تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > منتدى التاريخ

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 14-10-2009, 03:29 AM   #1
أبو فيصل
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية أبو فيصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: مهوى الأفئدة
المشاركات: 8,133
أبو فيصل is on a distinguished road
Exll الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز الذي ضرب بعدله وحكمه الامثال - طبيعة العصر الذي ظهر وحقيقه ما يقال عن ذلك العصر ومدى الشرور والمظالم التي يرددها المغرضون


بسم الله الرحمن الرحيم


عمر بن عبد العزيز رحمه الله
شاهد على صلاح العصر


-1-
ان المتأمل لكثير مما يكتب وينشر عن تاريخ القرن الهجري الاول يظن أن هؤلاء الكتاب والمؤرخين يكتبون لكوكبين مختلفين أو عصرين متنافرين لا يمت أي منهما صلة للاخر

- فهذا القرن هو خير القرون نصا كما نقل في الصحيح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وعقلا لقربه من عهد الرسول وأصحابه وأخذه الدين طريا غضا كما أنزل
- وهو عهد الصحابة وعهد تابعيهم
- وهو عهد العلماء والصلحاء والاتقياء
- وهو عهد الفتوحات ونشر الاسلام في ارجاء الدنيا المعروفة انذاك من المحيط الهندي الى الصين الى اواسط اسيا الى البحر المتوسط الى المحيط الاطلسي

وفي الجهة المقابلة
-هو عهد قتل الحسين
- هو عهد بني أمية ويكفي عند البعض أن يحمل هذا الاسم ليكون وصمة عار صنعتها أفكار وصاغتها عصبيات
- وعهد الحجاج بن يوسف
- وزد على ذلك القصص والاباطيل التي اخترعت فيما بعد أو صح جزء منها ثم أضيف عليه لرسم الصورة السوداوية التي يتداولها الكثيرون لغرض في نفوسهم : مثل دعوى قذف الكعبة بالمنجنيق وقصة استباحة المدينة ودعوى شتم الامام علي على منابر الامة طوال 60 عاما
وغيرها من الاكاذيب
ليخرجوا علينا بهذه الصورة القاتمة السوداوية عن هذه الفترة العزيزة والمهمة من تاريخنا

لكن على الرغم من ذلك
نفاجأ أنه من بين كل ذلك يخرج علينا الرجل الاسطورة عمر بن عبد العزيز
واذا به بقدرة قادر
وبعصا سحرية
وبقدرات خيالية وأسطورية
يغير هذا العالم ويقلب طبيعة هذه المجتمعات ويصلح فساد الحكومات
فيزيل كل هذه المظالم والمفاسد
وينشر العدل والصلاح والخير والاستقامة
كل ذلك في غضون سنتين ونصف

فكيف حصل كل ذلك ؟
وهل يصدق فعلا ؟
أم هو ضرب من الخيال ؟

اننا أمام خيارات ثلاثة لا رابع لها :
1- إما ان عمر بن عبدالعزيز حكم في عصر أو زمان أو كوكب غير ذلك الذي عاش فيه بنو أمية
2- واما أن ما نسب الى عمر بن عبدالعزيز من اصلاح وعدل مبالغات وخيالات لا تصح
3- أو أن ما نسب الى العصر السابق لعمر من ظلم وفساد هو مزيد ومبالغ فيه ان لم يكن معظمه كذب وافتراء لهوى في نفوس كثيرة ناقمة على هذه الفترة




----------
ان المتأمل لسيرة عمر رضي الله عنه وعدله والاصلاحات التي أنجزها في فترة حكمه البسيطة التي لا تتجاوز ثلاثين شهرا وفي دولة عظمى هائلة المساحة كالدولة الاموية تمتد من اطراف الصين الى أطراف فرنسا والمحيط الاطلسي ، ليقطع أن هذا ما كان ليحدث لولا أن عمر وجد الامة الواعية التي تعينة والشعب الصالح الذي يسنده والاتباع المخلصين كما وجد البطانة الصالحة والحكام الصالحين ، ولم ينغص فترة حكمه وجود معارضين أو مكدرين فضلا عن المخربين أو المحاربين .


باختصار :
إن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله شاهد على صلاح العصر وصلاح الامة ومدى وعيها وتدينها انذاك ومدى استقامتها ، وأن الكثير من النكسات والاخطاء التي حصلت انذاك كانت عارضة .

وأما رمي ذلك الزمن ووصمه بما يصمه به البعض من المسلمين اما بحسن نية كما هو حال الكثير واما لخبث انطوت عليه الكثير من النفوس كنفوس الرافضة
فانه يجب ان يتخذ منه موقفا واضحا .

لقد آن الاوان ايها الاخوة لنقف في وجوه من يعتدون على تاريخنا ومن ينتهكون قدسيته .
ان تاريخنا هو تاريخ ديننا ان ارتفع مسلمو ذلك الزمن فبه ، وان انخفضوا أو انتكسوا فبسببه .
ان وجود الاخطاء والنكسات في تاريخنا حقيقة لا يمكن انكارها وهي جزء من طبيعة النقص البشري وعدم الكمال الانساني وكما قال صلى الله عليه وسلم : عهد على الله تعالى الا يرتفع شيء الا وضعه. أي شيء اي كان.
لكن وصم تاريخنا كله أو فترة منه - خصوصا القرون الاولى بالسوداوية والفساد أمر يجب أن نقف منه بشدة وبكل رفض .
ويجب أن نتنبه الى محاولات أعداء تاريخنا من مستشرقين أوروافض ، محاولاتهم التي لم تتوقف يوما لتشويه تاريخنا ووصمه بشتى الاوصاف أو محاولة الحط من فترة مهمة وحاسمة فيه مثل القرن الاول الهجري الذي ندين له جميعا بهذا الدين الذي وصلنا نقيا صافيا ، وتدين له البشرية جمعاء بالتقدم الحضاري الذي أحرز انذاك وتولدت منه الحضارات التالية .


أخوكم
محمد أبو فيصل



---------------------------
-2-
من سيرة عمر ابن ابنة عاصم بن عمر ابن الخطاب
رضي الله عنهم اجمعين




خلافة عمر بن عبد العزيز


ومن حسنات سليمان عبد الملك قبوله لنصيحة الفقيه العالم رجاء بن حيوة الكندي الذي اقترح على سليمان في مرض موته أن يولي عمر بن عبد العزيز، وكانت وصية لم يكن للشيطان فيها نصيب ، قال ابن سيرين: يرحم الله سليمان افتتح خلافته بإحياء الصلاة، واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز، وكانت سنة وفاته سنة 99هـ، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، وكان منقوش في خاتمه: (أؤمن بالله مخلصاً) ، وتعددت الروايات في قصة استخلاف سليمان لعمر ، وقد ذكرت بعضها في حديثي عن عهد سليمان، ومن الروايات أيضاً ما ذكره ابن سعد في طبقاته، عن سهيل بن أبي سهيل قال: سمعت رجاء بن حيوة يقول: لما كان يوم الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثياباُ خضر من خز ونظر في المرآة فقال: أنا والله الملك الشاب فخرج إلى الصلاة يصلي بالناس الجمعة فلم يرجع حتى وعك، فلما ثقل كتب كتاب عهده إلى ابنه أيوب، وهو غلام لم يبلغ فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ إنه مما يحفظ به الخليفة في قبره أن يستخلف الرجل الصالح، فقال سليمان: كتاب استخير الله فيه، وانظر، ولم أعزم عليه، فمكث يوماً أو يومين، ثم خرقه ثم دعاني، فقال: ما ترى في داود بن سليمان؟ فقلت هو غائب بقسطنطينية، وأنت لا تدري أحي هو أم ميت. قال: يا رجاء فمن ترى؟ قال: فقلت: رأيك يا أمير المؤمنين وأنا أريد أن أنظر من يذكر. فقال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه والله فاضلاً خياراً مسلماً. فقال: هو على ذلك والله لئن وليته، ولم أول أحداً من ولد عبد الملك لتكونن فتنة ولا يتركونه أبداً يلي عليهم إلا أن أجعل أحدهم بعده ـ ويزيد بن عبد الملك غائب على الموسم ـ قال: فيزيد بن عبد الملك أجعله بعده، فإن ذلك مما يسكنه ويرضون به، قلت : رأيك قال: فكتب بيده بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني وليته الخلافة من بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله، ولا تختلفوا، فيطمع فيكم. وختم الكتاب فأرسل إلى كعب بن حامد صاحب الشرطة أن مرّ أهل بيتي فليجتمعوا، فأرسل إليهم كعب، فجمعهم، ثم قال سليمان: لرجاء بعد اجتماعهم: أذهب بكتاب هذا إليهم، فاخبرهم، إنه كتابي ومرهم فليبايعوا من وليت. قال: ففعل رجاء، فلما قال لهم ذلك رجاء قالوا: سمعنا وأطعنا لمن فيه، وقالوا: ندخل فنسلم على أمير المؤمنين، قال نعم. فدخلوا فقال لهم سليمان: هذا الكتاب ـ وهو يشير لهم وهم ينظرون إليه في يد رجاء بن حيوة ـ هذا عهدي، فاسمعوا، وأطيعوا وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب. قال فبايعوا رجلاً. قال: ثم خرج بالكتاب مختوماً في يد رجاء. قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبا المقدام، إن سليمان كانت لي به حرمة ومودة، وكان بي براً ملطفاً، فأنا أخشى أن يكون قد أسند إلي من هذا الأمر شيئاً، فأنشدك الله وحرمتي ومودتي، ألا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر الساعة. فقال رجاء: لا والله حرفاً واحداً. قال: فذهب عمر غضبان. قال رجاء: ولقيني هشام بن عبد الملك، فقال: يا رجاء، إن لي بك حرمة ومودة قديمة وعندي شكر، فأعلمني أهذا الأمر إليّ؟ فإن كان إلي علمت، وإن كان إلى غيري تكلمت، فليس مثلي قصر به، ولا نحي عنه هذا الأمر، فأعلمني فلك الله لا أذكر اسمك أبداً. قال رجاء: فأبيت وقلت لا والله لا أخبرك حرفاً واحداً مما أسر إلي.، فانصرف هشام..، وهو يضرب بإحدى يديه على الأخرى، وهو يقول: فإلى من إذا نحيت عني؟ أتخرج من بني عبد الملك؟ فوالله إني لعين بني عبد الملك قال رجاء: ودخلت على سليمان بن عبد الملك، فإذا هو يموت. قال: فجعلت إذا أخذته سكرة من سكرات الموت، حرفته إلى القبلة، فجعل يقول وهو يفأق: لم يأت ذلك بعد يا رجاء. حتى فعلت ذلك مرتين. فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء، إن كنت تريد شيئاً أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال فحرفته، ومات، فلما أغمضته سجيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب، وأرسلت إلى زوجته تنظر إليه، كيف أصبح فقلت: نام وقد تغطى، فنظر الرسول إليه، مغطى بالقطيفة فرجع، فأخبرها، فقبلت ذلك وظنت أنه نائم. قال رجاء: وأجلست على الباب من أثق به وأوصيته أن لا يريم حتى آتيه، ولا يدخل على الخليفة أحداً. قال: فخرجت، فأرسلت إلى كعب بن حامد العنسي، فجمع أهل بيت أمير المؤمنين، فاجتمعوا في مسجد دابق فقلت: بايعوا، قالوا: قد بايعنا مرة ونبايع أخرى! قلت: هذا أمير المؤمنين، بايعوا على ما أمر به، ومن سمى في هذا الكتاب المختوم، فبايعوا الثانية رجلاً رجلاً. قال رجاء: فلما بايعوا بعد موت سليمان، رأيت أني قد أحكمت الأمر، قلت قوموا إلى صحابكم فقد مات. قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون وقرأت عليهم الكتاب، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشام: لا نبايعه أبداً. قال قلت: أضرب والله عنقك، قم فبايع. فقام يجر رجليه. قال رجاء: وأخذت بضبعي عمر، فأجلسته على المنبر وهو يسترجع، لما وقع فيه، وهشام يسترجع لما أخطاه فلما انتهى هشام إلى عمر، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي حين صار هذا الأمر إليك على ولد عبد الملك، قال فقال عمر: نعم، فإنا لله وأنا إليه راجعون، حين صار إلي ـ لكراهتي له . وقال أبو الحسن الندوي على موقف رجاء بن حيوة: وكان لرجاء مأثرة لا ينساها الإسلام، ولا أعرف رجلاً من ندماء الملوك ورجالهم انتفع بقربه ومنزلته عند الملوك مثل انتفاعه، وانتهز الفرصة مثل انتهازه وأسدى للإسلام خدمة مثله ، فرحم الله رجاء بن حيوة فقد رسم منهجاً لمن يجلس مع الملوك من العلماء كيف يعز الإسلام ويذكر الخلفاء بالله وينتهز الفرص المناسبة لخدمة دين الله.


1 ـ منهج عمر في إدارة الدولة من خلال خطبته الأولى:


صعد عمر المنبر وقال في أول لقاء مع الأمة بعد استخلافه: أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم. فصاح الناس صيحة واحدة. قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فوّل أمرنا باليمن والبركة وهنا شعر أنه لا مفر من تحمل مسؤولية الخلافة فأضاف قائلاً يحدد منهجه وطريقته في سياسة الأمة المسلمة : أما بعد فإنه ليس بعد نبيكم نبي، ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، ألا إن ما أحل الله حلال إلى يوم القيامة، ألا إني لست بقاض، ولكني منفذ، ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع، ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله، ألا إني لست بخيركم، ولكني رجل منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملاً. أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس، و إلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا الرعية ولا يعترض فيما لا يعنيه. أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله عز وجل خلف، واعملوا الآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاه الله تبارك وتعالى أمر ديناه، وأصلحوا سرائركم، يصلح الله الكريم علانيتكم، وأكثروا من ذكر الموت، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هادم اللذات... وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها عز وجل، ولا في نبيها صلى الله عليه وسلم، ولا في كتابها وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم، وإني والله لا أعطي أحداً باطلاً، ولا أمنع أحداً حقا. ثم رفع صوته حتى أسمع الناس فقال: يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. وإن من حولكم من الأمصار والمدن فإن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا وليكم، وإن هم نقموا فلست لكم بوال ، ثم نزل. وهكذا عقدت الخلافة لعمر بن عبد العزيز في ذلك اليوم، وهو يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين ، ويظهر لنا من هذه الخطبة السياسية التي قرر عمر بن عبد العزيز أتباعها في الحكم وهي:


أ ـ الترامه بالكتاب والسنة، وأنه غير مستعد للاستماع إلى أي جدل في مسائل الشرع، والدين على أساس أنه حاكم منفذ وأن الشرع بين من حيث تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله ورفضه للبدعة والآراء المحدثة.

ب ـ حدد لمن يريد أن يتصل به ويعمل معه من رعيته أن يكون اتصاله معه لخمسة أسباب:

1 ـ أن يرفع إليه حاجة من لا يستطيع أن يصل إلى الخليفة، أي أنه جعل المقربين منه همزة وصل بينه، وبين من لا يستطيعون الوصول إليه، فيعرف بذلك حوائج الناس، وينظر فيها.
2 ـ أن يعينه على الخير ما استطاع، أي أن علاقة هؤلاء به تقوم على أساس نزعة الخير يعين الخليفة عليه، وبالتالي يحذره من أي شر.
3 ـ فرض على من يقترب إليه فريضة أن يرشده، ويهديه إلى ما فيه خير الأمة، وخير الدين.
4 ـ نهى من يريد أن يتقرب إليه، عن أن يغتاب إليه أحد.
5 ـ أن لا يتدخل أي متقرب منه في شؤون الحكم، وفيما لا يعنيه عامة .


لقد كان يدرك مدى تأثير البطانة والمقربين من الحاكم على الحاكم وعلى الرعية، وعلى أسلوب الحكم، فآثر أن ينبه الناس حتى يتركوه يحكم بما ارتضى في نطاق شرع الله، دون أن يبعدهم نهائياً لأنه أجاز لهؤلاء المقربين أن يدلوه على الخير، ويعينوه عليه، وأن ينقلوا إليه حاجة المحتاج .

ج ـ كما أنه حذر الناس من عواقب الدنيا لو أساؤوا فيها، وطلب إليهم أن يصلحوا سرائرهم ويحذروا الموت، ويتعظوا به.


د ـ قطع على نفسه عهداً بأن لا يعطي أحداً باطلاً، ولا يمنع أحداً حقاً، وأنه أعطاهم حقاً عليه، وهو أن يطيعوه ما أطاع الله، وأنه لا طاعة له عليهم إذا عصاه سبحانه وتعالى. هذه هي الخطوط العريضة لسياسة عمر، ذكرها في أول لقاء له مع الرعية وأهل الحل والعقد في المسجد، بعد بيعته فدولته قد حدّدها بالسير على كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد آثر أن لا يدع لأي عامل من عماله حجة عليه بعد ذلك ففصل ما أجمل في خطبته الأولى في كتب أرسلها إلى عماله وقد كانت هذه الكتب نوعين:
ـ كتب إلى العمال يبصرهم بما يجب عليهم أن يلتزموا به في مسلكهم الشخصي، والخاص، إزاء الرعية ـ وسوف نتحدث عن ذلك بإذن الله.


ـ وكتب إلى عماله التي حددت سياستهم، وطريقة تعاملهم مع أفراد الرعية من المسلمين، وغير المسلمين، ممن كانوا يسكنون دار الإسلام وعمر في هذه الكتب ـ كما سيظهر بإذن الله ـ تكلم عن موقفه كفقيه متبحر في أصول الدين ، وسيأتي الحديث عن منهجه من خلال أعماله.


