بدافع ميثيولوجي واجتماعي ، فمن رواسخ معارفهم ما قالوه من أن : "يد الله مع الجماعة " ، و"في الاجتماع بركة " ... وكان يستحث بعضهم بعضاً في ذلك فيقولون :"لم لا نتطاعم ؟"؛ و يقولون : " طعام الاثنين يكفي الثلاثة .. وطعام الثلاثة يكفي الأربعة .."؛ فهذا من أهداف المؤاكلة عندهم إلى جانب الإئتناس والاجتماع ، حيث كان الاجتماع على الطعام عند البعض أقل في النفقة وأكثر ارتفاقاً وانتفاعاً بفضل أكلة واحد منهم لأخيه ؛ وكانوا يحبون أن يرد لهم صاحبهم الدعوة ويدعوهم لزيارته في منزله وكانوا عادة ما يفعلون ذلك ، غير أن بعضهم كان يحبس نفسه على إجابة الداعي فقط دون أن يدعو إخوانه لمثل ما دعوه إليه ، ومنهم أحمد بن خلف الذي كان " لا يفارق منازل إخوانه ، وإخوانه مخاصيب مناويب ( كثيروا الخير والعطايا ) أصحاب نفح وترف ، وكانوا يتحفونه ويدللونه ويفكهونه ويحكمونه"،وفي الوقت نفسه يضمرون في أنفسهم أنهم ينتظرون دعوته إلى بيته محلاً لنزهة نفوسهم ومجالاً لأنسهم ونشوة لأوقاتهم( ) ؛ وكانوا يعولون على من لا يدعو إخوانه إلى بيته وطعامه، فقد قالوا للحارثي : "والله إنك لتصنع الطعام فتغالي فيه ثم لا تشهده عدواً لتغمه ولا ولياً لتسره ولا جاهلاً لتعرفه ولا زائراً لتعظمه ولا شاكراً لتثبته ، وأنت تعلم أنه حين يتنحى (الطعام) من بين يديك ويغيب عن عينيك ، يكون نهباً مقسماً ومتوزعاً مستهلكاً . فَلِمَ تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك ؟ وإن حمدك لم يحسن أن يحمدك ؟ ومن لا يفصل بين الشهي الغذي وبين الغليظ الزهم ؟"؛فالطعام بعد رفعه من بين يدي صاحبه سيصير نهباً للخدم وما شاكلهم وهم لا يحمدون ، وإن حمدوا لا يحسنون ذلك لقلة ثقافتهم وجهلهم بأساليب الحمد والمدح ، فالأولى بالطعام أن يجعل لمن يتحدث بحديث ممتع ويصغي إذا تكلم مضيفه فيتمتع صاحب الدعوة بإنصاته كما تمتع بكلامه ، وسيجد في حديثه ظرفاً وإيناساً ينقضي معه الزمن سريعاً خفيفاً لطيفاً ماتعاً ( ) .
الدعوة عند الفرس : كان الباعث على الدعوة عند العرب وقاعدتها : الاجتماع والتلاقي والإئتناس؛ لذلك رأى الجاحظ في تصرف بعض الخراسانيين أمراً عجيباً عده من غريب ما يتفق للناس إذ شاهد خمسين رجلاً من الخراسانيين يتناولون الغداء على مباقل وهم حجاج في طريق الكوفة ، فلم ير من جميع الخمسين رجلين يأكلان معاً ، وهم مع ذلك متقاربون يحدث بعضهم بعضاً ؛ والسبب في ذلك يرجع إلى خشونة عيشهم وملبسهم وهم في ذلك أكثر خشونة من خشونة العرب وأقل نعيماً من نعيمهم حال النعيم؛ وقد حكى الجاحظ قصة رجل من أهل مرو بخراسان كان لا يزال يحج ويتجر وينزل على رجل من أهل العراق فيكرمه ويكفيه مؤنته وكان كثيراً ما يعد العراقي متمنياً قائلاً : ليت أني قد رأيتك بمرو .. إلى أن عرضت لذلك العراقي بعد دهر طويل حاجة في تلك الناحية ، فدخل عليه والخراساني يتغافل فيعرفه ويتجاهل حتى استنفد معه الحيل فلما علم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل بادر العراقي قائلا والله لو خرجت من جلدك لم أعرفك( ) .
• الإطعام وآدابه :
اعتاد العرب المؤاكلة ، حتى إن معاوية بن أبي سفيان وهو في مرتبة الخلافة وعلى رأس الأمة وفي نبل الهمة وإصابة الرأي دعا إلى مائدته رجلاً مجهول الدار غير معروف النسب ولا مذكور في يوم صالح، وكان المهلب بن أبي صفرة يوصي القيم على موائده بالإقلال من الماء والإكثار من الخبز والطعام ،وقد قال يوسف بن عمر الثقفي لقوام موائده : "أعظموا الثريدة فإنها لقمة الدرداء ؛ فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه والصبي الذي لم ينبت فمه . وأطعموه ما تعرقون ؛ فإنه أنجع وأشفى للقرم" ، فموائدهم كانت تضم الشيخ الأهتم والصبي الذي لم تنبت له أسنان ، وكان أحد أصحاب الجاحظ "يتزيد في تكثير الطعام وفي الحرص على أن يؤكل. حتى قال[مازحاً]: من رفع يده قبل القوم غرمناه ديناراً"( ). وهذه صورة من صور المزاح التي كانت تسود الموائد إلى جانب الأحاديث وإدخال السرور والإئتناس.
• صفات الطعام :
ـ طعام الشعوب: سئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام،فقال: ذهبت الروم بالجشم والحشو، وذهبت فارس بالبارد والحلو،وقال عمرو بن نهيوي: لفارس الشفارج والحموض [وهي المشهيات على الموائد]،وقال دوسر المديني: لنا الهرائس والقلايا [أي للحضر من العرب]،ولأهل البدو اللبأ والسلاء، والجراد والكمأة،والخبزة في الرائب والتمر بالزبد،ولهم البرمة والخلاصة والحيس والوطيئة؛ فالبادية كانت ذات رخاء نسبي في بعض الأوقات،بل إن الأصمعي تحدث عن خصب البادية ووفرتها، فقال سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية فقال:ربما رأيت الكلب يتخطى الخلاصة وهي له معرضة شبعاً( ).
ـ ألوان الطعام : تكون : غذية ؛ أي ذات غذاء كثير ، وتكون قدية ؛ والطعام القدي هو طيب الطعم والرائحة ، ويكون في الشواؤ والطبيخ ، ومن الأطعمة : المالح ؛ والملوحة هي المري والكامخ والسلاطات من النباتات والجوافة من الأسماك ن والمالح من اللحوم هو اللحم المجفف المملح ، والحامض : وهو الأطعمة الحمضية كالخل والأصباغ ، ومنه الخل الحاذق شديد الحموضة والخردل شديد الحرافة ،والصباغ وهو ما يؤتدم به ويختص بكل إدام مائع كالخل. وهناك طعام زهم : أي له رائحة كريهة بلا نتن أو تغير( ).
ـ أقسام الطعام : قسموا الطعام من حيث أسلوب تناوله إلى طعام يد وطعام يدين ، فطعام اليد فهو كل ما يؤكل بيد واحدة كالثريد والحيس ، والبهطة والجواذبة والعصيدة ؛ أما طعام اليدين فهو الطعام الذي يؤكل باليدين معاً كالخبز والإدام .
الطعام الممدوح : الطيب الممدوح من الطعام عندهم هو الناعم ، ولا يكون إلا عند أهل الثراء وأصحاب العيش ، ومنه الدرمك ، والحوارى ، والفالوذج ، والثريد ، والحيس ، والخبز واللحم والتمر ، وسنام الإبل ، وعقرها وإطعام لحمها زمن الشدة وبذل لبنها زمن الخصب .
الطعام المذموم : المذموم عندهم من الطعام ضربان : أحدهما طعام المجاوع والحطمات والضرائك والسباريت واللئام والجبناء والفقراء والضعفاء . ومن ذلك : الفث ، والدعاع والهبيد واالقرامة ، والقرة ، والعثوم ، ومنقع البرم ، والقصيد ، والقد والحيات . أما الضرب الآخر من الطعام المذموم عندهم ، فهو : خريزة مجاشع بن دارم،وسخينة قريش، وتمر الأنصار وعبد القيس وعذرة ، والكلاب ولحوم الناس( ).
• عادات الطعام :
1 ـ الاستزارة :
من عادة العرب الزيارة ، وأن يحط الرجل رحله في سفره عند ثقته وموضع أنسه من الإخوان في البلد الذي يحل به ؛ كما كانت من عاداتهم الاستزارة وهي طلب زيارة الإخوان له ، ومن ذلك أن ابن العقدي كان له بستان ربما استزار أصحابه فيه ، كما كان بن جذام الشبي يلح على أصحابه بالاستزارة ويصمم عليها ويقول لمن امتنع منهم : جعلت فداك ..! أنت تظن أني ممن يتكلف ، وأنت تشفق علي .. لا والله .. إن هي إلا كسيرات يابسة ومح وماء الحب ، ولا يدفعه إلى ذلك إلا الرغبة الملحة في الاجتماع والتلاقي بينه وبين الناس و الإئتناس بهم ؛ ولهذا كان في أهل الحربية رجل سخي ، أكثر من استزارة ابن عباد من طريق الرغبة في الأدباء ، وفي مشايخ الظرفاء ؛ كذلك سأل محفوظ النقاش أبا عثمان الجاحظ ـ عند عودتهما ليلاً من المسجد الجامع ـ أن يبيت عنده ، وقال :"أين تذهب في هذا المطر والبرد، ومنزلي منزلك ، وأنت في ظلمة وليس معك نار"، أي مصباح يضيء ، ويبدو أن المبيت عند الإخوان كان من عادات العصر ، فهذا محمد المكي يتعشى عند مويس بن عمران ويبيت عند إسماعيل بن غزوان ، وقد كانت لهم عناية كبيرة بمن يزورهم من ضيوفهم وآداب يراعونها عند لقائهم ، وكان كذلك على هؤلاء الضيوف مراعاة أشراط الضيافة وآدابها ، فكان إذا دخل الضيف دار مضيفه أول ما يفعله عند استفتاحه الدخول عليه مع السلام ، خلع نعله والتلطف في ذلك .
2 ـ الأنس بالإخوان : كان الإطعام عندهم طلباً للأنس ؛ لكن بعض المدعووين اعتادوا دعوة آخرين وإدخالهم معهم إلى بيت مضيفهم ، فالمدعو يسمى "ضيف" ، وضيف الضيف يسمى "ضيفن فيروى أن ثمامة كان يحتشم أن يقعد على خوانه من لا يأنس به ، لذلك لم يجد ما يمنعه من تعنيف ضيفه قاسم التمار الذيي اصطحب معه ضيفن له مراراً فأقبل عليه منتقداً وقال : ما يدعوك إلى هذا ، لو أردتهم لكلن لساني مطلقاً وكان رولي يؤدي عني . فم تحبس على طعامي من لا آنس به ( ).
3 ـ رسل الدعوة:وكان القوم لا يلقون بأنفسهم علىالداعي ولا يتطفلون على المضيف وإنما يجيئونه بالاستحباب منه وبعد مواترته الكتب والرسل والتغضب عليهم إن هم أبطأوا في إجابة الدعوة ( ) فكان الداعي يقوم بإرسال الرسل أو الدعوة مشافهة .
4 ـ استخدام عود الخلال: كان من عاداتهم استخدام عود الخلال بعد الطعام ، قال الجاحظ : "كان الخراساني [ قيم ربع الشاذروان ] يحمل مع طعامه عود خلال ، فلما أكل كل شيء معه تخلل"، ويبدو أنهم كانوا يلقون بالعود عقب استخدامه فلا يعودون إليه بعد مرته ولا يستعملونه إلا مرة واحدة ، وكان ذلك عندهم عرفاً ، ومن خرج عليه كان لافتاً للنظر يسحق التندر به والذكر عليه ، فهذا عمر بن يزيد الأسدي الذي يتندرون به لبخله ومسوغ ذلك عندهم أنهم رأوه يتخلل من الطعام بخلال واحد شهراً ، كلما تغدى حذف من رأسه شيئاً ، ثم تخلل به ، ثم وضعه في مجرى دواته ( ) .
5 ـ الأكل بثلاثة أصابع .
6 ـ المشي بعد الأكل: من العادات التي تلي الطعام عندهم : المشي بعد الأكل،فهذا هو الخراساني بعد أن أكل وتخلل وغسل يده مشى مقدار مائة خطوة .
7 ـ غسل اليدين بعد الأكل: ذكر إبراهيم بن السندي للجاحظ خبراً عن أكل الشيخ الخراساني عمدة الشاذروان ، فقال أنه بعد أن أكل وتخلل : غسل يده .
8 ـ تزيين المائدة وحسن التقديم : كان الجل منهم إذا أتي ما أتي من الطعام لم يكن أكله إلا على قدر استطرافه ؛ إذا أتي بذلك في طبق نظيف مع خادم نظيف عليه منديل نظيف ، وقد سئل أبو شعيب عن موسى بن عمران فزعم أنه لم ير قط أشح منه على الطعام ، فقيل له وكيف ؟ ، قال : يدلك على ذلك أنه يصنعه صنعة ويهيئه تهيئة من لا يريد أن يمس فضلاً على غير ذلك ! ، وكيف يجترئ الضرس على إفساد ذلك الحسن ، ونقض ذلك النظم ، وعلى تفريق ذلك التأليف ! ، وقد علم أن حسنه يحشم ، وأن جماله يهيب منه ، فلو كان سخياً لم يمنع منه بهذا السلاح ، ومن ذلك يتضح مدى عناية مويس بن عمران بشكل المائدة وتزيينها وتهيئتها للآكلين على نحو مبالغ فيه ، وقد وصف أحدهم تزيين الطعام فقال أنه أتي يوماً بقصعة فيها ثريدة كهيئة الصومعة [ أي عالية مدققة الرأس ] مكللة بإكليل من عراق( ) .
9 ـ بقايا الخبز والطعام : كان الخبز على الموائد لا يسلم من التلطخ والتغمير ، فتنجلي الوليمة عن جردقة غمرة ، ورقاقة ملطخة .. وغير ذلك ، فكانوا بعد الولائم والموائد يعمدون إلى الجرادق [ من الخبز] التي ترفع عن المائدة : فما كان منها ملطخاً ، دلك دلكاً شديداً ، وما كان منها قد ذهب جانب منه قطع بسكين من ترابيع الرغيف مثل ذلك ، وما كان من الأنصاف والأرباع جعل بعضه للثريد وقطع بعضه كالأصابع وجعل مع بعض القلايا ، فالأغلب أن يؤمر بمسح الخبز الملطخ بالدهون ثم يجعلون منه الثريدة ؛ هذا شأن الخبز المتبقي؛أما الطعام فكانوا يصنعون منه كميات كبيرة يأمنون معها بقاء فضل، فهذا أبو يعقوب الذقنان يطبخ سكباجاً بالبصل والباذنجان والقرعة والجزر واللحم ، فيأكل مع عياله أول يوم من رأس القدر ثم يرجئ ما بقي لليوم من بعد اليوم ؛ وعند الأثرياء منهم يذهب الطعام المتبقي للخدم والعبيد ؛"فالطعام بعد رفعه من بين يدي صاحبه سيصير نهباً للخدم وما شاكلهم ؛ ويبدو أنهم كانوا لا يحتشمون من تقديم فضل الطعام وما بقي من الموائد للمقربين من إخوانهم وهذا ما يوحي به ظاهر خبر علي الأعمى مع يوسف بن كل خير، إذ دخل علي الأعمى على يوسف وقد تغدى فقال ياجارية هاتي لأبي الحسن غداء . قالت : لم يبق عندنا شيء . قال هاتي ـ ويلك ! ـ ما كان فليس من أبي الحسن حشمة( ) .
10 ـ الأكل في محل العمل : من العادات المنتشرة في ذلك العصر : الأكل في محل العمل ، فهذا أبو الأسود كان له دكان لا يسع إلا مقعده ، وطبيقاً يوضع بين يديه ، وجعله مرتفعاً ، ولم يجعل له عتباً كي لا يرتقي إليه أحد .
11ـ إهداء الطعام: كانوا في ذلك العصر يتهادون صنوف الطعام، بل ربما كان القوم قد تعارفوا فيما بينهم علىأصناف معينة للإهداء بحسب مقام من يهدى إليه الطعام،ومن ذلك ما رواه الجاحظ أن أبا الهذيل العلاف أهدى مويساً بن عمران دجاجة، ثم يعلق الجاحظ على دجاجة أبي الهذيل بقوله:"وكانت دجاجته التي أهداها دون ماكان يتخذ لمويس"( )،وما ذلك إلا لأن مويس كان قيم دار الحكمة وكان عالماً فاضلاً جواداً كريماً كثير الإخوان،والجاحظ هنا يعني أن ما سبق من مويس إلى أبي الهذيل من صنائع لا تقابل بدجاجة،وكان الجاحظ ينتظر من أبي الهذيل رداً جميلاً يليق بمقام مويس بن عمران أو أن يكف.
12 ـ لحوم الشتاء ولحوم الصيف: كانوا يكثرون من أكل اللحوم في الشتاء طلباً للدفء،وفي الصيف تنقص شهوات الناس إليها ويزهدون فيها مخافة الكظة والامتلاء والعطب، وكانوا يقولون:"عليكم بالتخفيف في الصيف كله واجتنبوا اللحم خاصة"؛ فهذه هي عادتهم وقاعدة طعام اللحم عندهم ، لكن هناك أناس"اختلط عليهم التدبير في فرق ما بين الشتاء والصيف"،وجعلوا ضابطهم في ذلك ليس النفع بل الشهوة ، فإن وافقت صيفاً فصيف وإن وافقت شتاءً ، فشتاء ، قال الجاحظ :"فوجه ذلك أن العلل كانت تتصور له ، وتعرض له الدواعي على قدر قرمه وحركة شهوته ، صيفاً وافق ذلك أم شتاء"، "فاختلط عليه الأمر فيما بين الشتاء والصيف ، فكان مرة يشتريه في هذا الزمان ، ومرة يشتريه في هذا الزمان" .
13 ـ السمنة والترغيب فيها : من نصائح الثوري قوله في الميل إلى السمنة والترغيب فيها : "لو رغبتم في الدفء لالتمستم الشحم وكيف لا تطلبون شيئاً يغنيكم عن دخان الوقود وعن شناعة العكر وعن ثقل العزم ؟ ، والشحم يفرح القلب ويبيض الوجه ، والنار تسود الوجه.. "( ).
14 ـ يوم الجمعة ( الموسم الأسبوعي ) : كان يوم الجمعة من الأيام المميزة عندهم في كل شيء فهو موسم اجتماعي ومنزلي وعيد أسبوعي يخرجون فيه إلى المتنزهات أو يتخذه آخرون منطلقاً لتدبيرهم ، وطائفة أخرى اتخذت من يوم الجمعة ملتقى لها ومجمعاً للإخوان والأصدقاء ، ومن هؤلاء أخو الداردريشي الذي جعل لإخوانه مجلساً على بابه كل جمعة ، وفي يوم سأله الداردريشي ـ وكان بخيلاً ـ فقال له :"حدثني عن وضعك أطباق الرطب وبسطك الحصر في السكك وإحضارك الماء البارد وجمعك الناس في كل جمعة ( )، فهذا اليوم بالنسبة لهم كان يوم الطعام ويوم الاستجمام والترويح عن النفس في البساتين والشواطئ والمتنزهات .
15 ـ أكل اللحم : كان القصابون يذبحون الذبائح يوم الجمعة وهو موسمهم الأسبوعي ، وفيه يقوم التجار والصناع والعوام بأكل اللحم ، فكان العامة يتخذون من هذا اليوم منطلقاً لتدبير معيشتهم في سائر أيام الأسبوع فالعوام والتجار والصناع إذا ما اشتروا لحماً يوم الجمعة لا يقومون إلى شرائه يوم السبت لقرب عهدهم بأكله في يومهم السابق ، ولأن عامتهم قد بقيت عنده فضلة تمنعه من اشتهاء اللحم ، لذلك كان هناك نوع من الناس يختار يوم السبت لشراء ما بقي من رؤوس الذبائح ، ومن هؤلاء أبو عبد الرحمن الثوري ، إذ كان عليماً بأحوال رؤوس الذبائح ، ولا يشتري سواها ولا يشتريها إلا يوم السبت لحسن تدبيره بعد أن يفرغ الناس من اشتهاء اللحم يوم الجمعة .
16 ـ التوابل : كانوا يهتمون باستخدام التوابل في طعامهم لدرجة كبيرة ، وهي الأفاويه والأبزار التي توضع في الطعام لتقوية طعمه ، وذلك كالكزبرة والكمون والفلفل ، ومن هذه الأفاويه الدارصيني ، وهو أشبه بالقرنفل ، ومعروف حتى الآن .
17 ـ الإمساك عن الطعام:اعتاد القوم آنذاك الامتناع عن الطعام في أوقات محددة ومناسبات معينة في غير العبادة،فقد كانوا لا يأكلون بعد الفصد والحجامة والحممام ، وزاد بخلاؤهم منع الأكل بعد الخمار( )، أي ذهاب الهمة بفعل الخمر .
18 ـ إفطار رمضان : الاجتماع أصل في الحياة العربية ، لذلك اعتاد القوم في شهر رمضان المبارك أن يشاركهم جيرانهم في إفطار جماعي طوال شهر رمضان ، وفي مثل تلك الأيام كان من عادتهم أداء صلاة المغرب قبل تناول الأكل ، قال أبو كعب الصوفي : دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في شهر رمضان وكنت فيهم ، فلما صلينا المغرب أقترب علينا وقال : اسمعوا ما أقول ، فإن فيما أقول حسن المؤاكلة"، ويبدو أن موسى بن جناح كان يسكن حياً متديناً محافظاً ؛ أما بلال بن أبي بردة، وهو والي البصرة فكان جيرانه يتبرمون من صلاة المغرب قبل الإفطار ، ربما لأنهم أقل تديناً وحرصاً على عبادتهم من جيران ابن جناح ، أو لأنهم يعرفون بخل ابن أبي بردة ، فبلال بن أبي بردة كان يفطر الناس في شهر رمضان وكانوا يجلسون في حلقات وتوضع لهم الموائد فإذا أقام المؤذن الصلاة نهض بلال إلى الصلاة ، ويستحي الآخرون فإذا قاموا إلى الصلاة جاء الخبازون فرفعوا الطعام، ولم تكن الدعوة إلى الإفطار حكراً على علية القوم من المسلمين فقط ، بل كان أبو عثمان الأعور النصراني يدعو خمسين رجلاً من العرب فيهم أبو رافع الكلابي ، وهو شاعر جواد ندي ، فيفطرون عنده ، فيجاملهم ويحسن لقاءهم ، وكانت بيئة المسجد المحيطة به من منازل الكورة ( أي الحي ) تضطلع بإطعام الناس في إفطار رمضان ، فلما كان ثمامة بن أشرس النميري من أصحاب الفساطيط وزعيم من زعماء المعتزلة ، كان يفطر الناس فكثروا عليه " ( ) .
• الأواني المنزلية :
كانوا يستخدمون عدداً كبيراً من الأواني المنزلية بعضها خاص بالطعام والآخر بالطهي والثالث بالمائدة والرابع بالشراب .. .. إلخ ، ومن هذه الأواني : (الغضار الصيني الملمع) : وهي الأطباق الصينية الصقيلة اللامعة ، تنسب إلى الصين لجودتها؛(الخلنجية): وهي آنية تنسب إلى شجر يتخذ منه الأواني ؛ والميجان : وهو وعاء أكبر من الهاون أو المدقة ؛ والإجانة : وعاء للدهانات ، كانت تحفظ فيه النورة ( وهي من وسائل النظافة كالصابون ) ؛ والسكين:وهي آلة حادة صغيرة الحجم كانت تستعمل على الطعام؛ فيبدو أنهم كانوا يتناولون طعامهم باستخدام السكين والبارجين (الشوكة والسكينة) ؛ والبارجين : وهي معرب برجيد الفارسية ، وهي ما يعرف الآن باسم الشوكة( ) .
• من أنواع الأطعمة :
كان العصر العباسي يذخر بالألوان المختلفة من صنوف الأطعمة والمشهيات ، وكان أهل الحضر والأمصار أكثر مأكلاً من غيرهم ، وهم لخصب عيشهم لا يقتصرون على نوع واحد من الأغذية ، كما أنهم كثيراً ما يخلطون بالأغذية من التوابل والبقول والفاكهة رطباً ويابساً ، فإنما يدعو إلى ذلك ترف الحضارة( )، كما أن اهتمامهم بالطعام كان كبيراً فأطعمة ذلك العصر تنوعت تنوعاً كبيراً ؛ ومن ألوان أطعمتهم؛ العراق : والأصل فيه العظم الذي بقي عليه شيء يسير من اللحم ؛والقلية : وهي مرقة تتخذ من لحوم الإبل وألبانها ؛والجردناج ، أو الكردناج : وهو طعام يصنع من اللحم الذي يغلى في الماء قليلاً ثم يشوى ؛ والصلائق : وهي اللحم المشوي المنضج؛ والرخلة : طعام يصنع من لحم الضأن وينتسب إلى الأنثى من أولاد الضأن ؛ والطفيشلية : طعام يجهز من المرق ؛ والسكباج : وهو لحم يطبخ بالخل ويؤكل حاراً ومبرداً ؛والطباهج والطباهجة : وهي شرائح من اللحم ( بانيه) تقلى مع السمن؛ و البستندود : وهو نوع من الفطائر ؛ والمري: وهو الذي يؤتدم به كأنه نسب إلى المُرِّ،ويسمونه "الكامخ"، وهو ما يعرف الآن بـ(السلاطة)؛والعجائن عندهم أنواع،منها المخمر،ومنها الغفل الفطير،وأفضلها من غالى الخباز في عجنه وقواه وأملكه ؛ومن أنواع الخبز عندهم؛ الخشكار: وهو خبز يتخذ من دقيق خشن غير منخول( )؛ كما عرفوا الحلوى وجعلوها من الأطعمة المهمة وتوسع العصر العباسي فيها ، لدرجة دفعتهم لاستخدام أصناف منها دواءً لبعض العلل كالسعال ، فانتشرت أنواع عديدة منها : الفانيذ السكري : وهو ضرب من الحلواء وكان يعالج السعال ؛ والحريرة : وهي حلوى تتخذ من النشاستج والسكر ودهن اللوز؛ والخبيصة : حلوى كانت تصنع من أشياء متعددة وتخلط ، وهي في الأغلب تصنع من السمن والتمر؛ والفالوذج ، أو الفالوذق : وهو حلوى تصنع من لب الحنطة ، المخلطة بالعسل ، وأول من طعمه من العرب عبد الله بن جدعان( ) .
الـمـــــــــــاء
للماء قيمة كبيرة في الحياة الإنسانية ، والعرب أكثر الشعوب معرفة لهذه القيمة لطول حياتهم في الصحراء على القلة والنضب غير أن العصر العباسي كان أهل العاصمة والحواضر الإسلامية المهمة يعيشون على ضفاف الأنهار التي تنتشر في ربوع دولة الخلافة شرقاً وغرباً ، فكانت الثروة المائية في العصر العباسي كبيرة لدرجة أن الأنهار قد تفرعت عنها أنهر صغيرة تسمى غيلان ، كانت تجري في مجارٍ معهودة في الدولة العباسية عند كثرة المياه ، وهي أشبه بالمفيض الذي ينقل الماء الفائض عن مجرى النهر إلى البساتين والمزارع التي أخذت أقصى اتساع لها في الدولة الإسلامية ، فإذا قل النهر جفت هذه الأنهر ، قال الكندي لرجل من تغلب :"يا أخا تغلب إني والله كنت أجري ما جرى هذا الغيل وأجري وقد انقطع السيل"، يقصد عطاياه . ومع ذلك كانوا أهل حنكة وتدبير في استخدامها لطول عهدهم بالجفاف من عهد أجدادهم ، لكن هذا لم يمنعهم من التفنن في الترف بما عندهم منه واستخدامه وسيلة لهذا الترف أو عنصراً من عناصره؛فكما أنهم كانوا يستخدمون الماء لتلطيف حرارة الجو في الصيف بصبه على أرض البيت ؛وكان أهل ذلك العصر يرون أن ماء دجلة أمرأ من ماء الفرات،وأن ماء نهر مهران بالسد أمرأ من ماء نهر بلخ في قاعدة خراسان؛فالماء النمير والنمر عند العرب هو الماء الذي تجود عليه الماشية وتترعرع وتنمو ثم استعمل للناس بعامة،والماء الذي عليه النفط أمرأ من الماء الذي يكون عليه القار أو الزفت؛وكانت العرب تتواصى بالماء وشربه على الغداء ؛ وكانوا يهيئون الماء للشراب بحسب الظروف المناخية والطقس ودرجة صفاء الماء،فيصفونه وفي الصيف يبردونه ويلفون إناءه بغطاء مبلول من القماش والخيش ليبرد ويسمون قدره مزملة؛ويظهر ذلك من عبارة الجاحظ:"واشتد زبيدة بن حميد على غلمانه في تصفية الماء وتبريده وتزميله لأصحابه وزواره"( ).
• ترشيد استخدام الماء :
قال الحسن البصري عند ذكر السرف:إنه يكون في الماعونين الماء والكلأ،وبهذاالقول استدل سهل بن هارون عند ذكر حسن تدبيره وترشيد استهلاكه للماء،فقال:"أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدل حجمها على مبلغ الكفاية،وأشف[أي وأكثر] من الكفاية،فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء والتوفير عليها من وظيفة الماء،وجدت في الأعضاء فضلاً على الماء فعلمت أني لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله، ورغبت عن التهاون في ابتدائه لخرج آخره على كفاية أوله،ولكان نصيب العضوالأول كنصيب الآخر"( )،وقد كانت للقوم عادات تختص بالماء دون غيره وقوانين منظمة لاستهلاكه،وإنما حرصوا علىذلك حرصاً بالغاً؛ لما كانوايلقونه من عذاب الظمأ وقت الجفاف؛ومن قوانينهم الصارمة في هذا الجانب:
ــ المصافنة في السفر: وهي أن يقاسم الرفيق رفيقه الماء حتى لا يغبن أحدهما الآخر ؛ وذلك أن الماء إذا نقص عن الري اقتسموه بالسواء ، ولم يكن للرئيس ولا لصاحب المرباع [وهو الرئيس الذي يأخذ ربع الغنيمة]، والصفي [الذي يصطفيه الرئيس من الغنيمة] ، وفضول المقاسم [التي يأخذها الرئيس]فضل على أخس القوم ، وهذا خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء ؛ وكانوا يمدحون من آثر صاحبه ، ولا يذمون من أخذ حقه منه .
ــ المقاسمة في الحل والمقام : فقد كانوا يقتسمون الماء بأسلوب معياري،فيأتون بحصاة فيضعونها في الإناء ويصبون عليها الماء حتى يغمرها فتكون الشربة نصيب أحدهم،والبغداديون يسمون هذه الطريقة"المقلة" .
فكانوا يحافظون على الماء ويرشدون في استعماله فإذا قال الرجل لخادمه اسقني أو اسق فلاناً ماءً، أتاه بقلة على قدر الري،على خلاف الطعام فإذا قال أطعمني أو هات لفلان طعاماً أتاه بما يفضل الجماعة؛ كما كانوا يخشون من كثرته الضرر بالمنازل فقد كانوا يخافون من تآكل الحوائط بفعل الرطوبة التي يخلفها الماء على جدران المنازل؛روى عمر بن نهيوي عن الكندي،قال: بينا أنا ذات يوم عنده إذ سمع صوت انقلاب جرة من الدارالأخرى فصاح:أي قصاف..!،فقالت مجيبة: بئر وحياتك..!،أي أن ما سمعه هو انصباب الماء في البئر من الدلاء وليس ما توهمه من أن ذلك انقلاب جرة يخشى من مائها على الحوائط والأرض المجصصة ؛ والكندي هو الذي قال:"كم من حائط تآكل أسفله وتناثر أعلاه واسترخى أساسه وتداعى بنيانه من قطر حب ورشح جرة ومن فضل ماء البير ومن سوء التدبير"( ).
ـ الشراب الكريه : كان عندهم نوعان من الشراب كريهان إلى أنفسهم هما الفظ والمجدوح وكانوا لا يلجأون إليهما إلى عند انقطاع الماء في المفاوز وخشية الهلاك ؛ فالفظ هو عصارة الفرث ، إذا أصابهم العطش في الصحراء والمفازات ؛ أما المجدوح فكانوا لا يلجأون إليه إلا إذا بلغ العطش منهم المجهود ، فكانوا ينحرون الإبل ويتلقون ألبابها بالجفان ، كي لا يضيع من دمائها شيء ، فإذا برد الدم ضربوه بأيديهم ، وجدحوه بالعيدان جدحاً ، حتى ينقطع ، فينعزل ماؤه من ثفله ، كما يخلص الزبد بالمخيض ، والجبن بالأنفحة فيتصافنون ذلك الماء ويتبلغون به حتى يخرجوا من المفازة( ) .
الطــب والأمــراض
• الأطباء :
كان الأطباء يمثلون طائفة مخصوصة من طوائف المجتمع ، فلهم شكل اجتماعي مخصوص وهيئة مهنية ، تصرفاتهم مقننة ومحددة ، ولهم صفات مخصوصة ، وأهم المواصفات المهنية للطبيب : العلم والصبر والخدمة ، وأن يكون صاحب بيان ومعرفة حتى يستطيع أن يشرح لناس عللهم ؛ وإذا كانت هذه هي المواصفات المهنية ، فإن المجتمع وضع لهذه المهنة مواصفات اجتماعية خاصة بالأطباء في ذلك العصر ؛ فقدموا الأطباء من اليهود والنصارى على المسلمين منهم ، والأطباء من اليهود والنصارى كانت لهم مواصفات مظهرية تختلف عن مثيلاتها عند الأطباء المسلمين ، فالمسلمون كانوا يتحدثون العربية ، ويرتدون رداء قطن أبيض ، بينما اليهود والنصارى من الفرس وغيرهم كانوا يرتدون رداء حرير أسود ، ويتكلمون الفارسية وهي لغة جنديسابور ، قال الجاحظ :" كان أسد بن جانئ طبيباً فأكسد مرة ، فقال له قائل: السنة وبئة ، والأمراض فاشية . وأنت عالم ، ولك صبر وخدمة ، ولك بيان ومعرفة ، فمن أين تؤتى في هذا الكساد ؟ قال أسد : أما واحدة فإني عندهم مسلم . وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب أن المسلمين لا يفلحون في الطب ..!، واسمي أسد ، وكان ينبغي أن يكون اسمي صليباً ومرائيل ويوحنا ، وبيرا . وكنيتي: أبو الحارث ، وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى ، وأبو زكريا ، وأبو إبراهيم ؛ وعلي رداء قطن أبيض ، وكان ينبغي أن يكون رداء حرير أسود ، ولفظي عربي ، وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور"( ).
• المعتقدات الطبية والأمراض :
كانت تشيع في ذلك المجتمع معتقدات طبية وإجراءات وقائية بعضها يقبلها الأطباء لثبوت صحتها بالتجربة للدرجة التي لن يجدوا معها سبيلاً لتكذيبها أو التخفيف من اعتقاد الناس بها، وبعضها الآخر هو إجراءات يمارسها المجتمع ولا ينصح بها الأطباء ، وربما لمنفعة شخصية تعود عليهم ؛ كما قال محمد بن أبي المؤمل:" لو شرب الناس الماء على الطعام ما أتخموا ، وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء ، وربما كان شبعان وهو لا يدري ، فإذا ازداد على مقدار الحاجة بشم ، وإذا نال من الماء شيئاً بعد شيء عرفه ذلك مقدار الحاجات ، فلم يزد إلا بقدر المصلحة ، والأطباء يعلمون ما أقول حقاً ولكنهم يعلمون أنهم لو أخذوا بهذا الرأي لتعطلوا ولذهب المكسب ..!، وما حاجة الناس إلى المعالجين إذا أصبحت أبدانهم"( )؛ وكانوا يعتقدون أن الطعام أصل الأمراض كلها ، وأن وقوع الأمراض في أهل الحضر والأمصار أكثر لكثرة أكلهم( )؛ فكان من النصائح الطبية الشائعة في ذلك العصر، ما حفظوه عن الحارث بن كلدة طبيب العرب ، إذ قال:"إن الدواء هو الأزم (أي:الحمية الغذائية)، وأن الداء هو إدخال الطعام في أثر الطعام"، ومن معتقداتهم أيضاً أن قلة الطعام كانت سبباً في فوائد طبية عديدة ، قال أبو عبد الرحمن الثوري: " لم صفت أذهان العرب ؟ ولم صدقت أحساس الأعراب ؟ ولم صحت أبدان الرهبان، مع طول الإقامة في الصوامع ؟ وحتى لم تعرف النقرس ولا وجع المفاصل ولا الأورام إلا لقلة الرزق من الطعام وخفة الزاد والتبلغ باليسير"( )؛ ومن معتقداتهم الطبية الصائبة التي ينادي بها الأطباء حتى في عصرنا هذا: التخفيف من الأكل صيفاً ، واجتناب اللحوم فيه بخاصة ، كما أنهم حذروا من الإكثار من الطعام في عقب الحجامة والفصد والحمام ، وعادة الأكل قبل وبعد الحمام من الأمور التي يحذر منها الأطباء ؛ وكما كانت لهم نصائح شعبية شائعة ، كانت لهم كذلك وصفات علاج شعبية ومن ذلك أن من خشي الجذام وصفوا له الاستنقاع في السمن ، ومن أنواع العلاج الاحتقان بحقنة فيها أدهان لغسل المعدة، ولا أدري كيف كان أسلوبهم في الحقن ن لكنه في الأغلب يكون بطريقة أشبه بالحقنة الشرجية أو الأقماع؛ ويبدو أن المعالجة بحقنة الأدهان لا يكون إلا في الحالات المستعصية ، لأنهم كانوا يعرفون أنواعاً من الأدوية المهضمة مثل الجوارشن ، وإن كان يعد هذا الدواء ، في الأصل ، من الأطعمة ؛ فهم اتخذوا عدداً من الأطعمة دواءً لبعض الأمراض مثل الفانيذ السكري ، والحريرة التي تتخذ من السكر ودهن اللوز والنشا ، وهما من أصناف الحلوى ، كما اتخذوا ماء النخالة الساخن علاجاً للسعال( ) .
• الأمراض :
وقد تنوعت الأمراض الشائعة في ذلك العصر إلى أمراض نفسية وعصبية ، مثل التيه والمرة ( أو السوداء ) ، والقلق ، والصرع ؛ وأمراض عضوية ، مثل أمراض الباطنة والأسنان والعيون ، والإكلة والبرسام والبغر وأمراض الشيخوخة ، مثل : الفالج .
• الأمراض النفسية والعصبية :
ظهرت في المجتمع العباسي بوصفه مجتمعاً حضارياً ، مجموعة من الأمراض التي يمكن أن نطلق عليها أمراض الحضارة مثل القلق والاكتئاب وهما من أمراض المجتمعات الصناعية كما يسميها علم النفس الاجتماعي فتلك المجتمعات تواجه مجموعة من المتغيرات أولها الهوة الاجتماعية بين الإنسان والقيمة إلى جانب أمراض عُصابية شائعة منذ القديم ، مثل الصرع والجنون بمراحله ( ) :
1 ــ الصرع:كانوا في ذلك العصر يعدونه واحداً من أمراض الجنون المستعصية،والمصروع هو الذي تعتريه نوبات تشنج وإغماء واضطرابات ن ويخرج من فمه ما يشبه الزبد والرغاء،وكان هذا الداء عادة ما يفضي إلى الموت،أو هم يظنون أن من يموت وهو مريض بهذا المرض أنه هو السبب في موته .
2 ــ التيه : من الأمراض النفسية التي كانت تصاحب التطورات الحضارية لذلك العصر ، إذ أن معظم المرضى به كانوا من المغنين ، وهو مفهوم كلام الجاحظ عن الكناني المغني إذ قال:" وأدركه ما يدرك المغنين من التيه" .
3 ــ المرة : وهي من الأمراض التي تصيب المزاج فتحدث في النفس اضطراباً تصاحبه المخاوف والوساوس .
4 ــ الأرق والقلق : من الأمراض النفسية الشائعة في ذلك العصر .
• الأمراض العضوية :
1 ــ الباطنة : كانت تشيع عندهم بعض العوارض المرضية بفعل كثرة الطعام،مثل الكظة،وهي ثقل المعدة الناتج عن الامتلاء الشديد،والنفخة وهي كثرة غازات البطن،والقرقرة وهي ما يعترض أسفل البطن من مغص لكثرة الطعام،والبشم وهو نوع من الامتلاء الشديد الذي يمكن أن يفضي بصاحبه إلى الموت.
2 ــ الصدرية : ومنها السعال وكانوا يداوونه بالأساليب العلاجية الشعبية ومنها أكل الحلوى والعسل، ومنها شرب ماء النخالة الساخن .
3 ــ البغـر: هو داء يصيب الإنسان بالعطاش ويدفعه إلى الإحساس بالحاجة الملحة إلى شرب الماء، حتى ينتهي به الأمر إلى الاختناق باسفيكسيا الغرق( ) .
4 ــ العيون : كانت أمراض العيون شائعة آنذاك ، ومنها الانخساف إذا ذهبت العين أو ساخت ، ومنها الماء وهو من الأمراض المعروفة إلى الآن في طب العيون ، ومنها داء يسمى ريح السبل ، يجعل الإنسان كالأعشى لا يكاد يرى حتى يذهب بصره ، وكانوا يعتقدون أن البكاء أصح لبصر ومن الأساليب الوقائية للنظر وهواعتقاد صائب.
5 ــ الإكلة والأُكال : من الأمراض الجلدية ، وهو داء الحكة والجرب( ) .
6 ــ البرسام : هو ضربة شمس تجعل المصاب يدخل إلى طور من أطوار الحمى ، ويهذي في هذه العلة ، وهو غير الرعن ن يقال رعنته الشمس إذا آلمت دماغه فاسترخى لذلك وغشي عليه ، والرعن أقل خطورة من البرسام( ) .
ومن الأمراض الشائعة كذلك : النقرس والأورام وأمراض العظام وبخاصة المفاصل( ).
• من أمراض الشيخوخة :
من أكثر الأمراض انتشاراً في سن الشيخوخة في ذلك العصر : انتقاض السن ، وهي الآلام الناتجة في الفم عن تحركها وقلقها وضربانها ؛ ومنها أمراض العظام ، كالالتهابات والهشاشة والالتواء وغيرها ، ومنها انتشار الأعصاب : وهو انتفاخها ، والمقصود التهاباتها ؛ ومن أمراض الشيخوخة أيضاً : دنين الأذن ، وهو سماع صوت طنين دائم ، وسيلان العيون : وهو ضعف في أصاب العين يجعلها دائمة الدمع مع سيلان مواد أخرى ، ومن أمراض الشيخوخة عندهم : سلس البول ، أي استرساله وعدم القدرة على استمساكه لمرض بصاحبه ووهنه وقلة تحكمه في عصب الاحتباس .
ــ الفالج : وهو من الأمراض الرئيسة للشيخوخة ن وكان الجاحظ نفسه مصاباً به عند تأليفه لكتاب البخلاء ، والفالج مرض يحدث في أحد شقي البدن طولاً ، فيعطل إحساسه وحركته ، ويكون قوياً ويكون ضعيفاً( ).
• صنع العاهات الشعبية :
كان العامة إلى جانب معتقداتهم الطبية وما يحفظونه من نصائح وقائية ، كانوا يمتلكون بعض المهارات الطبية ، ومن بين ما يعرفون من مهارات : كيفية صنع بعض العاهات والأعجب من ذلك التدخل في تحويل النمو الطبعي لبعض أجزاء الجسم إلى نمو إعاقي لإحداث عاهة طبعية في أعضاء الجسم ؛ والذي يفعل ذلك يسمى المشعب ، وهذه الأمور تعد من مهارات الكدية والاستجداء "فالمشعب يحتال للصبي حين يولد بأن يعميه ، أو يجعله أعسم ، أو أعضد ليسأل الناسَ به أهلُهُ"( )، والعسم هو يبس في مفصل الرسغ تعوج منه اليد أو القدم ، أما الأعضد ، فهو جعل الطفل دقيق العضد أو أن يجعل إحدى عضديه قصيرة .
• المـنــاخ
كان للمناخ أثر كبير في تشكيل بعض السمات الاجتماعية في ذلك العصر ، ففي الشتاء يطبق الغيث الأرض بالكلأ والماء؛والعراق من الأماكن التي يكثر مطرها وثلجها، وقد يحدث البرد في تموز وآب (يوليو أو أغسطس)، وقد تسقط الأمطار صيفاً ، ويصحب ذلك غبار وهواء جاف ، فإذا أمطروا ندي الهواء ورطب ؛ وكان العامة يفرحون بالشتاء للخصب والنماء وعدم إصابة الطعام أو الشراب بالفساد ، قال أبو محمد الحزامي :" حبذا الشتاء ، فإنه يحفظ عليك رائحة البخور ، ولا يحمض فيه النبيذ إن ترك مفتوحاً، ولا يفسد فيه مرق إن بقي أياماً"؛ وكانوا يعيشون مناخاً معتدلاً في أيام الفِصَلِ تلك التي تفصل بين الفصول، أما إذا دخل الصيف فإنهم كانوا يعانون فيه إذا كان حاراً قائظاً فيتوسلون لتلطيفه بوسائل مختلفة لجلب البرودة وتلطيف الجو وتخفيف الحرارة ، فكان أسد بن جانئ إذا دخل الصيف وحر عليه بيته أثاره حتى يغرق المسحاة ، ثم يصب عليه جراراً كثيرة من ماء البئر ، ويتوطؤه حتى يستوي فلا يزال ذلك البيت بارداً ما دام ندياً؛ وقد كانوا يخشون السير في الطرقات في مثل تلك الأوقات لأن الشمس في منتصف نهار الصيف إذا مست الرأس أصابتها بالرعن أو البرسام ، لذلك كانت شدة الحرارة مدعاة للميل إلى بيوت الإخوان ، فالجاحظ وصف مثل هذه الحالة في خبر من أخباره ، وكان قد خرج مع أبي إسحاق النظام وعمرو بن نهيوي إلى ظاهر بغداد للمناظرة في علم الكلام وكان معهم وليد القرشي ن فطال بهم الحديث حتى انتصف النهار في يوم قائظ ، قال الجاحظ :" فلما سرنا في الرجوع ووجدت مس الشمس ووقوعها على الرأس أيقنت بالبرسام ، فقلت لأبي إسحاق والوليد إلى جنبي .. الباطنة منا بعيدة ، وهذا يوم منكر ، ونحن في ساعة تذيب كل شيء . والرأي أن نميل إلى منزل الوليد فنقيل فيه .. ، فإذا أبردنا تفرقنا ، وإلا فهو الموت ليس دونه شيء"؛ ويبدو أن المناخ كان سبباً رئيساً في زيارة الإخوان ، وكان ذلك من عاداتهم الاجتماعية ، فكما فعل الجاحظ فعل ابن جذام الشبي إذ قام في يوم قائظ عند أحد إخوانه حتى آخر النهار ، وهو الوقت الذي يفتر فيه الحر ويبرد الهواء ، لكن لم يكن الحر وحده هو ما يدعوهم لمثل هذه الزيارات القهرية ، وإنما كان المطر والبرد أدعى للنزول إلى الإخوان ، ولكن ليلاً في الأغلب ، وهو داع قوي إلى المبيت أيضاً ، وقد نزل الجاحظ ضيفاً عند محفوظ النقاش وقضى ليلته عنده عندما عادا معاً من مسجد الجامع ليلاً ، وكان الجو مطيراً وبارداً ، قال الجاحظ :" صحبني محفوظ النقاش من مسجد الجامع ليلاً ، فلما سرت قرب منزله ـ وكان منزله أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي ـ سألني أن أبيت عنده ، وقال : أين تذهب في هذا المطر والبَـرَد ؟"( ).
الهـيــئـة
• الملابس :
"لا تعدم صناع ثلة" أي لن تعدم امرأة حاذقة ماهرة أن تجد صوفاً تغزله ، وهذه العبارة تعد من الأمثال المشهورة في ذلك العصر ، وهي تسير بشكل واضح إلى صناعة الملابس وشيوعها ، ويظهر لنا من استقراء ملامح العصر في كتاب البخلاء ، أن العرب في عصر"البخلاء" عرفوا أنواعاً من الثياب متعددة وكانت لهم عادات وأعراف مشهورة في ذلك السبيل ، وجعلوا لأنفسهم سنناً متبعة في ذلك الصدد، إذ كانوا يتخذون ملابس للشتاء .. وأخرى للصيف ، وكان لكل طائفة من طوائف المجتمع نوع من الملابس .. فكانت عندهم " ثياب غرة" نفيسة غالية الثمن ، و" ثياب حبرة" من برود اليمن ؛ وهي من ثياب الأشراف والأغنياء ولهم" ثياب شمال"، و"عباء" وهي من ملابس العامة من الفقراء( )؛ وكانت عندهم من الملابس المشهورة"الجبة"،وهي كساء مفتوح له عادة زراران يمسكان فتحته عند الصدر، والبرنكان وهو ضرب من الثياب، وربما كان يتخذ للنساء دون الرجال، والبَرْكَانُ وهو ضرب من الثياب، وربما كان البركان هو البرنكان نفسه والاختلاف في الشكل الجرافولوجي إنما هو تصحيف ويكون البرنكان من الملابس التي يلبسها الرجال والنساء ولكنها من الملابس المتواضعة تماماً حتى أنه لا يلبسها إلا ذوي الحال الرقيقة الذين يعيشون إملاقاً وفقراً مدقعاً وهو مفهوم من رواية الجاحظ لخبر الأصمعي مع جعفر بن يحيى( ). وكان الفقراء في ذلك العصر يحتالون لإطالة عمر الملابس ، قال أحد المسجديين : بطنوا كل شيء لكم ..، ربما رأيت المبطنة الواحدة تقطع أربعة أقمصة، والعمامة تقطع أربعة أُزْرٍ ( أي ملاحف ) ومن أجل ذلك جعل الفقراء منهم لأنفسهم عادة اجتماعية تتمثل في تصدير القميص بأن يجعلوا لصدره بطانة لتقويته وصيانته ، وكانت عندهم عادة تحويل الملابس واستخراج ثوب من ثوب ، فقد كسا زبيدة بن حميد صديقاً له قميصاً فأخذه هذا الصديق وجعله برنكاناً لامرأته واتبع لذلك خطوات منها تجييبه على النحر،أي جعل له عند النحر فتحة ، وزاد في الكمين وحذف المقاديم ، وهي ما استقبل منه ، ويبدو أن السيدات كن يتخذن الأثواب قصيرة الأمام طويلة الذيل لها فتحة عند النحر طويلة الكمين ، فالفقراء لم يكن لهم إلا الأطمار ( من غير الصوف ) ، والأكسية ( من الصوف ) أما الأغنياء فكانوا يلبسون أنواعاً متباينة من الملابس كأثواب الخز والحرير والقطن ، ويبدو أن الكتان كان من أردية الأغنياء وملابسهم في ذلك العصر ، فقد قيل لأحدهم :"إنك لحسن السمنة . فقال : آكل لباب البر وصغار المعز وأدهن بخام البنفسج، وألبس الكتان" ، وكان من أثواب أواسط الناس : الملاءة ، وأشهرها ملاءات مذار وهي تنسب إلى بلد بين واسط والبصرة ، وهي من الأردية المتحولة التي يسهل تحويلها إلى أنواع أخرى من الثياب ، بل كانت تتخذ رداءً وملحفة في آن واحد ، وربما كانوا يؤثرونها لذلك ؛ قال أبو عبد الرحمن الثوري : اشتريت ملاءة مذارية فلبستها ما شاء الله رداءً وملفحة ، ثم احتجت إلى طيلسان ( وهو ضرب من أكسية الفرس كان شائعاً آنذاك ) فقطعتها ـ يعلم الله ـ فلبسته ما شاء الله ، ثم احتجت إلى جبة فجعلته ظهارة جبة محشوة ما شاء الله،ثم أخرجت ما كان فيها من الصحيح فجعلته مخاد وجعلت قطنتها للقناديل،ثم جعلت ما دون خرق المخاد (أي في المتانة) للقلانس( )؛وكما كانت الملابس تختلف باختلاف الفقر والغنى كانت كذلك تختلف شتاءً وصيفاً،فملابس الشتاء بالضرورة لا تصلح للصيف،غير أنهم كانوا يلبسون" قميص الصيف جبة في الشتاء"،وكانوا في الشتاء يلبسون الحشو وهو الأكسية المحشوة بالقطن ونحوه، وفي الصيف الأقمصة والأكسية الخفيفة،وكانوا يتحولون في ملابسهم من الصيف إلى الشتاء تقريباً في أكتوبر إذا كان برد الشتاء مبكراً،وقد يتأخر الأمر إلى ما بعد ذلك،ويبدأون التغيير بلبس رداء قومسي خفيف مبطن،ثم جبة محشوة عند اشتداد البرد،ومنهم من يجعل بدلاً من هذه المبطنة جبةً محشوةً مباشرةً،وكانوا لا يتخذون الصوف عند تحول الفصول،وبخاصة في آخر الصيف،لأن غبار آخر الصيف يتداخله ويتخلله،فإذا أمطروا ندي الهواء وابتل كل شيء،ابتل ذلك الغبار فينقبض عند ذلك الكساء ويتكرش لأنه من الصوف،ويبدو أن بعض الطوائف كانت تتخذ لنفسها زياً خاصاً بها مل الأطباء، فالمسلمون منهم يتخذون رداءً أبيض من القطن،وغير المسلمين منهم كانوا يلبسون رداءً أسود من الحرير( ).
وكان من عاداتهم في تنظيف الملابس وإصلاحها ، ما يسمى بـ" دق الملابس"، وهو نوع من أنواع الكواء فيما يبدو؛ وأيضاً "التبييض"، وربما كان التبييض نوع من التصبيغ السريع لأنه فيما هو واضح من كلام الجاحظ عملية دورية مقترنة بغسيل الملابس وتنظيفها ، فعمليات الغسيل والعصر والدق أو التبييض عمليات متتالية ، وعملية الدق هذه أو التبييض كانت معهودة في البيت يمكن عملها فيه،أو في محلات خاصة بذلك ويسمى القيم على هذه المهنة"القصار"، وهو الذي يدق الثوب بالمقصرة لتبييضه ؛ يقول أبو سعيد المدائني:" والثياب لابد لها من دق . فإن نحن دققناها في المنزل قطعناها . وإن نحن أسلمناها إلى القصار ، ربما أنزل بها من المكروه ما هو أشد"، وكان تبييض الثياب عندهم من تمام الزينة ، قال أبو سعيد:" لي امرأة جميلة .. ، إذا رأتني قد اطليت .. وبيضت ثيابي عارضتني بالتطيب وتلبس أحسن ثيابها"( ).
* النعال :
كانوا يصنعون النعال من جلود الإبل ؛ فإذا نحرت"أكلوا لحومها وادهنوا بشحومها ، واحتذوا جلودها"، وكانت نعالهم مكتملة الهيئة لها وجه وعقب ،ومنها المشركة ، وغير المشركة ؛ ومن أنواع الأحذية المنتشرة آنذاك النعال السندية ، كان أكثر من يلبسها المجوس وهم لا يلبسون غيرها لأنها غير مشركة ، أي بلا سير على ظهر القدم ، لأنهم لا يستحلون في دينهم ذات الشراك ؛ أما الفرس فكانوا يلبسون الخفاف ، وكان مما يعرض للنعال من البلى : إما أن تنتقب ، أي تنخرق وتحدث فيها الثغرات ، او أن تنجرد : أي تبلى ، وكان العامة يحرصون على نعالهم حرصاً شديداً لدرجة أن أهل مرو كانوا لا يلبسون النعال إلا اتقاء البرد ستة أشهر فقط ، وكان جار أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام : لا يلبس خفاً ولا نعلاً إلا إذا ذهب النبق اليابس ، لكثرة النوى في الطريق والأسواق ، وكان من عاداتهم الاجتماعية خصف النعال وإصلاحها بالخياطة أو الترقيع عند الانتقاب أو الانجراد ، وأول ما يفعلونه إصلاحاً لنعالهم استجادة الطراق ، وهو جلد النعل ، وتخيره الاعتناء بأن يكون جيداً ، كما يشحمونها في كل الأيام ، أي يدهنونها بالشحم لتقويتها وإلانتها ، وعقد ذؤابة الشراك ، أي أنهم يعقدون سيرها الذي على ظهر القدم ، ومن أعجب المشاهد المألوفة في ذلك العصر أن يمشي الرجل ونعله في يده حرصاً عليه( ) .