2 ـ الحرص على العمل بالكتاب والسنة:

من أهم ما يميز منهج عمر في سياسته، حرصه على العمل بالكتاب والسنة ونشر العلم بين رعيته وتفقيههم في الدين وتعريفهم بالسنة، ومنطلق عمر في ذلك فهمه لمهمة الخلافة، فهي حفظ الدين وسياسة الدنيا به ، فهو يرى أن من أهم واجباته تعريف رعيته بمبادئ دينهم وحملهم على العمل بها، فورد عنه أنه قال: في إحدى خطبه: إن للإسلام حدوداً وشرائع وسنناً فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فلأن أعش أعلمكموها وأحملكم عليها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص . وقال أيضاً: فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي وكل سنة يعيشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيراً. وفي موضع آخر قال: والله لولا أن أنعش سنة أو أسير بحق ما أحببت أن أعيش فواقاً ، لهذا بادر عمر في تنفيذ هذه المسئولية المهمة، فبعث العلماء في تعليم الناس وتفقيههم إلى مختلف أقاليم الدولة وفي حواضرها وبواديها، وأمر عماله على الأقاليم بحث العلماء على نشر العلم، فقد جاء في كتابه الذي بعث إلى عماله: ومر أهل العلم والفقه من جندك فلينشروا ما علمهم الله من ذلك، وليتحدثوا به في مجالسهم ، ومما كتب به إلى بعض عماله: أما بعد فأمر أهل العلم أن ينشروا العلم في مساجدهم فإن السنة كانت قد أميتت ، كما أمر عماله أن يجروا الرواتب على العلماء ليتفرغوا لنشر العلم ، وانتدب العديد من العلماء لتفقيه الناس في الدين، فبعث يزيد بن أبي مالك الدمشقي والحارث بن يمجد الأشعري يفقهان الناس والبدو ، وذكر الذهبي أن عمر ندب يزيد بن أبي مالك ليفقه بني نمير ويقرئهم، وبعث نافع مولى ابن عمر إلى أهل مصر ليعلمهم السنن ، وكان قد بعث عشرة من الفقهاء إلى إفريقية يفقهون أهلها وسيأتي الحديث عنهم بإذن الله، ولم تنحصر مهمة هؤلاء العلماء في التعليم فحسب، بل منهم من أسند إليه بعض الولايات، ومنهم من تولي القضاء وأسهم أكثرهم بالإضافة إلى نشر العلم في مجال الدعوة والجهاد في سبيل الله ، وهذا الاهتمام الذي تميز به منهج عمر لتعليم الناس وتفصيلهم لأمور دينهم له أبعاد سياسية وآثار أمنية، ذلك أن نشر الوعي الديني الصحيح والفقه فيه بين أفراد الرعية له أثر في حماية عقول أبناء الأمة من عبث الأفكار التي ينعكس خطرها على الاستقرار السياسي والأمني، كأفكار الخوارج وغيرهم.
__________________


" النظام السياسي الشوروي الضمانة الوحيدة لاستقرار الدول، وبدونه أبشروا بخراب الأوطان "



أبو فيصل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2009, 03:32 AM   #2
أبو فيصل
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية أبو فيصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: مهوى الأفئدة
المشاركات: 8,133
أبو فيصل is on a distinguished road
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

3 ـ الشورى في دولة عمر بن عبد العزيز:


قال تعالى: ((وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) (الشورى / الآية : 38). وقال تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)) (آل عمران : الآية : 159). وقد اهتم عمر بن عبد العزيز بتفعيل مبدأ الشورى في خلافته، ومن أقواله في الشورى: إن المشورة والمناظرة باب رحمة ومفتاح بركة لا يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم ، وكان أول قرار اتخذه عمر بعدما ولي أمر المدينة للوليد بن عبد الملك، يتعلق بتطبيق مبدأ الشورى، وجعله أساساً في إمارته، حين دعا من فقهاء المدينة وكبار علمائها، وجعل منهم مجلساً استشارياً دائماً ـ كما مر معنا ـ حري بمن جعل الشورى أحد مبادئ إمارته حين كانت مسئوليته جزئية أن يطبقه وقت المسئولية الكاملة، والمهمة العظمى، ألا وهي ولاية أمر المسلمين كافة وقد تبين مبدأ الشورى من أول يوم في خلافته، وقال للناس: أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر، من غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، (فاختاروا لأنفسكم) فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك فول أمرنا باليمن والبركة ، وبذلك خرج عمر من مبدأ توريث الولاية الذي تبناه معظم خلفاء بني أمية إلى مبدأ الشورى والانتخاب، ولم يكتف عمر باختياره ومبايعة الحاضرين، بل يهمه رأي المسلمين في الأمصار الأخرى ومشورتهم، فقال في خطبته الأولى ـ عقب توليه الخلافة ـ:.. وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم.، وإن هم أبوا فلست لكم بوال، ثم نزل . وقد كتب إلى الأمصار الإسلامية فبايعت كلها، وممن كتب لهم يزيد بن المهلب يطلب إليه البيعة بعد أن أوضح له أنه في الخلافة ليس براغب، فدعا يزيد الناس إلى البيعة فبايعوا . وبذلك يتضح أنه لم يكتف بمشورة من حوله بل امتد الأمر إلى جميع أمصار المسلمين ونستنتج من موقف عمر هذا ما يلي:


أ ـ أن عمر كشف النقاب عن عدم موافقة الأصول الشرعية في تولي معظم الخلفاء الأمويين.
ب ـ حرص عمر على تطبيق الشورى في أمر يخصه هو، ألا وهو توليه الخلافة.
جـ ـ أن من طبق مبدأ الشورى في أمر مثل تولي الخلافة حري بتطبيقه فيما سواه.


وكان عمر يستشير العلماء، ويطلب نصحهم في كثير من الأمور أمثال سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرطبي، ورجاء بن حيوة وغيرهم، فقال: إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا عليّ . كما كان يستشير ذوي العقول الراجحة من الرجال ، وقد حرص عمر على إصلاح بطانته لما تولى الخلافة، فقرب إلى مجلسه العلماء وأهل الصلاح، وأقصى عنه أهل المصالح الدنيوية والمنافع الخاصة ولم يكتف ـ رحمه الله ـ بانتقاء بطانته، بل كان زيادة على ذلك يوصيهم ويحثهم على تقويمه، فقال لعمر بن مهاجر: إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم هزني ثم قل يا عمر ما تصنع ؟، وقد كان لهذا المسلك أثر في تصحيح سياسته التجديدية ونجاحها، حيث كان لبطانته أثر في شد أزره، وسداد رأيه وصواب قراره ، فمن أسباب نجاح عمر بن عبد العزيز تقريبه لأهل العلم والصلاح وانشراح صدره لهم ومشاركتهم معه لتحمل المسئولية فنتج عن ذلك حصول الخير العميم للإسلام والمسلمين.


4 ـ العدل في دولة عمر بن عبد العزيز:

قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)) (النحل ، الآية : 90) وأمر الله بفعل كما هو معلوم يقتضي وجوبه. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خبِيراً)) (النساء ، الآية : 135) وللعدل صورتان: صورة سلبية بمنع الظلم وإزالته عن المظلوم، أي بمنع انتهاك حقوق الناس المتعلقة بأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وإزالة آثار التعدي الذي يقع عليهم وإعادة حقوقهم إليهم ومعاقبة المعتدي عليها فيما يستوجب العقوبة .وصورة إيجابية: وتتعلق أكثر ما تتعلق بالدولة، وقيامها بحق أفراد الشعب في كفالة حرياتهم وحياتهم المعاشية، حتى لا يكون فيهم عاجز متروك، ولا ضعيف مهمل، ولا فقير بائس، ولا خائف مهدد، وهذه الأمور كلها من واجبات الحاكم في الإسلام . وقد قام أمير المؤمنين عمر بهذا الركن العظيم والمبدأ الخطير على أتم وجه وكان يرى أن المسئولية والسلطة في نظر عمر هي القيام بحقوق الناس والخضوع لشروط بيعتهم، وتحقيق مصلحتهم المشروعة، فالخليفة أجير عند الأمة وعليه أن ينفذ مطالبها العادلة حسب شروط البيعة ، وقد أحب الإستزاده من فهم صفات الإمام العادل وما يجب أن يقوم به ليتصف بهذه الخصلة الفريدة الحميدة فكتب إلى الحسن البصري يسأله في ذلك فأجابه الحسن: الإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً، يكتب لهم في حياته ويدخرهم بعد مماته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البّرة الرفيقة بولدها، حملته كرهاً، ووضعته كرهاً، وربته طفلاً، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتمّ بشكايته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصيّ اليتامى، وخازن المساكين يربي صغيرهم، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه، وتفسد بفساده والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويُسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين، فيما ملَّكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبدَّد، وشرَّد العيال، فأفقر أهله وفرَّق ماله .


أ ـ سياسته في رد المظالم:

ـ أمير المؤمنين يبدأ بنفسه: تنفيذاً لما أراده عمر من رد المظالم مهما كان صغيراً أو كبيراً بدأ بنفسه، روى ابن سعد: أنه لما رد عمر بن عبد العزيز المظالم قال: إنه لينبغي أن لا أبدأ بأول من نفسي . وهذا الفعل جعله قدوة للآخرين، فنظر إلى ما في يديه من أرض، أو متاع، فخرج منه حتى نظر إلى فص خاتم. فقال: هذا مما كان الوليد بن عبد الملك أعطانيه مما جاءه من أرض المغرب فخرج منه . وكان ذلك لإصراره على قطع كل شك بيقين، وحتى يطمئن إلى أن ما في يده لا شبهة فيه لظلم أو مظلمة حتى ولو كان ورثه، خصوصاً وأن القصص والحكايات كانت كثيرة يتناقلها الناس عن مظالم ارتكبت على عهد خلفاء بني أمية، وعمالهم وقد بلغ به حرصه على التثبت أنه نزع حلي سيفه من الفضة، وحلاه بالحديد، قال عبد العزيز بن عمر: كان سيف أبي محلى بفضة فنزعها وحلاه حديداً ، وكان خروجه مما بيده من أرض أو متاع بعدة طرق كالبيع، ذلك أنه حين استخلف نظر إلى مكان له من عبد، وإلى لباسه وعطره وأشياء من الفضول، فباع كل ما كان به عنه غني، فبلغ ثلاثة وعشرين ألف دينار، فجعله في السبيل . أو عن طريق ردها إلى أصحابها الأصليين، وهذا ما فعله بالنسبة للقطائع التي أقطعه إياها قومه، يروي ابن الجوزي عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز حتى تفرق الناس ودخل إلى أهله للقائلة فإذا منادٍ ينادي: الصلاة جامعة. قال: ففزعنا فزعاً شديداً مخافة أن يكون قد جاء فتق من وجه من الوجوه أو حدث. قال جويرية: وإنما كان أنه دعا مزاحماً فقال يا مزاحم، إن هؤلاء القوم قد أعطونا عطايا والله ما كان لهم أن يعطوناها، وما كان لنا أن نقبلها، وإن ذلك قد صار إلي ليس علي فيه دون الله محاسب. فقال له مزاحم: يا أمير المؤمنين، هل تدري كم ولدك؟ هم كذا وكذا، قال: فذرفت عيناه، فجعل يستدمع ويقول: أكِلهم إلى الله؟ قال: ثم انطلق مزاحم من وجهه ذلك حتى استأذن على عبد الملك، فأذن له ـ وقد اضطجع للقائه ـ فقال له عبد الملك: ما جاء بك يا مزاحم هذه الساعة؟ هل حدث حدث؟ قال: نعم أشد الحدث عليك وعلى بني أبيك. قال: وما ذاك؟ قال: دعاني أمير المؤمنين ـ فذكر له ما قاله عمر ـ فقال عبد الملك: فما قلت له؟ قال: قلت له يا أمير المؤمنين، تدري كم ولدك؟ هم كذا وكذا قال: فما قال لك؟ قال: جعل يستدمع ويقول أكِلهم إلى الله تعالى. قال عبد الملك بنس وزير الدين أنت يا مزاحم. ثم وثب فانطلق إلى باب أبيه عمر، فاستأذن عليه، فقال له الآذن: أما ترحمونه ليس له من الليل والنهار إلا هذه الوقعة؟ قال عبد الملك: استأذن لي، لا أم لك. فسمع عمر الكلام، فقال من هذا؟ قال: هذا عبد الملك. قال: ائذن له. فدخل عليه ـ وقد اضطجع عمر للقائلةـ فقال: ما حاجتك يا بني هذه الساعة؟ قال: حديث حدثنيه مزاحم. قال: فأين وقع رأيك من ذلك؟ قال: وقع رأيي على إنفاذه. قال: فرفع عمر يديه. ثم قال: الحمد لله الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على أمر ديني. نعم يا بني أصلي الظهر، ثم أصعد المنبر فأردها علانية على رؤوس الناس. فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، ومن لك إن بقيت إلى الظهر أن تسلم لك نيتك إلى الظهر. قال عمر: قد تفرق الناس ورجعوا للقائلة، فقال عبد الملك: تأمر مناديك ينادي: الصلاة جامعة، فيجتمع الناس. فنادى المنادي: الصلاة جامعة. قال: فخرجت فأتيت المسجد فجاء عمر فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا، والله ما كان لهم أن يعطوناها وما كان لنا أن نقبلها. وإن ذلك قد صار إلي ليس علي فيه دون الله محاسب، ألا وإني قد رددتها، وبدأت بنفسي وأهل بيتي: إقرأ يا مزاحم، قال ـ وقد جيء بسفط قبل ذلك، أو قال جرنة ـ فيها تلك الكتب. قال: فقرأ مزاحم كتاباً منها، فلما فرغ من قراءته ناوله عمر ـ وهو قاعد على المنبر وفي يده جلم ـ قال: فجعل يقصه بالجلم. واستأنف مزاحم كتاباً آخر فجعل يقرؤه، فلما فرغ منه دفعه إلى عمر فقصه ثم استأنف كتاباً آخر فما زال حتى نودي بصلاة الظهر ومن بين مارده عمر مما كان في يده من القطائع جبل الورس باليمن وقطائع باليمامة ، إلى جانب فدك وخيبر ، والسويداء، فخرج منها جميعاً إلا السويداء، فقد قال عمر فيها: ما من شيء إلا وقد رددته في مال المسلمين إلا العين التي بالسويداء فإني عمدت إلى أرض براح ليس فيها لأحد من المسلمين ضربة سوط، فعملتها من صلب عطائي الذي يجمع لي مع جماعة المسلمين وقد جاءت غلتها مائتا دينار . وأما قرية فدك ـ التي تقع شمال المدينة ـ فقد كانت تغل في السنة عشرة آلاف دينار تقريباً، فلما ولي عمر الخلافة سأل عنها وفحصها، فأخبر بما كان من أمرها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ...فكتب ـ بناء على ذلك ـ إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كتاباً قال فيه: أما بعد فإني نظرت في أمر فدك وفحصت عنه، فإذا هو لا يصلح لي، ورأيت أن أردها على ما كنت عليه في عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان، وأترك ما حدث بعدهم، فإذا جاءك كتابي هذا فاقبضها وولها رجلاً يقوم فيها بالحق والسلام . وأما الكتيبة فهي حصن من حصون خيبر، وعندما تولى عمر بن عبد العزيز كتب على عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يقول: إفحص لي عن الكتيبة، أكانت من خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خيبر أم كانت لرسول الله خاصة؟ قال أبو بكر: فسألت عمرة بنت عبد الرحمن فقالت: إن رسول الله لما صالح بني أبي الحقيق جزأ النطاة والشق خمسة أجزاء فكانت للكتيبة جزءاً منها، وأعادها عمر بن عبد العزيز إلى ما كانت إليه في عهد رسول الله ، كما أرجع عمر للرجل المصري الذي أرضه بحلوان بعد أن عرف أن والده عبد العزيز قد ظلم المصري فيها، وحتى الدار التي كان والده عبد العزيز بن مروان قد اشترها من الربيع بن خارجه الذي كان يتيماً في حجره، ردها عليه، لعلمه أنه لا يجوز إشتراء الولي ممن يلي أمره، ثم التفت إلى المال الذي كان يأتيه من جبل الورس باليمن، فرده إلى بيت مال المسلمين رغم شدة حاجة أهله إلى هذا المال، لكنه كان يؤثر الحياة الآخرة على الحياة الدنيا، كما أمر عمر بن عبد العزيز مولاه مزاحماً برد المال الذي كان يأتيه من البحرين كل عام إلى مال الله . وهكذا بدأ عمر بنفسه يضرب المثل ويكون الأسوة أمام رعيته حين رد من أملاكه كل ما شابته شائبة الظلم، أو الشك في خلاص حقه فيه، فرد كل ذلك إلى أصحابه، إنطلاقاً من تمسكه بالزهد، وإيمانه برد المظالم إلى أصحابها تقوى الله، ووضعاً للحق في نصابه، بعد أن انتهى من رد كل مال شك بأنه ليس له فيه حق اتجه إلى زوجته فاطمة بنت عبد الملك ـ وكان لها جوهر ـ فقال لها عمر: من أين صار هذا المال إليك؟ قالت: أعطانيه أمير المؤمنين، قال: إما أن ترديه إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت ، وقد أوضح عمر لها سبب كرهه له بقوله: قد علمت حال هذا الجوهر وما صنع فيه أبوك، ومن أصابه، فهل لك أن أجعله في تابوت ثم أطبع عليه وأجلعه في أقصى بيت مال المسلمين وأنفق ما دونه، وإن خلصت إليه أنفقته، وإن مت قبل ذلك فلعمري ليردنه إليك. قالت له: أفعل ما شئت وفعل ذلك: فمات ـ رحمه الله ـ ولم يصل إليه، فرد ذلك عليها أخوها يزيد بن عبد الملك فامتنعت من أخذه، وقالت: ما كنت لأتركه ثم آخذه، وقسمه يزيد بين نسائه ونساء بنيه .