• النظافة :
كان أهل المجتمع العباسي في عصر " البخلاء " يعتنون عناية كبيرة بالنظافة الشخصية والعامة فكان من معتقداتهم الشائعة آنذاك أن الثوب إذا اتسخ أكل البدن كما يأكل الصدأ الحديد ، والثوب إذا ترادفه العرق وجف وتراكم عليه الوسخ ولبد ، أكل السلك وأحرق الغزل ، هذا مع نتن ريحه وقبح منظره ؛ لذلك كان من عاداتهم الرئيسة : غسل اليدين بعد الطعام ، والاغتسال يوم الجمعة قبل المضي إلى المسجد؛ وكانوا يغتسلون بالماء العذب مخافة أن يعتري جلدهم شيء من ضرر الماء الملح ؛وقد انتشرت الحمامات العامة وقتذاك كما كانت هناك حمامات خاصة في المنازل ، كما أنهم كانوا يستخدمون لغسل الملابس الصابون والأشنان ( وهو نبات رغوي يستخدم للتنظيف ) مع الماء ؛ وبعد غسل الأثواب تلقى على الرسن وهو حبل مشدود لنشر الغسيل ؛ ويبدو من ظاهر عبارة الجاحظ أنهم كانوا يعرفون كي الملابس والغسيل الجاف ، قال :"الثياب لابد لها من دق [وهو ما نراه أشبه بالكواء] وإن نحن أسلمناها للقصار ومعناه مبيض الثياب ، وربما يكون هو الكواء ، ويكون تبييض الثياب من قبيل إزالة بقعه بالمواد الطيارة ؛ كما أنهم كانوا يعتنون كذلك بغسل الأواني المنزلية ويبدو أن النساء كن عادة يغسلن الأواني بالماء الساخن حتى يذهب ما سقط عليها من الدسم والدهن( ).
• المنازل والأنظمة المجتمعية
• الوقود :
يبدو أنهم كانوا يلاقون جهداً كبيراً في إشعال النار وكانت لهم ثلاث طرق لإشعالها هي الصخر ، والمرقشيتا وهي الحديد البلر ، والعذق في البادية ، قال شيخ من المسجديين : كنا نلقى من الحراق [وهو قطنة معالجة مهيئة للإشتعال] ، والقداحة [وهي صخرة تقدح بها النار] جهداً ، لأن الحجارة كانت إذا انكسرت حروفها واستدارت، كلت ولم تقدح ، وربما أعجلنا المطر والوكف .. ، وكنت أشتري المرقشيتا بالغلاء والقداحة الغليظة بالثمن الموجع، وكان علينا في صنعة الحراق وفي معالجة القطنة مؤنة ، والحراق لا يجيء من الخرق المصبوغة ولا من الخرق الوسخة ولا من الكتان ولا من الخلقان .. ، والأعراب يقدحون النار بالمرخ والعفار ، وهما شجرتان : واحدة سريعة الوري والأخرى يتخذ منها الزناد وهو ما تقدح به النار ، وزعم أبو عبد الرحمن الثوري أن عراجين الأعذاق تنوب عن ذلك أجمع .
وأفضل أنواع الوقود عندهم الطرفاء وهي أربعة أنواع من الشجر منها الأثل، وأكثر الأماكن غنى به الجزيرة بين دجلة والفرات ، وهذه الجزيرة فيها الحطب سيئ الإستخدام يكثر دخانه ويبطؤ اشتعاله؛ كما أنهم كانوا يستخدمون النفط وقوداً لإشعال النار وربما استبدلوه بالدهن في المسارج ، وقد كان غلمان صالح بن عفان يستخدمون النفط في إضاءة بيت الحمار ليلاً؛وتعد العظام من أجود وقودهم؛ وكانوا يستخدمون أيضاً نوى التمر والحطب ولحاء قصب السكر بعد مصه في إشعال التنور والمواقد؛ وكانوا يستعملون القماش وقوداً إذا جمع من الفوائض والقمامة ؛ وكانوا يستخدمون الوقود في أغراض منوعة منها طهي الطعام وإنارة البيوت والحظائر والاستدفاء في الشتاء ( ) .
ـ الحرائق:
كانوا يخشون النار ويخافون حريقها ، قال الجاحظ :"النار لا تبقي ولا تذر وإنما الدور حطب لها ، وكل شيء فيها من متاع هو أكل لها . فكم من حريق أتى على أصل الغلة ، وربما تعدت تلك الجناية إلى دور الجيران وإلى مجاورة الأبدان والأموال" ، وكان من عاداتهم عند الحريق أنهم يستثقلون ذكر صاحب الحريق ويكثرون من لائمته وتعنيفه ويتشاءمون به ، وفي ليلة الحريق تباح ساحة المنزل المحترق لكل صنوف الناس ، ويكون صاحب الحريق عندئذ شديد الهم والغم لاحتراق داره أما الناس فيدخلون عليه للسلوى والمواساة ، ومن أقوالهم في ذلك :"الحريق سريع الخلف"( ).
• من أدوات الإنارة :
كانوا يستخدمون للإنارة أداة يسمونها "سراجاً"،و "مسرجة"، فيها دهن ، ويخرج منها فتيل مشتعل يسمى "المصباح"، وكان بعضهم يضعون في دهن المسرجة شيئاً من الملح لظنهم أنه يحفظ الزيت يطيل عمره، أو لاعتقادهم أنه يقوي ضوء المصباح . وكانت المسرجة تصنع من مواد منوعة كالقدور ، فكان منها ما يصنع من الخزف ، وهذه لها ألوان كثيرة منها الخضراء ، يقول الجاحظ : "مسرجة خزف من هذه الخزفية الخضر"، ومنا ما يصنع من الحجارة ، ومنها ما يصنع من الزجاج فتسمى قنديلاً،وهي عندهم مقدمة وتفضل المسارج الأخرى لصفاء الزجاج،ولأنه مجل كاشف،وتتميز عن المسارج الأخرى بأن الفتيلة في الخزفية والحجرية تكون في الطرف أما في الزجاج فتكون في الوسط، وكانوا يفضلون الزجاج لسبب إضافي ذكره أيضاً الجاحظ فقال :"إذا وقع شعاع النار على جوهر الزجاج صار المصباح والقنديل مصباحاً واحداً ورد الضياء كل واحد منهما على صاحبه ، والزيت في الزجاجة نور على نور وضوء على ضوء مضاعف ، هذا مع فضل حسن القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف . وكانوا يضعون تحت المسرجة كمية من الملح أو النخالة لتسوية المسرجة وتصويبها ، أي إمالتها ليصل الدهن إلى طرف الفتيلة ؛ كما أنهم أيضاً كانوا يستخدمون وسائل إضاءة أخرى منها الشموع ؛ لكن ما يبدو لي أن هذه الوسيلة كانت مكلفة جداً ولا يستخدمها إلا الأغنياء ، وقد أشار إلى ذلك أحمد بن المثنى في حديثه عن صديقه ذي البدن الضخم والعلم الكثير والغلة الفاشية والولايات العظيمة ، الذي كان يضيء الشموع في لياليه ( ) .
• المطابخ :
كانوا يتخذون المطابخ في العلية،وهي حجرة عالية على ظهور السطوح، قال الكندي:"ثم لا ينصبون التنانير ولا يمكنون للقدور إلا على متن السطح حيث ليس بينها وبين القصب والخشب إلا الطين الرقيق والشيء لا يقي" ، كما كانوا يتخذونها في صحن الدار وأرضها أو ما يعرف بالحوش السماوي( ) .
• بناء المنازل :
كانوا يبنون دورهم بالطين والماء ، فمنهما يصنعون الآجر ومنهما يكون الملاط ، ومن أقوال بخلائهم في الحمل على مبتنيي الدور قول محمد بن يسير لأحمد بن هشام وهو يبني داره ببغداد : إذا أراد الله ذهاب مال رجل سلط عليه الطين والماء؛ ودورهم تتكون من النقض ، وهو الحجارة والطوب اللبن وهو المصنوع من التراب الخالص والماء، ويبدو أنهم كانوا يضربونه للبيع كما يضربونه للحاجة ، فإذا أحرق في النار يصير آجراً؛والإشكنج وقد عفته نسخة ليدن بأنهFragmenta La Terum ،أي الحصى وقطع الحجارة الصغيرة،وغير ذلك من وسائل البناء، ثم الساج وهو خشب يجلب من الهند،واحدته ساجة، وهو والجوز يتخذ منهما جذوع الأسقف ، وبطانات داخل الحوائط والأبواب والنوافذ و المتاريس ، ثم الحديد وهو من المواد الرئيسة في بناء البيوت عندهم؛ ومعه ما سماه الجاحظ"ذهب السقف"، وهو ما لم أستظهره وربما يكون المقصود به لازم التكلفة التي يتكبدها صاحب الدار في سبيل إقامة السقف لأنه يتكلف أكثر من تكلفة حوائط المنزل لأنه يصنع من الخشب الخالص المبسوط فوق جذوع حاملة له وحواضن ساندة ؛ ثم الإسطوانة وهي السارية والعمود ( ).
* هيكل المنزل : يتكون من الجذوع والحواضن والرواشن : فالجذوع هي جذع الأشجار أو النخيل ومنها السقف والدرج والسلم ، والحواضن جمع حاضنة وهي الأعمدة التي تدعم السقف وتقيمه ؛ أما الرواشن فهي قطع من الخشب توضع فوق فتحة المنافذ والأبواب ويبنى عليها وتسمى واجهة"، أو "حلق" ، وكانوا يجعلون للمنازل صحناً متسعاً في وسطها ويتخذ أصحابها في جانب منها صخرة مثبتة في الأرض ومسطحة الرأس ليكون الدق عليها حتى لا يضطرون إلى الدق على أرض المنزل خوفاً من اقتلاع الآجر أو نقض الجص ؛ وكانوا يتخذون أبواب منازلهم من خشب الجوز ، وكان الجوز آنذاك من الأشجار التي تزرع في البيوت ، وكانوا يتخذون على هذه الأبواب حديدة حفرت فيها نافذة تسمى هذه الحديدة (رزة) ويدخلون في حفرتها قفلاً ، كما كانوا يتخذون لغرفهم أبواباً ويجعلون عليها مغاليق يسمى واحدها متراساً وأصل المترس في المعاجم هو خشبة توضع خلف الباب لتكون بمثابة القفل له . أما صناعة الأبواب فكانت تعتمد على مجار تحفر داخل الخشبة وألسنة تنحت في الخشبة المتعامدة ليسهل تعشيقهما ثم تؤخذ عليهما المسامير للتثبيت ، وكانوا يتخذون عليها ضباباً وهي نوع من المغاليق يصنع من حديدة عريضة يضبب بها الباب ؛ أما الدرج فظهره يصنع من الجذوع ويبنى عليه العتب بالطين ويبلط بالجص ، كما يبدو أنهم إلى جانب ذك كانوا يصنعون سلالم متنقلة من الخشب ؛ كما كانوا يصنعون سقف البيت من جذوع النخيل والشجر؛ أما ظهور السطوح فكانت مطينة أي مبلطة بطبقة من الطين ؛ أما أرض المنازل فهي مجصصة أي مبلطة بالجص ، وبعض الدور أرضها مقرمدة أي مطلية بالقرمد وهو كالجص ، وبعضها مفروش بالآجر وهو الطوب اللبن المحرق ، وكانوا يدقون في الحيطان أوتاداً لبعض شئونهم ، كما يثبتون عليها رفوفاً من الخشب ؛ فالدار تتكون من النقض وهو الحجارة والطوب وغير ذلك من وسائل البناء ، ثم الساج ومن علل البيوت أن يتآكل أسفل الحائط ويتناثر أعلاه ، ويسترخي أثاثه ويتداعى بنيانه إيذاناً بالانهدام والسقوط ؛ ومن عاداتهم الحسنة في ذلك العصر أنهم كانوا يبنون الدور لإيواء الفقراء ، ومن ذلك صنيع ثمامة إذ تطوع ببناء دار في رباط عبادان ن وهي جزيرة أحاط بها شعبتا دجلة أما ما كان من عادات سيئة فأنهم كانوا يبنون على أرض لا يملكونها ، وذلك بوضع اليد، كما أنهم كانوا يرفعون البناء ويتعالون فيه إسرافاً ومطاولة ، وطلباً للمفاخرة ( ).
• إنهـيار المنازل :
كانت هناك أسباب عديدة ينجم عنها انهدام الدور في عصرهم ، ومن هذه الأسباب ما يلي( ):
1 ـ الحرائق : وكانت تحدث لأسباب منوعة منها استخدام الوقود أو التنانير بسطح الدار ، أو الاستدفاء أو الإنارة .. وغيرها .
2 ـ الغرق : وكان يحدث بسبب طوفان نهر أو سيل جارف .
3 ـ ميل اسطوان : وهو السارية أو العمود الذي يرتفع عليه السقف .
4 ـ انقصاف سهم : وهو الجذع الذي يجاز عليه السقف .
5 ـ استرخاء الأساس : أن تستبد الرطوبة بالأساس فيتآكل أسفل الجدران .
6 ـ سقوط السترة : والسترة في الأصل كل ما يستتر به ، وهي هنا ـ كما يفهم من سياق كلام الجاحظ ـ الحائط أي أن تتصدع بعد استرخاء الأساس ثم تنهار .
7 ـ سوء تدبير السكان:فيبدوأن من الأسباب التي كانت تؤدي إلىانهدام المنازل سوء تدبيرالسكان.
• تأجير المنازل :
من الشائع في ذلك العصرأن نزول دورالكراء أصوب من نزول دورالشراء لأن صاحب الشراء أغلق رهنه وأشرط نفسه وصار ممتحناً،وبثمنها مرتهناً،ومن اتخذ داراً فإنه لا محالة يحن إليها وإن أقام فيها ألزمته المؤن وعرضته للفتن حتى وإن أسيء إليه من جيرانه وأنكر مكانه وبعد مصلاه ومات عنه سوقه وتفاوتت حوائجه،ورأى أنه قد أخطأ في اختيارها علىسواها وإن من كان كذلك فهوعبد داره وخول جاره [أي خادم جاره]؛أما صاحب الكراء فالخيار في يده وكل دار هي له متنزهاً إن شاء،ومتجر إن شاء ومسكن إن شاء،ولا يحتمل فيها اليسير من الذل ولا القليل من الضيم ولا يعرف الهوان ولا يسام الخسف فيها.
وكان صاحب الدار بعد بنائها يتخذ من يروج له سوق الكراء ؛ فإذا أتاه مكتر قطع عليه من الشروط ما يراه لازماً للسكن ، ومن ذلك ما شرطه الكندي على من يسكن داره أن يجعل له روث الدابة وبعر الشاة وما تبقيه الدابة من العلف ، والعظم ، والكساحة ، وأن يكون له نوى التمر ، وقشور الرمان ، وغرفة من كل قدر تطبخ ، ويظهر أن متوسط إيجار الدور بلغ ثلاثين درهماً تؤدى وقت الهلال من كل شهر . وكان من المستأجرين من يؤخر الكراء ويماطل في أدائه للمالك حتى تجتمع عليه عدة أشهر ، فإذا به يترك الدار ويهرب دون السداد ، بل إن بعضهم يسرق متاريس الأبواب ويحمل معه السلم ويأخذ ما يدخره صاحب الدار من نقض للمرمة كما يأخذ برادة الماء .
ويظهر أن أسلوب الإجارة من الباطن كان معروفاً في ذلك العصر ، فالغزال كانت تحت يده قطعة أرض كراء، فاكرى السماك نصفها ، ليسقط عنه ما استطاع من مؤنة الكراء( ) .
• العلاقة بين المالك والمستأجر :
كان الساكن في نظر أصحاب الدور آنذاك ؛ هو المتمتع بها المنتفع بمرافقها ، بل والمنتفع بها على الإجمال فأصحاب الدور من وجهة نظرهم أنهم لو اقتسموا مع السكان الغرم بإعادة البناء عند انهدام الدور وغرم ما بين البناءين من مرمة وإصلاح ثم مقابلة ذلك بما أخذوا من غلاتها وما انتفعوا به من كرائها ، خرج على المُسْكِن من الخسران بقدر ما خرج للسكان من الربح ، أضف إلى ذلك أن النفقة التي أخرجها صاحب الدار في البناء والمرمات كانت جملة ، بينما ما أخذه على جهة الغلة كانت اقساطاً على ضآلتها ؛ هذا مع سوء القضاء والإحواج إلى طول الاقتضاء ، ومع بغض الساكن للمسكن وحب المسكن للساكن لأن المسكن يحب صحة بدن الساكن ونفاق سوقه ، إن كان تاجراً ، وتحرك صناعته إن كان صانعاً في حين يكون الساكن على خلاف ذلك ، يحب ان يشغل الله عنه المسكن كيف شاء على وجه من وجوه الشغل : فإن شاء شغله بعينه ، وإن شاء شغله بزمانه ، وإن شاء بحبس ، وإن شاء بموت . فمدار مناه أن يشغل المسكن عنه ثم لا يبالي كيف كان ذلك الشغل .. ! ، إلا أنه كلما كان أشد كان أحب إليه وكان أجدر أن يأمن وأخلق لأن يسكن ، وعلى أنه ـ أي الساكن ـ إن فترت سوقه أو كسدت صناعته ألح في طلب التخفيف من أصل الغلة ، والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة وعلى أنه إن أتاه الله بالأرباح في تجارته، والنفاق في صناعته لم ير أن يزيد قيراطاً في ضريبته ، ولا ان يعجل فلساً قبل وقته ؛ ثم إن كانت الغلة صحاحاً دفع أكثرها مقطعة ، وإن كانت أنصافاً وأرباعاً ، دفعها قراضة مفتتة ، ثم لا يدع مزأبقاً ولا مكحلاً ولا زائفاً ولا ديناراً بهرجاً إلا دسه فيه ، ودلسه عليه ، واحتال بكل حيلة ، وتأتى له بكل سبب . فإن ردوا عليه بعد ذلك شيئاً ، حلف بالغموس أنه ليس من دراهمه ولا من ماله ولا رآه قط ؛ ولا كان في ملكه ؛ هذا مع حسن اقتضاء المالك وسوء قضاء المستأجر ، على الرغم من أن المستأجر يقطعها على المالك وهي ـ أي الدار ت مجملة ، لذلك صارت غلات الدور ـ وإن كانت أكثر ثمناً ودخلاً ـ أقل ثمناً وأخبث أصلاً من سائر الغلات .
ـ ومن سوء أخلاق السكان أنهم إذا أتاهم في أمر من أمور المسكن جارية رب الدار أفسدها بالاعتداء عليها واغتصابها ، وإن كان من يأتيه غلاماً خدعه وناله لفساد أخلاق مثل هؤلاء السكان ، هذا مع الإشراف على الجيران والاطلاع على أحوالهم وعوراتهم من مكان عال تجسساً والتعرض للجارات بما يكرهن من قول أو فعل ، ثم سرقة طيورهم واصطيادها وتعريض صاحب الدار لشكاياتهم ، وبعض السكان يطمع في غبن المالكين بإقراضهم المال وإغرائهم بالنفقات ، حتى إذا استوثق منهم أعجلهم بالمطالبة وحذق بهم وأحاطتهم مكائده من كل جانب ، فلا يجدون أمامهم إلا دفعه واتقائه ببيع بعض الدار أو باسترهان الجميع ن ليربح مع الذهاب بالأصل السلامة من الكراء ، وربما جعله بيعاً في الظاهر ورهناً في الباطن ن فحينئذ يدعيها قبل الوقت ؛ وربما ادعى لنفسه شقصاً من المنزل ، وربما أكترى الساكن المنزل وليست فيه مرمة ، فإذا به يشتري ما تصلح به المنازل للمرمة ، ثم يتوخى عاملاً جيد الكسوة وجيراناً أصحاب آنية وآلة ، فإذا شغل العامل وغفل سرق كل ما قدر عليه وهرب ، وربما يستأجر المنزل إلى جوار سجن لينقب أهله الحائط إليه،فيكون الدار وسيلة لإخراج إخوان المستأجر من اللصوص والمجرمين،أو ربما يكون الدار إلى جوار صراف يريد الساكن أن يسطو عليه وعمله في ذلك يستدعي طول المدة والستر، فهو إنما يستأجر المنزل إلى جوار السجن أو الصيرفي ليدبر أمره في مهل وأمن وتستر من عيون الرقباء والعسكر ؛ وربما كان الساكن مجرماً قاتلاً أو قاذفاً لعظيم من عظماء الدولة فلا عقاب له غير هدم المنزل؛ لكن ليس السكان كلهم على هذه الشاكلة ، بل إن منهم من صلح حاله فإذا وجد في الدار مرمة أنفق ثم احتسبها على المالك عند الأهلة ؛ حتى لو شفف في البناء ونقصه أو تزيد في الحساب وبالغ فيه( ).
• الجيران :
كانت بين الجيران معاملة تنطلق من حميمية المعايشة والمودة والتكافل ، فكان الكندي ربما يوافي إلى منزله من قصاع الجيران والسكان ما كان يكفيه الأيام حتى إنه كان يقول لعياله : أنتم أحسن حالاً من ارباب هذه الضياع . إنما لكل بيت منهم لون واحد وعندكم الألوان، وربما كانت المعاملة على العكس من ذلك فهناك جيران سوء يشرفون على جيرانهم للإطلاع على ما يدور في منازلهم وتتبع عوراتهم والتجسس عليهم ، ثم إذا ببعضهم لا يكتفي بالتجسس فقط ، بل يتعرض للجارات بالقول أو الفعل ح أو يقوم باغتصاب الجواري أو التغرير بالغلمان وخداعهم( ).
• تدبير المعيشة بالمنزل :
كانت لكل بيت في ذلك العصر خزانة لحفظ الأطعمة والحبوب وكل ما يختزن عاماً كاملاً من الموسم إلى الموسم ، وغير ذلك ، ومن عرفهم ترك أمر الخزانة وما بها للنساء حيث إنهن يقمن على ما بها فيعرفن فاضله من ناقصه ، ومكان هذا ومكان ذاك ، وقد عابوا الرجل الذي يعلم شئون الخزانة في بيته ، قال يحيى بن خالد :"ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه " ، ومن أهم أساليبهم في حفظ الأطعمة هو أسلوب حفظ الزيوت ؛ إذ كانوا يحفظون الزيت في الأرض حفراً ، أو في الماء غرقاً حتى لاتفسده حرارة الصيف في العراق ؛ ومن عاداتهم في تدبير شئون المنزل وضع قصعة تحت الشواء لاستحلاب جميع دسمه والانتفاع به ، كما أنهم يضعون طعامهم في سلال ، وربما ختموها حتى لا تفتح خوفاً من فأرة أو خادم كما أنهم كانوا يتخذون السلال لحفظ الطعام في السفر أيضا؛ وكذلك اتخذوا في منازلهم آلات لطحن الحبوب كالميجان والرحى، وربما كان لها شكل آخر غير المعروف الآن إذ كانت رحاهم تدور بالبهائم ذات القوة كالحمار ، وربما كان الطحان في ذلك العهد يذهب إلى المنازل لأخذ الغلال لطحنها ثم ردها مقابل أجر إضافي ؛ وكانوا في تدبيرهم لشئون معيشتهم يتخذون الحمار ، ومن أقوالهم "الحمار الجامع خير من غلة ألف دينار" ؛ فهو للرحل ولإدراك البعيد من الحوائج ، وربما كان طحنهم على ثور أيضاً؛ ومن تدبير شئونهم أنهم كانوا يحفرون آباراً في البيوت لتأمين الماء ؛ كما أن بعض الأغنياء في ذلك العصر كانوا يتخذون "قهرمانا"، وهو كالخازن الحافظ لما تحت يديه والقائم بتدبير أمور الأغنياء ووكيل أعمالهم ، فهذا الرجل تكون له اليد في كل أمور الغني حتى تدبير أمر معيشته فلا يستطيع الخادم أن يأتي حتى بفضل الطعام إلا إذا كتب له القهرمان كتاباً وصكاً إلى صاحب المطبخ ، وهو أشبه بالنظام الإداري للمنزل ( ).
• حشرات المنازل :
من حشرات المنزل الشائعة التي كانت منتشرة في عصرهم،البراغيث وهي من الحشرات القارصة التي توجد بكثرة في أماكن الطين والماء أو الرطوبة مع التراب،وهي من حشرات الشتاء فيما يبدو فيما يبدو؛وكانوا يتحايلون عليها باستخدام أثاث ناعم الملمس حتى ينزلق عنه البرغوث. كما أن النمل من آفات المنزل المنتشرة،وكانوا يتصرفون لقتله مصارف عدة ،ومن ذلك أنهم كانوا إذا أكلوا رأساً عمدوا إلى القحف والجبين فوضعوهما إلى جوار بيوت النمل والذر من صغاره ؛ فإذا اجتمعت فيهما كتائبه أخذوهما ونفضوهما في طست فيها ماء ن فلا يزالون يعاودون ذلك في تلك المواضع حتى يقلع أصل النمل والذر أو هكذا يتوهمون ، فإذا فرغ الرجل من ذلك ألقى النمل الذي جمعه على الحطب وأشعل النار فيه( ).
• جمع القمامة :
عرف أهل ذلك العصر جمع القمامة وتدويرها ومعاودة الاستفادة منها ؛ فكان أهل الدور إذا جلسوا لأكل تمر أو غيره أحضروا أمامهم طستاً يلقون فيه النوى، تمهيداً لاستخدامه وقوداً ؛ وكان أبو سعيد المدائني القاص ، ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار وأمرها أن تجمعها من دور السكان وتلقيها على كساحة أبي سعيد فإذا كان في الحين ، جلس وجاءت الخادم ومعها زبيل ، فعزلت بين يديه من الكساحة زبيلاً ، ثم فتشت واحداً واحداً ، فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة أو ديناراً أو قطعة حلي ، فسبيل ذلك معروف ، وأما ما وجد فيه من الصوف فمان وجهه أن يباع ـ إذا اجتمع ـ إلى أصحاب البراذع ، وكذلك قطع الأكسية ، وما كان من خرق الثياب فمن أصحاب الصينيات والصلاحيات [والأدوات المنزلية ] ، وما كان من قشور الرمان فمن الصباغين والدباغين ، وما كان من القوارير فمن اصحاب الزجاج ، وما كان من نوى التمر فمن أصحاب الحشوف [وهم أصحاب التمر البالي تمهيداً لبيعه مع ما بلي وقوداً] ، وما كان من نوى الخوخ فمن أصحاب الغرس ، وما كان من المسامير وقطع الحديد فللحدادين ، وما كان من القراطيس فللطراز ، وما كان من الصحف فلرؤوس الجرار ، وما كان من قطع الخشب فللأكافين [صناع براذع الركائب] ، وما كان من قطع العظام فلوقود ، وما كان من قطع الخرق فللتنانير الجدد ، وما كان من أشكنج فهو مجموع للبناء .. .. إلخ ؛ فإذا بقي التراب خالصاً وأراد أن يضرب منه اللبن للبيع وللحاجة إليه لم يتكلف الماء ، ولكن يأمر جميع من في الدار ألا يتوضأوا ولا يغتسلوا إلا عليه ، فإذا ابتل ضربه ؛ فهذه عملية تدوير للقمامة ، ويظهر لي أن أبا سعيد هذا قد عمل قماماً ويدل على ذلك خبر للجاحظ جاء فيه :"وذهب من ساكن له شيء كبعض ما يسرق من البيوت فقال لهم اطرحوا الليلة تراباً فعسى أن يندم من أخذه فيلقيه في التراب دون أن يستنكر أحد مجيئه إلى ذلك المكان لكثرة من يجيء لإلقاء الكناسة ، فطرح ذلك الشيء المسروق في التراب ، وكانوا يطرحونه على كناسته فرىه قبل أن يراه المسروق منه فأخذ أبو سعيد كراء الكساحة( ) .
• تزيين البيت بالزهور :
كانوا يهتمون بالزهور والنباتات ويزينون بها دورهم ، فهذه سيدة تطلب من أبي القماقم أن يشتري لها آساً ، وهو نبات وزهر طيب الرائحة ، فهو نوع من الرياحين لعلمها أن مثل هذه الأمور تسترق قلب زوجها وتستدر محبته وعطفه( ) .

• الأثاث والمفروشات :
كانوا يستخدمون الدثر والألحفة للغطاء، وكانوا يعلقون الستائر على الحوائط ويتخذونها من القماش المعصفر . وقد كانت الحياة الشعبية في ذلك العصر حياة أولية غير معقدة كما هو الحال في قصور الخلفاء والوزراء وكبار رجال الدولة،كانوا في حياتهم الاجتماعية العامة يستخدمون الأسرة من الخيرزان ، فقد كان أسد بن جانئ يجعل سريره من قصب مقشر ، حتى تنزلق الحشرات عن ليط القصب لنعومته وملاسته ؛ وكانوا يستخدمون على أسرتهم وسائد حشوها ليف أو سلب وهو شجر يمني معروف تعمل منه الحبال وقيل قشر من قشور الشجر تصنع منه السلال ، كما كانوا يستخدمون مرفقة للاتكاء ومخدة للنوم ، وبساط للصلاة يسمونه "مصلى"، ومن أثاث البيوت في ذلك العصر الحصير ، عليها يكون مجمعهم ومطعمهم ، ويفرشونها أمام منازلهم في السكة الظليلة والليلة المقمرة، ومن بُسُطِهِمُ البوادي ، والبارية وهي الحصير المنسوج من القصب ( ).
• الصـرف الصـحـي والمـجـاري :
كان المجتمع العباسي في عصر "البخلاء" يستخدم المراحيض داخل الدور أو إلى جوارها ؛ وقد نص الجاحظ على أنهم اتخذوا "المتوضأ"، و"الحمامات" في الدور ؛ وكانت لهذه الحمامات مجار تأخذ الماء وتسيل به بعيداً عن البيت وقد احتال بعض المصلحين ( البخلاء ) لتدوير استخدام ماء الحمامات في سقيا الدواب ، فاتخذوا في الأرض حفرة وصهرجوها بالرخام وجعلوها مصباً للماء من الحمام ، فتشرب فيه الدواب ، وما يفيض عن الاستخدام في هذا الصهريج يسيل في مجاري الصرف حتى مسيل المثاعب ؛ وكان منهم من يتخذ مراحيض البيت في خارجه ، وممن اتخذوا المراحيض إلى جانب دورهم رجل من شق بني تميم استخفى عنده عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ، قال عبد النور :"كان للرجل كنيف إلى جانب داره ، يشرع في طريق لا ينفد"؛ وكانوا يستخدمون لهذه المراحيض بالوعات ، ويبدوا أن هذه البالوعات كانت سريعة الامتلاء ، وكان إخراج ما فيها من المياه والأقذار يتكلف مؤنة شديدة ؛ قال الكندي رداً على معبد ساكن داره :"من الخصال التي تدعو إلى النفقة كثيرة ؛ من ذلك سرعة امتلاء البالوعة ، وما في تنقيتها من شدة المؤنة" ، وكانت تبعة تنظيف البالوعات منوطة بصاحب الدار الذي يجب عليه تنظيف البئر والمراحيض قبل أن ينتقل الساكن إلى الدار ، يقول الكندي :"ويسكنها الساكن حين يسكنها وقد كسحناها ونظفناها .. ، فإذا خرج تركها مُزْبِلَةً وخراباً"( ).
وكانت البالوعات إذا أهملت تطفح وتجري في الطريق ويؤذى بها الناس ، وصاحبها ينتظر الشهر والشهرين ، حتى ينزل المطر ، وقد حكى الخليل السلولي خبراً عن أبي قطبة العتابي الذي كان يهمل بالوعته ، فقال :"كان يؤخر تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد ، وسيل المثاعب" ، فالظاهر أن المطر الشديد كان من الأمور المعتادة بالنسبة لهم لذلك اتخذت الدولة قناة تصب فيها المياه من المدينة فتحملها إلى خارجها ، من أجل ذلك كان أبو قطبة العتابي يكتري رجلاً ليسخرج له ما في بالوعته ويصبه في الطريق فيجترفه السيل ويؤدي به إلى ترعة السيل"( ) .
• الحمامات العامة :
كانت هناك حمامات عامة تعمل على مدار اليوم كاملاً وكان الناس يختلفون إليها بأعداد كبيرة حتى في وقت السمر من الليل،وكانت هذه الحمامات لا تقتصر على الاغتسال المجرد لإزالة الأوساخ،بل كان لها أدوار أخرى غير مجرد النظافة،فهي تقوم أيضاً بدور أشبه بدور مراكز التجميل الآن؛للرجال والنساء على حد سواء؛ ففيها مستحضرات تجميل كثيرة الأصناف،من بينها ما يسمى بالنورة وهي أخلاط من حجر الكلس لإزالة الشعـر الزائد من الجسم على هيئة دهان يوضع على الشعر فينزعه،فكان الرجل يطلي بالنورة، ويغتسل بالصابون؛والصابون نورة أيضاً تصنع من أخلاط من حجر الكلس وغيره تستخدم لإزالة الأوساخ، وكانت تقع في الحمامات بعض الحوادث مثل سرقة الملابس أوالأشنان والصابون والدهان؛ وكان صاحب الحمام يتقاضى أربعة أفلس أي طسوجاً عن الاغتسال العادي ولكل نوع من أنواع التجميل ثمنه ( ).
• وسائل الانتقال :
تنوعت وسائل الانتقال في ذلك العصر براً وبحراً ؛ فكانوا يسافرون براً بالركائب كما يتنقلون عليها داخل المدن ؛ وكانوا إما يملكون هذه الدواب على الأغلب ، أو يستأجرونها كراء ، أو يستعيرونها من بعض الإخوان؛ ومن وسائل الانتقال المعروفة آنذاك الوسائل البحرية من سفن ومراكب ، كما يبدو أنهم كانوا يؤثرون السفر بالبحر ، ولذلك اتخذوا طرقاً بحرية معروفة لهم ، مثل طريق البصرة / الأبلة .. والعكس ؛ كما كانوا يقصدون بغداد بالسفن من بعض الجهات البحرية ؛ وكانوا في هذه السفرات يتحينون أوقات السفر المناسبة والملائمة لحركة السفن والملاحة البحرية ، يقول أهل الأبلة عندما يرون مداً :"ما رأينا مداً قط ارتفع ارتفاعه . وما أطيب السير في المد ..!، ومن آرائهم الحاذقة الخبيرة أن السير في المد إلى البصرة ، أطيب من السير في الجزر منها إلى الأبلة" ؛ وكانوا يسمون المراكب الدائبة السيارة "مِعْبَرًاً" ، وهو أشبه بلفظ "معدية"، الذي تستخدمه العامة في مصر هذه الأيام، كما أنهم سموا السفن التي تقطع المسافات القصيرة بعدد محدد من الناس "جعفرية"، وربما كانت الجعفرية اسم للسفينة ، أو لعلها منسوبة إلى الجعفر وهو النهر ، فتكون الجعفرية هي السفينة النهرية أو الصغيرة ؛ وكانت لهم في سفر البحر عادات منها أنهم يفرقون أموالهم في السفن ، فإن أصيب بعض المال سلم بعضه ، قال بعض البحريين لأبي بكر محمد بن سيرين : لولا أن السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في البحر( ).
• التنظيمات الأسرية
• المرأة :
كانوا يلقبون المرأة بالنعجة على سنة العرب ، قال رجل من المسجديين :" كنت أنا والنعجة كثيراً ما نغتسل بالعذب خوفاً من الماء الملح .."( ) .
وكان من أمثالهم لا تعدم صناع ثلة ؛ فالصناع هي المرأة الماهرة والثلة هي كرة الصوف الذي تغزله المرأة ؛ ويبدو أن النساء في ذلك العصر كن يغزلن الصوف في البيوت ثم يبعن إنتاجهن للغزال ، فكانت الزوجة الصالحة عون صدق لهم . كما أنهم اعتادوا في ذلك العصر السؤال عند الخطبة عن مال المرأة ، ثم يقدرونه ويحصونه . وكانت المرأة إذا زوجت بنتها حلتها الذهب والفضة وكستها المروي والوشي والقز والخز ، وعلقت لها الستائر من القماش المعصفر ودقت لها الطيب ، لأنها أمور فيما يعتقدون تعظم أمرها في عين أهلها وتزيد من قدرها في عيون أهل زوجها . فكانت النساء تسرف في الأعراس لدرجة غير معقولة ، قال الجاحظ :"حدثني تمام بن أبي نعيم ، قال : كان لنا فالوذجاً ، فقيل له : إن المؤنة تعظم، قال أحتمل ثقل الغرم بتعجيل الراحة ، لعن الله النساء ..! ، ما أشك أن من أطاعهن شر منهن . وقد كان لكل منزل خزانة لحفظ الأطعمة والحبوب والحاجيات وكان أمر هذه الخزانة موكولاً للنساء حيث يقمن عليها ويعرفن ما بها وفاضله من منقوصه ومكان كذا ومكان كذا ، وكانوا لا يقبلون أن يكون ذلك من معارف الرجال ، قال يحيى بن خالد :"ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه" .
ومن زينتهن نقط الخد والوجه ، وقد شبه الجارود بهذا النقط طعام تسنيم بن الحواري ، قال :" نقط كنقط العروس"؛ كما أن المرأة كانت إذا رت زوجها قد جاء من الحمام ، وقد اطلى وتطيب وبيض ثوبه ، عارضته كذلك بالتطيب ولبس أحسن ثيابها . وكانت من عاداتهن التشهي عند الوحم ، وأكثر ما يقع فيه التشهي لألوان الطعام : كان الكندي يقول لجاره :"إن في الدار امرأة بها حمل . والوحمى ربما أسقطت من ريح القدر الطيبة ، فإذا طبختم فردوا شهوتها ولو بغرفة أو لعقة"، كما كان الكندي يشترط على ساكنه عند كراء المنزل"أن يجعل له غرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في بيته".
وكان من المظاهر الاجتماعية المهمة في ذلك العصر، وجود شكل اجتماعي للحزن ، إذ كانت هناك طائفة النائحات، او النوائح وهو اسم يقع على النساء إذ يجتمعن في مناحة ، فقد كانت من سمات هذا العصر إقامة المآتم واجتماع النساء ، العجائز منهن ، وانفصال بعض للانخراط في حديث خاص ، فكن في ذلك العصر إذا ما أقام أهل المأتم المناحة اعتزلن وتحدثن وتذاكرن الأحوال والأمور وبر الأبناء وإنفاقهم عليهن ، قال الجاحظ :"حدثتني امرأة تعرف الأمور ، قالت : كان في الحي مأتم اجتمع فيه عجائز من عجائز الحي ، فلما رأين أن أهل المأتم قد أقمن المناحة اعتزلن وتحدثن . فبينا هن في حديثهن ، إذ ذكرن بر الأبناء بالأمهات وإنفاقهم عليهن ، وذكرت كل واحدة منهن ما يوليها ابنها من البر"( ).
• العلاقات العاطفية :
يبدو أن المجتمع العباسي كان يعيش مرحلة فيها الكثير من السماحيات في العلاقة بين الرجل والمرأة وأبرز هذه العلاقات هي العلاقة العاطفية ن إذ يظهر جلياً في مجتمع البخلاء تمرس الرجال في إقامة العلاقات العاطفية ، وإمكان إقامة علاقة تداولية مطردة ، ومن أمثلة العلاقات العاطفية في ذلك المجتمع أن أبا القماقم تعشق واحدة ـ أي نهارية ـ فلم يزل يتبعها ويبكي بين يديها ، حتى رحمته . وكانت مكثرة ، وكان هو مُقِلاً . فاستهداها هريسة ، وقال أنتم أحذق بها ..! ، فلما كان بعد أيام تشهى عليها رؤوساً . فلما كان بعد قليل ، طلب منها حيسة . فلما كان بعد ذلك تشهى عليها طفيشلية . قالت المرأة : رأيت عشق الناس يكون في القلب والكبد والأحشاء ، وعشقك أنت لم يجاوز معدتك ..!( ).
• الزواج :
كانت في العصر العباسي أنواع عديدة للزواج منها الزواج التقليدي بأركانه المعروفة وأولها الإشهار، وبشكله الاجتماعي من مسكن واستقرار عائلي ، وليس فيه من شيء لافت للنظر إلا أن سن العروس قد يصل عند الزواج إلى اثنتي عشرة سنة ، مثل سن ابنة مريم الصناع عند زواجها؛ وكانت هناك أنواع غير تقليدية من الزواج منها ما هو مقبول شرعاً ومنها ما هو مردود ومحرم ومجرم لا يقبله شرع أو عرف ، بل إن المؤسسات الاجتماعية تستشنعه وتنفر منه نفوراً كبيراً ؛ ومن النوع الأول المقبول شرعاً : ما سُمِّىَ بالزواج النهاري : وهو نوع من الزيجات المنتشرة آنذاك ، ومعنى أنه نهاري أي أن زوج المرأة يأتيها في منزلها نهاراً وهو نوع من أنواع الزواج يضطر إليه البعض ممن يعجزون عن إعداد بيت الزوجية والقيام عليه ، كما يبدو أن فئة ذات مواصفات اجتماعية معينة هي تلك التي كانت تقبل بناتها الزواج النهاري ، فقد ورد في الجزء الثالث من الأغاني ، في ترجمة بشار بن برد أن الفضل بن أبي سعيد قال:"حدثني رجل من أهل البصرة ممن كان يتزوج بالنهاريات،قال: تزوجت امرأة منهن.."، وكـأنهن كن طائفة معينة ومحددة اجتماعياً،ولا أدل على ذلك من قول الجاحظ بعد خبر عن نهارية:"وتعشق أبو القماقم واحدة"( أي نهارية ) . ويؤكد ذلك أن الزواج النهاري لم يكن في مجمله يتم على هذا الوجه لعدم قدرة الزوج على إعداد بيت الزوجية ، إذ كان منهم من يبدو قادرا وبإمكانه أن يحول زواجه النهاري إلى زواج دائم ، والنهارية تعلم ذلك وترتقبه طامعة ، بل تتوسل لذلك الوسائل وتسلك إليه المسالك والسبل ، وتحتال من أجله بالحيل التي تدنيها من ذلك قالت امرأة نهارية لأبي القماقم: إني تزوجت زوجاً نهارياً، والساعة وقته وليست عليَّ هيئة فاشتر لي بهذا الرغيف آساً،وبهذا الفلس دهناً،فإنك تؤجر..!،فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه،فيرزقني على يدك شيئاً أعيش به؛فقد والله ساءت حالي،وبلغ المجهود مني.
أما النوع الآخر الذي يحرمه الشرع وينبذه المجتمع فهو زواج المحارم ، وهو زواج كانت تقترفه طائفة من الزنادقة ، أصحاب الفلسفة البوهيمية ، فهم كانوا يستحلون زواج المحارم ، ويرون أن:"الرجل أحق ببنته من الغريب وأولى بأخته من البعيد ، لأن غير البعيد أحق بالغيرة والقريب أولى بالأنفة ، إلا أن العادة هي التي أوحشت منه والديانة هي التي حرمته ، ولأن الناس أيضاً يتزيدون في استعطافه ، وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه"، وهدف هؤلاء الأول من علاقاتهم الزوجية المحرمة هو الاستزادة من النسل "لأن الاستزادة في النسل كالاستزادة في الحرث"( ).
• الانفصال العاطفي :
سادت المجتمع العباسي عدد من أشكال الانفصال العاطفي منها الطلاق الذي يعد مخرجاً شرعياً من تحت ظُلَّة الزواج ، وهو من الأمور المعروفة في كل المجتمعات الإسلامية كما سادت بعضُ الأشكال الأخرى التي تكون قوتُها بيد المرأة لا الرجل ، فالحرة تخلع زوجها خُلعاً والأمة تستبيع سيِّدَها استباعةً( ) :
ــ الخلع : هو أن تدفع المرأة إلى زوجها مالاً ليطلقها ، وهو من الأمور المعهودة في ذلك المجتمع .
ــ الاستباعة : هي عودة الأمة ( الجارية ) على سيدها بما يشبه الخلع ، بأن تطلب إليه أن يبيعها.
• التربية :
كان العرب يربون أنفسهم على آداب مفروضة من بينها الكرم والسخاء ، وهناك آداب للطعام ، إذ كانوا يكرهون جولان اليد في الطبق، وكانوا يتخذون التربية الصالحة نموذجاً يقيسون عليه ، فإذا كان الفتى منهم ضخم الجسم فخم اللفظ رفيع المعاني، قالوا عنه :"تربية في ظل ملك"( )، أي في كنفه، وكان مثل هذا النموذج هو المثالي للسيد المكتمل؛ وأبرز ما رصده الجاحظ وحاول الإشارة إليه هو نزعته المناهضة للشعوبية، وقدم لنا صورة لتربية النشء عند العرب وتربية النشء عند الفرس، في موقفين متشابهين في الإطار متضادين في التوجيه والهدف :
= كان العرب يميلون إلى تخليق أنموذج مثالي عالي القيمة في وجدان الصبي ويتدخلون بالتقويم والإصلاح عند أية بادرة للإنحراف عن التقليد العربية ، وروى الجاحظ خبراً يشير إلى كيفية معالجة الأمور التربوية عند العرب ، قال : كان عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن قد استخفى بالبصرة في عبد القيس ، من أمير المؤمنين أبي جعفر وعماله ، وكان كلما اطمأن أسفر حتى صلى معهم في مصلاهم وجلس إليهم ،"والقوم عرب ، وكانوا يفيضون في الحديث ويذكرون من الشعر الشاهد والمثل ، ومن الخبر الأيام والمقامات . وهو في ذلك ساكت ، إذ أقبل عليه ذات يوم فتى منهم ، خرج عن أدبهم ، وأغفل بعض ما راضوه به من سيرتهم ، فقال له :"يا شيخ ، إنا قوم نخوض في ضروب القول ، فربما تكلمنا بالمثلبة وأنشدنا الهجاء . فلو أعلمتنا ممن أنت ، تجنبنا كل ما يسوءك . ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كلها وأخبار المثالب بأسرها ، لم نأمن أن يكون ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك ، فلو عرفتنا نسبك كفيناك سماع ما يسوءك من هجاء قومك ومن مديح عدوك" ؛ فلطمه شيخ منهم ، وقال: "لا أم لك ..! ، محنة كمحنة الخوارج ، وتنقير كتنقير العيابين ؟ ، وَلِمَ لا تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ؟ فتسكت إلا عما توقن بأنه يسره؟"( ) ؛ وهكذا لم تسمح النفسية العربية الأصيلة أن تتقبل من الفتى الغض الخروج عن الآداب المفروضة، حتى لو كان هذا الخروج خروجاً مؤدباً،لم يتجاوز فيه الفتى حداً ولم يتنكر لخير ولم يفش مثلبة،لكن من ثوابت الآداب والتقاليد العربية احترام الضيف احتراماً مطلقاً وعدم إحراجه حتى بالسؤال عن نفسه أو نسبه.
= أما الفرس فقد كانوا يتركون صبيانهم على فطرتهم ، وكل ما يعن لهم من أمور مكتسبة حتى وإن كانت تنبو عن الخلق القويم لا يجدون من يوجههم إلى خطرها ، ويقوم لهم ما اعوج من عماد تربيتهم ، قال أحمد بن رشيد للجاحظ : كنت عند شيخ من أهل مرو ، وصبي له صغير يلعب بين يديه ، فقلت له إما عابثاً أو ممتحناً : أطعمني من خبزكم ، قال : لا تريده ، هو مر ..! ، فقلت : فاسقني من مائكم ، قال : لا تريده ، هو مالح ..! ، قلت : هات من كذا وكذا ، قال : لا تريده ، هو كذا وكذا ..! إلى أن عددت له أصنافاً كثيرة . كل ذلك يمنعنيه ويبغضه إليَّ ..! ، فضحك أبوه ، وقال : ما ذنبنا ؟ هذا من علمه ما تسمع ..! يعني أن البخل طبع فيه( ).
فشتان بين من لطم ومن ضحك كما أنه شتان بين الفرس والعرب .
• تربية الخدم عند العرب :
كان العصر العباسي يمتاز بحسن معاملة العبيد عند معظم السادة ، وكانوا يتواصون بذلك ، ويعوون على من ينتقض سنتهم فأبو الأصبغ بن ربعي دخل على زبيدة بن حميد ، وكان قد ضرب غلمانه ضرباً مبرحاً ، فقال أبو الأصبغ له :"ما هذا الضرب المبرح ؟ وهذا الخلق السيئ ؟ هؤلاء غلمان ، ولهم حرمة وكفاية وتربية ، وإنما هم ولد . هؤلاء إلى غير هذا أحوج" ؛ فابن ربعي يذكر زبيدة بن حميد بأن هؤلاء الخدم لم كرامة ومنزلة ، ولهم أمور يكفيهم سيدهم إياها ، كما أنهم يكفونه أمره ويقومون بخدمته ، ولهم النصح والتوجيه بالإرشاد والتقويم، ثم أنزلهم ابن ربعي بمنزلة الأولاد في الرعاية والاهتمام ودم الإهانة، وقبل كل ذلك عد زبيدة بن حميد خلقاً سيئاً يلام عليه( ) .
الفصل الثاني
من الأنظمة المدنية في ذلك العصــر
• التقسيم الإداري لدولة الخلافة :
كانوا يسمون دولة الخلافة العباسية في عصرهم "مملكة" ، ويبدو أن هذه التسمية هي التسمية الشعبية لها ؛ قال الداردريشي :"والله إني لأرثي لبيوت الأموال ولخراج المملكة من هذا"، وكانت مدن المملكة تنقسم إلى شوارع رئيسة ، وأخرى فرعية تسمى الرائغ، ويتفرع الرائغ إلى طرق مسدودة لا تنفد، وكانت هذه المملكة تنقسم إلى ولايات ومدن كبيرة ، والمدن إلى أحياء ، والأحياء لها حكومات مستقلة ، وقد ورد في كلام الجاحظ ما يفهم منه ذلك ، فهو يقول :"وحدثني إبراهيم بن السندي ، قال : كان على ربع الشاذروان شيخ لنا من أهل خراسان" ؛ فهذا الخراساني كان على حي الشاذروان وهو من أحياء بغداد أي أنه كان قيمه الناظر في مصالحه من قبل الوالي ، كمأمور القسم ، أو العمدة مثلاً لهذا العهد، كما قسموا المدينة إلى أرباع وكورات ومحلات ( جمع محلة ) ، ولكل ربع قيم ينظر في شئونه، واتخذوا لكل كورة قصبة، فيها المقر الإداري لولاية المدينة ، وبكل قصبة باطنة ، وهي مجمع الدور والأسواق فيها( ).
• النظام الإداري للدولة :
كان النظام العسكري يجعل المهام تتدرج من الخليفة إلى القاضي فرئيس الشرطة ؛ بينما النظام المدنى والإداري كان يبدأ بالخليفة ويليه كبير الوزراء ، كما كانوا يسمون الخليفة سلطاناً ، لأنهم بعد الرشيد ذهبت عن العباسيين معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها ، وصار الأمر ملكاً بحتاً ، وذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وتلاشي أحوالهم( ) ؛ وقل من يستخدم لقب الخليفة إلا خوفاً أو رجاءً ؛ فشاع مسمى السلطان بين العامة ، قال خالد بن يزيد :"إن هذا المال لم أجمعه .. إلا من معاناة ركوب البحر ومن عمل السلطان" .
• الشرطة :
كانت الشرطة من الأجهزة التابعة للقضاء ، إلا أنها صارت تنظر في الجرائم وإقامة الحدود في الدولة العباسية ، فكان صاحب الشرطة منفرداً في نظر الجرائم عن القضاء؛ وكان لكل حي من أحياء المدينة "نقطة شرطة" تسمى "المسلحة" ، ولها قيم أي رئيس عسكرها ، وكان صاحب مسلحة "باب الكرخ" من رواة الجاحظ وأصحابه؛ والكرخ محلة في بغداد ، وباب الكرخ حي في هذه المحلة ، يقال في موضع كذا مسلحة ومسالح أي أن فيه قوماً وكلوا بمرصد ومعهم سلاح؛ كما كان في بغداد نظام أمني آخر غير ثابت هو نظام (الطائف) وهم فرقة من العسكر يطوفون فرادى بأحياء المدينة ليلاً لتفقد أحوالها وهم العسس أيضاً ، ويسمون الجلاوزة؛ وفيما يبدو أنهم كانوا يعاملون السائرين ليلاً بعنف وقسوة ، فهذا جبل من أصحاب الجاحظ تأخر به الوقت ليلاً في موضع كان فيه ، فخاف الطائف ولم يأمن اللصوص ، فعرج إلى باب صاحبه أبي مازن ليبيت عنده؛ وكانت هناك صفات جسمية يجب أن تتوفر في الشرط، فمن أقوالهم :"ما رأيت أصح أبداناً من الحمالين والطوافين" ، فربما كانوا يجتازون اختبارات لياقة عالية لأنهم يطوفون طوال الليل للحراسة شتاءً وصيفاً ، كما أنهم في حركة دائبة متكررة جيئة وذهاباً ، ومن أقوال الناس لذلك العهد :"فلان أصح من الجلاوزة"، أي لاختلافهم في الحركة جيئة وذهاباً طوال الليل، فكانت هناك نوبات حراسة ودوريات، وكان جهاز الشرطة يقوى ويضعف ، فيقوى إذا ضعف حاكم الولاية، ويضعف إذا قوي( ).
• المسـجــد :
لم تكن المساجد للعبادة وحدها في ذلك العصر ، ولكن كانت تؤدى فيها أعمال مختلفة ، فهي مكان للعبادة والخطابة ، ومحكمة للتقاضي ومعهد للدراسة ؛ لذلك كان للمسجد دور كبير في الحياة الاجتماعية في عصرهم؛ ومن أجل هذا كانوا يهتمون بإبراز موضع المسجد عند بنائه ؛ فهذا ثمامة يحنق على يزيد بن هشام لأنه عدل عن بناء المسجد الذي كلفه به ثمامة وفوضه له ـ في الشارع الرئيس وبناه في الرائغ، أي في طريق جانبي وليس عاماً، فمبعث اهتمامه بذلك أن المساجد كانت مادين لإقامة أنشطة اجتماعية وحضارية من حولها ؛ من أجل ذلك كانوا يعدون من مساوئ الدور أنها بعيدة عن المصلى؛ ومن المساجد التي كان لها دور اجتماعي في بغداد مسجد ابن رغبان في حي مسجد ابن رغبان ، وهو حي من أحياء بغداد ، كان ينزله البصريون وسمي حي البصريين في بغداد ؛ فيه تروج أفكارهم وينفق سوقهم وتسفر بضائعهم( ).
ـ المسجديون :
كانت المساجد منتدى كل وارد ، إن كان مقيماً أو ظاعناً ، فيه يصلون ، وفيه يسمرون ، ويتقاضون ويحتكمون ، ومن حوله يبيعون ويشترون ، والمسجديون فيما هو مفهوم من كلام الجاحظ هم معتادوا المساجد من المداومين على الجلوس فيها ، وهم بداخله طوائف تتنوع بحسب الميول والمذاهب ؛ حتى من ينتحل الاقتصاد من أصحاب الجمع والمنع ـ أي ( البخلاء ) ـ كانت لهم حلقة يتذاكرون فيها فنون مذهبهم الاقتصادي، وكانوا تسمى حلقة المصلحين( ).
ـ حكومة صالحي المسجد :
كانت هناك هيئة قضائية متشعبة الأطراف في كل أرجاء الخلافة العباسية ، إلا أن الحكومة الشعبية كانت هي السائدة لقرب عهد الناس بالقبلية والعصبية من ناحية ، وجمع الصف الإسلامي والاعتصام بحبل الله في كل أمورهم من ناحية أخرى ، وهذه المجتمعات القضائية الشعبية كان مقرها المساجد وقضاتها هم الصالحون من أهل هذه المساجد؛ فهذا هو الداردريشي وأخوه عندما طرأت بينهما الشاحنات وهما على مال مشاع بينهما ؛ لجآ إلى "صلحاء أهل المسجد" للفصل بينهما؛ وقد لام رجل من ثقيف أبا سعيد المدائني لأنه أتى ثقفياً يستقضيه مالاً له عليه ، فكان الثقفي يطيل عليه المطل ، وهو يذهب إليه يوماً بعد يوم ، وربما أطال عنده الجلوس فيحضر غداءه ؛ فقال رجل من ثقيف كان يحضر الغداء : لو أراد التقاضي محضاً لكان ذلك في المسجد ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء؛ وكان التقاضي في المسجد هو السبيل الشرعي والاجتماعي للتقاضي والاحتكام في ذلك العصر ( ).
• قلاقل الدولة :
كانت الدولة العباسية تمر في مراحلها المختلفة بعدد من القلاقل والاضطرابات المذهبية والاجتماعية والسياسية ، فقد تنوعت تلك القلاقل بتنوع ثقافات الدولة واتساع نطاقها وقوة حضارتها ، ومن ناحية اجتماعية كانت هناك طائفة من الشعب تؤثر السلامة وتبيح لنفسها التعامل مع كل الطوائف بينما كانت هناك طوائف أخرى تؤثر السلامة كذلك ولكن دون التعامل مع الخارجين على نظام الدولة ، ومن الصنف الأول المسجديون في ربع عبد القيس بتالبصرة وهم عرب خلص ، تأدبوا بأدب العرب ، يهشون للغريب ويقبلون عليه خفافاً لا يسألونه عن شيء من أمره ، فلما جلس إليهم عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وكان يستخفي من أمير المؤمنين أبي جعفر وعماله ، سأله فتى منهم عن نفسه ، فقال شيخ منهم زاجاً الفتى : لا أم لك ..! ، محنة كمحنة الخوارج ، وتنقير كتنقير العيابين ؟ ولم لا تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ؟ فتسكت إلا عما توقن أنه يسره ؛ أما الصنف الآخر فمن مثل أهل الأحياء الشعبية الذين يخافون من الخارجين على نظام الدولة ويحذرون من التستر عليهم ، وكان يبدو من روايات الجاحظ أن التستر كان ظاهرة في ظل قلاقل الدولة ، ومنهم سكان سق بني تميم بالبصرة ، إذ قالوا لرجل منهم ظنوا أنه يواري ويتستر على أحد الخارجين على السلطان "لولا أن هذا طلبة السلطان لما توارى . فلسنا نأمن من أن يجر على الحي بلية . ولست تبالي ـ إذا حسنت حالك في عاجل أيامك ـ إلام يفضي بك الحال ، وما تلقى عشيرتك . فإما أن تخرجه إلينا وإما أن تخرجه عنا"( ) .
• الأمويون :
تعرض الجاحظ في البخلاء للأمويين بالانتقاص والنيل من كرمهم وهو عند العرب صفة من صفات المروءة ؛ وذلك استمالة للنظام العباسي القائم على أنقاض الدولة الأموية ؛ ولكن الجاحظ انطلق في ممالأته للعباسيين من منطلق مذهبي لا نفعي ، فلم يكن أمر ممالأة الدولة العباسية ظنة لصيقة بالجاحظ وحده ، بل نالت كذلك طائفة المعتزلة بأكملها( )، فقد ذهب البعض إلى أن كلام واصل بن عطاء حول الكبائر ومرتكبيها وعدم تكفيرهم كان بمثابة التمهيد لقيام الحكم العباسي ، ويفسر البعض اعتزال واصل وحركته مع من تابعه واعتزل معه ، من خلال المنهج السياسي ، بأنه يمثل الفكرة الدينية الرسمية للحكومة العباسية( )، ثم جاء العصر العباسي وثبتت أركانه فبرزت الشواهد التاريخية لتؤكد صراحاً هذا الاتجاه ، بما تمتع به المعتزلة من نفوذ في ظل العباسيين ، كما يمكننا أن نقول إن العباسيين ربما وجدوا في موقف المعتزلة الفكري ما يدعم كيانهم وشرعية حكمهم من الوجهة الفقهية ؛ ذلك أنهم وجدوا فيه سنداً لهم ضد فقهاء السنة الذين أنكروا هذه الشرعية ؛ ومن ثم احتضن العباسيون المعتزلة( )، إلى أن جاء المتوكل فاضطهدهم انتصاراً لأهل السنة( )، وقد أشار كارل بروكلمان إلى أن"المعتزلة" لقب من ألقاب الحركة العباسية نفسها قبل قيام دولتهم لأنهم آثروا ـ عند إعلان دعوتهم ـ اتخاذ طريق وسط محايد بين العلويين والأمويين فيما كان بينهم من صراع ، فهم من أجل اعتزالهم الدخول في الصراع بينهما ، سموا" معتزلة"( )، وعلى ذلك يكون ميل الجاحظ إلى الدولة العباسية لم يكن ميلاً مبعثه الهوى والطموح ، وإنما كان ميلاً مذهبياً في أصل اعتزاله ، ومن خلال هذا الاتجاه المذهبي ، حاول الجاحظ أن ينتقص من الخلفاء الأمويين ومن جلسائهم وعمالهم على الأمصار، فذكر مثالبهم ونسبهم إلى الحرص والبخل ، والجمع والمنع ؛ فقال مشيراً إلى حرص هشام بن عبد الملك بن مروان على جمع المال : كان هشام بن عبد الملك يقول:" ضع الدرهم على الدرهم يكون مالاً"، وروى أنه عندما دخل إلى بستان له في أصحابه فجعلوا يأكلون من ثماره وفاكهته ويدعون له بالبركة ، فقال : يا غلام اقلع هذا واغرس مكانه زيتوناً ؛ وروى الجاحظ أن رجلاً ساب أيوب بن سليمان بن عبد الملك ، فقال له في بعض ما يشتمه:"ماتت أمك بغراً ، ومات أبوك بشماً"؛ فنسب إليهم ما ينتقص من المروءة ، أي أن أمه ماتت من كثرة شرب الماء ، وأبوه أتخم من كثرة الكل فمات ؛ وكان أبوه سليمان من المشهورين بالبخل والحرص، يروى أن أعرابياً تناول من بين يدي سليمان بن عبد الملك بن مروان دجاجة ، فقال له يكفيك ما بين يديك وما يليك . قال الأعرابي : ومنها شيء حمى ؟ ( أي هل في مائدتك شيء محمي من أن يتناوله أحد؟) ، قال : فخذها لا بورك لك فيها؛ وروى عن معاوية أنه قال لرجل أكل من أمامه : إنك لبعيد النجعة ..! ، فقال الأعرابي : من أجدب انتجع ..!. وكما نال الجاحظ من الخفاء وأبنائهم نال كذلك من جلسائهم وأصفيائهم ، ومنهم خالد بن صفوان صاحب هشام بن عبد الملك قال جاء غلام إلى خالد بن صفوان بطبق خوخ ـ إما أن يكون هدية وإما أن الغلام قد جاء به من البستان ـ فلما وضعه بين يديه قال:" لولا أني اعلم أنك قد أكلت منه لأطعمتك واحدة"؛ وكما نال من الخلفاء وجلسائهم نال من عمالهم على الأمصار ، وعلى رأس هؤلاء المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي الذي تولى الكوفة من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي ، وكان المغيرة بخيلاً وقص الجاحظ طرفاً من نوادره ، وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق ، فقال لرجل من الشرط الذين يعملون تحت إِمْرَتِه : يا هذا إن أقدمت على جدي الأمير أسقطت عنك مؤنة سنة ، فلما بلغ المغيرة ذلك شكا عبد الرحمن بن طارق إلى الحجاج ، فعزله الحجاج وولى مكانه زياد بن جديد ، فكان زياد أثقل عليه من عبد الرحمن ، ولم يقدر على عزله إذ كان من قبل الحجاج ، فكان المغيرة إذا خطب قال يا أهل الكوفة من بغاكم الغوائل وسعى بكم إلى أميركم ، فلعنه الله ولعن أمه العوراء ..! ، وكانت أم زياد عوراء ، فكان الناس يقولون : ما رأينا تعريضاً قط أطيب من تعريضه ، فقد بلغت قلة حيلة والي الكوفة إلى الحد الذي يلجأ معه إلى التعريض برئيس الشرطة لعدم القدرة على التعرض له ، وكان هذا من أبرز مساوئ الحكم الأموي إذ كانت مثل هذه الأمور أشبه بمراكز القوى التي أضرت بالمصالح الأموية وبالرعية في آن واحد . ومن ولاة الكوفة الأمويين زياد الحارثي وهو من أمراء الدولة المروانية وكان والياً على الكوفة عند قيام العباسيين في خراسان والعراق، وكان رجلاً مُدَنِّقاً بخيلاً ، وكان له جدي لا يمسه أحد ، فعشى في رمضان قوماً فيهم أشعب ، فعرض أشعب للجدي من بينهم ، فقال زياد : أما لأهل السجن إمام يصلي بهم ؟ فقال أشعب : أحلف بالمحرجات ألا آكل لحم جدي أبداً . ومن هؤلاء الولاة حاكم البصرة للحجاج بن يوسف: وهو الحكم بن أيوب الثقفي الذي عزل عامله على (العِرْق) جرير بن بيهس المازني ، لأنه تناول من بين يديه دراجة على طعامه ، وولى مكانه نويرة المازني فلما علم أنه ابن عم جرير عزله( ).