ـ رد مظالم بني أمية:

وإذا كان عمر قد بدأ بنفسه في رد المظالم فقد ثنى في ذلك بأهل بيته وبني عمومته وبإخوته من أفراد البيت الأموي، وفور فراغه من دفن بن عمه سليمان بن عبد الملك، فقد رأى ما أذهله وهو أن أبناء عمه من الأمويين أدخلوا الكثير من مظاهر السلطان التي لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو خلفائه الراشدين، فأنفقوا الكثير من المال من أجل الظهور بمظاهر العظمة والأبهة أمام رعيتهم ومن تلك المظاهر المراكب الخلافية التي تتألف من براذين وخيول وبغال، ولكل دابة سائس، ومنها أيضاً تلك السرادقات والحجرات والفرش والوطاءات التي تعد من أجل الخليفة الجديد وفوجيء بتلك الثياب الجديدة وقارورات العطر والدهن التي أصبحت له بحجة أن الخليفة الراحل لم يصبها فهي من حقه بصفته الخليفة الجديد، وهذا كله إسراف وتبذير لا مبرر له يتحمله بيت مال المسلمين، وهو بأمس الحاجة لكل درهم فيه لينفق في وجهه الصحيح الذي بينه الله ورسوله، وهنا أمر مولاه مزاحماً فور تقديم هذه الزينة له ببيعها، وضم ثمنها إلى بيت مال المسلمين . ولقد كانت لعمر بن عبد العزيز سياسة محددة في رد المظالم من أفراد البيت الأموي تكون لديه خطوطها فور تسلمه زمام الخلافة، حين وفد عليه أفراد البيت الأموي عقب انصرافه من دفن سليمان يسألونه ما عودهم الخلفاء الأمويون من قبله، وحين أراد عبد الملك أن يرد أفراد البيت الأموي عن أبيه كشف له أبوه عن سياسته تلك حين قال له: وما تبلغهم؟ قال: أقول أبي يقرئكم السلام ويقول لكم: ((قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ))(الزمر ، الآية : 13) . ثم أوضحها له مرة أخرى حين جاءه يطالبه بالإسراع باستخلاص ما بأيدي الأمويين من مظالم، فقال: يا بني، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى ما أريد مكايدتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليّ فتقاً تكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يهراق في سببي محجمة من دم أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحي فيه سنة حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين ؟ ثم زاد في توضيح سياسته تلك حينما قال له ولده عبد الملك: ما يمنعك أن تمضي الذي تريد؟ فوالذي نفسي بيده ما أبالي لو غلت بك وبي القدور، قال وحق هذا منك، قال: نعم والله قال عمر: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يعينني على أمر ديني إني لو باهت الناس بالذي تقول لم آمن أن ينكروها، فإذا أنكروها لم أجد بداً من السيف ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف، يا بني، إني أروض الناس رياضة الصعبة، فإن بطأ بي عمر أرجو أن ينفذ الله مشيئتي وأن تعدو منيتي فقد علم الله الذي أريده . وهكذا يتبع عمر أسلوب الحكمة والحسنى في تنفيذ سياسته وتطبيقاً لهذه السياسة فإنه قد مهد لهذه الخطوة الحاسمة، والخطيرة بخطوات تسبقها خروجه هو أولاً مما بيده من مظالم وردها إلى أصحابها، أو بيت المال، ثم إتجه إلى أبناء البيت الأموي فجمعهم وطلب إليهم أن يخرجوا مما بأيدهم من أموال وإقطاعات أخذوها بغير حق . وشهدت الأيام الأولى من خلافة عمر تجريداً واسع النطاق لكثير من أموال وأملاك بني أمية، ظلت تنمو في الماضي وتتضخم لكونهم العائلة الحاكمة ليس إلا.. وها هي الآن ترد إلى بيت مال المسلمين لكي يأخذ العدل مجراه، وتعود أموال المسلمين إلى المسلمين، لا يستأثر بها أحد دون أحد، ولا حزب دون حزب.. أموال وأملاك من شتى الصنوف والأنواع، جمعت بمختلف الطرق وسائر الأساليب جرد عمر بني أمية منها ومزق مستنداتها واحدة واحدة، وردها إلى مكانها الصحيح: مظالم وجوائز وهدايا ومخصصات استثنائية وضياع وقطاع، جمعت كلها على شكل ممتلكات ثابتة ونقود سائلة بلغت في تقدير عمر شطراً كبيراً من أموال الأمة جاوزت النصف ، ولا تمضي سوى أيام معدودات حتى يجد بنو أمية أنفسهم مجردين إلا من حقهم الطبيعي المشروع، فيضجون ضد سياسة عمر هذه ويعلنون معارضتهم الصارمة لها، فماذا يكون جواب عمر. أنظروا: والله لوددت أن ألا تبقى في الأرض مظلمة إلا ورددتها على شرط ألا أرد مظلمة إلا سقط لها عضو من أعضائي أجد ألمه ثم يعود كما كان حياً، فإذا لم يبق مظلمة إلا رددتها سألت نفسي عندها ، ولكن بني أمية لم ييأسوا من هذا الحزم والعزم إزاء حقوق الأمة، وهم الذين ما خطر ببالهم يوماً أن يجردوا هذا التجريد فاجتمعوا وطلبوا من أحد أولاد الوليد وكان كبيرهم ونصيحهم، أن يكتب إلى عمر، فكتب إليه: أما بعد فإنك أنسيت ممن كان قبلك من الخلفاء وسرت بغير سيرتهم وسميتها المظالم نقصاً لهم لأعمالهم، وشاتماً لمن كان بعدهم من أولادهم ولم يكن ذلك لك، فقطعت ما أمر الله أن يوصل، وعملت بغير الحق في قرابتك وعمدت إلى أموال قريش ومواريثهم وحقوقهم فأدخلتهم بيت مالك ظلماً وجوراً وعدواناً فاتق الله يا ابن عبد العزيز وارجعه، فإنك قد أوشكت لم تطمئن على منبرك إن خصصت ذوي قربتك بالقطيعة والظلم، فوالله الذي خص محمد صلى اله عليه وسلم بما خصه من الكرامة لقد ازدادت من الله بعداً في ولايتك هذه التي تزعم أنها بلاء عليك، وهي كذلك، فاقتصد في بعض ميلك وتحاشيك ، ويظهر في هذا الكتاب مآخذ الأمويين على سياسة عمر وهي:

ـ خالف سيرة من قبله من الخلفاء وأزرى بهم وعاب أعمالهم.
ـ أساء إلى أولاد من قبله من الخلفاء.
ـ لم يكن عمله منسجماً مع الحق.
ـ إن قطيعة أهل بيته يهدد مكانه من الخلافة.

ولا ريب أن سياسة عمر بن عبد العزيز تهدد مكانة الأسرة الأموية وتضعف مراكز قوتها، وقد تؤدي إلى دفعها لإتخاذ مواقف مهددة للخليفة القائم، وفي هذا خطر كبير عليه وعلى الخلافة ، وكان رد عمر حمم من نار الحق تتفجر في كل كلمة فيها:.. ويلك وويل أبيك ما أكثر طلابكما وخصمائكما يوم القيامة... رويدك فإنه لو طالت بي حياة ورد الله الحق إلى أهله، تفرغت لك ولأهل بيتك، فأقمت على المحجة البيضاء، فطالما تركتم الحق وراءكم ..




م
ن
ق
و
ل
__________________


" النظام السياسي الشوروي الضمانة الوحيدة لاستقرار الدول، وبدونه أبشروا بخراب الأوطان "



أبو فيصل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2009, 03:37 AM   #3
أبو فيصل
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية أبو فيصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: مهوى الأفئدة
المشاركات: 8,133
أبو فيصل is on a distinguished road
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

موقف بني أمية منه

بنو أمية يلجأون إلى أسلوب الحوار الهادي
:


وما أن يأس بنو أمية من صمود عمر إزاء معارضتهم الجماعية الشديدة هذه، لجأوا إلى أسلوب الحوار الهادي، علهم يصلون عن طريقه إلى ما يشتهون فيتكلمون معه يوماً مستشيرين فيه نزعة القربى وعاطفة الرحم، فيجيبهم: أن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال ـ أي المال العام ـ فحقكم فيه كحق أي رجل من المسلمين. والله أني لا أرى أن الأمور لو استحالت حتى يصبح أهل الأرض يرون مثل رأيكم لنزلت بهم بائقة من عذاب الله ودخل عليه هشام بن عبد الملك يوماً فقال: يا أمير المؤمنين إني رسول قومك إليك، وإن في أنفسهم ما جئت لأعلمك به أنهم يقولون: إستأنف العمل برأيك فيما تحت يدك وخل بين من سبقك وبين ما ولوا بما عليهم ولهم، وببديهة يجيب عمر: أرأيت أن أتيت بسجلين أحدهما من معاوية والآخر من عبد الملك فبأي السجلين آخذ؟ قال هشام: بالأقدم. فأجب عمر: فإني وجدت كتاب الله الأقدم، فأنا حامل عليه من أتاني ممن تحت يدي وفيما سبقني .



بنو أمية يرسلون عمة عمر بن عبد العزيز:


فعندما عجز الرجال من بني أمية عن جعل عمر يخاف أو يلين عن سياسته إزاءهم، لجأوا إلى عمته فاطمة بنت مروان، وكانت عمته هذه لا تحجب عن الخلفاء ولا يرد لها طلب أو حاجة، وكانوا يكرمونها ويعظمونها، وكذلك كان عمر يفعل معها قبل استخلافه، فلما دخلت عليه عظمها وأكرمها كعادته وألقى لها وسادة لتجلس عليها. فقالت: إن قرابتك يشكونك ويذكرونك أنك أخذت منهم خير غيرك قال: ما منعتهم حقاً أو شيئاً كان لهم، ولا أخذت منهم حقاً أو شيئاً كان لهم فقالت: إني رأيتهم يتكلمون، وإني أخاف أن يهيجوا عليك يوماً عصيباً. فقال: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شره. قال: فدعا بدينار، وجنب، ومجمرة، فألقى ذلك الدينار بالنار، وجعل ينفح على الدينار إذا احمر تناوله بشيء، فألقاه على الجمر فنشى وقتر فقال: أي عمه أما ترثين لابن أخيك من هذا ؟ وتؤخذ العمة بهذا المشهد المؤثر، وتلتفت إلى عمر طالبة منه أن يستمر في الكلام واسمعوه يقول وكأنه يرسم لوحة فنية رائعة للعدالة الاجتماعية التي جاء بها الإسلام لكي يجعلها تفجر الخير والنعيم على الجميع قال: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة ولم يبعثه عذاباً إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده وترك للناس نهراً شربهم فيه سواء ثم ولي أبو بكر وترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل عملهما، ثم يزل النهر يستقي منه يزيد ومروان وعبد الملك وابنه الوليد وسليمان أبناء عبد الملك حتى أفضى الأمر إلي وقد يبس النهر الأعظم فلم يرو أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه فقالت: حسبك، قد أردت كلامك فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئاً أبداً. فرجعت إليهم فأخبرتهم كلامه وجاء في رواية: إنها قالت لهم:.. أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب فجاء يشبه جده: فسكتوا



تلاشي المعارضة الجماعية لبني أمية:


وسرعان ما تلاشت السمة الجماعية لمعارضة بني أمية بعد ما رأوا من جد عمر إزاء أموال الأمة وقالوا: ليس بعد هذا شيء . ومن ثم أخذ كل منهم يسعى على إنفراد ليسترد ما يستطيع استرداده من الأموال، ولكن عمر الذي وقف تجاه رغباتهم مجتمعين، أحرى به الآن أن يتصدى لكل واحد منهم على انفراد ويعلمه أنّ حق الأمة لا يمكن أن يكون موضع مساومة في يوم من الأيام .
أ ـ رد الحقوق لأصحابها: لم يقف عمر عند حد استرداد الأموال من بني أمية وردها إلى بيت المال، بل يخطو خطوة أخرى ويعلن لأبناء الأمة الإسلامية أن كل من له حق على أمير أو جماعة من بني أمية أو لحقته منهم مظلمة، فليتقدم بالبينة لكي يرد عليه حقه.. وتقدم عدد من الناس بظلامتهم وبيّناتهم وراح عمر يردها واحدة بعد الأخرى: أراضٍ ومزارع وأموال وممتلكات ، ومرة بعث إليه واليه على البصرة برجل اغتصب أرضه فرد عمر هذه الأرض إليه ثم قال له: كم أنفقت في مجيئك إلي؟ قال: يا أمير المؤمنين تسألني عن نفقتي وأنت قد رددت علي أرضي وهي خير من مائة ألف؟ فأجابه عمر: إنما رددت عليك حقك، ثم ما لبث أن أمر له بستين درهماً كتعويض له عن نفقات سفره ، وقد قال ابن موسى: ما زال عمر بن عبد العزيز يردّ المظالم منذ يوم استخلف إلى يوم مات ، وذات يوم قدم عليه نفر من المسلمين وخاصموا روح بن الوليد بن عبد الملك في حوانيت ، قد قامت لهم البينة عليه، فأمر عمر روحاً برد الحوانيت إليهم، ولم يلتفت لسجل الوليد، فقام روح فتوعدهم، فردع رجل منهم وأخبر عمر بذلك، فأمر عمر صاحب حرسه أن يتبع روحاً فإن لم يرد الحوانيت إلى اصحابها فليضرب عنقه، فخاف روح على نفسه وردّ إليهم حوانيتهم ، وردّ عمر أرضاً كان قوم من الأعراب أحيوها، ثم انتزعها منهم الوليد بن عبد الملك فأعطاها بعض أهله، فقال عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:.. من أحيا أرضاً ميتة فهي له ، ولقد أحبّ آل البيت وأعاد إليهم حقوقهم وقال مرة لفاطمة بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: يا بنت علي والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحبّ إليَّ منكم ولأنتم أحب إليَّ من أهل بيتي


ب ـ عزله جميع الولاة والحكام الظالمين:


لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة عمد إلى جميع الولاة والحكام المسؤولين الظالمين فعزلهم عن مناصبهم، ومنهم خالد بن الريان وصاحب حرس سليمان بن عبد الملك الذي كان يضرب كل عنق أمره سليمان بضربها، وعين محله عمرو بن مهاجر الأنصاري فقال عمر بن عبد العزيز: يا خالد ضع هذا السيف عنك، اللهم، إني قد وضعت لك خالد بن الريان اللهم لا ترفعه أبداً، ثم قال لعمرو بن مهاجر: والله؟ إنك لتعلم يا عمرو، إنه ما بيني وبينك قرابة إلا قربة الإسلام ولكني سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن ألا يراك أحد، فرأيتك حسن الصلاة خذ هذا السيف قد وليتك حرسي . وهكذا يعزل عمر الظالمين وهذا أسلوبه في اختيار الولاة والقضاة والكتاب وغيرهم، إنه يبحث عن أصلح الناس ديناً وأمانة، ولما انتقد أحد ولاته الذين اختارهم نكت بين عينيه بالخيزرانة في سجدته وقال: هذه غرتني منك. يريد سجدته أي أثر السجود في وجهه، فهذه علامة من علامات صلاح الرجل وهي دليل على كثرة السجود، ومن أجل ذلك اختاره عمر بن عبد العزيز، وعمر لا يكتفي بمظهر الرجل ولكنه يختبره أيضاً، قد رأى رجلاً كثير الصلاة، وأراد أن يمتحنه ليوليه، فأرسل إليه رجلاً من خاصته فقال: يا فلان إنك تعلم مقامي عند أمير المؤمنين فمالي لو جعلته يوليك على أحد البلدان؟ فقال الرجل: لك عطاء سنة، فرجع الرجل إلى عمر وأخبره بما كان من هذا الرجل، فتركه لأنه سقط في الاختبار ن وكان من ضمن من عزلهم عمر بن عبد العزيز: أسامة بن زيد التنوخي وكان على خراج مصر، لأنه كان غاشماً ظلوماً يعتدي في العقوبات بغير ما أنزل الله عز وجل، يقطع الأيدي في خلاف ـ دون تحقق شروط القطع ـ فأمر به عمر بن عبد العزيز أن يحبس في كل جُنُد سنة ويقيد ويحل عنه القيد عند كل صلاة ثم يرد في القيد، فحبس بمصر سنة، ثم فلسطين سنة ثم مات عمر وولي يزيد بن عبد الملك الخلافة فردّ أسامة على مصر في عمله ، وكتب عمر بن عبد العزيز بعزل يزيد بن أبي مسلم عن إفريقية وكان عامل سوء يظهر التأله والنفاد لمل ما أمر به السلطان مما جل أو صغر من السيرة بالجور، والمخالفة للحق، وكان في هذا يكثر التسبيح والذكر ويأمر بالقوم فيكونون بين يديه يعذبون وهو يقول: سبحان الله والحمد لله شد يا غلام موضع كذا وكذا، لبعض مواضع العذاب وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، شد يا غلام شد موضع كذا وكذا، فكانت حالته تلك شر الحالات، فكتب عمر بعزله ، وهكذا استمر عمر في عزل الولاة الظلمة وتعيين الصالحين وسيأتي الحديث عن فقه عمر في تعامله مع الولاة في محله بإذن الله تعالى.


ج ـ رفع المظالم عن الموالي:


تعرض الموالي قبل عمر بن عبد العزيز للمظالم فقد فرضت الجزية على من أسلم منهم، كما منعوا من الهجرة مثلما حدث للموالي في العراق ومصر وخراسان وفي عهد عبد الملك أوقع الحجّاج بالموالي ظلم عظيم، فقد عمل على إبقاء الجزية على من أسلم منهم، وحرمهم من الهجرة من قراهم وهذا ما دفعهم للاشتراك في ثورة ابن الأشعث ضد الحجّاج، كما وقع الظلم على الموالي في مصر وخراسان، فلما تولى عمر بن عبد العزيز أزال تلك المظالم التي لحقت بهؤلاء الموالي وكتب إلى عماله يقول".. فمن أسلم من نصراني أو يهودي أو مجوسي من أهل الجزيرة اليوم فخالط المسلمين في دارهم، وفارق داره التي كان بها فإن له للمسلمين وعليه ما عليهم، وعليهم أن يخالطوه وأن يواسوه غير أرضه وداره إنما هي من فيء الله على المسلمين عامة، ولو كانوا أسلموا عليها قبل أن يفتح الله للسملمين كانت لهم، ولكنها فيء الله على المسلمين عامة ، وكتب إلى عامله على مصر حيان بن شريح ـ يقول: وأن تضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة فإن الله تبارك وتعالى قال: ((فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) (التوبة ، الآية : 5) وقال: ((قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)) (التوبة ، الآية : 29). إلا إن هذا العامل أرسل إلى عمر يقول: أما بعد، فإن الإسلام قد أضر بالجزية حتى سلفت من الحارث بن نابتة عشرون ألف دينار أتممتها عطاء أهل الديوان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل . وجاء رد عمر:أما بعد ، فقد بلغني كتابك وقد وليتك جند مصر وأنا عارف بضعفك، وقد أمرت رسولي يضربك على رأسك عشرين سوطاً، فضع الجزية عن من أسلم ـ قبح الله رأيك ـ فإن الله إنما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم هادياً ولم يبعثه جابياً، ولعمري ولعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على دينه . وفي رواية ابن سعد: أما بعد، فإن الله بعث محمداً داعياً ولم يبعثه جابياً، فإذا أتاك كتابي هذا فإن كان أهل الذمة أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية فاطو كتابك وأقبل . ولم يكن عامل عمر على مصر هو الوحيد الذي طلب من عمر السماح له في أخذ الجزية ممن أسلم، فها هو عامله على الكوفة ـ عبد الحميد بن عبد الرحمن ـ يسأله أخذ الجزية المتراكمة على اليهود والنصارى والمجوس الذين أسلموا، فجاءه رد عمر الواضح أيضاً يقول: كتبت إلي تسألني عن أناس من أهل الحيرة يسلمون من اليهود والنصارى والمجوس وعليهم جزية عظيمة، وتستأذنني في أخذ الجزية منهم، وإن الله جل ثناؤه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الإسلام ولم يبعثه جابياً، فمن أسلم من أهل تلك الملل فعليه في ماله الصدقة ولا جزية عليه، وميراثه ذوي رحمه إذا كان منهم يتوارثون أهل الإسلام، وإن لم يكن له وارث فميراثه في بيت مال المسلمين الذي يقسم بين المسلمين، وما أحدث من حدث ففي مال الله الذي يقسم بين المسلمين يعقل عنه منه والسلام . كما كتب إليه عامله على البصرة ـ عدي بن أرطأة ـ يقول: أما بعد، فإن الناس كثروا في الإسلام وخفت أن يقل الخراج. فكتب إليه عمر: فهمت كتابك، والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا . هذا إلى جانب إبطاله لمظلمة المنع من الهجرة التي أوقعها الحجّاج بالموالي في العراق، وهكذا أبطل عمر تلك المظالم التي أصابت الموالي، فترتب على ذلك أن أعاد إليهم حقوقهم المسلوبة والهدوء والطمأنينة إلى نفوسهم، وباتوا ينعمون بالمساواة والعدل مع غيرهم من أبناء الأمة الإسلامية

.
ح ـ رفع المظالم عن أهل الذمة:

زاد عبد الملك في عهده الجزية على أهل قبرص وكان معاوية بن أبي سفيان غزا قبرص بنفسه وصالحهم صلحاً دائماً على سبعة آلاف دينار وعلى النصيحة للمسلمين، وإنذارهم عدوهم من الروم ولم يزل أهل قبرص على صلح معاوية حتى ولي عبد الملك بن مروان، فزاد عليهم ألف دينار، فجرى ذلك إلى عهد عمر بن عبد العزيز فحطها عنهم ، كما أصابت الزيادة فيما يجبى من جزية أهل الذمة في العراق وقد وضعها عنهم عمر بن عبد العزيز كسياسة عامة التزم بها في أن يرفع المظالم عن أهل الذمة حتى يدعهم ينعمون بحياتهم في ظل الشرائع الإسلامية السمحة ويؤيد ذلك ما جاء في كتابه إلى عامله على البصرة ـ عدي بن أرطأة: أما بعد، فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتيا ، وخسراناً مبيناً، فضع الجزية على من أطاق حملها، وخل بينهم وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحاً لمعاش المسلمين، وقوة على عدوهم، وانظر من قبلك من أهل الذمة ممن قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه. فلو أن رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك، إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك. قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه ، كما بلغت سياسة عمر بن عبد العزيز في وضع المظالم عن الناس ومساعدتهم أيضاً حين كتب إلى عامله على الكوفة يقول: انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوي به على عمل أرضه، فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين ، وقد أمر عمر ولاته بالأخذ بالرحمة والرأفة بالناس، فقد منع تعذيب أهل البصرة وغيرهم لاستخراج الخراج منهم، وعندما أرسل إليه عامله على البصرة عدي بن أرطأة يقول: إن أناساً قبلنا لا يؤدون ما عليهم من الخراج حتى يمسهم شيء من العذاب فكتب إليه عمر: أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر كأني جنة لك من عذاب الله، وكأن رضاي ينجيك من سخط الله، وإذا أتاك كتابي هذا فمن أعطاك فاقبله عفواً وإلا فأحلفه، فوالله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلى من أن ألقاه بعذابهم. والسلام . ومما أصاب أهل الذمة من المظالم قبل عهد عمر بن عبد العزيز سبى بنات ونساء من لواتة بشمال أفريقية ولكن عمر رد هذه المظلمة يذكر أبو عبيد: أن عمر بن عبد العزيز كتب في اللواتيات: من أرسل منهن شيئاً فليس من ثمنها شيء وهو ثمن مرجها الذي استحلها به ـ أو كلمة تشبه الثمن ـ قال: ومن كانت عنده امرأة منهن فليخطبها إلى أبيها، وإلا فليردها إلى أهلها قال أبو عبيد: قوله اللواتيات هن من لواتة: فرقة من البربر، يقال لهم لواتة أراه قد كان لهن عهد، وهم الذين كان ابن شهاب يحدث: أن عثمان أخذ الجزية من البربر، ثم أحدثوا بعد ذلك فسبوا. فكتب عمر بن عبد العزيز بما كتب به ، كما أرجع عمر بن عبد العزيز إلى أهل الذمة كل أرض أو كنيسة أو بيت اغتصب منهم ، ومما رفعه عمر عن أهل الذمة من المظالم السخرة التي على أساس أنه يحل للمسلمين أن يسخروا أهل الذمة لمصالحهم الشخصية طالما أن هذا غير موجود في صلحهم . فكتب إلى عماله يقول:... ونرى أن توضع السخر عن أهل الأرض، فإن غايتها أمر يدخل فيه الظلم ، وهكذا رد عمر بن عبد العزيز ما اصاب أهل الذمة من مظالم، فترتب على ذلك أن أعاد السكينة، والطمأنينة والهدوء إليهم، وأوضح لهم، إن بإمكانهم أن يعيشوا في ظل الإسلام آمنين مطمئنين تشملهم سماحة الدين ويظلهم عدله، وتستقيم أمورهم وشؤونهم في كنفه، لا يضارون ولا يستضعفون ولا يستعبدون لهم حقوقهم المعلومة وعليهم واجباتهم المحددة ضمنها لهم الشارع الحكيم، وما تأسس من أحكام كتاب الله وسنة رسوله الكريم .


اقامة العدل لأهل سمرقند


لما وصل خبر تولية عمر بن عبد العزيز الخلافة إلى سكان ما وراء النهر، اجتمع أهل سمرقند وقالوا لسليمان بن أبي السرّي: إن قتيبة غدر بنا، وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والانصاف، فإذن لنا فليفذ منا وفد إلى أمير المؤمنين، يشكو ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة. فإذن لهم سليمان، فوجهوا منهم قوماً فقدموا على عمر، فكتب لهم عمر إلى سليمان بن السري: إن أهل سمرقند، قد شكوا إليَّ ظلماً أصابهم،، وتحاملاً من قتيبة عليهم أخرجهم من أرضهم فإذا أتاك كتابي، فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة. فأجلس سليمان جُمَيْعَ بن حاضر القاضي فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة، فقال أهل الصُّغد : بل نرضى بما كان ولا نجدِّد حرباً، وتراضوا بذلك، فقال أهل الرأي: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم، وأمنونا وأمنّاهم، فإن حكم لنا عدْنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا اجتلبنا عداوة في المنازعة، فتركوا الأمر على ما كان ورضوا ولم ينازعوا . أية دولة في القرن العشرين تحني رأسها هكذا للعدل كي يأخذ مجراه وللحق كي يعود إلى أصحابه؟ وأي حاكم في تاريخ الشعوب التي لم تعرف الله، استجاب، هكذا، لنداءات المظلومين الذين سلبت حقوقهم، كهذه الاستجابة السريعة الحاسمة من عمر بن عبد العزيز؟ ألا أنه المسؤول الذي نذر نفسه للدفاع عن قيم الحق والعدل في أقطار الأرض، فبدونهما تفقد شريعة الله مقوماتها وأهدافها العليا . فهذا مثل رفيع من عدل عمر


وإننا لنلاحظ في هذا الخبر عدة أمور:


1ـأن الناس يقبلون على التظلم والشكوى والمطالبة بالحقوق حينما يكون الحكام عادلين، لأنهم يعلمون أن دعواهم ستؤخذ مأخذ الجد وسينظر فيها بعدل، فهؤلاء المتظلمون قد سكتوا على ما هم فيه من الشعور بالظلم طيلة ولاية الوليد وسليمان، فلما رأوا عدل عمر بن عبد العزيز رفعوا قضيتهم.


2ـ أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لم يهمل قضيتهم وإنما أحالها إلى القضاء الشرعي، وهذا مثل من الخضوع للإسلام والتجرد من هوى النفس، وكان باستطاعته أن يعمل كما يعمل كثير من المسئولين، من إرسال خطابات الوعيد والتهديد والبحث عن رؤوس القوم وإجراء العقوبات المناسبة عليهم ولكنه قد نذر نفسه لرفع المظالم وإقرار العدالة، وذلك لا يكون إلا بحكم الشرع والتحاكم إليه.

3ـأن أولئك القوم قد أسقط في أيديهم لما اطلعوا على كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ورأى أهل الرأي منهم أنهم خاسرون في كلا الحالين، سواء حكم لهم أو عليهم، وأن مصلحتهم في بقائهم على ما هم عليه، وبهذا زال تظلمهم وشعروا بعدالة الحكم الإسلامي .

ش ـ الاكتفاء باليسير من البينات في رد المظالم:

نظراً لمعرفة عمر بن عبد العزيز بغشم الولاة قبله وظلمهم للناس حتى أصبحت المظالم كأنها شيء مألوف، فإنه لم يكلف المظلوم بتحقيق البينة القاطعة على مظلمته، وإنما يكتفي باليسير من البينة، فإذا عرف وجه مظلمة الرجل ردها إليه دون أن يكلفه تحقيق البيئة، فقد روى ابن عبد الحكم وقال: قال أبو الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، وكان يكتفي باليسير، إذ عرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه، ولم يكلفه تحقيق البينة، لما يعرف من غشم الولاة قبله على الناس،ولقد أنقذ بيت مال العراق في رد المظالم حتى حُمل إليه من الشام . فما أحسن ما فعله عمر بن عبد العزيز وما أحسن التيسير على الناس قدر المستطاع لأن فيه اختصار للوقت وتوفيراً للجهود ، كما أن هذا العمل نستنبط منه قاعدة هامة في التفريق بين أصول التحقيق في القضاء العادي وبين أصول التحقيق في القضاء الإداري، وضعها عمر بن عبد العزيز، فالبينة القاطعة قد تستحيل إقامتها، وجمع عناصرها، فإذا كان الظلم واضحاً، اكتفى قاضي المظالم بالبينة اليسيرة .


ر ـ وضع المكس : لما كان المكس من الظلم والبخس، لأنه جباية أو ضريبة تؤخذ من الناس بغير وجه شرعي، ولما كانت الزكاة على المسلم والجزية والعشور والخراج على الذمي كافيه عما سواها، فقد نهى عمر عن المكس وشدد في ذلك ومنعه كما يأتي: عن محمد بن قيس قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز وضع المكس عن كل أرض ووضع الجزيه عن كل مسلم وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن ضع عن الناس... والمكس ولعمري ما هو بالمكس ولكنه البخس الذي قال الله فيه: ((ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)). فمن أدى زكاة ماله فاقبل منه ومن لم يأت فالله حسيبه ، وكتب إلى عامله عبد الله بن عوف على فلسطين: أن: أركب إلى البيت يقال له: المكس، فاهدمه ثم أحمله إلى البحر فأنسفه في اليم نسفاً . نعلم مما سبق أن المكس دراهم تؤخذ من بائع السلع في الأسواق وأن ذلك يصدق على الجمارك التي تؤخذ على السلع عند استيرادها في هذا الزمان، وأن عمر بن عبد العزيز يرى أن ذلك من الظلم فمنعه . والحجة فيما فعله عمر بن عبد العزيز قول الله تعالى: ((وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) (الشعراء ، الآية : 183)

.

رد المظالم وإخراج زكاتها:


قرر عمر بن عبد العزيز رد المظالم التي في بيوت المال، وأخذ زكاتها لسنة واحدة ، عن مالك بن أنس عن أيوب السختياني أن عمر بن عبد العزيز رد مظالم في بيوت الأموال فرد ما كان في بيت المال وأمر أن يزكي لما غاب عن أهله من السنين، ثم كتب بكتاب آخر: إني نظرت فإذا هو ضمار لا يزكي إلا لسنة واحدة ، وعن عمرو بن ميمون قال: أخذ الوالي في زمن عبد الملك مال رجل من أهل الرقة يقال له أبو عائشة عشرين ألفاً فأدخلت في بيت المال، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أتاه ولده فرفعوا مظلمتهم إليه، فكتب إلي ميمون: أدفعوا إليهم أموالهم، وخذوا زكاة عامه هذا، فلولا أنه كان مالاً ضماراً أخذنا منه زكاة ما مضى .


هذا هو عمر بن عبد العزيز في دولته التي أقامها على العدل وكان رحمه الله يعلم ولاته أنه بالعدل تستقيم الحياة بكل شئونها فلما أرسل إليه بعض عماله يقول: أما بعد، فإن مدينتنا قد خربت، فإن يرى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالاً نرمّها به فعل. فكتب إليه عمر: أما بعد، فقد فهمت كتابك، وما ذكرت أن مدينتكم قد خربت، فإذا قرأت كتابي هذا فحصِّنها بالعدل، ونَقِّ طرقها من الظلم، فإنَّه مرمَّتها والسلام ، وكتب إلى بعض عماله: إن قدرت أن تكون في العدل والإحسان والإصلاح كقدر من كان قبلكم في الجور والعدوان والظلم، فافعل ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وكتب إلى أبي بكر بن حزم: أن استبرئ الدواوين، فانظر إلى كل جور جاره من قبلي من حق مسلم أو معاهد فردَّه إليه، فإن كان أهل تلك المظلمة قد ماتوا فادفعه إلى ورثتهم . وكان رحمه الله يواجه في تنفيذ ما يريده من العدل مصاعب ومشقات ومقاومة، وعقبات، فكان ينفق بعض المال في سبيل تهدئة بعض النفوس، لإنفاذ الحق ونشر العدل، ورفع الظلم، دخل عليه ابنه عبد الملك ذات يوم، فقال: يا أبتِ ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك؟ قال: يا بني، إنما أروِّض الناس رياضة الصَّعْب، إني لأريد أن أحيي الأمور من العدل، فأوفِّر ذلك حتى أُخرج معه طمعاً من طمع الدنيا، فينفروا لهذا ويسكنوا لهذه ، وقام برصد الجوائز لمن يدل لمن يدل على خير، أو ينبه على خطأ، أو يشير إلى وقوع مظلمة لم يستطع صاحبها إبلاغها فكتب كتاباً أمر أن يُقرأ على الحجيج في المواسم وفي كل المحافل والمجامع جاء فيه: أما بعد، فأيما رجل قدم علينا في رد مظلمة، أو أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين، فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار، بقدر ما يرى من الحسبة، وبعد الشقة. رحم الله أمراً لم يَتَكَاءده بعد سفر، لعل الله يحي به حقاً، أو يمت به باطلاً أو يفتح من ورائه خيراً . ولاستعذابه حلاوة العدل ورحمته وتنعم الناس بتفيّؤ ظِلاله كان يقول: والله لوددت لو عدلت يوماً واحداً وأن الله تعالى قبضني ، ومع أنه رأى ثمرات العدل التي قطف منها جميع الناس في خلافته إلا أن نفسه التوّاقة لكل شامخ ورفيع كانت تطمح للمزيد ولقد عبر عن ذلك بقوله: (لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت العدل . وحتى الحيوانات نالهن عدله وانصافه ورفع الظلم عنه وإليك هذه


المشاهد:

ـالنهي عن نخس الدابة بالحديدة وعن اللجم الثقال: فقد أكد عمر بن عبد العزيز على الرفق بالحيوان وعدم ظلمه أو تعذيبه قال أبو يوسف: حدثنا عبيد الله بن عمر: أن عمر بن عبد العزيز نهى أن يجعل البريد في طرف السوط حديدة ينخس بها الدابة، ونهى عن اللجم الثقال ، وقد أصدر أوامره بمنع استخدام اللجم الثقيلة مع الخيول والبغال، كما منع استخدام المناخس ذات الرؤوس الحديدة .


ـ في تحديد حمولة البعير بستمائة رطل:


وحين بلغه أن قوماً يحملون على الجمال ما لا تطيق وذلك في مصر كتب إلى واليها يحدد أقصى حمولة للبعير بستمائة رطل وطلب منه إبلاغ قراره هذا الناس وأمره بتنفيذه .

ـ هذه بعض الملامح السريعة على إقامة العدل في دولة عمر بن عبد العزيز، إن من أهداف التمكين إقامة المجتمع الذي تسود فيه قيم العدل ورفع الظلم، ومحاربته بكافة أشكاله وأنواعه وهذا ما قام به عمر بن عبد العزيز رحمه الله



المساواة:


قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) (الحجرات ، الآية : 13). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ،، وقد قام عمر بن عبد العزيز بتطبيق هذا المبدأ في دولته، وكان أول مؤشر على رغبته في تطبيق مبدأ المساواة، حين أقسم أنه يودُّ أن يساوي في المعيشة بين نفسه ولحمته التي هو منها وبين الناس ، فقال: أم والله لوددت أنه بُدئ بي، وبلحمتي، التي أنا منها، حتى يستوي عيشنا وعيشكم، أم والله، أم والله لو أردت غير هذا من الكلام، لكان اللسان به منبسطاً ولكنت بأسبابه عارفاً . وقال في خطبة له:.. وما منكم من أحد تبلغنا حاجته إلا أحببت أن أسد من حاجته، ما قدرت عليه . كما أن عمر اتخذ مبدأ المساواة بين الناس، في الحقوق والواجبات في كافة مجالات الحياة، فلم يميز بين الناس في حقهم في تولي الوظائف والولايات، ولم يعط أحداً كائناً من كان شيئاً ليس له فيه حق، فقد ساوى بين أمراء وأشراف بني أمية وبين الناس


، فمنع عنهم العطايا والأرزاق الخاصة، وقال لهم حين كلموه في ذلك: لن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال ـ يقصد المال الذي في بيت مال المسلمين ـ فإنما حقكم فيه كحق رجل، بأقصى برك الغماد ، فكانت سياسته المالية تقوم على مبدأ المساواة، فبيت المال لجميع المسلمين ولكل واحد منهم حق أن يأخذ منه أسوة بغيره، فلا يكون حكراً على فئات معينة من الناس، ومن أعماله التي تدل على ترسيخه بمبدأ المساواة بين الناس ما أعلنه عندما رأى أمراء بني أمية قد استحوذوا على قطع واسعة من الأرض وجعلوها حمى، يحرم من الاستفادة منها عامة الناس، فقال: إن الحمى يباح للمسلين عامة.. وإنما الإمام فيها كرجل من المسلمين، إنما الغيث ينزله الله لعباده، فهم فيه سواء . كما ساوى بين من أسلم من أهل الأديان الأخرى من النصارى واليهود وبين المسلمين، وعمل على كسر حاجز التنافر بينهم، فقال:... فمن أسلم من نصراني أو يهودي أو مجوسي، من أهل الجزية اليوم، فخالط عمّ المسلمين في دارهم وفارق داره التي كان بها، فإن له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وعليهم أن يخالطوه وأن يواسوه ، ويروي ابن سعد: أن عمر بن عبد العزيز جعل العرب والموالي في الرزق والكسوة والمعونة والعطاء سواء، غير أنه جعل فريضة المولى المعتق خمسة وعشرين ديناراً ،



وفي مجال المساواة بين الناس أمام القضاء، وأحكام الإسلام، نكتفي بهذا الدليل الذي كان عمر فيه أحد أطراف النزاع أمام القاضي، وتفصيل ذلك أنه: أتى رجل من أهل مصر عمر بن عبد العزيز، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن عبد العزيز ـ يقصد والد عمر ـ أخذ أرضي ظلماً، قال: وأين أرضك يا عبد الله؟ قال: حلوان، قال عمر: أعرفها ولي شركاء ـ أي شركاء في حلوان ـ وهذا الحاكم بيننا، فمشى عمر إلى الحاكم فقضى عليه، فقال عمر: قد أنفقنا عليها، قال القاضي: ذلك بما نلتم غلتها، فقد نلتم منها مثل نفقتكم، فقال عمر: لو حكمت بغير هذا ما وليت لي أمراً أبداً، وأمر بردها . وكان عمر يقيم وزناً لمبدأ المساواة بين المسلمين، حتى في الأمور العامة، ومن ذلك أمره بأن لا يخص أناس بدعاء المسلمين والصلاة عليهم، فكتب إلى أمير الجزيرة يقول:.. وقد بلغني أن أناساً من القصاص قد أحدثوا صلاة على أمرائهم، عِدل ما يصول على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءك كتابي هذا، فمر القصاص، فليجعلوا صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وليكن دعاؤهم للمؤمنين والمسلمين عامة، وليدعو ما سوى ذلك ، ومن ذلك يتضح اهتمام عمر بالمساواة بين عامة الناس حتى في الدعاء لهم، ولا يختص أحد بدعاء، فالمسلمون عامة في حاجة دعوة الله عز وجل لهم والله سبحانه وتعالى جدير بالإجابة ، وقد طبق مبدأ المساواة بينه وبين عامة الناس، فقد حصل أن شتمه رجل بالمدينة لسبب أو لآخر، فلم يكن ما أمر به سوى ما قد يأمر به كما لو كان المشتوم أحد أفراد الأمة، ذلك ما حدث حين حُكم رجل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بن محمد بن حزم والي عمر على المدينة في صلاته ـ فقطع عليهم الصلاة، وشهر السيف، فكتب أبو بكر إلى عمر، فأتي بكتاب عمر، فقرئ عليهم، فشتم عمر، والكتاب ومن جاء به، فهمَّ أبو بكر بضرب عنقه، ثم راجع عمر وأخبره أنه شتمه،


وأنه همَّ بقتله: فكتب إليه عمر: لو قتلته لقتلك به، فإنه لا يقتل أحد، بشتم أحد ألا أن يُشتم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فإذا أتاك كتابي فاحبس على المسلمين شره، وادعه إلى التوبة في كل هلال، فإذا تاب فخلِّ سبيله ، ولم يكتف عمر بالأخذ بمبدأ المساواة بنفسه فحسب، بل كان يأمر عماله وولاته بذلك، فقد كتب إلى عامله على المدينة يقول له: أخرج للناس فآسي بينهم في المجلس والمنظر، ولا يكن أحد الناس آثر عندك من أحد، ولا تقولن هؤلاء من أهل بيت أمير المؤمنين، فإن أهل بيت أمير المؤمنين وغيرهم عندي اليوم سواء، بل أنا أحرى أن أظن بأهل بيت أمير المؤمنين، فإن أهل بيت أمير المؤمنين وغيرهم عندي اليوم سواء، بل أنا أحرى أن أظن بأهل بيت أمير المؤمنين أنهم يقهرون من نازعهم . كانت تلك بعض مواقف عمر، وإن كانت متفاوتة، إلا أن فيها دلالة واضحة على أخذ عمر بمبدأ المساواة في دولته

..
6 ـ الحريات في دولة عمر بن عبد العزيز:


إن مبدأ الحرية من المبادئ الأساسية التي قام عليها الحكم في دولة عمر بن عبد العزيز، ويقضي هذا المبدأ بتأمين وكفالة الحريات العامة للناس كافة ضمن حدود الشريعة الإسلامية وبما لا يتناقض معها، فقد اهتم عمر بكافة صور الحرية الإنسانية، فجاء مستعرضاً لأنواع وصور الحرية، فأقر ما كان فيها موافقاً، لتعاليم الإسلام، وأعاد ما لم يكن كذلك إلى دائرة التعاليم الإسلامية وإليك بعض التفاصيل عن الحريات في دولة عمر بن عبد العزيز.