* الشعوبية :
فقد العرب الإحساس بالتميز،الذي هو حق الأمم الفاتحة الغالبة ، ذات المجد التليد والحاضر الطارف، وذلك لفقدانهم القدرة على الانتقاء الهادئ المقنن المتعقل من أدوات الحضارات المجاورة وروافدها ، بحسب الحاجة والدافع ؛ لكن إعجاب العرب بكل ما هو جديد بعامة ، وفارسي وهندي ويوناني بخاصة ، فاق كل تصور ، وكأن صيغة الحياة العربية أصبحت مرتهنة بمدى قوة حركة التجديد الحضاري وفاعليتها( ) ، هذا الموقف الجدلي بين التاريخ والواقع لم يواجه الإنسان العربي في عصر بني أمية ؛ ففيه ظل مشدوداً إلى حد بعيد ـ على المستويين الاجتماعي والوجداني ـ إلى تقاليده القديمة ، يكيف واقعه النفسي في إطارها ، ويتخذ منها مُثُلاً عُـلْيَا تحتذي ؛ أما العصر العباسي فقد فرض ذلك الصراع الذي سرعان ما حسم على المستوى الاجتماعي العام ، إذ لم يملك الناس في إطار حضارة المدينة الجديدة إلا أن يعيشوا الحياة كما حددها هذا الإطار( ) ؛ ومع إحساس العرب بالحاجة إلى التحديث من ناحية ، وفقدهم الإحساس بالتميز من ناحية أخرى : ظهرت قوة هذه الأجناس الأجنبية بوصفها رد فعل طبعي للإحساس العربي بالنقص والحاجة إلى التغير على جميع الأصعدة ، والرغبة الملحة في التحديث الفكري والاجتماعي( ) ؛ ومهما يكن موقف العرب من أنفسهم فإن هذه القوى والأجناس غير العربية كانت تذكر للعرب أنهم الأمة التي حطمت ـ تحت لواء الإسلام ـ كبرياء الأكاسرة والقياصرة ، وسادوا الإمبراطوريات الكبرى فتبلور ذلك في صورة رغبة جارفة لدى أبناء هذه الشعوب للنيل من العرب الذين أذلوا أقوامهم في ظلال حركة الفتوح الإسلامية بإخضاعهم لها ، ثم تجاوز هذا الذل حدوداً كثيرة مع طبيعة المعاملة السيئة التي عومل بها كثير من الموالي في عصر بني أمية ، ومع انفتاح العصر العباسي وجد الشعوبيون الفرصة سانحة أمامهم للانتقام من العرب فظهرت حركة الشعوبية في ثوب فكري وأدبي واجتماعي وسياسي ، فكتب الشعراء قصائدهم في تمجيد الفرس أو العجم والانتقاص من العرب ومهاجمتهم كما فعل بشار وأبو نواس وكذلك الكتاب من أمثال سعيد بن حميد البختكان صاحب كتاب(انتصاف العجم من العرب)،والهيثم بن عدي صاحب كتاب(أخبار الفرس)، و(تاريخ العجم وبني أمية)، وأخطرهم جميعاً أبو عبيدة معمر بن المثنى الراوية المعروف،الذي حاول أن ينتصر لفارسيته وليهوديته، في آن واحد ، من العرب ؛ لكن هذه الحركة وجدت من الكتاب العرب بأساً شديداً فتصدى لهم ابن قتيبة في كتابه (العرب)، أو"الرد على الشعوبية"، وكذلك تصدى لهم الجاحظ صراحة في كتابه"البيان والتبيين"، إذ أفرد لهذه القضية باباً سماه” كتاب العصا”( )،كما جعل لها معالجة ضمنية في كتابه البخلاء .
• المجرمون :
ـ المحتالون : في أي مجتمع أوجه عديدة للاحتيال ، أبرز الأوجه التي عني الجاحظ بتسجيلها احتيال السكان على المسكن ، أو احتيالهم على أمر من الأمور بالسكن عينه ، ومن حالات الاحتيال التي سجلها الجاحظ ، أن يدس الساكن في أموال الكراء درهماً مزأبقاً أي مطلياً بالزئبق ، إيهاماً بأنها فضة ، أو مكحلاً أي أن يجعل على الدرهم شيئاً من السواد للتغرير بمن يأخذه أو درهماً زائفاً أي رديئاً ، أو ديناراً بهرجاً رديء الذهب؛ وربما استضعف الساكن عقل أصحاب الدور وطمع في إفسادهم وغبنهم فيغريهم بالمال ويفتح عليهم باب النفقات والشهوات حتى إذا تيقن من أنه أحاط بهم أعجلهم بالطلب حتى يتقوه بالبيع أو الرهان بالدين ، وربما جعله بيعاً في الظاهر ورهناً في الباطن فيذهب بها دون المهلة ويدعيها قبل الوقت ؛ ومن المحتالين من يستأجر داراً حتى يسرق متاع جيرانه أو أن ينقب على صيرفي حائطاً ليسرقه ، أو أن يكون إلى جوار سجن فينقب الحائط لإخراج أهله إليه ؛ إذا كانوا من إخوانه المجرمين حتى يهرب بهم ، وكلها من أفاعيل التغرير والاحتيال( ).
ـ اللصوص :
كان الناس في تلك الأيام إذا أتى الليل انقطعوا عن السبيل مخافة المستقفي ، وهم طائفة ممن يقتفون آثار الناس ليلاً فيسلبونهم ما معهم ؛ وهذه الطائفة يسمى أعضاؤها الشطار والفتيان ورئيسهم يسمى قاضي الفتيان ويكنى بأبي الفاتك ؛ وقد كانت هناك أنواع متعددة وفئات مختلفة تشكل هيكل هذه الطائفة ، فالهدف وإن كان واحداً إلا أن الوسيلة إليه صارت وسائل ، ومن أنواعها لذلك العصر : الاحتيال لأخذ أموال الغير بالتمويه والتضليل والخداع ، ويكون الاحتيال بالنهار ، و السرقة وهي إخراج الشيء من حرزه ، وتكون بالليل ، وهي صناعة الليل التي اتخذت علماً على الطائفة كلها ، وقطع الطريق : وهي المحاربة ، وتكون على الطرق التي تمر منها القوافل، ولا وقت لها ، وهذه الطوائف تتخذ لها عيوناً كشف لها الأستار ، ومجهراً تبحث به عن الفريسة، كما يتخذون ربيئة يربأ لهم على شرف ينظر دونهم لئلا يدهمهم عدو أو سلطان ، كم أنهم كانوا يتعلمون أسلوب الكلام عند السلطان إذا أخذوا ، وكيفية صبرهم إذا جلدوا ، ولا يضجرون عند الحبس ، ولا يعرقلهم القيد إذا رسف أحدهم فيه( ).
ـ ومن أشهر طوائف اللصوص في الدولة العباسية آنذاك :
= صعاليك الجبال : وهم المطرودون من المجتمع بلا مال ولا اعتماد .
= وزواقيل الشام : وهم طائفة مشهورة من اللصوص يعيشون بناحية الجزيرة ما بين دجلة والفرات وما وليها .
= وزط الآجام : وهم طائفة من السودان والهنود طوال القامة مع نحافة البدن ن يسكنون الغابات ، ويبدو أن الغابة قد أكسبتهم صلابة وشراسة .
= رؤوس الأكراد : وهم طائفة من الأكراد كانوا يثيرون الذعر ويسطون على ما يصل إلى أيديهم.
= مردة الأعراب : العاتون المتجبرون من الأعراب يقطعون الطريق ويسلبون المال .
= فتاك نهر بط: جماعة من اللصوص كانوا يسكنون بلدة بالأهواز بين البصرة وفارس اسمها نهر بط.
= لصوص القفص : والقفص جيل من الناس متلصصون ، يعيشون في نواحي كِرْمَان .
= القيقانية : لصوص من قيقان على حدود الهند .
= المتشبهة: يبدو أنهم جماعة من الفتاك كانوا يتشبهون في زيهم بالصلاح ليدركوا أغراضهم من العدوان على الناس.
= ذباحوا الجزيرة : هم طائفة من مردة الفتاك في الجزيرة العربية ما بين دجلة والفرات يذبحون من يلقونه ليأخذوا ما معه .
= القُطْرِيَّة : وهم لصوص من قُطْر ما بين شيراز وكرمان ، أو هم من قَطَر وهي مدينة على ساحل بحر عمان وهم من لصوص البحر( ) .
• من جرائمهم :
السرقة : كانت تحدث في المجتمع آنذاك بعض جرائم السرقة ، وهذا أمر معتاد في كل المجتمعات ، لكن ما تميز به هذا العصر ـ شأنه شأن العصور الإسلامية الأولى ـ هو إمكان رجعة السارق عما سرق ، مما يدل على أن سرقته كانت مجرد غواية أو إغراء أو نزغ شيطان ، كما يبدو أن هناك أشياء محددة كانت كثيراً ما تسرق من البيوت ، وقد فسر الجاحظ ذلك بأن السارق ربما أغراه من البيت أن أهله أصحاب آنية وآلة، وكان المسروقة أمتعتهم يتحايلون ـ في وضع حدود البيئة والظروف الملائمة ـ لإعادة المسروقات ؛ روى الجاحظ خبراً عن أبي سعيد المدائني ، قال :"ذهب من ساكن له شيء كبعض ما يسرق من البيوت فقال له المدائني : اطرحوا الليلة تراباً ، فعسى أن يندم من أخذه فيلقيه في التراب ، ولا ينكر مجيئه إلى ذلك المكان ، لكثرة من يجيء لذلك [أي لطرح القمامة]، فحدث أن طرح ذلك الشيء المسروق في التراب( ) .
قطع الطريق ( الحرابة ) : كانت من جرائمهم قطع الطريق ، وهي جريمة يقوم بها فئة من المستقفين ، ومن مميزات ذلك العصر أن بعض إخوان المُحَارَب الذي قُطِع عليه الطريق يذهبون إلى الأغنياء من أصحابهم فيسألونهم أن يخلفوا عليه( ) .
الرشوة والفساد : يفهم من كلام الجاحظ أن الزلل والفساد والرشوة والحكم بالهوى كانت من الأشياء المنتشرة في طبقة الحكام للدرجة التي جعلت من أهم عناصر المدح خلو المدوح من تلك الصفات ، قال الجاحظ : حدثني إبراهيم بن السندي ، قال : كان على ربع الشاذروان شيخ من أهل خراسان وكان مصححاً ، بعيداً من الفساد ومن الرشا ، ومن الحكم بالهوى( ) .
المشاحـنات والشجـار : كانت تقوم بينهم المشاحنات ، وقد تتطور حتى تصل إلى حد الشجار ، لكن نفوسهم كانت طيبة سرعان ما تهدأ ، وقد رسم لنا الجاحظ صورة لمشاجرة بين رجل يدعى رمضان ، وشيخ أهوازي ، في سفينة ، إذ قال الأهوازي لرمضان هذا:أنا أخاف أن تكون عينك مالحة،فاصرف عني وجهك،فوثب عليه فقبض على لحيته باليد اليسرى،وانهال عليه ضرباً بيده اليمنى على رأسه.
وربما كانت للشجار في ذلك العصر طقوساً شعبية خاصة بهم ، كأن يلبس الرجل منهم إزاراً ن وهو فوطة يغطي بها الجزء الأسفل من الجسم ؛ قال الجاحظ :"بلغني أن رجلاً أتى صديقاً له يستقرض منه مالاً فتركه بالباب ، ثم خرج إليه مؤتزراً . فقال له : مالك ؟ قل : جئت للقتال والخصومة والصخب( ) .
• العقوبات :
سادت العصر العباسي العقوبات الشرعية التي نص عليها الدين الإسلامي ، كما نشأت أنواع أخرى من العقوبات رأى أولي الأمر تطبيقها على أفراد المجتمع ؛ ومن عقوباتهم : الجلد، وهو نفسه أنواع منها جلد القذف ، والقاذف الحر يختلف حده عن القاذف إذا كان عبداً ، ومنها جلد الزاني الحر ، وجلد الزاني العبد( ) ، وقد كان لهذه العقوبات الشرعية حضور جلي في كتاب البخلاء بوصفها من التقاليد الاجتماعية ذات الحرمة في ذلك العصر ؛ ومن هذه العقوبات الديات ، والأرش، بوصفها كفارات عن نوعيات محددة من الجنايات ، ودية المسلم في ذلك العصر بلغت عشرة آلاف درهم ؛ وكان من غريب عقوباتهم في ذلك العصر هدم دار الجاني حتى لو كانت كراء ، إذا قتل قتيلاً أو جرح شريفاً( ) .
• السجــون :
كانت السجون في عصرهم متعددة الأنواع منها السجن وهو مكان تابع للشرط أو الوالي يحبسون فيه الناس عن الحياة اليومية ومنها : المطبق : وهو سجن تحت الأرض أشبه بالبدروم ، ومنها الديماس : وهو سجن أشبه بالسجون الإغريقية عبارة عن غرف يصلون إليها عن طريق أنفاق وسراديب ومتاهات تحت الأرض ، وهي أطباق فوق أطباق كلها تحت سطح الأرض ؛ كما أنهم كانوا يتخذون لأهل السجن إماماً ليصلي بهم( ) .
المال والتجارة
• المال :
كانت الأموال عندهم تجمع بعدد من الطرق إلى جانب التجارة والبيع ، فمنهم من يكسب ماله من القصص والتكدية ، ومنهم من يكسبه من احتيال النهار ، أي لطلب الرزق ن ومكابدة الليل ومقاساة شدائده وأهواله بالسير والركوب فيه والتعرض للأخطار وتولي عمل من أعمال السلطان ن أو كيمياء الذهب والفضة . وكانوا يسمون المال الذي يقوم أمر الرجل به :"الحرائب"؛ ومن حرصهم على المال وتقديره ، كانوا يعظمون الأغنياء ويقدمونهم ، ولا يجيزون لفقير أن يعتدي على غني بالقول أو الفعل ، وإن كان ذلك بحق له عنده( ).
ويظهر لنا من استقراء أحوال ذلك العصر بوساطة كتاب البخلاء أنهم كانوا يخرجون أموالهم للمدينين ويقرضونهم بعدة أساليب منها : الأسلاف وهو إقراض المال ، والمرابحة ، والرهن ، والربا، من مرابييهم أبو سعيد المدائني ؛ قال لرجل من ثقيف اقترض منه :"قد علمنا حين أخرجنا هذا المال من أيدينا أنه معرض للذهاب وللمنازعة الطويلة، ثم رضينا منك بالربح اليسير ، بالذي ظنناه بك من حسن القضاء"؛ وكان من معاملاتهم المالية في ذلك العصر خلط المال بين الإخوة ، وربما حدثت بينهم مشاحنات بسبب ذلك المال ، لكن السبب الرئيس في المشاحنات يكون عند كثرة الولد ، فهو وإن كان من عوامل التقريب بين الآباء ، فإنه من عوامل التفرقة بين الأبناء ؛ قال الداردريشي لأخيه :"كانت الشركة بيني وبينك حين لم يكثر الولد ، ومع الكثرة يقع الاختلاف . ولست آمن أن يخرج ولدي وولدك إلى مكروه، وهنا أموال بإسمي ولك شطرها ، وأموال باسمك ولي شطرها ، وصامت في منزلي ، وصامت في منزلك (من ذهب وفضه ) ، لا نعرف فضل بعض ذلك على بعض . وإن طرقنا أمر الله ، ما ركدت الحرب بين هؤلاء الفتية ، وطال الصخب بين هؤلاء النسوة . فالرأي أن نتقدم اليوم فيما يحسم منهم ذلك السبب؛ ومن المعاملات المالية الشائعة أيضاً في عصرهم : الاستقراض والاستفراض ؛ فالاستقراض هو طلب القرض أي أخذ مال على مظنة رده بعد أجل ، أما الاستفراض فهو طلب الفرض أي العطية ، وما فرضته على نفسك فوهبته أو جدت به لغير ثواب ، ومن المعاملات المالية كذلك ك العارية والوديعة ؛ فالعارية هي ما يعيرها الإنسان من عروض ودواب وغير ذلك ، أما الوديعة فهي ما يودعها صاحبها عند موضع ثقه من الجيران والإخوان على سبيل الأمانة ؛ وقد كان من تصوراتهم الاقتصادية أن المال المكتسب من القمار أو الميراث او مال الالتقاط وحباء الملوك أسرع في الانفاق والتبذير وأن الحفظ أسرع إلى المال المكتسب بالجهد ، والغنى المجتلب بالعمل؛ وكان من عاداتهم دفن الأموال الكثيرة لسترها عن الأعين ، واختزانها بعيداً عن أيدي النفقة ، والرجاء ( ).
كما أن الناس كانوا في العصور الإسلامية السابقة على العصر العباسي يحذرون اللقطة ، وهي ما يلقاه الإنسان في طريقه من عروض أو مال ذا قيمة ، ثم هم في العصر العباسي تبدلت أحوالهم ، حتى صار الناس في ذلك الدهر يريدون الأمانة ويحوطون اللقطة . فقد بلغ التكالب على المال والحرص عليه في ذلك الزمان مبلغاً عظيماً ، إذ أن بعضهم كان يقسم الميراث قبل دفن المُوَرِّثِ صاحب المال ، ومن ذلك قصة أحمد بن خلف وأخيه حاتم ، إذ ترك أبوهما يوم مات ألفي ألف درهم وستمائة ألف درهم ، وأربعين ومائة ألف دينار ، فاقتسماها قبل دفن أبيهما ، لكل منهما النصف : فضة وذهباً ، عيناً مثاقيل وازنة جياداً، سوى العروض ، وكان الناس لذلك العهد يتواصون بما يحفظ لهم أموالهم ويقلل النفقة عليهم؛ ومن صور حرصهم على المال أن الرجل منهم عند خطبة امرأة كان يسأل عن مالها ويحصيه ويتقصاه؛ ومن السمات السيئة لذلك العصر الاحتيال التصنع لأكل أموال الناس بالباطل لاسيما اليتامى منهم ، والترصد للنيل مما يعن لهم من أموال ، ومن أجل المال كانوا يحتالون بافتعال غرة الصلاة تعرضاً للقضاء ، وقد أكلت الأماناتِ : الأوصياءُ ، والأمناءُ ، ورتع فيها المعدلون والصرافون ، فالوصي على أموال اليتامى ، والأمين على أموال المسلمين والمزكون بأنهم عدول ، والصرافون من حفظة الودائع صنوف من قيمي الأموال في عصرهم ، فإن فسدوا فسدت المعاملات المالية للمجتمع بأسره ؛ وخير ما وصف به أهل ذلك العصر ، قولهم :"إن الناس فاغرة أفواههم نحو من عنده دراهم ؛ فليس يمنعهم من النهس ( وهو اقتطاع اللحم بالثنايا للأكل ) إلا اليأس ؛ وإن طعموا : لم تبق راغية ( أي ناقة ) ، ولا ثاغية ( أي شاة ) ولا سبد ولا لبد ( أي القليل والكثير ) ، ولا صامت ولا ناطق ( وهما المالان : الذهب والفضة ، والحيوان)( ) .
• العـمـلات :
العباسيون في ذلك العصر كانوا يتداولون عدداً من العملات،وكلها منقوش عليها عبارةلا إله إلا الله)؛ ومن هذه العملات العباسية( ):
ـ الدينار : يضرب من الذهب ، وهو العملة الرئيسة لذلك العصر .
ـ الدرهم : ويضرب من الفضة ، وقيمته تبلغ : نصف دينارٍ وخُمُسَهُ ، وهو ستة دوانق .
ـ الفلس : وهو ما كانوا يتعاملون به ، وكان يضرب من نحاس ، وهو دنيء القيمة ، إذ يعد جزءاً من ستة وتسعين جزءاً من الدرهم ؛ وفلوس البصرة أكبر من فلوس بغداد لأن للبصرة قوة شرائية تنافس قوة بغداد ، وهي أشبه بالدرهم البغلي .
ـ القيراط:وهو من العملات التي تختلف أوزانها تبعاً للبلاد التي تتداولها،فهو في العراق نصف عشر دينار، بينما في مكة ربع سدس من الدينار،وهو في حاضرة الخلافة تبلغ قيمته نصف الدانق.
ـ الشعيرة : وهي من العملات ويبلغ مقدارها ربع قيراط ، ووزنها من الفضة .
ـ والحبة: من عملاتهم وهي تعادل في قيمتها الشرائية جزءاً من ستة عشر جزءاً من الدرهم الإسلامي .
ـ المثقال : وهو درهم وثلاثة أسباع من الدرهم .
ـ الوزن : وهو ثقل في الأصل يقدر بدرهم وثلاثة أسباع من الدرهم .
ـ الدانق : وهو سدس الدرهم، وأربعة طساسيج .
ـ الطسوج : وهو ربع الدانق ، والطسوج حبتان ، وأربعة أفلس .
ويبدو أن العملة الرئيسة لذلك الزمان هي الدرهم وهو الذي تدور حوله تعاملات الناس ، أما الدينار فكان عزيزاً جداً ، لا يقع إلا في يد الأغنياء فلا يتبادل به إلا الأغنياء وذوي الجاه والثراء والسلطان ، لذلك كانوا يقولون :"الدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا"؛ وهذه العملات على كثرتها في الاستخدام داخل إطار الدولة الواحدة إلا أنهم أيضاً كانوا في بعض معاملاتهم الاقتصادية لا يحتاجون إليها إذ أن العامة كانوا يتعاملون عند غيب المال بالمبادلة ، ومما ورد في البخلاء ، أن امرأة أعطت أبا القماقم رغيفاً ليشتري لها به آساً ؛ كما أنهم كانوا يستظهرون عملات زائفة مدلس عليهم في نقدها ، وكان التزييف لا قع إلا في الدينار والدرهم لأنهما من أكبر العملات أو لأنهما العملتان الرئيستان ، وهناك سبل للمعاملات الفاسدة ، منها ( ):
1 ـ الدرهم المزأبق : الدرهم في الأصل يضرب من الفضة ، فكانوا يصنعونه من المعادن الرخيصة ثم يطلونه بالزئبق ليظهر لمن يراه أنه من فضة ، على سبيل الإيهام .
2 ـ المكحل : كان يضرب الدينار ـ وهو ذهب في الأصل ـ من النحاس ثم يصفر ويجعل عليه من السواد ما يخفي معدنه ، وكذا يصنعون معه الدراهم ، فيضربونها من معدن أبيض ثم يجعلون عليها السواد لإخفاء أصلها .
3 ـ البهرج: وهو الدينار المصنوع من أخلاط الذهب الرديء،أوالدرهم المصنوع من الفضة الرديئة.
4 ـ الزائف : وهو الدنانير أو الدراهم الرديئة في معدنها غير الوازنة في مقدارها .
ـ ويبدو أنهم اتخذوا الخزائن لحفظ المال بتوسع ، وتصرفوا في سبيل ذلك أيما تصرف لدرجة صار معها حفظ المال عملية منظمة تخضع لمجموعة من الضوابط ، قال الكندي :"ولحفظ المال بنيت الحيطان، وغلقت الأبواب [أي اتخذت عليها المغاليق]، واتخذت الصناديق ، وعملت الأقفال ، ونقشت الرسوم والخواتيم ، ويعلم الحساب والكتاب".
• الأســواق :
كانت في الدولة العباسية حركة تجارية رائجة تتطلب د أسواق جامعة تضم أصناف تجاراتهم ، وكان هناك نوعان من الأسواق :
أولها : أسواق المدن ، ويبدو لنا أنها كانت أسواقاً شديدة الزحام ، ومن تلك الأسواق "سوق الحربية"ببغداد ، وقد صور لنا الجاحظ شدة ازدحام هذا السوق ، فهو يقول :"تشق وسط السوق وعليم ثيابك ، والحمولة تستقبلك ، فمن هنا نترة ومن هنا جذبة ؛ فإذا الثوب قد أودى . ومن ذلك أن نعلك تنقب وترق ، وساق سراويلك تتسخ وتبلى ، ولعلك أن تعثر في نعلك فتقدها قداً ، ولعلك أن تهرتها هرتاً" ، كل ذلك من أجل المرور داخل السوق ، ولأن أبا سعيد المدائني احتاج أن يشق وسط السوق ، ولا أمان للمارين بالأسواق أو نجاة لهم إلا إذا احتالوا على الأسواق وأفادوا من بعض العادات الاجتماعية لأهل ذلك العصر ، ومن ذلك أن أهل السوق كانوا يقومون لصلاتهم فإذا فعلوا :قطع الرجل عرض السوق ، واستطاع أن ينجو من تلقي الحمولة ، ومن مزاحمة أهل السوق ، ومن النتر والجذب( ) .
ثانيها : الأسواق الحرة التي تمثل حركة التجارة المفتوحة في الموانئ ، ومن امثلة ذلك "سوق الكلاء" ، حيث كانت التجارة تنعقد أسواقها عند مرفأ السفن على ساحل النهر ، فيشتري أهل المدينة مما تحمله تلك السفن ، ويبيعونهم من منتجات ومحاصيل بلادهم ، بل ربما يتسع نطاق السلع المباعة حتى يصل إلى الأعذاق والعراجين والسعف ، كما هو الحال في سوق كلاء البصرة( ) .
ـ ومن أسواقهم سوق الأهواز،و سوق الكلاء وهو من أسواق البصرة ، وسمي بذلك لأنه سوق ساحلي بالقرب من شاطئ النهر ، وعنده يكلأ التجار سفنهم أي يحبسونها ويحفظونها، فيبيعون ويشترون؛ وسوق الحربية : وهي محلة من محلات بغداد( ).
• التجـارة :
من أساليب التجارة في العصر العباسي أن يشتري التاجر ثمرة البستان على الشجر ، فإذا نضج أخذه وباعه ، فلو حدث أن عاد عليه ريعها بالخسران رجع إلى صاحب البستان يستنزله من ثمنها بمقدار الخسارة أو بجزء منه ؛ كما كانت هناك حركة تجارية حرة في الموانئ . والسلعة في أول ظهورها إذا كانت من سلع المواسم تبدأ مرتفعة الثمن ، ثم يتدنى ثمنها بعد ذلك ومن أمثلة ذلك الأمر : باكورات الفاكهة على الأخص، فالخوخ يباع في أول ظهوره بمقدار ست ثمرات بدرهم ، ثم يصل إلى مائتين بدرهم، فيقولون :"اصبروا عن الرطب عند ابتدائه وأوائله وعن باكورات الفاكهة"، وكانت من نظرياتهم الاقتصادية المتداولة في ذلك العصر قولهم :"لولا رخص الماء وغلاء الخبز لما كلبوا على الخبز وزهدوا في الماء"، والناس أشد شيء تعظيماً للمأكول إذا كثر ثمنه أو كان قليلاً في أصل منبته وموضع عنصره ، فالجزر الصيفي والباقلي الأخضر العباسي ، أطيب من كمثرى خراسان ، ومن الموز البستاني ، ولكنهم لقصر همتهم لا يتشهون إلا على قدر الثمن ، لذلك انصرف الناس إلى طعام الجزر وتركوا الكمأة ، فعملية الشراء كانت عملية معيارية لها اتصال بالقوة الاقتصادية للمشترين ، وعملية الشراء عملية متسعة النطاق إذ كانت تتم في أماكن الانتاج نفسها ، كما كانت تتم في الأسواق ، وقد يشتري الرجل من البستان بدرهم فاكهة ( ).
• الباعــة الجـائـلـــون :
كان في المجتمع العباسي نوع من الباعة هم الجائلون الذين يلفون الأحياء وعلى رؤوسهم أسفاط فيها بضاعتهم ، وهم ينادون عليها ، وبخاصة عندما يمرون بجمع من الناس يصيحون بالنداء ، وكانوا يبيعون بضائعهم من الفاكهة والخضر بالثمرة عداً لا كيلاً أو وزناً ( ).
• المبادلة :
كانت الحركة التجارية تتم باستخدام عدة أنواع متباينة من العملة وعلى الرغم من ذلك فإنهم كانوا يلجأون في بعض الأوقات إلى استخدام أسلوب المبادلة التجارية( ).
• بيع المنازل :
كان متوسط أسعار الدور زمنئذ ألف دينار تقريباً ؛ لكن هذا لا يمنع أن أسعارها قد وصلت إلى خمسة وأربعين ألف دينار ، وهو ثمن دار معاوية التي باعها لحويطب بن عبد العزى؛ لكن سواد بغداد قبل وأثناء عصرهم العباسي كانوا يرون أن"تصريف ثمن الدور في وجوه التجارات أربح ، وتحويله في صنوف البضائع أكيس"( ).
• الديون :
بعد شيوع المظهرية والترف في العصر العباسي اتجهت طائفة من الناس إلى الحياة على هذا المنوال المترف دون أن يكون لهم من ثرواتهم ما يؤمن ما يترفون فيه أو يمده بمدد المال اللازم لاستمراره ، هؤلاء كانوا كثيراً ما يضطرون إلى الاقتراض والاستدانة ، وقد أشار إياس بن معاوية إلى هذا السلوك في النفقة ، وكيف يصل بهؤلاء إلى بيع دورهم ؛ فقال:"قد يكون دخل الرجل ألفاً فينفق ألفاً ، فَيُصْلِحُ فَتَصْلُحُ له الغلة ، وقد يكون ألفين فينفق ثلاثة آلاف ، فيبيع العقار في فضل النفقة ؛ فكان من الظواهر السلوكية في ذلك العصر الاستدانة والإنفاق بما لا يوازي الدخل المادي للمنفق ، لذلك كان المدين ربما يضطر إلى بيع جزء من الأصول لتسديد الدين ، ولو اطرح منه بعض الثمن وخسر فيه ، فيجمع إلى خسارة الاستدانة خسران بيع العقار أو أصول التجارة . وكان سائل الدين في ذلك العصر كثيراً ما يرد خائباً لشيوع ظاهرة الحرص مع ترسخ النظام الرأسمالي للمجتمع ؛ لكن هذا الصنف الذي يمنع ماله عن الإقراض لم يكن هو فقط الحريص عليه ، بل كان هناك صنف آخر من الناس أشد حرصاً ، لكنهم كانوا يبذلون المال بل يغرون الناس بالاقتراض منه وطلب الاستدانة فيه ، هذا الصنف يبذل المال بل يغري المقترض بأوجه الإنفاق حتى يغبنهم ويربح عليهم ، ويرهن بديونهم دورهم ، ثم يدعيها لنفسه ، وهناك من يبذل المال ويطلب القضاء بود مثلما فعل أبو سعيد المدائني عندما أقرض رجلاً من ثقيف ألف دينار ، فلما طال عليه المطل ، قال له : إن لهذا المال زكاة مؤداة وقد علمنا ـ حين أخرجنا هذا المال من أيدينا ـ أنه معرض للذهاب والمنازعة الطويلة ؛ كما كان أبو سعيد يقطع الطريق إلى سوق الحربية لتقاضي خمسة دراهم من مدين له لتدبير يجمع إلى رجوع ماله طول راحته وبخاصة إذا رهب جانبه في الاقتضاء والصبر والمعاودة في طلب الرد ؛ وكان من عاداتهم التقاضي في المسجد ، ومثل هذا التقاضي فيما يبدو لم يكن يجرؤ عليه المرابون. لكن من أهم مظاهر الاستدانة في عصرهم أن بعضهم كان يُقْرِض المال بالربا ، قال المدائني لمِدينِهِ :"رضينا منك بالربح القليل بسبب الذي ظنناه بك من حسن التقاضي" ، ومن مميزات عصرهم الحرص على كتابة الدين في صك وعليه ختم المقترض ، لحفظ الحقوق بينهم( ).
• الحيوانات والطيور :
كانت الطيور والحيوانات تمثل بالنسبة لهم رافداً مهماً من روافدهم الغذائية ، لذلك كان للحيوانات في كل منزل "محبس" كالحظيرة ، و"آري" يوضع فيه العلف للدابة ؛كما دخلت إلى كثير من معاملاتهم ، وصارت جزءاً من أموالهم ومن حياتهم الاجتماعية ، فكانوا يضربون المثل بالحيوانات في الجود واللؤم ، وفي أمثلتهم ما يدل على لؤم الكلب وجود الديك لأن الديك ينقر الحب ويضعه في مناقير الدجاج،فقالوا "ألأم من كلب على جيفة، أو عرق" ، كما قالوا "أسخى من لافظة"، وهو الديك الذي يلفظ الحب إلى الدجاج لتأكله والتاء في لافظة للمبالغة،وكانوا عندما يطردون كلباً من منازلهم يقولون له:"اخسأ"( ).
ـ ومـن حـيواناتهم( ) :
البرزون : وهو الفرس العظيم الخلقة ، الغليظ الأعضاء ، وهو ليس من الخيول العربية ، وهو عندهم من علامات الترف والبذخ .
البغال : وهي حيوانات تنتج من تلاقح الخيل مع الحمير .
الحمير : كانت من دوابهم التي يسافرون عليها لمسافات طويلة ، فكان بعضهم يحج عليها قاصداً مكة من خراسان .
الجمال : وهي الإبل التي تعد أحد أعمدة الحياة العربية في تلك الآونة .
ـ تربية الحيوانات : كان أهل ذلك العصر يعتادون وسيلتين من وسائل تربية الحيوانات، هما : "الرعي":وهو الخروج بالقطعان إلى المراعي في السهول والوهاد ، وطعام هذه الحيوانات هو الكلأ والحشيش غالباً ؛ أما الوسيلة الأخرى فهي ما كان يعرف باسم"العلوفة": وهو حبس الدابة لتسمينها ، فكانوا يحبسون الحيوانات في الحظائر لاعتلاف "الكسب"وهو العلف الذي كانت تعتلفه حيواناتهم، وكانوا يقتطعون حظائرهم في داخل الدور التي يعيشون فيها ، وفي تلك الحظائر يتخذون حوضاً مبنياً من الآجر على ارتفاع نصف المتر يوضع فيه العلف للحيوانات ، وقد قال رجل من أهل مرو لولا أنني أبني مدينة لبنيت آرياً لدابتي ، يعني عظم التكلفة وفداحتها ، كما كانوا يضيئون هذه الحظائر ليلاً ، وقد ذكر الجاحظ أن غلام صالح بن عفان كان يطلب منه نفطاً لبيت الحمار ، لإضاءته بالليل ، وقال الأصمعي إن بعض الناس وهب مدينياً برزوناً فأقامه على الآري وهو المعلف الذي تعتلف فيه الدابة ، فانتبه الرجل من نومه فوجده يعتلف ، فنام ثم انتبه فوجده يعتلف ، فأمر غلامه بإخراجه عنه( ).
وكانت لهم حيوانات أليفة تعيش في منازلهم ، ومنها القطط ويسمونها السنور ؛ والكلاب وكان من أنواعها عندهم : الكلاب اليمنية التي تنتسب إلى بلدة باليمن ، ومنها القلطي ، وهو القصير المجتمع من الكلاب والسنانير .
ويظهر أن ما كانت تبقيه الدابة من العلف كان شأنه عندهم شأن روث الدابة وبعر الشاة وعظم اللحم والكساحة ن كانوا يتخلصون منه أو يعيدون استخدامه في أخرى كالوقود ن ولذلك اهتم الكندي بأن يشترط على ساكن داره أن يجعل له روث الدابة وبعر الشاة ونشوار العلوفة .. إلخ .( )
ـ المجــازر : كانوا يتخذون مواضع محددة ينحر فيها الجزار الإبل ، وفيها يذبحون البقر والشاة ويبيعون فيها لحمانها ، وتسمى هذه المواضع مجازر ، وواحدها مجزرة( ) .
ـ الصــيد البري:لم يكن غذاؤهم مقصوراً على ما يربون من حيوانات،بل كانوا يخرجون للصيد من الحيوانات البرية فكانوا يحققون لأنفسهم متعة الترف بالصيد ويحصلون على نوع من الغذاء غير متاح عادة إلا بذلك السبيل،كما أن المسافرين منهم إذا نفد منهم الزاد واشتد بهم الجوع طلبوا الصيد،وكذلك كان يفعل سكان الأطراف والبوادي عند الحاجة،فيخرجون للصيد،وكان للرجل منهم جفيراً أي جعبة يضع فيها سهامه طلباً للصيد فإذا لقيه احتفر حفرة في الأرض ووضع فيها صيده ودفنه بالحطب وأشعل عليه النار( ).