أ ـ الحرية الفكرية والعقدية:


حرص عمر بن عبد العزيز على تنفيذ قاعدة حرية الاعتقاد في المجتمع وكان سياسته حيال النصارى واليهود تلتزم بالوفاء بالعهود والمواثيق وإقامة العدل معهم ورفع الظلم وعدم التضييق عليهم في معتقدهم ودينهم انطلاقاً من قوله تعالى: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) (البقرة ، الآية : 256) وكان عمر ينهج أسلوب الدعوة مع ملوك الهند، والقبائل الخارجة عن الإسلام وسيأتي الحديث عن ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى، ولم يكره عمر أحداً من النصارى أو غيرهم على الدخول في الإسلام، وأما حرية الفكر من حيث الرأي والتعبير، فقد أخذت نطاقاً واسعاً في إدارة الدولة، وقيادته لعماله ورعيته، فقد أتاح لكل متظلم أن يشكو من ظلمه وأطلق للكلمة حريتها، وترك للناس حرية أن يقول كلُّ ما يريد وقد عبر عن هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق بقوله: اليوم ينطق كل من كان لا ينطق . إذا لم يخالف الشرع.


ب ـ الحرية السياسية:

كما أعلن عمر استئناف الحرّية السياسية التي منحها الإسلام للمسلمين إذ لإطاعة لا مخلوق في معصية الخالق، حتى وإن كان حاكما أو والياً، فقد أعلن عمر في أول يوم من أيام حكمه الحرية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منكراً على الناس واقعهم المظلم، وأن الإسلام لا يرضى السكوت عن الظلم، فقد خطب الناس يوماً فقال:... ألا لأسلامة لامريء في خلاف السنة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا وإنكم تسمون الهارب من ظلم إمامه: العاصي، إلا وإن إولاهما بالمعصية الإمام الظالم ، ومما يدل على إعطاء عمر للناس الحرية السياسية، أن أول إجراء اتخذه عقب إعلان العهد له بالخلافة تنازله في الخلافة وطلب من الناس أن يختاروا خليفة، فإذا كانت الحرية السياسية تتجلى في ممارستها في موضعين: أولهما المشاركة في اختيار الحاكم، عن طريق أهل الحل والعقد، وبيعة المسلمين ورضاهم، وثانيهما: إبداء الرأي والنصح للحكام، ونقد أعمالهم بمقاييس الإسلام ، فإن عمر قد مارس الحرية السياسية في هذين الموضعين فجعل لهم الخيار في توليه الخلافة قبل الوعظ والنصح ، وسيأتي بيان ذلك في محله بإذن الله.


ت ـ الحرية الشخصية:

عمل عمر بن عبد العزيز على تحقيق وتدعيم الحرية الشخصية لأفراد الأمة الإسلامية، إذ بدا له بعض القيود على الهجرة أو ما يسمى بحرية التنقل، أو الغدو والرواح، فاتخذ إجراء فتح فيه باب الهجرة لمن يريد، إذ قال:.. وأما الهجرة فإنا نفتحها لمن هاجر من إعرابي فباع ماشيته، وانتقل من دار إعرابيته إلى دار الهجرة وإلى قتال عدونا، فمن فعل ذلك فله أسوة المهاجرين فيما أفاء الله عليهم ، كما قال في كتابه لعماله:.. وأن يفتح لأهل الإسلام باب الهجرة ، وإذا كان ذلك موقفه من حرية الناس في الهجرة والتنقل فقد تجلى حرصه على مبدأ حرية الإنسان في أمر قل من يراعيه، أو يهتم به، أمر يخص من هم في ملكه، ألا وهو تخييره لجواريه عقب تولي الخلافة بين العتق والإمساك على غير شيء، فقد علم أن لهنّ عليه حقوقاً لن يستطيع الإيفاء بها بعد توليه الخلافة، فترك لهنّ حرية الإقامة معه من غير شيء أو العتق، فتكون الواحدة منهنّ حرة حرية شخصية كاملة ، فقد روي ابن عبد الحكم (أن عمر خيّر جواريه، فقال: إنه قد نزل بي أمر شغلني عنكنّ فمن اختارت منكنّ العتق أعتقتها، ومن أمسكتها لم يكن لها مني شيء، فبكين بكاءً شديداً يأساً منه .


ج ـ حرية التجارة والكسب:

أما في حرية التجارة والكسب وابتغاء فضل الله في البر والبحر، كجزء من الحرية الاقتصادية، فقد أكد في كتاب له إلى عماله على ضرورة منح الناس حرية استثمار أموالهم، والاتجار بها في البر والبحر على حد سواء، فقد كتب إلى عماله:.. وإن من طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدعى الناس إلى الإسلام كافة،... وأن يبتغي الناس بأموالهم في البر والبحر، ولا يمنعون ولا يحبسون . وكتب أيضاً:.. وأما البحر، فإنا نرى سبيله سبيل البر، قال الله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) (الجاثية، الآية : 12)، فإذن أن يتجر فيه من شاء، وأرى أن لا نحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البر والبحر لله جميعاً سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله، فكيف نحول بين عباد الله وبين معايشهم . ويقول عمر في موضع آخر:.. أطلق الجسور والمعابر للسابلة يسيرون عليها دون جعل ، لأن عمال السوء تعدوا غير ما أمروا به ، وأما عن الأسعار والتسعير زمن عمر، فقد قال أبي يوسف: حدثنا عبد الرحمن بن شوبان عن أبيه قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، ما بال الأسعار غالية في زمانك وكانت في زمان من قبلك رخيصة؟ قال: إن الذين كانوا قبلي كانوا يكلفون أهل الذمة فوق طاقتهم، ولم يكونوا يجدون بداً من أن يبيعوا ويكسروا ما في أيديهم، وأنا لا أكلف أحداً إلا طاقته، فباع الرجل كيف شاء، قال: فقلت: لو أنك سعَّرت، قال: ليس إلينا من ذلك شيء إنما السعر إلى الله . وتشدد عمر في أمر السلع المحرمة، ومنع التعامل بها فالخمر من الخبائث التي لا يجوز التعامل فيها بين المسلمين، لحرمتها ولضررها حيث يؤدي شربها إلى استحلال الدم الحرام وأكل المال الحرام ، ويقول عمر: فإنا من نجده يشرب منه شيئاً بعد تقدمنا إليه فيه نوجعه عقوبة في ماله ونفسه ونجعله نكالاً لغيره . ولقد أثمرت سياسة عمر في رد الحقوق وإطلاق الحرية الاقتصادية المنضبطة، حيث وفرت للناس الحوافز للعمل والإنتاج، وأزالت العوائق التي تحول دون ذلك، وهذا أدى إلى نمو التجارة ونمو التجارة أدى إلي زيادة حصيلة الدخل الخاضع للزكاة، وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة الزكاة، مما يؤدي إلى رفع مستوى الطبقات الفقيرة، وارتفاع قوتها الشرائية والتي ستتوجه إلى الاستهلاك وبالتالي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات وهذا كله يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد، وارتفاع مستوى المعيشة وزيادة الرفاه . لقد كانت الحرية في دولة عمر بن عبد العزيز مصونة ومكفولة ولها حدودها وقيودها، ولذلك ازدهر المجتمع وتقدم في مدار الرقي، فالحرية حق أساسي للفرد والمجتمع، ليتمتع بها في تحقيق ذاته وإبراز قدراته وسلب الحرية من المجتمع سلب لأهم مقوماته فهو أشبه بالأموات، إن الحرية في الإسلام إشعاع داخلي ملأ جنبات النفس الإنسانية بارتباطها بالله، فارتفع الإنسان بهذا الارتباط إلى درجة السمو والرفعة، فأصبحت النفس تواقة لفعل الصالحات، والمسارعة في الخيرات ابتغاء رب الأرض والسماوات، فالحرية في المجتمع الإسلامي دعامة من دعائمه تحققت في دولة عمر بن عبد العزيز في أبهى صورة انعكست أنوارها على صفحات الزمن .




آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز

أما بعد، فإن في أيديكم أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون كما تركها الماضون، ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله تعالى، وتضعونه في صدع من الأرض، ثم في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب فقير إلى ما قدم أمامه، غنياً إلى ما ترك جده، أما والله إني لأقول هذا وأنا أعرف من أحد من الناس مثل ما أعرف من نفسي، قال: ثم وضع طرف ثوبه على عينيه فبكى ثم نزل، فما خرج حتى أخرج إلى حفرته رحمه الله تعالى


اخر خطبة للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالي بصوت الشيخ مشاري بن راشد العفاسي اعزه الله

http://www.islam2all.com/upload/video/afasytv/omar.wmv


منقول من منتدى التاريخ

__________________


" النظام السياسي الشوروي الضمانة الوحيدة لاستقرار الدول، وبدونه أبشروا بخراب الأوطان "



أبو فيصل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2009, 04:32 AM   #4
smboc
كتّاب ملتقى الحوار العربي
 
الصورة الرمزية smboc
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 19,568
smboc has a spectacular aura about smboc has a spectacular aura about
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

(رسالة للشيعة وأذنابهم )

جزاك الله خير اخي العزيز ابو فيصل الحقيقة شدني العنوان وخاص انه فيه الشيعة ولو ان الطرح كبير والحقيقة علينا القراءة بتمعن لنستفيد ولا نمر مر الكرام .. خاص فيه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وسيرة الصحابة الكرام .. الا اخي اليوم اشاهد المحطة الفضائية العراقية وكان هناك بث عن البرلمان العراقي وكان يتراسهم شيخ شيعي بعمته واعتقد انه الرئيس وكانوا يعالجوا المسائل العراقية والمشاكل ..والحقيقة وجدت عند الشيعة هذه الايام وخاص انها خارجة من ايران وليس من عند المعارضة الشيعية في ايران بل من الحكومة مقولة تقول يجب عزل الدين عن السياسة لحل المشاكل وهذا يشابه اوربا في العصور الوسطى عندما عزلو ا الدين عن السياسة واصبحت عندهم صناعة ورقي الخ ...ويتبين لنا ان هناك دين في الاسلام ضد الدين الاسلامي هو دين الرافضة الشيعية ووجدوا الشيعة لاخلاص من مشاكلهم من خلال عزل الدين عن السياسة والا اصبحوا كما اوربا في العصور الوسطى وهذا ما يتبين لنا في العراق وايران لا يمكن ان يكون هناك برنامج شيعي ديني سياسي ينهض ب العراق او ايران من خلال الملالي الشيعة وخاص تراسهم لنا نحن السنة في ايران اوالعراق وهذا ما يحدث مشاكل لشيعة انفسهم فكيف بنا نحن السنة ...الشيعة تبين انهم كما النصارى مع عيسى وخاص وتأليه علي رضي الله عنه كفر الشيعه ..من خلال الملالي وشتمهم للصحابة صعب انهم يتماشون مع السياسة وهذا برنامجهم ولك اخي ابو فيصل ان تحكم ...اصبح هناك خلاف بين علماء الشيعة بين بعضهم البعض بين السياسة الى الدين الى تراسهم للبلاد والعباد من خلال الملالي الى مقولة عزل السياسة عن الدين لينهضوا عن ما هم فيه والسبب الباطل الذي يعيشون فيه هذا والله اعلم والهادي
__________________
من كان مع الله كان الله معه
smboc غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2009, 04:41 AM   #5
بغزيز
كتّاب ملتقى الحوار العربي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2004
المشاركات: 20,527
بغزيز is an unknown quantity at this point
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

مكررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررر
بغزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2009, 06:05 AM   #6
smboc
كتّاب ملتقى الحوار العربي
 
الصورة الرمزية smboc
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 19,568
smboc has a spectacular aura about smboc has a spectacular aura about
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

بغزيز لاتخش تعمل لك فهلوة اقرا الطرح لتستفيد تشكر بارك الله فيك
__________________
من كان مع الله كان الله معه
smboc غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2009, 06:38 AM   #7
ابن ماء السماء
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية ابن ماء السماء
 
تاريخ التسجيل: Jan 2004
المشاركات: 11,504
ابن ماء السماء is an unknown quantity at this point
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

مرحبا اخي ابو فيصل وكل عام وانت بخير
رحم الله عمر بن عبد العزيز
اخي الكريم
لانختلف ابدا على صلاح عصر الخلفاء الراشدين الاربعة
اما عصر ملك بني امية الذي ابتليت به الامة من ذلك الزمن الى اليوم فلو كان فيه ذرة من صلاح لما خرج عليهم رجلاً مثل الحسين ابن علي عليه السلام بسيفه رافضا لهم ولعصرهم ومحاولاً اصلاحه وتقويمه....
شكرا لك...
__________________
[align=left]
أدمنتُ قدميها...
[/align]

ابن ماء السماء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2009, 10:07 PM   #8
أبو فيصل
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية أبو فيصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: مهوى الأفئدة
المشاركات: 8,133
أبو فيصل is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة smboc مشاهدة المشاركة
(رسالة للشيعة وأذنابهم )

جزاك الله خير اخي العزيز ابو فيصل الحقيقة شدني العنوان وخاص انه فيه الشيعة ولو ان الطرح كبير والحقيقة علينا القراءة بتمعن لنستفيد ولا نمر مر الكرام .. خاص فيه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وسيرة الصحابة الكرام .. الا اخي اليوم اشاهد المحطة الفضائية العراقية وكان هناك بث عن البرلمان العراقي وكان يتراسهم شيخ شيعي بعمته واعتقد انه الرئيس وكانوا يعالجوا المسائل العراقية والمشاكل ..والحقيقة وجدت عند الشيعة هذه الايام وخاص انها خارجة من ايران وليس من عند المعارضة الشيعية في ايران بل من الحكومة مقولة تقول يجب عزل الدين عن السياسة لحل المشاكل وهذا يشابه اوربا في العصور الوسطى عندما عزلو ا الدين عن السياسة واصبحت عندهم صناعة ورقي الخ ...ويتبين لنا ان هناك دين في الاسلام ضد الدين الاسلامي هو دين الرافضة الشيعية ووجدوا الشيعة لاخلاص من مشاكلهم من خلال عزل الدين عن السياسة والا اصبحوا كما اوربا في العصور الوسطى وهذا ما يتبين لنا في العراق وايران لا يمكن ان يكون هناك برنامج شيعي ديني سياسي ينهض ب العراق او ايران من خلال الملالي الشيعة وخاص تراسهم لنا نحن السنة في ايران اوالعراق وهذا ما يحدث مشاكل لشيعة انفسهم فكيف بنا نحن السنة ...الشيعة تبين انهم كما النصارى مع عيسى وخاص وتأليه علي رضي الله عنه كفر الشيعه ..من خلال الملالي وشتمهم للصحابة صعب انهم يتماشون مع السياسة وهذا برنامجهم ولك اخي ابو فيصل ان تحكم ...اصبح هناك خلاف بين علماء الشيعة بين بعضهم البعض بين السياسة الى الدين الى تراسهم للبلاد والعباد من خلال الملالي الى مقولة عزل السياسة عن الدين لينهضوا عن ما هم فيه والسبب الباطل الذي يعيشون فيه هذا والله اعلم والهادي
فعلا أخي سمبوق
أي دين باطل يصح فيه _بل يجب_ فصل الدين عن الدولة
لأن الدين يصبح عقبة كأداء في سبيل التطور والتقدم
انظر إلى القرون السابقة التي سيطرت فيها الصوفية على العالم الاسلامي
كيف انها كبلت الأمة وثبطت حركتها
واعاقتها عن التفكير والابداع

اما الوضع في إيران فإنه سائر نحو التغيير لا محالة والصراع بين الاصلاحيين والمتشددين حتمي

خصوصا ان عقيدة الامامة والولاية قائمة على الكذب والخداع والتسويف
وسيمل منها الشيعة






اضيفت هذه المشاركة من خلال مزود تصفح الموبايل
أبو فيصل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2009, 10:26 PM   #9
بغزيز
كتّاب ملتقى الحوار العربي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2004
المشاركات: 20,527
بغزيز is an unknown quantity at this point
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو فيصل مشاهدة المشاركة
موقف بني أمية منه



بنو أمية يلجأون إلى أسلوب الحوار الهادي
:


وما أن يأس بنو أمية من صمود عمر إزاء معارضتهم الجماعية الشديدة هذه، لجأوا إلى أسلوب الحوار الهادي، علهم يصلون عن طريقه إلى ما يشتهون فيتكلمون معه يوماً مستشيرين فيه نزعة القربى وعاطفة الرحم، فيجيبهم: أن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال ـ أي المال العام ـ فحقكم فيه كحق أي رجل من المسلمين. والله أني لا أرى أن الأمور لو استحالت حتى يصبح أهل الأرض يرون مثل رأيكم لنزلت بهم بائقة من عذاب الله ودخل عليه هشام بن عبد الملك يوماً فقال: يا أمير المؤمنين إني رسول قومك إليك، وإن في أنفسهم ما جئت لأعلمك به أنهم يقولون: إستأنف العمل برأيك فيما تحت يدك وخل بين من سبقك وبين ما ولوا بما عليهم ولهم، وببديهة يجيب عمر: أرأيت أن أتيت بسجلين أحدهما من معاوية والآخر من عبد الملك فبأي السجلين آخذ؟ قال هشام: بالأقدم. فأجب عمر: فإني وجدت كتاب الله الأقدم، فأنا حامل عليه من أتاني ممن تحت يدي وفيما سبقني .