الفصل الثالث
الحالة الثقافية والفكرية في المجتمع العباسي
• الولوع بالكتابة :
خرجت الثقافة العربية من طور المشافهة إلى التدوين، وبلغت في مدوناتها أوج مجدها في القرن الثالث الهجري، وكان لدى أفراد المجتمع ولوع شديد بالكتابة ، فهم يدخلونها في استخدامات هامشية ، كأن يكتب جار لجاره ، وصاحب دار لساكنيه ، وممن استخدم الكتابة كذلك المخطراني ، وهو متسول يحكي قصة كذوباً عن قطع لسانه في ديار الكفر ، هذه القصة إما أن يكون معه من يرويها عنه ، أو أن يدونها في لوح أو قرطاس ( ).
• علم الكلام :
علم الكلام،هوعلم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف والصالحين؛وسمي بذلك لاتخاذ الجاحظ والكعبي الحبائي فيه سبيل الحجاج والجدال،أولأنهم نفوا صفة الكلام عن الله عز وجل( )؛وقد اعتنى الناس في ذلك العصرعناية كبيرة بعلم الكلام والفلسفة والجدل والمناظرة وعاءً للأحاديث؛وبرزت في ذلك العصر طائفة من المعلمين كانوا يعنون بالخطابة والمناظرة وما يتعلق بها من مسائل البيان والبلاغة لاتصالها بما كانوا يخوضون فيه؛وهؤلاء هم المتكلمون، وهم طائفة مقابلة لطائفة المعلمين من النحاة واللغويين،كانت تزخر بهم مساجد الكوفة والبصرة وبغداد،وفيها يتحاورون حواراً عنيفاً ويتخاصمون فيه،كل منهم يحاول أن يقهر خصمه ويظهر عليه،وسرعان ما أصبحت هذه المحاورات والخصومات والمناظرات شغل الناس الشاغل( )، وقد قدم الناس من هذه الطائفة:"المعتزلة"،لأنهم أسرع بداهة وأقرب خاطرة وأعمق رؤية وأقوى حجة وأعرف بمسائل البيان والبلاغة،ولأنهم عنوا بالثقافات الأجنبية،فدرسوا الفلسفة والمنطق وعلوم البلاغة الفارسية واليونانية والرومانية والهندية( ) .
ثقافة اليونان ( أثر الثقافة اليونانية ) :
كانت الثقافة اليونانية شائعة في ذلك العصر لدرجة دفعت الكتابة لإبراز إفاداتهم منها ، فمثلاً نجد الجاحظ ينتخب من أقوالهم ومأثوراتهم كما تأثر بفلسفتهم ومنطقهم ، ولا غرو في أن يقع كاتب مثل الجاحظ في أسر الولوع بالثقافة اليونانية لأن علماء الأمة في ذلك العصر كانوا يقدرون للمعارف والعلوم قدرها ، وقد عرفوا أهمية الفلسفة وقيمتها الفكرية ، فاحترموا العقول التي أنتجتها ، ومن الأثر الثقافي للفلسفة تقدير الأمور بمقدار الجوهر والعرض حتى في الأمور العارضة ، ومن ذلك أن المنجاب العنبري رد جارية أمه التي جاءت بكوب فارغ وكانت تريد ماءً بارداً ، وقال لها : أمي أعقل من أن تبعث بكوز فارغ لنرده ملآنَ..! ، إذهبي فاملئيه من ماء حبكم وفرغيه في حبنا ، ثم املئيه من ماء مزملتنا حتى يكون شيء بشيء" ، وقال محمد المكي : فإذا هو يريد أن تدفع جوهراً بجوهر ، وعرضاً بعرض؛ ومن يقرأ كتاب البخلاء بتدبر يلمح شيوع آلية الفكر السوفسطائي في سطور الكتاب ، مثل تلك المحاجة بين أبي العاص، وابن التوأم ، غير أننا نستملح هذه السفسطة ونستعذبها ونهش لها ونعجب بها في كثير من الأحيان، إنما يرجع ذلك لحسن صوغ العبارات وتمويه الباطل فيها حتى يعود كالحق ، وستر الحق بها حتى يرتد كالباطل ، وما ذاك إلا لأنه بنى على السفسطة التي يقصد من ورائها جداً في ثوب مفاكهة لا هزلاً بلا عمق ؛ والجاحظ في ذلك صورة ـ وإن كانت مميزة لأهل عصره ( ).
صورة الحياة الفكرية في العصر العباسي
تراءت صورة الحياة العباسية وكأنها وليدة تلك الازدواجية ولغة الجدل التي فرضت نفسها في كل شيء، وكأن كل صغيرة وكبيرة تنطلق من ثنائية هذا الجدل ، فهو عصر الثنائية العنصرية التي يمثلها العربي في منصب الخلافة ومن حوله أسر فارسية تتوارث المناصب الكبرى كالوزارة والكتابة والحجابة،وهو عصر صراع أبناء العمومة حول المنصب بين الحق والاغتصاب والمناداة بمنطق التوريث والجدل حول الأحقية به لكل فرع دون الآخر( )؛ومن ثم ترد ثنائيات أخرى ذات طابع فكري(أيديولوجي) تعكسها طبيعة الحياة الدينية بين الاعتزال وأهل السنة؛أو صيغتها الاجتماعية بين تيار المدارس المتعارضة على مختلف الأصعدة الفكرية،ففي ظلاله تناحرت المدارس النحوية في البصرة والكوفة وبغداد،والمدارس الفنية في الشعر بين الموروث والحداثي،وفي البلاغة بين اللفظ والمعنى( )؛ومع انتشار الفكر الفلسفي المترجم،واتساع مجالات الحياة،وتعدد صورها،اتسعت دائرة الجدل وازدادت صوره تعقيداً كما ازدادت الحاجة إلى التدليل المنطقي حول ما يطرحه الفكر العباسي من إشكالات أو ما يناقشه من قضايا فلسفية أو سوفسطائية بالغة الخطورة مثل قضية خلق القرآن التي خاض فيها المأمون نفسه، والمعطيات الفكرية لحركة الشعوبية التي أغرقت الذهنية الاجتماعية للعامة؛فالمجوس يحاجون سِرَّاً، ثم جهراً في مجالس المأمون،في أمر النار والطين،حتى وصلت أشعارهم إلى حد تفضيل إبليس على آدم عليه السلام؛وكذلك قضايا الحياة والموت والأرزاق والإنفاق،والتوحيد،والجبر والاختيار والإرجاء،فازدحمت الصراعات الداخلية وما نجم عنها من قضايا داخل نفسيات العامة والخاصة في ذلك العصر؛وذلك"بانتشار الصيغة الجدلية التي أصبحت لغة العصر العباسي في كل مجالات الحياة ومناهج الفكر"( ).
• الأفـكار المـذهـبية فـي العـصـر العـباسي :
كانت للمعتقدات والأفكار المذهبية دور كبير في تشكيل عقلية المجتمع في ذلك العصر ، للحد الذي يظن الرجل فيه أنه هو ذاتُ المذهبِ والمُعْتَقَدِ الذي يعتقده ، وأن مذهبه لا يقوم إلا به ، فاستغرقوا في مذاهبهم ، وغالوا فيها مغالاة جعلتهم يفترعون من المذهب الواحد مذاهب متباينة ، ومن الأصل الواحد عدة أوجه مختلفات ، ومن المذاهب الفكرية في ذلك العصر :
ـ القدرية: هم طائفة تنسب إلى التكذيب بما قدر الله من الأشياء وتجحد القدر، وترى أن للمرء اختياراً فيما يعمل وفيما يترك، وقالوا بأن الأمر كله مستأنف بعلم حادث وقدرة وإرادة كذلك ، وكان أول من قال بذلك المذهب معبد بن عبد الله الجهني ، فنفى القدر وأثبت الاختيار المطلق في مذهبه( )؛ وكان الناس يتندرون عليهم في أمور حياتهم ذات البعد القدري، فهذا رجل كان يغشى طعام الجوهري دون دعوة محددة، فإذا دخل والقوم يأكلون، أو حين وضع الخوان، قال: لعن الله القدرية..!، من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل هذا الطعام ، وقد كان في اللوح المحفوظ أني سآكله ؟"( )؛ فهو يقصد بلعن القدرية أنهم مخطئون في دعواهم ، لأنهم لو صدقوا لاستطاع أن يصرف نفسه عن حضور الطعام .
ـ الجبرية : هي فرقة تنتسب إلى الحسين بن محمد النجار البصري ، يقولون : إن العبد لا قدرة له، وأن الحركات الإرادية إنما هي بمثابة الرعدة والرعشة ، ويبدو أن العامة كانت تناهض مثل هذه المذاهب مناهضة مستميتة ، إذ بلغت بهم المناهضة إلى هدم المكرمات ، فثمامة هدم داراً كان قد بناها للفقراء عندما علم أن الجبرية قد نزلتها ، وقد هدم مسجداً بناها ليزيد بن هشام حين علم أنه يخلط في الكلام ويعين البشرية على المعتزلة( ) .
ـ المعتزلة : طائفة من القدرية زعموا أنهم اعتزلوا فرقتي الضلالة (الأشاعرة والماتريدية) في رأيهم ؛ يعنون أهل السنة والجماعة ؛ وعن المعتزلة تفرعت طائفة تسمت بالبشرية ( ) .
ـ الشيعة : لفظ الشيعة في اللغة يعني : القوم الذين يجتمعون على الأمر ، والشيعة أيضاً : هم أتباع الرجل وأنصاره ، وفي اللسان أن هذا الاسم قد غلب على من يتولى علياً وأهل بيته ن حتى صار لهم اسماً خاصاً ؛ وكانوا من أكثر الطوائف أثراً مع المعتزلة في الدولة العباسية ؛ إذ كانت هناك قلاقل سياسية أحدثتها طوائف الشيعة ، ومن بينهم طائفة برياسة إبراهيم بن الحسن بن على بن أبي طالب ، الذي خرج بالبصرة على المنصور العباسي ، فكثرت شيعته واستولى على البصرة وهجم على الكوفة وكانت بينه وبين الجيوش المنصورية وقائع عظيمة ؛ وقد تفرعت عنها طائفة أخرى تسمت بالغالية( ).
• المذاهب الفكرية غير العربية :
ـ الشعوبية : كانت تعيش في الدولة العباسية عناصر منوعة الجنسيات ، فمنهم الهند والروم والترك والديلم ، والديلم جيل من الترك أشد بغضاً للعرب من الأتراك على بغضهم للعرب كذلك ، وهذه الطوائف جميعاً كانت أعدى أعداء العرب إذ ذاك؛ وكان الشعوبيون يشعرون بقوتهم الاجتماعية لما بلغوه من قوة اقتصادية ؛ فكانوا يتحينون الفرص لإظهار قوتهم ، والتأكيد على ازدراء العرب وإثبات ضعفهم ، ومن ذلك أن أبا سعيد المدائني كان له مال عند رجل من ثقيف ، وكان أبو سعيد يختلف إلى دار الثقفي فيأكل ويشرب بزعم التقاضي ، حتى نبذه أحد إخوان الثقفي بقوله : إن أردت التقاضي محضاً لكان ذلك في المسجد فغضب أبو سعيد وأبى أن يأخذ ماله عندما أحضره الثقفي إليه فلما كثر الكلام في ذلك الأمر قال : أظن أن الذي دعا صاحبك إلى قول ما قاله أنه عربي وأنا مولى . فغن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال وإن لم تفعل فإني لا آخذه . فجمع الثقفي كل شعوبي بالبصرة فطلبوا إليه أخذ المال ، فأخذه؛ فالشعوبية في الأصل مذهب أساسه بغض العرب ، وهم فرقة لا تفضل العرب على العجم ، ولا ترى لهم فضلاً على غيرهم ، وقد رسخ هذا المذهب وسانده وقوى شوكته ، تولي العجم أمور الدولة الإسلامية ، وهم قوم لا يهتمون بالأصول القويمة ولا بالعناصر الكريمة كما يفعل العرب ؛ بل إن أمرهم هجين ( ) ؛ ومن المذاهب التي رفدت تيار الشعوبية وأمدته : المجوس والآزادمردية والبابكية .
ـ مذهب الجهجاه ( السوفسطائي ) : هم طائفة يرون تحسين الكذب ووضعه بمرتبة الصدق في مواضع ؛ ويرون تقبيح الصدق في مواضع ، ويلحقون الكذب بمرتبة الصد ، ويَحُطُّون من الصدق إلى موضع الكذب، ويرون أن الناس يظلمون الكذب بتَنَاسي مناقبه ، وتَذَكُّر مثالبه ، ويُحَابُون الصدق وينصرونه بتذكر منافعه، وبتناسي مضاره ، وأنهم ـ أي الناس ـ لو وازنوا بين مرافقهما ، وعدلوا بين خصالهما ، لما فرقوا بينهما هذا التفريق ، ولما رأوهما بهذه العيون ، وكانوا يتصدون لتزين الكذب في عيون الناس وتقبيح الصدق ، ويعملون على إشاعة ذلك بين العامة ؛ وقد نهجوا منهج السفسطة ، وهو من المناهج التي ثقفها العرب من الفلسفة اليونانية في ذلك العصر( ) .
ـ مذهب الزنادقة (البوهيمي):الزندقة كانت فضفاضة في ذلك العصر، ولها أوجه كثيرة، أبرزها مذهب المتفلسفين منهم، وهم يرون أن الرجل أحق بابنته من الغريب، وأولى بأخته من البعيد، وأن غير البعيد أحق بالغيرة، والقريب أولى بالأنفة، وأن الاستزادة في النسل كالاستزادة في الحرث، إلا أن العادة أوحشت منه، والديانة حرمته؛ ولأن الناس يتزيدون أيضاً في استعظامه، وينتحلون أكثر مما عندهم في استبشاعه( )؛ ويبدو أن الجاحظ يقصد به مذهب الخرمية؛ والخرمية نسبة إلى (خورمشهر) مدينة على شط العرب، وقيل نسبة إلى (خرم)، وهي ناحية بين أربيل وآران، وقيل نسبة إلى (خرمة) زوجة مزدك الفارسي"( )،فهم كالزنادقة" كانوا يبيحون للرجل أن يتزوج أمه وأخته وابنته ، ولهذا يسمون مذهبهم” دين الفرج”( ).
ـ مذهب صحصح ( الحيواني ) : مذهب أتباعه يفضلون النسيان على كثير من الذكر ، ويرون أن الغباء في الجملة أنفع من الفطنة في الجملة ، وأن عيش البهائم أحسن موقعاً في النفوس من عيش العقلاء ، وأن الرجل إذا أسمن بهيمة ورجلاً ذا مروءة ، أو امرأة ذات عقل وهمة ، وأخرى ذات غباء وغفلة ، لكان الشخم إلى البهيمة أسرع وعن ذات العقل والهمة أبطأ ، ولأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام ، ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن، فلذلك:البهيمة تقنو شحماً في الأيام اليسيرة؛ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة ومتوقع البلاء: في البال وإن سلم منه،والعاقل في الرجاء،إلى أن يدركه البلاء( ).
• الميثولوجيا mythology :
• الخرافات والمعتقدات :
باب كبير من أبواب الصيغة الاجتماعية للحياة في العصر العباسي ، وهو عصر مهما أوتي من أوجه حضارية ومن تطورات معرفية إلا أنه كان على أبواب العلوم التجريبية ، ولم تكن علاقته بالعلم وثيقة كعلاقته مع تراثه من الغيبيات ، لذلك كان لعدد من الطوائف ذات الاتجاه الغيبي تأثير مباشر في أفراد المجتمع آنذاك ومن هذه الطوائف : الكهنة ، والعرافون ، والخطاطون ن والعيافون ، والكتافون ، والمنجمون ، وزاجروا الطير ، والطراق ، والطوارق ، والمتفرسون ، ولكل طائفة من هذه الطوائف دور محدود كان يمارسه أفرادها في المجتمع العباسي آنذاك؛ وكان العامة من الناس يعتقدون في هؤلاء ، ويعولون على نتائج ما يرونه ، وهناك معتقدات أخرى كانت تشيع بذاتها دون وسائط ، ومن هذه المعتقدات : أن"الوحمى ربما أسقطت إذا تشهت طعاماً ولم تذقه" ، ويعتقدون كذلك أن للأهلة والمحاق في الأدمغة والدماء عملاً وتأثيراً كما أن بين الأدمغة والدماء تفاضلاً في التأثير بين الربيع والخريف( )؛ أي أنهم كانوا يعتقدون أن للزمن والمناخ علاقة بالمزاج والعقل .
وكان من معتقداتهم المهمة في ذلك العصر إمكان تحويل المعادن والأشياء الخسيسة إلى معادن نفيسة بوساطة الصناعة والسحر، ويبدو أن الكيمياء كانت أسلوباً من أساليب الاحتيال في عصرهم ، وإلى جانب هذه المعتقدات كانت عندهم خرافات يؤمنون بها ، ومن ذلك : السحر والتمائم التي تدفع الشر عن الإنسان فيما يزعمون ؛ ومن خرافاتهم:" بيضة العقر"، وهي بيضة الديك يبيضها في عمره مرة ، أو في السنة مرة( ) ؛ والخرافات المرتبطة بالحيوانات والمخلوقات الأخرى كانت شائعة ومنتشرة عندهم كما كانت شائعة عند العرب من قبل ، وقد جمع خالد بن يزيد بعضها في قوله:"إني قد بت بالقفر مع الغول ، وتزوجت السعلاة ، وجاوبت الهاتف ، ورغت عن الجن إلى الحن ، واصطدت الشق ، وجاوبت النسناس ، وصحبني الرِّئْي ..".
* الخواتم المنقوشة :
وكان من معتقداتهم الراسخة ، أثر"الخاتم المنقوش" ، فقد كانوا يلبسون خواتم منقوشة مدعاة للتفاؤل مرة وللطيرة مرة أخرى عندهم ؛ فإذا كان عليها ( حسبي الله ) ، أو ( توكلت على الله ) ، فإن المتحفظين من المؤمنين كانوا يتفاءلون بها ما دامت في أيديهم ؛ بينما يتحرجون من خلع تلك الخواتم لأمر ما، لدرجة تجعلهم يظنون عند خلع الخاتم أنهم قد خرجوا من كنف الله ـ جل ذكره ـ ويظلون على اعتقادهم حتى يعيد الرجل منهم الخاتم إلى موضعه في يده،وكان ذلك من معتقداتهم القوية في ذلك العصر.
مـكـتــبة الـبحـث
ـ القرآن الكريم ، والسنة النبوية .
المصادر والموارد :
• أولاً : المصادر ( مؤلفات الجاحظ ) :
اعتمد البحث في مصدره الرئيس على نسخة "البخلاء" التي طبعتها دار الكتب العلمية في بيروت.
1 ـ البخلاء،إعداد: أحمد العوامري بك،وعلي الجارم،دار الكتب العلمية ، بيروت 1983م .
2 ـ كتاب البخلاء ، تحقيق د. طه الحاجري ، ط 2 ـ دار المعارف ، القاهرة 1958م .
3 ـ البيان والتبيين ، شرح وتحقيق عبد السلام محمد هارون ، ط 3 ـ مكتبة الخانجي والهلال والعربي ، القاهرة 1968م .
4 ـ الجاحظ : الحيوان ، تحقيق عبد السلام محمد هارون ، ط 2 ـ دار إحياء التراث العربي ، المجمع العلمي العربي ـ منشورات الداية ، بيروت 1965م .
5 ـ الجاحظ : رسائل الجاحظ ، طبعة حسن السندوبي ، المطبعة الرحمانية ، القاهرة 1933م .
• ثانياً : المـوارد :
1ـ د. أحمد أحمد منصور نفادي : البخلاء للجاحظ ، ط1 ـ مطبعة الجبلاوي ، القاهرة 1984م . .
2 ـ أحمد أمين : ضحى الإسلام ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة : جـ 1 / 1997م ؛ جـ 2 / 1998م ؛ جـ 3 / 1999م .
3 ـ أحمد كمال زكي : الجاحظ ، سلسلة أعلام العرب ، القاهرة .
4 ـ الآمدي:المؤتلف والمختلف، تصحيح ونشر د. فريتس كرنكو،مطبعة القدسي،القاهرة 1354هـ.
5 ـ بديع الزمان الهمذاني : مقامات الهمذاني ، في : شرح مقامات بديع الزمان للشيخ محمد عبده ، الدار المتحدة للنشر ، بيروت 1983م .
6 ـ أبو البركات ابن الأنباري: نزهة الألبا في طبقات الأدبا،جمعية إحياء مآثر علماء العرب،القاهرة.
7 ـ جرجي زيدان : تاريخ التمدن الإسلامي ، مراجعة وتعليق د. حسين مؤنس ، دار الهلال ، القاهرة 1968م .
8 ـ جوستاف إ. فون جرونيباوم ، حضارة الإسلام ، ترجمة عبد العزيز توفيق ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1997م.
9 ـ الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد ، مكتبة الخانجي 1931م .
10 ـ ابن خلدون : المقدمة ، ط . دار الشعب بالقاهرة ، د. ت. .
11 ـ شارل بلات : الجاحظ في البصرة وبغداد وسامراء ، ترجمة إبراهيم الكيلاني ، دمشق1961م، ص: 248 .
12 ـ الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل،مطبعة الحلبي،القاهرة 1968م.
13 ـ د. شوقي ضيف : البلاغة تطور وتاريخ ، ط4 ـ دار المعارف 1977م .
14 ـ شوقي ضيف : الشعر وطوابعه الشعبية ، طـ 2 ، دار المعارف 1984م .
15 ـ شوقي ضيف : العصر العباسي الأول ، ط 6 ـ دار المعارف بمصر .
16 ـ د. شوقي ضيف : الفن ومذاهبه في النثر العربي ، ط8 ـ دار المعارف بمصر .
17 ـ طه الحاجري : الجاحظ .. حياته وآثاره ، دار المعارف 1962 .
18 ـ د. عبد السلام الترمانيني : أحداث التاريخ الإسلامي بترتيب السنين ، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر ، دمشق 1988م .
19 ـ عبد السلام محمد هارون: تهذيب الحيوان،الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1999م.
20 ـ عبد العزيز الدوري : الجذور التاريخية للشعوبية ، دار الطليعة ، بيروت 1962 م .
21 ـ د. عبد الله التطاوي: الجدل والقص في النثر العباسي، دار الثقافة والنشر والتوزيع،القاهرة 1988م .
22 ـ د. عز الدين إسماعيل : في الشعر العباسي .. الرؤية والفن ، دار المعارف 1980م .
23ـ غوستاف لوبون ؛ حضارة العرب ، ترجمة عادل زعيتر ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 2000م .
24 ـ أبو القاسم علي بن الحسين الشريف المرتضي : غرر الفوائد ودرر القلائد ، المعروف بآمالي المرتضي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، مطبعة عيسى البابي الحلبي ، القاهرة 1954 م.
25 ـ كارل بروكلمان : تاريخ الأدب العربي (جـ 3 / ترجمة د. عبد الحليم النجار ) ، ط5 ـ دار المعارف ، 1991م .
26 ـ محمد أمين جوهر : العرب والكيمياء ، مجلة المعرفة ، س 39 ، ع 447، دمشق : وزارة الثقافة السورية ، ديسمبر 2000م .
27 ـ د. وديعة طه نجم : الجاحظ والنقد الأدبي ، حوليات كلية الآداب ، جامعة الكويت ، الحولية العاشرة ، الرسالة 59 ، الكويت 1988م .
28 ـ ياقوت الحموي: معجم الأدباء،إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، دار الفكر ، بيروت 1980م .
29ـ د. يحيى عبد الرؤوف جبر : رمهان ؛ مجلة الخفجي ، أكتوبر 1989م ، ربيع الأول 1410هـ .
30 ـ ابن قتيبة الدينوري : عيون الأخبار ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1986م .

• مواقع عربية على شبكة الإنترنت ، و اسطوانات مدمجة (CD`s ) :

1 ـ www.alwaraq.com
2 ـ www.enycelcopidea.com
3 ـ www.aladeeb.nu
4 ـ www.geocities.com/heartland/meadows/9513
5 ـ www.cultural.org.ae
6 ـ طالب العلم الشرعي2 ؛ إنتاج الخطيب للإنتاج والتسويق ، عمان الأردن ؛ الإصدار الأول 1420 هـ / 1999م .
7 ـ مكتبة التفسير وعلوم القرآن ، الخطيب للتسويق والتوزيع ، الإصدار 1.5،الأردن : عمان 1999م/ 1419 .



علاء الدين رمضان السيد مرسي
العنوان : 1 شارع مرسي بالجيارين ؛ ساحل طهطا 82623
سوهاج ــ جمهورية مصر العربية
هاتف : (773983 – 093) E-MAIL// alauddineg@yahoo.com
__________________
** وأستغفر الله العظيم مما قلت إن أخطأت وأحمده إن أصبت **
علاء الدين رمضان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-03-2004, 09:45 AM   #2
علاء الدين رمضان
كاتب جديد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2003
الدولة: مصر
المشاركات: 13
علاء الدين رمضان is an unknown quantity at this point
تنويه