بنو أمية يرسلون عمة عمر بن عبد العزيز:


فعندما عجز الرجال من بني أمية عن جعل عمر يخاف أو يلين عن سياسته إزاءهم، لجأوا إلى عمته فاطمة بنت مروان، وكانت عمته هذه لا تحجب عن الخلفاء ولا يرد لها طلب أو حاجة، وكانوا يكرمونها ويعظمونها، وكذلك كان عمر يفعل معها قبل استخلافه، فلما دخلت عليه عظمها وأكرمها كعادته وألقى لها وسادة لتجلس عليها. فقالت: إن قرابتك يشكونك ويذكرونك أنك أخذت منهم خير غيرك قال: ما منعتهم حقاً أو شيئاً كان لهم، ولا أخذت منهم حقاً أو شيئاً كان لهم فقالت: إني رأيتهم يتكلمون، وإني أخاف أن يهيجوا عليك يوماً عصيباً. فقال: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شره. قال: فدعا بدينار، وجنب، ومجمرة، فألقى ذلك الدينار بالنار، وجعل ينفح على الدينار إذا احمر تناوله بشيء، فألقاه على الجمر فنشى وقتر فقال: أي عمه أما ترثين لابن أخيك من هذا ؟ وتؤخذ العمة بهذا المشهد المؤثر، وتلتفت إلى عمر طالبة منه أن يستمر في الكلام واسمعوه يقول وكأنه يرسم لوحة فنية رائعة للعدالة الاجتماعية التي جاء بها الإسلام لكي يجعلها تفجر الخير والنعيم على الجميع قال: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة ولم يبعثه عذاباً إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده وترك للناس نهراً شربهم فيه سواء ثم ولي أبو بكر وترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل عملهما، ثم يزل النهر يستقي منه يزيد ومروان وعبد الملك وابنه الوليد وسليمان أبناء عبد الملك حتى أفضى الأمر إلي وقد يبس النهر الأعظم فلم يرو أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه فقالت: حسبك، قد أردت كلامك فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئاً أبداً. فرجعت إليهم فأخبرتهم كلامه وجاء في رواية: إنها قالت لهم:.. أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب فجاء يشبه جده: فسكتوا



تلاشي المعارضة الجماعية لبني أمية:


وسرعان ما تلاشت السمة الجماعية لمعارضة بني أمية بعد ما رأوا من جد عمر إزاء أموال الأمة وقالوا: ليس بعد هذا شيء . ومن ثم أخذ كل منهم يسعى على إنفراد ليسترد ما يستطيع استرداده من الأموال، ولكن عمر الذي وقف تجاه رغباتهم مجتمعين، أحرى به الآن أن يتصدى لكل واحد منهم على انفراد ويعلمه أنّ حق الأمة لا يمكن أن يكون موضع مساومة في يوم من الأيام .
أ ـ رد الحقوق لأصحابها: لم يقف عمر عند حد استرداد الأموال من بني أمية وردها إلى بيت المال، بل يخطو خطوة أخرى ويعلن لأبناء الأمة الإسلامية أن كل من له حق على أمير أو جماعة من بني أمية أو لحقته منهم مظلمة، فليتقدم بالبينة لكي يرد عليه حقه.. وتقدم عدد من الناس بظلامتهم وبيّناتهم وراح عمر يردها واحدة بعد الأخرى: أراضٍ ومزارع وأموال وممتلكات ، ومرة بعث إليه واليه على البصرة برجل اغتصب أرضه فرد عمر هذه الأرض إليه ثم قال له: كم أنفقت في مجيئك إلي؟ قال: يا أمير المؤمنين تسألني عن نفقتي وأنت قد رددت علي أرضي وهي خير من مائة ألف؟ فأجابه عمر: إنما رددت عليك حقك، ثم ما لبث أن أمر له بستين درهماً كتعويض له عن نفقات سفره ، وقد قال ابن موسى: ما زال عمر بن عبد العزيز يردّ المظالم منذ يوم استخلف إلى يوم مات ، وذات يوم قدم عليه نفر من المسلمين وخاصموا روح بن الوليد بن عبد الملك في حوانيت ، قد قامت لهم البينة عليه، فأمر عمر روحاً برد الحوانيت إليهم، ولم يلتفت لسجل الوليد، فقام روح فتوعدهم، فردع رجل منهم وأخبر عمر بذلك، فأمر عمر صاحب حرسه أن يتبع روحاً فإن لم يرد الحوانيت إلى اصحابها فليضرب عنقه، فخاف روح على نفسه وردّ إليهم حوانيتهم ، وردّ عمر أرضاً كان قوم من الأعراب أحيوها، ثم انتزعها منهم الوليد بن عبد الملك فأعطاها بعض أهله، فقال عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:.. من أحيا أرضاً ميتة فهي له ، ولقد أحبّ آل البيت وأعاد إليهم حقوقهم وقال مرة لفاطمة بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: يا بنت علي والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحبّ إليَّ منكم ولأنتم أحب إليَّ من أهل بيتي


ب ـ عزله جميع الولاة والحكام الظالمين:


لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة عمد إلى جميع الولاة والحكام المسؤولين الظالمين فعزلهم عن مناصبهم، ومنهم خالد بن الريان وصاحب حرس سليمان بن عبد الملك الذي كان يضرب كل عنق أمره سليمان بضربها، وعين محله عمرو بن مهاجر الأنصاري فقال عمر بن عبد العزيز: يا خالد ضع هذا السيف عنك، اللهم، إني قد وضعت لك خالد بن الريان اللهم لا ترفعه أبداً، ثم قال لعمرو بن مهاجر: والله؟ إنك لتعلم يا عمرو، إنه ما بيني وبينك قرابة إلا قربة الإسلام ولكني سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن ألا يراك أحد، فرأيتك حسن الصلاة خذ هذا السيف قد وليتك حرسي . وهكذا يعزل عمر الظالمين وهذا أسلوبه في اختيار الولاة والقضاة والكتاب وغيرهم، إنه يبحث عن أصلح الناس ديناً وأمانة، ولما انتقد أحد ولاته الذين اختارهم نكت بين عينيه بالخيزرانة في سجدته وقال: هذه غرتني منك. يريد سجدته أي أثر السجود في وجهه، فهذه علامة من علامات صلاح الرجل وهي دليل على كثرة السجود، ومن أجل ذلك اختاره عمر بن عبد العزيز، وعمر لا يكتفي بمظهر الرجل ولكنه يختبره أيضاً، قد رأى رجلاً كثير الصلاة، وأراد أن يمتحنه ليوليه، فأرسل إليه رجلاً من خاصته فقال: يا فلان إنك تعلم مقامي عند أمير المؤمنين فمالي لو جعلته يوليك على أحد البلدان؟ فقال الرجل: لك عطاء سنة، فرجع الرجل إلى عمر وأخبره بما كان من هذا الرجل، فتركه لأنه سقط في الاختبار ن وكان من ضمن من عزلهم عمر بن عبد العزيز: أسامة بن زيد التنوخي وكان على خراج مصر، لأنه كان غاشماً ظلوماً يعتدي في العقوبات بغير ما أنزل الله عز وجل، يقطع الأيدي في خلاف ـ دون تحقق شروط القطع ـ فأمر به عمر بن عبد العزيز أن يحبس في كل جُنُد سنة ويقيد ويحل عنه القيد عند كل صلاة ثم يرد في القيد، فحبس بمصر سنة، ثم فلسطين سنة ثم مات عمر وولي يزيد بن عبد الملك الخلافة فردّ أسامة على مصر في عمله ، وكتب عمر بن عبد العزيز بعزل يزيد بن أبي مسلم عن إفريقية وكان عامل سوء يظهر التأله والنفاد لمل ما أمر به السلطان مما جل أو صغر من السيرة بالجور، والمخالفة للحق، وكان في هذا يكثر التسبيح والذكر ويأمر بالقوم فيكونون بين يديه يعذبون وهو يقول: سبحان الله والحمد لله شد يا غلام موضع كذا وكذا، لبعض مواضع العذاب وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، شد يا غلام شد موضع كذا وكذا، فكانت حالته تلك شر الحالات، فكتب عمر بعزله ، وهكذا استمر عمر في عزل الولاة الظلمة وتعيين الصالحين وسيأتي الحديث عن فقه عمر في تعامله مع الولاة في محله بإذن الله تعالى.


ج ـ رفع المظالم عن الموالي:


تعرض الموالي قبل عمر بن عبد العزيز للمظالم فقد فرضت الجزية على من أسلم منهم، كما منعوا من الهجرة مثلما حدث للموالي في العراق ومصر وخراسان وفي عهد عبد الملك أوقع الحجّاج بالموالي ظلم عظيم، فقد عمل على إبقاء الجزية على من أسلم منهم، وحرمهم من الهجرة من قراهم وهذا ما دفعهم للاشتراك في ثورة ابن الأشعث ضد الحجّاج، كما وقع الظلم على الموالي في مصر وخراسان، فلما تولى عمر بن عبد العزيز أزال تلك المظالم التي لحقت بهؤلاء الموالي وكتب إلى عماله يقول".. فمن أسلم من نصراني أو يهودي أو مجوسي من أهل الجزيرة اليوم فخالط المسلمين في دارهم، وفارق داره التي كان بها فإن له للمسلمين وعليه ما عليهم، وعليهم أن يخالطوه وأن يواسوه غير أرضه وداره إنما هي من فيء الله على المسلمين عامة، ولو كانوا أسلموا عليها قبل أن يفتح الله للسملمين كانت لهم، ولكنها فيء الله على المسلمين عامة ، وكتب إلى عامله على مصر حيان بن شريح ـ يقول: وأن تضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة فإن الله تبارك وتعالى قال: ((فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) (التوبة ، الآية : 5) وقال: ((قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)) (التوبة ، الآية : 29). إلا إن هذا العامل أرسل إلى عمر يقول: أما بعد، فإن الإسلام قد أضر بالجزية حتى سلفت من الحارث بن نابتة عشرون ألف دينار أتممتها عطاء أهل الديوان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل . وجاء رد عمر:أما بعد ، فقد بلغني كتابك وقد وليتك جند مصر وأنا عارف بضعفك، وقد أمرت رسولي يضربك على رأسك عشرين سوطاً، فضع الجزية عن من أسلم ـ قبح الله رأيك ـ فإن الله إنما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم هادياً ولم يبعثه جابياً، ولعمري ولعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على دينه . وفي رواية ابن سعد: أما بعد، فإن الله بعث محمداً داعياً ولم يبعثه جابياً، فإذا أتاك كتابي هذا فإن كان أهل الذمة أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية فاطو كتابك وأقبل . ولم يكن عامل عمر على مصر هو الوحيد الذي طلب من عمر السماح له في أخذ الجزية ممن أسلم، فها هو عامله على الكوفة ـ عبد الحميد بن عبد الرحمن ـ يسأله أخذ الجزية المتراكمة على اليهود والنصارى والمجوس الذين أسلموا، فجاءه رد عمر الواضح أيضاً يقول: كتبت إلي تسألني عن أناس من أهل الحيرة يسلمون من اليهود والنصارى والمجوس وعليهم جزية عظيمة، وتستأذنني في أخذ الجزية منهم، وإن الله جل ثناؤه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الإسلام ولم يبعثه جابياً، فمن أسلم من أهل تلك الملل فعليه في ماله الصدقة ولا جزية عليه، وميراثه ذوي رحمه إذا كان منهم يتوارثون أهل الإسلام، وإن لم يكن له وارث فميراثه في بيت مال المسلمين الذي يقسم بين المسلمين، وما أحدث من حدث ففي مال الله الذي يقسم بين المسلمين يعقل عنه منه والسلام . كما كتب إليه عامله على البصرة ـ عدي بن أرطأة ـ يقول: أما بعد، فإن الناس كثروا في الإسلام وخفت أن يقل الخراج. فكتب إليه عمر: فهمت كتابك، والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا . هذا إلى جانب إبطاله لمظلمة المنع من الهجرة التي أوقعها الحجّاج بالموالي في العراق، وهكذا أبطل عمر تلك المظالم التي أصابت الموالي، فترتب على ذلك أن أعاد إليهم حقوقهم المسلوبة والهدوء والطمأنينة إلى نفوسهم، وباتوا ينعمون بالمساواة والعدل مع غيرهم من أبناء الأمة الإسلامية

.
ح ـ رفع المظالم عن أهل الذمة:

زاد عبد الملك في عهده الجزية على أهل قبرص وكان معاوية بن أبي سفيان غزا قبرص بنفسه وصالحهم صلحاً دائماً على سبعة آلاف دينار وعلى النصيحة للمسلمين، وإنذارهم عدوهم من الروم ولم يزل أهل قبرص على صلح معاوية حتى ولي عبد الملك بن مروان، فزاد عليهم ألف دينار، فجرى ذلك إلى عهد عمر بن عبد العزيز فحطها عنهم ، كما أصابت الزيادة فيما يجبى من جزية أهل الذمة في العراق وقد وضعها عنهم عمر بن عبد العزيز كسياسة عامة التزم بها في أن يرفع المظالم عن أهل الذمة حتى يدعهم ينعمون بحياتهم في ظل الشرائع الإسلامية السمحة ويؤيد ذلك ما جاء في كتابه إلى عامله على البصرة ـ عدي بن أرطأة: أما بعد، فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتيا ، وخسراناً مبيناً، فضع الجزية على من أطاق حملها، وخل بينهم وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحاً لمعاش المسلمين، وقوة على عدوهم، وانظر من قبلك من أهل الذمة ممن قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه. فلو أن رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك، إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك. قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه ، كما بلغت سياسة عمر بن عبد العزيز في وضع المظالم عن الناس ومساعدتهم أيضاً حين كتب إلى عامله على الكوفة يقول: انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوي به على عمل أرضه، فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين ، وقد أمر عمر ولاته بالأخذ بالرحمة والرأفة بالناس، فقد منع تعذيب أهل البصرة وغيرهم لاستخراج الخراج منهم، وعندما أرسل إليه عامله على البصرة عدي بن أرطأة يقول: إن أناساً قبلنا لا يؤدون ما عليهم من الخراج حتى يمسهم شيء من العذاب فكتب إليه عمر: أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر كأني جنة لك من عذاب الله، وكأن رضاي ينجيك من سخط الله، وإذا أتاك كتابي هذا فمن أعطاك فاقبله عفواً وإلا فأحلفه، فوالله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلى من أن ألقاه بعذابهم. والسلام . ومما أصاب أهل الذمة من المظالم قبل عهد عمر بن عبد العزيز سبى بنات ونساء من لواتة بشمال أفريقية ولكن عمر رد هذه المظلمة يذكر أبو عبيد: أن عمر بن عبد العزيز كتب في اللواتيات: من أرسل منهن شيئاً فليس من ثمنها شيء وهو ثمن مرجها الذي استحلها به ـ أو كلمة تشبه الثمن ـ قال: ومن كانت عنده امرأة منهن فليخطبها إلى أبيها، وإلا فليردها إلى أهلها قال أبو عبيد: قوله اللواتيات هن من لواتة: فرقة من البربر، يقال لهم لواتة أراه قد كان لهن عهد، وهم الذين كان ابن شهاب يحدث: أن عثمان أخذ الجزية من البربر، ثم أحدثوا بعد ذلك فسبوا. فكتب عمر بن عبد العزيز بما كتب به ، كما أرجع عمر بن عبد العزيز إلى أهل الذمة كل أرض أو كنيسة أو بيت اغتصب منهم ، ومما رفعه عمر عن أهل الذمة من المظالم السخرة التي على أساس أنه يحل للمسلمين أن يسخروا أهل الذمة لمصالحهم الشخصية طالما أن هذا غير موجود في صلحهم . فكتب إلى عماله يقول:... ونرى أن توضع السخر عن أهل الأرض، فإن غايتها أمر يدخل فيه الظلم ، وهكذا رد عمر بن عبد العزيز ما اصاب أهل الذمة من مظالم، فترتب على ذلك أن أعاد السكينة، والطمأنينة والهدوء إليهم، وأوضح لهم، إن بإمكانهم أن يعيشوا في ظل الإسلام آمنين مطمئنين تشملهم سماحة الدين ويظلهم عدله، وتستقيم أمورهم وشؤونهم في كنفه، لا يضارون ولا يستضعفون ولا يستعبدون لهم حقوقهم المعلومة وعليهم واجباتهم المحددة ضمنها لهم الشارع الحكيم، وما تأسس من أحكام كتاب الله وسنة رسوله الكريم .


اقامة العدل لأهل سمرقند


لما وصل خبر تولية عمر بن عبد العزيز الخلافة إلى سكان ما وراء النهر، اجتمع أهل سمرقند وقالوا لسليمان بن أبي السرّي: إن قتيبة غدر بنا، وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والانصاف، فإذن لنا فليفذ منا وفد إلى أمير المؤمنين، يشكو ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة. فإذن لهم سليمان، فوجهوا منهم قوماً فقدموا على عمر، فكتب لهم عمر إلى سليمان بن السري: إن أهل سمرقند، قد شكوا إليَّ ظلماً أصابهم،، وتحاملاً من قتيبة عليهم أخرجهم من أرضهم فإذا أتاك كتابي، فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة. فأجلس سليمان جُمَيْعَ بن حاضر القاضي فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة، فقال أهل الصُّغد : بل نرضى بما كان ولا نجدِّد حرباً، وتراضوا بذلك، فقال أهل الرأي: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم، وأمنونا وأمنّاهم، فإن حكم لنا عدْنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا اجتلبنا عداوة في المنازعة، فتركوا الأمر على ما كان ورضوا ولم ينازعوا . أية دولة في القرن العشرين تحني رأسها هكذا للعدل كي يأخذ مجراه وللحق كي يعود إلى أصحابه؟ وأي حاكم في تاريخ الشعوب التي لم تعرف الله، استجاب، هكذا، لنداءات المظلومين الذين سلبت حقوقهم، كهذه الاستجابة السريعة الحاسمة من عمر بن عبد العزيز؟ ألا أنه المسؤول الذي نذر نفسه للدفاع عن قيم الحق والعدل في أقطار الأرض، فبدونهما تفقد شريعة الله مقوماتها وأهدافها العليا . فهذا مثل رفيع من عدل عمر


وإننا لنلاحظ في هذا الخبر عدة أمور:


1ـأن الناس يقبلون على التظلم والشكوى والمطالبة بالحقوق حينما يكون الحكام عادلين، لأنهم يعلمون أن دعواهم ستؤخذ مأخذ الجد وسينظر فيها بعدل، فهؤلاء المتظلمون قد سكتوا على ما هم فيه من الشعور بالظلم طيلة ولاية الوليد وسليمان، فلما رأوا عدل عمر بن عبد العزيز رفعوا قضيتهم.


2ـ أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لم يهمل قضيتهم وإنما أحالها إلى القضاء الشرعي، وهذا مثل من الخضوع للإسلام والتجرد من هوى النفس، وكان باستطاعته أن يعمل كما يعمل كثير من المسئولين، من إرسال خطابات الوعيد والتهديد والبحث عن رؤوس القوم وإجراء العقوبات المناسبة عليهم ولكنه قد نذر نفسه لرفع المظالم وإقرار العدالة، وذلك لا يكون إلا بحكم الشرع والتحاكم إليه.

3ـأن أولئك القوم قد أسقط في أيديهم لما اطلعوا على كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ورأى أهل الرأي منهم أنهم خاسرون في كلا الحالين، سواء حكم لهم أو عليهم، وأن مصلحتهم في بقائهم على ما هم عليه، وبهذا زال تظلمهم وشعروا بعدالة الحكم الإسلامي .

ش ـ الاكتفاء باليسير من البينات في رد المظالم:

نظراً لمعرفة عمر بن عبد العزيز بغشم الولاة قبله وظلمهم للناس حتى أصبحت المظالم كأنها شيء مألوف، فإنه لم يكلف المظلوم بتحقيق البينة القاطعة على مظلمته، وإنما يكتفي باليسير من البينة، فإذا عرف وجه مظلمة الرجل ردها إليه دون أن يكلفه تحقيق البيئة، فقد روى ابن عبد الحكم وقال: قال أبو الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، وكان يكتفي باليسير، إذ عرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه، ولم يكلفه تحقيق البينة، لما يعرف من غشم الولاة قبله على الناس،ولقد أنقذ بيت مال العراق في رد المظالم حتى حُمل إليه من الشام . فما أحسن ما فعله عمر بن عبد العزيز وما أحسن التيسير على الناس قدر المستطاع لأن فيه اختصار للوقت وتوفيراً للجهود ، كما أن هذا العمل نستنبط منه قاعدة هامة في التفريق بين أصول التحقيق في القضاء العادي وبين أصول التحقيق في القضاء الإداري، وضعها عمر بن عبد العزيز، فالبينة القاطعة قد تستحيل إقامتها، وجمع عناصرها، فإذا كان الظلم واضحاً، اكتفى قاضي المظالم بالبينة اليسيرة .


ر ـ وضع المكس : لما كان المكس من الظلم والبخس، لأنه جباية أو ضريبة تؤخذ من الناس بغير وجه شرعي، ولما كانت الزكاة على المسلم والجزية والعشور والخراج على الذمي كافيه عما سواها، فقد نهى عمر عن المكس وشدد في ذلك ومنعه كما يأتي: عن محمد بن قيس قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز وضع المكس عن كل أرض ووضع الجزيه عن كل مسلم وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن ضع عن الناس... والمكس ولعمري ما هو بالمكس ولكنه البخس الذي قال الله فيه: ((ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)). فمن أدى زكاة ماله فاقبل منه ومن لم يأت فالله حسيبه ، وكتب إلى عامله عبد الله بن عوف على فلسطين: أن: أركب إلى البيت يقال له: المكس، فاهدمه ثم أحمله إلى البحر فأنسفه في اليم نسفاً . نعلم مما سبق أن المكس دراهم تؤخذ من بائع السلع في الأسواق وأن ذلك يصدق على الجمارك التي تؤخذ على السلع عند استيرادها في هذا الزمان، وأن عمر بن عبد العزيز يرى أن ذلك من الظلم فمنعه . والحجة فيما فعله عمر بن عبد العزيز قول الله تعالى: ((وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) (الشعراء ، الآية : 183)

.

رد المظالم وإخراج زكاتها:


قرر عمر بن عبد العزيز رد المظالم التي في بيوت المال، وأخذ زكاتها لسنة واحدة ، عن مالك بن أنس عن أيوب السختياني أن عمر بن عبد العزيز رد مظالم في بيوت الأموال فرد ما كان في بيت المال وأمر أن يزكي لما غاب عن أهله من السنين، ثم كتب بكتاب آخر: إني نظرت فإذا هو ضمار لا يزكي إلا لسنة واحدة ، وعن عمرو بن ميمون قال: أخذ الوالي في زمن عبد الملك مال رجل من أهل الرقة يقال له أبو عائشة عشرين ألفاً فأدخلت في بيت المال، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أتاه ولده فرفعوا مظلمتهم إليه، فكتب إلي ميمون: أدفعوا إليهم أموالهم، وخذوا زكاة عامه هذا، فلولا أنه كان مالاً ضماراً أخذنا منه زكاة ما مضى .


هذا هو عمر بن عبد العزيز في دولته التي أقامها على العدل وكان رحمه الله يعلم ولاته أنه بالعدل تستقيم الحياة بكل شئونها فلما أرسل إليه بعض عماله يقول: أما بعد، فإن مدينتنا قد خربت، فإن يرى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالاً نرمّها به فعل. فكتب إليه عمر: أما بعد، فقد فهمت كتابك، وما ذكرت أن مدينتكم قد خربت، فإذا قرأت كتابي هذا فحصِّنها بالعدل، ونَقِّ طرقها من الظلم، فإنَّه مرمَّتها والسلام ، وكتب إلى بعض عماله: إن قدرت أن تكون في العدل والإحسان والإصلاح كقدر من كان قبلكم في الجور والعدوان والظلم، فافعل ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وكتب إلى أبي بكر بن حزم: أن استبرئ الدواوين، فانظر إلى كل جور جاره من قبلي من حق مسلم أو معاهد فردَّه إليه، فإن كان أهل تلك المظلمة قد ماتوا فادفعه إلى ورثتهم . وكان رحمه الله يواجه في تنفيذ ما يريده من العدل مصاعب ومشقات ومقاومة، وعقبات، فكان ينفق بعض المال في سبيل تهدئة بعض النفوس، لإنفاذ الحق ونشر العدل، ورفع الظلم، دخل عليه ابنه عبد الملك ذات يوم، فقال: يا أبتِ ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك؟ قال: يا بني، إنما أروِّض الناس رياضة الصَّعْب، إني لأريد أن أحيي الأمور من العدل، فأوفِّر ذلك حتى أُخرج معه طمعاً من طمع الدنيا، فينفروا لهذا ويسكنوا لهذه ، وقام برصد الجوائز لمن يدل لمن يدل على خير، أو ينبه على خطأ، أو يشير إلى وقوع مظلمة لم يستطع صاحبها إبلاغها فكتب كتاباً أمر أن يُقرأ على الحجيج في المواسم وفي كل المحافل والمجامع جاء فيه: أما بعد، فأيما رجل قدم علينا في رد مظلمة، أو أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين، فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار، بقدر ما يرى من الحسبة، وبعد الشقة. رحم الله أمراً لم يَتَكَاءده بعد سفر، لعل الله يحي به حقاً، أو يمت به باطلاً أو يفتح من ورائه خيراً . ولاستعذابه حلاوة العدل ورحمته وتنعم الناس بتفيّؤ ظِلاله كان يقول: والله لوددت لو عدلت يوماً واحداً وأن الله تعالى قبضني ، ومع أنه رأى ثمرات العدل التي قطف منها جميع الناس في خلافته إلا أن نفسه التوّاقة لكل شامخ ورفيع كانت تطمح للمزيد ولقد عبر عن ذلك بقوله: (لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت العدل . وحتى الحيوانات نالهن عدله وانصافه ورفع الظلم عنه وإليك هذه


المشاهد:

ـالنهي عن نخس الدابة بالحديدة وعن اللجم الثقال: فقد أكد عمر بن عبد العزيز على الرفق بالحيوان وعدم ظلمه أو تعذيبه قال أبو يوسف: حدثنا عبيد الله بن عمر: أن عمر بن عبد العزيز نهى أن يجعل البريد في طرف السوط حديدة ينخس بها الدابة، ونهى عن اللجم الثقال ، وقد أصدر أوامره بمنع استخدام اللجم الثقيلة مع الخيول والبغال، كما منع استخدام المناخس ذات الرؤوس الحديدة .


ـ في تحديد حمولة البعير بستمائة رطل:


وحين بلغه أن قوماً يحملون على الجمال ما لا تطيق وذلك في مصر كتب إلى واليها يحدد أقصى حمولة للبعير بستمائة رطل وطلب منه إبلاغ قراره هذا الناس وأمره بتنفيذه .

ـ هذه بعض الملامح السريعة على إقامة العدل في دولة عمر بن عبد العزيز، إن من أهداف التمكين إقامة المجتمع الذي تسود فيه قيم العدل ورفع الظلم، ومحاربته بكافة أشكاله وأنواعه وهذا ما قام به عمر بن عبد العزيز رحمه الله




المساواة:


قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) (الحجرات ، الآية : 13). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ،، وقد قام عمر بن عبد العزيز بتطبيق هذا المبدأ في دولته، وكان أول مؤشر على رغبته في تطبيق مبدأ المساواة، حين أقسم أنه يودُّ أن يساوي في المعيشة بين نفسه ولحمته التي هو منها وبين الناس ، فقال: أم والله لوددت أنه بُدئ بي، وبلحمتي، التي أنا منها، حتى يستوي عيشنا وعيشكم، أم والله، أم والله لو أردت غير هذا من الكلام، لكان اللسان به منبسطاً ولكنت بأسبابه عارفاً . وقال في خطبة له:.. وما منكم من أحد تبلغنا حاجته إلا أحببت أن أسد من حاجته، ما قدرت عليه . كما أن عمر اتخذ مبدأ المساواة بين الناس، في الحقوق والواجبات في كافة مجالات الحياة، فلم يميز بين الناس في حقهم في تولي الوظائف والولايات، ولم يعط أحداً كائناً من كان شيئاً ليس له فيه حق، فقد ساوى بين أمراء وأشراف بني أمية وبين الناس


، فمنع عنهم العطايا والأرزاق الخاصة، وقال لهم حين كلموه في ذلك: لن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال ـ يقصد المال الذي في بيت مال المسلمين ـ فإنما حقكم فيه كحق رجل، بأقصى برك الغماد ، فكانت سياسته المالية تقوم على مبدأ المساواة، فبيت المال لجميع المسلمين ولكل واحد منهم حق أن يأخذ منه أسوة بغيره، فلا يكون حكراً على فئات معينة من الناس، ومن أعماله التي تدل على ترسيخه بمبدأ المساواة بين الناس ما أعلنه عندما رأى أمراء بني أمية قد استحوذوا على قطع واسعة من الأرض وجعلوها حمى، يحرم من الاستفادة منها عامة الناس، فقال: إن الحمى يباح للمسلين عامة.. وإنما الإمام فيها كرجل من المسلمين، إنما الغيث ينزله الله لعباده، فهم فيه سواء . كما ساوى بين من أسلم من أهل الأديان الأخرى من النصارى واليهود وبين المسلمين، وعمل على كسر حاجز التنافر بينهم، فقال:... فمن أسلم من نصراني أو يهودي أو مجوسي، من أهل الجزية اليوم، فخالط عمّ المسلمين في دارهم وفارق داره التي كان بها، فإن له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وعليهم أن يخالطوه وأن يواسوه ، ويروي ابن سعد: أن عمر بن عبد العزيز جعل العرب والموالي في الرزق والكسوة والمعونة والعطاء سواء، غير أنه جعل فريضة المولى المعتق خمسة وعشرين ديناراً ،



وفي مجال المساواة بين الناس أمام القضاء، وأحكام الإسلام، نكتفي بهذا الدليل الذي كان عمر فيه أحد أطراف النزاع أمام القاضي، وتفصيل ذلك أنه: أتى رجل من أهل مصر عمر بن عبد العزيز، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن عبد العزيز ـ يقصد والد عمر ـ أخذ أرضي ظلماً، قال: وأين أرضك يا عبد الله؟ قال: حلوان، قال عمر: أعرفها ولي شركاء ـ أي شركاء في حلوان ـ وهذا الحاكم بيننا، فمشى عمر إلى الحاكم فقضى عليه، فقال عمر: قد أنفقنا عليها، قال القاضي: ذلك بما نلتم غلتها، فقد نلتم منها مثل نفقتكم، فقال عمر: لو حكمت بغير هذا ما وليت لي أمراً أبداً، وأمر بردها . وكان عمر يقيم وزناً لمبدأ المساواة بين المسلمين، حتى في الأمور العامة، ومن ذلك أمره بأن لا يخص أناس بدعاء المسلمين والصلاة عليهم، فكتب إلى أمير الجزيرة يقول:.. وقد بلغني أن أناساً من القصاص قد أحدثوا صلاة على أمرائهم، عِدل ما يصول على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءك كتابي هذا، فمر القصاص، فليجعلوا صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وليكن دعاؤهم للمؤمنين والمسلمين عامة، وليدعو ما سوى ذلك ، ومن ذلك يتضح اهتمام عمر بالمساواة بين عامة الناس حتى في الدعاء لهم، ولا يختص أحد بدعاء، فالمسلمون عامة في حاجة دعوة الله عز وجل لهم والله سبحانه وتعالى جدير بالإجابة ، وقد طبق مبدأ المساواة بينه وبين عامة الناس، فقد حصل أن شتمه رجل بالمدينة لسبب أو لآخر، فلم يكن ما أمر به سوى ما قد يأمر به كما لو كان المشتوم أحد أفراد الأمة، ذلك ما حدث حين حُكم رجل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بن محمد بن حزم والي عمر على المدينة في صلاته ـ فقطع عليهم الصلاة، وشهر السيف، فكتب أبو بكر إلى عمر، فأتي بكتاب عمر، فقرئ عليهم، فشتم عمر، والكتاب ومن جاء به، فهمَّ أبو بكر بضرب عنقه، ثم راجع عمر وأخبره أنه شتمه،


وأنه همَّ بقتله: فكتب إليه عمر: لو قتلته لقتلك به، فإنه لا يقتل أحد، بشتم أحد ألا أن يُشتم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فإذا أتاك كتابي فاحبس على المسلمين شره، وادعه إلى التوبة في كل هلال، فإذا تاب فخلِّ سبيله ، ولم يكتف عمر بالأخذ بمبدأ المساواة بنفسه فحسب، بل كان يأمر عماله وولاته بذلك، فقد كتب إلى عامله على المدينة يقول له: أخرج للناس فآسي بينهم في المجلس والمنظر، ولا يكن أحد الناس آثر عندك من أحد، ولا تقولن هؤلاء من أهل بيت أمير المؤمنين، فإن أهل بيت أمير المؤمنين وغيرهم عندي اليوم سواء، بل أنا أحرى أن أظن بأهل بيت أمير المؤمنين، فإن أهل بيت أمير المؤمنين وغيرهم عندي اليوم سواء، بل أنا أحرى أن أظن بأهل بيت أمير المؤمنين أنهم يقهرون من نازعهم . كانت تلك بعض مواقف عمر، وإن كانت متفاوتة، إلا أن فيها دلالة واضحة على أخذ عمر بمبدأ المساواة في دولته

..
6 ـ الحريات في دولة عمر بن عبد العزيز:


إن مبدأ الحرية من المبادئ الأساسية التي قام عليها الحكم في دولة عمر بن عبد العزيز، ويقضي هذا المبدأ بتأمين وكفالة الحريات العامة للناس كافة ضمن حدود الشريعة الإسلامية وبما لا يتناقض معها، فقد اهتم عمر بكافة صور الحرية الإنسانية، فجاء مستعرضاً لأنواع وصور الحرية، فأقر ما كان فيها موافقاً، لتعاليم الإسلام، وأعاد ما لم يكن كذلك إلى دائرة التعاليم الإسلامية وإليك بعض التفاصيل عن الحريات في دولة عمر بن عبد العزيز.


أ ـ الحرية الفكرية والعقدية:


حرص عمر بن عبد العزيز على تنفيذ قاعدة حرية الاعتقاد في المجتمع وكان سياسته حيال النصارى واليهود تلتزم بالوفاء بالعهود والمواثيق وإقامة العدل معهم ورفع الظلم وعدم التضييق عليهم في معتقدهم ودينهم انطلاقاً من قوله تعالى: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) (البقرة ، الآية : 256) وكان عمر ينهج أسلوب الدعوة مع ملوك الهند، والقبائل الخارجة عن الإسلام وسيأتي الحديث عن ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى، ولم يكره عمر أحداً من النصارى أو غيرهم على الدخول في الإسلام، وأما حرية الفكر من حيث الرأي والتعبير، فقد أخذت نطاقاً واسعاً في إدارة الدولة، وقيادته لعماله ورعيته، فقد أتاح لكل متظلم أن يشكو من ظلمه وأطلق للكلمة حريتها، وترك للناس حرية أن يقول كلُّ ما يريد وقد عبر عن هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق بقوله: اليوم ينطق كل من كان لا ينطق . إذا لم يخالف الشرع.


ب ـ الحرية السياسية:

كما أعلن عمر استئناف الحرّية السياسية التي منحها الإسلام للمسلمين إذ لإطاعة لا مخلوق في معصية الخالق، حتى وإن كان حاكما أو والياً، فقد أعلن عمر في أول يوم من أيام حكمه الحرية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منكراً على الناس واقعهم المظلم، وأن الإسلام لا يرضى السكوت عن الظلم، فقد خطب الناس يوماً فقال:... ألا لأسلامة لامريء في خلاف السنة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا وإنكم تسمون الهارب من ظلم إمامه: العاصي، إلا وإن إولاهما بالمعصية الإمام الظالم ، ومما يدل على إعطاء عمر للناس الحرية السياسية، أن أول إجراء اتخذه عقب إعلان العهد له بالخلافة تنازله في الخلافة وطلب من الناس أن يختاروا خليفة، فإذا كانت الحرية السياسية تتجلى في ممارستها في موضعين: أولهما المشاركة في اختيار الحاكم، عن طريق أهل الحل والعقد، وبيعة المسلمين ورضاهم، وثانيهما: إبداء الرأي والنصح للحكام، ونقد أعمالهم بمقاييس الإسلام ، فإن عمر قد مارس الحرية السياسية في هذين الموضعين فجعل لهم الخيار في توليه الخلافة قبل الوعظ والنصح ، وسيأتي بيان ذلك في محله بإذن الله.