نص كتاب صورة المجتمع العباسي في كتاب البخلاء للجاحظ ، أقدمه إهداء ومودة لزوار المنتدى الكرام
وأريد أن أشير إلى أن الكتاب نشره نادي جدة الأدبي والثقافي من خلال كتابه الدوري جذور التراث ، وقد نال الكتاب الجائزة الأولى للجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر عام 2001 كما نشر مؤخراً بوساطة داري وكالة آرس للبحوث والنشر الإلكتروني وصهيل القصائد
مودة لجميعكم
أرجو أن تصلوني بالمحبة في موقعي
غابة الدندنة
www.come.to/alauddin
صديق محبتكم
علاء الدين رمضان
__________________
** وأستغفر الله العظيم مما قلت إن أخطأت وأحمده إن أصبت **
علاء الدين رمضان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-03-2004, 10:41 AM   #3
مروان الغفوري
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية مروان الغفوري
 
تاريخ التسجيل: Apr 2002
الدولة: تعز ـ اليمن
المشاركات: 3,401
مروان الغفوري is an unknown quantity at this point
افتراضي

[ALIGN=CENTER]



عملٌ جليل ... جدا .



هكذا فيكن المكان ، و أيمُ اللــه ...






علاء ...


نحــن بحاجةٍ إلى وجودك ، لدينا الكثير من الفضاءات التي تسألُ عن بعضٍ من الماء ، ...


إنما مثلنا و مثل مروركِ كمثل قومٍ أنسوا الغيم ، فلمّا جاءهم صائبٌ ممطرهم نكرِوه ... هل سيمكثُ الغيث ، أم أنه مرورٌ موسمي !


علاء .. أيها الباذخ ،

أنا أجيد الاستسقاء .. فلا تفكر بالعبور إلى ضفّة غير ذات صيف !


مروان ... الغفوري .[/ALIGN]
__________________

في انتظــار نبـوءة يثــــرب !


ـ أعمال : مروان الغفوري .
مروان الغفوري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-03-2004, 08:08 AM   #4
علاء الدين رمضان
كاتب جديد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2003
الدولة: مصر
المشاركات: 13
علاء الدين رمضان is an unknown quantity at this point
افتراضي

أخي الودود الفاضل : الشاعر مروان الغفوري - الموقر
مادام الحوار عربياً والملتقى عربياً فأنا ما بين يديّ لكم وإن لم يفلح الماء فالدم ونفسي أبخس ما أقدمه دون منٍّ أو تصنع ، وليكن ما بيننا من مودة رابطة قوية من المحبة والتواصل المحبة في الله والتواصل لله ولوجهه الكريم
وأرجو أن تكون لكم زيارة لموقعي المتواضع ، كما أنني أعد بألا أكون سحابة صيف ولكن اغفروا لي تأخري من حين لحين فما على عاتقي كبير وهو وهي تطاحنته الأزمنة والاستعصام بما تركه الآخرون
أرجو منكم الدعاء والعون بالتماس العذر إن ورد ما يؤخذ علي فيه
ولكم المحبة كلها والوعد بالتواصل
صديق محبتكم
علاء الدين رمضان
__________________
** وأستغفر الله العظيم مما قلت إن أخطأت وأحمده إن أصبت **
علاء الدين رمضان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-03-2004, 08:33 PM   #5
فاتن بن عمار
عضو لجنة ادارة الموقع
 
الصورة الرمزية فاتن بن عمار
 
تاريخ التسجيل: Mar 2000
الدولة: kuwait
المشاركات: 15,794
فاتن بن عمار is an unknown quantity at this point
افتراضي

اخي الفاضل / علاء الدين رمضان
جمعة مباركة ... صبحك الله بالخير

عمل متميز وجهد فائق ...
ولكن ....

لو انك أخي نشرته على أجزاء .. لكان من الاسهل على القراء قراءته ومتابعته ...

لك الود والشكر الكثير

تحياتي

عبير محمد
سيدة الصمت
__________________
هل تفضلت بدخول ديواني وشرفتني بتوقيعك ..!!

شكرا لك ياسيدي :
(( اي المشاعر في الدماء تدفقت
حين التقينا بعد هجر مؤلم ))
فاتن بن عمار غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-03-2004, 10:56 AM   #6
علاء الدين رمضان
كاتب جديد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2003
الدولة: مصر
المشاركات: 13
علاء الدين رمضان is an unknown quantity at this point
افتراضي

أختي العزيزة يبدو أنك لا يعجبك العجب ولا الصيام في رجب كما نقول في مصر
فهذا موضوع فاسد نشره ، وهذا موضوع طويل .. أين الإدارة لمتابعة ذلك
أنا لا أتوقع أنها تركت الحبل على غاربه لكل من هب ودب ، فمن هم أولى بالحيطة في هذا المنتدى كثر ، ابن زيدون ومروان الغفوري النبلاء الذين ترفقوا بي كانت على طرافي لسانيهما أمور من قبيل الكثرة أو الإكثار لكنهما نظرا فيما أضفت وانشغلا به جوهراً لا عرضاً بينما أنت شغلك المظر دون الجوهر الغث دون الثمين
أعتذر لإطالتي عليكم
ولإكثاري
ولإفسادي صفحاتكم بالبياض
علاء
__________________
** وأستغفر الله العظيم مما قلت إن أخطأت وأحمده إن أصبت **
علاء الدين رمضان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب: الشحر مدينة وتاريخ تأليف الاستاذ الملاحي حضرموت ملتقى حضرموت العام 1 07-03-2007 02:56 AM
كتاب: الشحر مدينة وتاريخ تأليف الاستاذ الملاحي حضرموت ملتقى الأنساب و الشخصيات 2 06-03-2007 04:37 PM
كتاب: ( الشحر مدينة وتاريخ ) تأليف الاستاذ الملاحي حضرموت الساحة المفتوحة 1 06-03-2007 02:07 PM
مسرحية شعرية بعنوان الخروج إلى القلعة ، تأليف علاء الدين رمضان علاء الدين رمضان الساحة الأدبية للشعر العربي الفصيح 5 12-03-2004 11:05 AM

أضف ايميلك هنا لتصلك مواضيعنا يوميا:

Delivered by FeedBurner


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:55 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م
ابشر