ت ـ الحرية الشخصية:

عمل عمر بن عبد العزيز على تحقيق وتدعيم الحرية الشخصية لأفراد الأمة الإسلامية، إذ بدا له بعض القيود على الهجرة أو ما يسمى بحرية التنقل، أو الغدو والرواح، فاتخذ إجراء فتح فيه باب الهجرة لمن يريد، إذ قال:.. وأما الهجرة فإنا نفتحها لمن هاجر من إعرابي فباع ماشيته، وانتقل من دار إعرابيته إلى دار الهجرة وإلى قتال عدونا، فمن فعل ذلك فله أسوة المهاجرين فيما أفاء الله عليهم ، كما قال في كتابه لعماله:.. وأن يفتح لأهل الإسلام باب الهجرة ، وإذا كان ذلك موقفه من حرية الناس في الهجرة والتنقل فقد تجلى حرصه على مبدأ حرية الإنسان في أمر قل من يراعيه، أو يهتم به، أمر يخص من هم في ملكه، ألا وهو تخييره لجواريه عقب تولي الخلافة بين العتق والإمساك على غير شيء، فقد علم أن لهنّ عليه حقوقاً لن يستطيع الإيفاء بها بعد توليه الخلافة، فترك لهنّ حرية الإقامة معه من غير شيء أو العتق، فتكون الواحدة منهنّ حرة حرية شخصية كاملة ، فقد روي ابن عبد الحكم (أن عمر خيّر جواريه، فقال: إنه قد نزل بي أمر شغلني عنكنّ فمن اختارت منكنّ العتق أعتقتها، ومن أمسكتها لم يكن لها مني شيء، فبكين بكاءً شديداً يأساً منه .


ج ـ حرية التجارة والكسب:

أما في حرية التجارة والكسب وابتغاء فضل الله في البر والبحر، كجزء من الحرية الاقتصادية، فقد أكد في كتاب له إلى عماله على ضرورة منح الناس حرية استثمار أموالهم، والاتجار بها في البر والبحر على حد سواء، فقد كتب إلى عماله:.. وإن من طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدعى الناس إلى الإسلام كافة،... وأن يبتغي الناس بأموالهم في البر والبحر، ولا يمنعون ولا يحبسون . وكتب أيضاً:.. وأما البحر، فإنا نرى سبيله سبيل البر، قال الله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) (الجاثية، الآية : 12)، فإذن أن يتجر فيه من شاء، وأرى أن لا نحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البر والبحر لله جميعاً سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله، فكيف نحول بين عباد الله وبين معايشهم . ويقول عمر في موضع آخر:.. أطلق الجسور والمعابر للسابلة يسيرون عليها دون جعل ، لأن عمال السوء تعدوا غير ما أمروا به ، وأما عن الأسعار والتسعير زمن عمر، فقد قال أبي يوسف: حدثنا عبد الرحمن بن شوبان عن أبيه قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، ما بال الأسعار غالية في زمانك وكانت في زمان من قبلك رخيصة؟ قال: إن الذين كانوا قبلي كانوا يكلفون أهل الذمة فوق طاقتهم، ولم يكونوا يجدون بداً من أن يبيعوا ويكسروا ما في أيديهم، وأنا لا أكلف أحداً إلا طاقته، فباع الرجل كيف شاء، قال: فقلت: لو أنك سعَّرت، قال: ليس إلينا من ذلك شيء إنما السعر إلى الله . وتشدد عمر في أمر السلع المحرمة، ومنع التعامل بها فالخمر من الخبائث التي لا يجوز التعامل فيها بين المسلمين، لحرمتها ولضررها حيث يؤدي شربها إلى استحلال الدم الحرام وأكل المال الحرام ، ويقول عمر: فإنا من نجده يشرب منه شيئاً بعد تقدمنا إليه فيه نوجعه عقوبة في ماله ونفسه ونجعله نكالاً لغيره . ولقد أثمرت سياسة عمر في رد الحقوق وإطلاق الحرية الاقتصادية المنضبطة، حيث وفرت للناس الحوافز للعمل والإنتاج، وأزالت العوائق التي تحول دون ذلك، وهذا أدى إلى نمو التجارة ونمو التجارة أدى إلي زيادة حصيلة الدخل الخاضع للزكاة، وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة الزكاة، مما يؤدي إلى رفع مستوى الطبقات الفقيرة، وارتفاع قوتها الشرائية والتي ستتوجه إلى الاستهلاك وبالتالي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات وهذا كله يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد، وارتفاع مستوى المعيشة وزيادة الرفاه . لقد كانت الحرية في دولة عمر بن عبد العزيز مصونة ومكفولة ولها حدودها وقيودها، ولذلك ازدهر المجتمع وتقدم في مدار الرقي، فالحرية حق أساسي للفرد والمجتمع، ليتمتع بها في تحقيق ذاته وإبراز قدراته وسلب الحرية من المجتمع سلب لأهم مقوماته فهو أشبه بالأموات، إن الحرية في الإسلام إشعاع داخلي ملأ جنبات النفس الإنسانية بارتباطها بالله، فارتفع الإنسان بهذا الارتباط إلى درجة السمو والرفعة، فأصبحت النفس تواقة لفعل الصالحات، والمسارعة في الخيرات ابتغاء رب الأرض والسماوات، فالحرية في المجتمع الإسلامي دعامة من دعائمه تحققت في دولة عمر بن عبد العزيز في أبهى صورة انعكست أنوارها على صفحات الزمن .






آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز

أما بعد، فإن في أيديكم أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون كما تركها الماضون، ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله تعالى، وتضعونه في صدع من الأرض، ثم في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب فقير إلى ما قدم أمامه، غنياً إلى ما ترك جده، أما والله إني لأقول هذا وأنا أعرف من أحد من الناس مثل ما أعرف من نفسي، قال: ثم وضع طرف ثوبه على عينيه فبكى ثم نزل، فما خرج حتى أخرج إلى حفرته رحمه الله تعالى


اخر خطبة للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالي بصوت الشيخ مشاري بن راشد العفاسي اعزه الله



منقول من منتدى التاريخ






تعبتني وطلع في الآحر


منقووووووووووووووول




بغزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2009, 02:42 AM   #10
أبو فيصل
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية أبو فيصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: مهوى الأفئدة
المشاركات: 8,133
أبو فيصل is on a distinguished road
Smash رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بغزيز مشاهدة المشاركة



تعبتني وطلع في الآحر


منقووووووووووووووول




[/center]
في الاخر يا بابا في الاخر

والموضوع ما هو منقول حبيبي بغزيز

احيانا اقول انك ذكي
واحيانا اكل مقلب فيك

هذا الموضوع ياشاطر
وهو ليس عن سيرة عمر بل عن دلالة سيرة عمر ومحاولة لفهم ذلك العصر من خلال سيرة عمر
لذلك لم أعرض سيرة عمر الا على الهامش
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو فيصل مشاهدة المشاركة

بسم الله الرحمن الرحيم


عمر بن عبد العزيز رحمه الله
شاهد على صلاح العصر


-1-
ان المتأمل لكثير مما يكتب وينشر عن تاريخ القرن الهجري الاول يظن أن هؤلاء الكتاب والمؤرخين يكتبون لكوكبين مختلفين أو عصرين متنافرين لا يمت أي منهما صلة للاخر

- فهذا القرن هو خير القرون نصا كما نقل في الصحيح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وعقلا لقربه من عهد الرسول وأصحابه وأخذه الدين طريا غضا كما أنزل
- وهو عهد الصحابة وعهد تابعيهم
- وهو عهد العلماء والصلحاء والاتقياء
- وهو عهد الفتوحات ونشر الاسلام في ارجاء الدنيا المعروفة انذاك من المحيط الهندي الى الصين الى اواسط اسيا الى البحر المتوسط الى المحيط الاطلسي

وفي الجهة المقابلة
-هو عهد قتل الحسين
- هو عهد بني أمية ويكفي عند البعض أن يحمل هذا الاسم ليكون وصمة عار صنعتها أفكار وصاغتها عصبيات
- وعهد الحجاج بن يوسف
- وزد على ذلك القصص والاباطيل التي اخترعت فيما بعد أو صح جزء منها ثم أضيف عليه لرسم الصورة السوداوية التي يتداولها الكثيرون لغرض في نفوسهم : مثل دعوى قذف الكعبة بالمنجنيق وقصة استباحة المدينة ودعوى شتم الامام علي على منابر الامة طوال 60 عاما
وغيرها من الاكاذيب
ليخرجوا علينا بهذه الصورة القاتمة السوداوية عن هذه الفترة العزيزة والمهمة من تاريخنا

لكن على الرغم من ذلك
نفاجأ أنه من بين كل ذلك يخرج علينا الرجل الاسطورة عمر بن عبد العزيز
واذا به بقدرة قادر
وبعصا سحرية
وبقدرات خيالية وأسطورية
يغير هذا العالم ويقلب طبيعة هذه المجتمعات ويصلح فساد الحكومات
فيزيل كل هذه المظالم والمفاسد
وينشر العدل والصلاح والخير والاستقامة
كل ذلك في غضون سنتين ونصف

فكيف حصل كل ذلك ؟
وهل يصدق فعلا ؟
أم هو ضرب من الخيال ؟

اننا أمام خيارات ثلاثة لا رابع لها :
1- إما ان عمر بن عبدالعزيز حكم في عصر أو زمان أو كوكب غير ذلك الذي عاش فيه بنو أمية
2- واما أن ما نسب الى عمر بن عبدالعزيز من اصلاح وعدل مبالغات وخيالات لا تصح
3- أو أن ما نسب الى العصر السابق لعمر من ظلم وفساد هو مزيد ومبالغ فيه ان لم يكن معظمه كذب وافتراء لهوى في نفوس كثيرة ناقمة على هذه الفترة




----------
ان المتأمل لسيرة عمر رضي الله عنه وعدله والاصلاحات التي أنجزها في فترة حكمه البسيطة التي لا تتجاوز ثلاثين شهرا وفي دولة عظمى هائلة المساحة كالدولة الاموية تمتد من اطراف الصين الى أطراف فرنسا والمحيط الاطلسي ، ليقطع أن هذا ما كان ليحدث لولا أن عمر وجد الامة الواعية التي تعينة والشعب الصالح الذي يسنده والاتباع المخلصين كما وجد البطانة الصالحة والحكام الصالحين ، ولم ينغص فترة حكمه وجود معارضين أو مكدرين فضلا عن المخربين أو المحاربين .


باختصار :
إن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله شاهد على صلاح العصر وصلاح الامة ومدى وعيها وتدينها انذاك ومدى استقامتها ، وأن الكثير من النكسات والاخطاء التي حصلت انذاك كانت عارضة .

وأما رمي ذلك الزمن ووصمه بما يصمه به البعض من المسلمين اما بحسن نية كما هو حال الكثير واما لخبث انطوت عليه الكثير من النفوس كنفوس الرافضة
فانه يجب ان يتخذ منه موقفا واضحا .

لقد آن الاوان ايها الاخوة لنقف في وجوه من يعتدون على تاريخنا ومن ينتهكون قدسيته .
ان تاريخنا هو تاريخ ديننا ان ارتفع مسلمو ذلك الزمن فبه ، وان انخفضوا أو انتكسوا فبسببه .
ان وجود الاخطاء والنكسات في تاريخنا حقيقة لا يمكن انكارها وهي جزء من طبيعة النقص البشري وعدم الكمال الانساني وكما قال صلى الله عليه وسلم : عهد على الله تعالى الا يرتفع شيء الا وضعه. أي شيء اي كان.
لكن وصم تاريخنا كله أو فترة منه - خصوصا القرون الاولى بالسوداوية والفساد أمر يجب أن نقف منه بشدة وبكل رفض .
ويجب أن نتنبه الى محاولات أعداء تاريخنا من مستشرقين أوروافض ، محاولاتهم التي لم تتوقف يوما لتشويه تاريخنا ووصمه بشتى الاوصاف أو محاولة الحط من فترة مهمة وحاسمة فيه مثل القرن الاول الهجري الذي ندين له جميعا بهذا الدين الذي وصلنا نقيا صافيا ، وتدين له البشرية جمعاء بالتقدم الحضاري الذي أحرز انذاك وتولدت منه الحضارات التالية .


أخوكم
محمد أبو فيصل


.
وهذا الموضوع ما هو مكرر ولم أسبق اليه حسب علمي

مفهوم



هاه كيف
فهمت ؟


لا

حاول ثم
حاول

ثم
تحياتي لك

__________________


" النظام السياسي الشوروي الضمانة الوحيدة لاستقرار الدول، وبدونه أبشروا بخراب الأوطان "



أبو فيصل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2009, 02:45 AM   #11
smboc
كتّاب ملتقى الحوار العربي
 
الصورة الرمزية smboc
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 19,568
smboc has a spectacular aura about smboc has a spectacular aura about
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

هههههههههههههه والله انت الي تعبتني يا بغزيز جار الطرح كله وجارنا معك هههههههههه هداك الله ما تترك الطرح في حاله ولا تتطوله منقول منقول واخونا ابو فيصل مشكور قال منقول بس ما قال مجرور مثلك جار الطرح وجارنا معك الطرح الحقيقة جميل وجزاه الله خير ابو فيصل نسقه ووضعه للفائده بارك الله في الجميع تشكر اخونا الفاضل ابو فيصل للطرح اما الحديث من الحكومة لعزل اوفصل الدين عن الدولة كذلك للجم المعارضه لعدم استيلاهم للسلطة من قبل الملالي المنافسين لهم وهذا كذلك عذر للبقاء في السلطة لكن نسال الله ان يرفق ب العراق من ما حل به ..برنامج الشيعة السياسي صعب تنفيذه وتمريرة ...برنامج متخلف رجعي ضد الفطرة وضد الناس وضد عجلة التقدم خاص التطبير وسفك الدم وحكام الشريعة عندهم عقيمة سنجد الحكام العلمانية ستحل بدل احكامهم وشرعتهم والسبب منهج الباطل الذي ينتهيجونه هذا والله اعلم
__________________
من كان مع الله كان الله معه
smboc غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2009, 02:48 AM   #12
أبو فيصل
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية أبو فيصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: مهوى الأفئدة
المشاركات: 8,133
أبو فيصل is on a distinguished road
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابن ماء السماء مشاهدة المشاركة
مرحبا اخي ابو فيصل وكل عام وانت بخير
رحم الله عمر بن عبد العزيز
اخي الكريم
لانختلف ابدا على صلاح عصر الخلفاء الراشدين الاربعة
اما عصر ملك بني امية الذي ابتليت به الامة من ذلك الزمن الى اليوم فلو كان فيه ذرة من صلاح لما خرج عليهم رجلاً مثل الحسين ابن علي عليه السلام بسيفه رافضا لهم ولعصرهم ومحاولاً اصلاحه وتقويمه....
شكرا لك...
الله يحييك اخي ابو منذر وكل عام وانت بخير
اسمح لي ان أقول
اما انك لم تفهم الموضوع أو انني لم أفهمك

كيف تقول عن عصر بني امية لو فيه ذرة صلاح
اليس هذا العصر هو نفسه عصر التابعين الذين قال عنهم الرسول صلى : خير القرون قرني ثم الذين ثم الذين يلونهم .

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

ثم الحسين رضي الله عنه لم يشهر سيفه في وجه اول خلفاء بني امية معاوية رضي الله عنه ولم يشهر سيفه في وجه عمر بن عبدالعزيز ولا في وجه الخليفة الصالح معاوية بن يزيد بن معاوية
فكيف تقول انه اشهر سيفه في وجوه بني امية
الحسين رضي الله عنه لم يخرج الا على يزيد لانه يرى انه لا يصلح للحكم وان هناك من هو أفضل منه في الامة كما أنه وثق في شيعته الذين وعدوه النصرة ولو علم انهم سيتخلون عنه لما عرض نفسه وعرض من معه للتهلكة .

أتمنى اخي ان نبتعد عن هذه الاوصاف العامة والاطلاقات الشائعة التي تعلمناها ورسخت في عقولنا ورددناها دون تفكير


هل انت معي ؟
__________________


" النظام السياسي الشوروي الضمانة الوحيدة لاستقرار الدول، وبدونه أبشروا بخراب الأوطان "



أبو فيصل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2009, 03:12 AM   #13
أبو فيصل
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية أبو فيصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: مهوى الأفئدة
المشاركات: 8,133
أبو فيصل is on a distinguished road
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة smboc مشاهدة المشاركة
هههههههههههههه والله انت الي تعبتني يا بغزيز جار الطرح كله وجارنا معك هههههههههه هداك الله ما تترك الطرح في حاله ولا تتطوله منقول منقول واخونا ابو فيصل مشكور قال منقول بس ما قال مجرور مثلك جار الطرح وجارنا معك الطرح الحقيقة جميل وجزاه الله خير ابو فيصل نسقه ووضعه للفائده بارك الله في الجميع
الله يبارك اخي العزيز
تنور الموضوع بوجودك
والموضوع كما أبنت للاخ بغ زيز
ليس منقولا انما المنقول هو ما في هامشه .

وأتمنى استيعاب أصل الموضوع بشكل أفضل والمناقشة فيه

شكرا لك
__________________


" النظام السياسي الشوروي الضمانة الوحيدة لاستقرار الدول، وبدونه أبشروا بخراب الأوطان "



أبو فيصل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2009, 04:52 AM   #14
THUNDER STORM
كتّاب ملتقى الحوار العربي
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: UP Stars
المشاركات: 9,989
THUNDER STORM is an unknown quantity at this point
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

موضوع رائع عن الخليفة الراشد العادل عمر بن عبدالعزيز .. و عن مدى تقواه وإيمانه ..

ورد مُلجِم للروافض ومن يتكلم بكلآمهم ويستدل بدلآئلهم الوآهية بفساد جميع بني أميّة .. وفيهم من الصحابة و التابعين و الصالحين الكثير ..

رضي الله عن الصحابة أجمعين ..

سبحان الله .. من يقرأ لمثل هؤلآء اليوم .. يّتيقَّن أنه في أوآخر الزمان .. وبين شرآر الناس ..

الله يعطيك العافية ويجزاك خير يآبو فيصل . موضوعك يستاهل خمسة نجوم و أكثر..
__________________

..
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
..



: )
THUNDER STORM غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2009, 05:32 AM   #15
ابن ماء السماء
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية ابن ماء السماء
 
تاريخ التسجيل: Jan 2004
المشاركات: 11,504
ابن ماء السماء is an unknown quantity at this point
افتراضي رد: الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز شاهد على صلاح العصر (رسالة للشيعة وأذنابهم )

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو فيصل مشاهدة المشاركة

فكيف تقول انه اشهر سيفه في وجوه بني امية
الحسين رضي الله عنه لم يخرج الا على يزيد لانه يرى انه لا يصلح للحكم وان هناك من هو أفضل منه في الامة كما أنه وثق في شيعته الذين وعدوه النصرة ولو علم انهم سيتخلون عنه لما عرض نفسه وعرض من معه للتهلكة .

أتمنى اخي ان نبتعد عن هذه الاوصاف العامة والاطلاقات الشائعة التي تعلمناها ورسخت في عقولنا ورددناها دون تفكير99


هل انت معي ؟


لا اخي ابو فيصل لست معك ان كنت تعتقد ان مافعله الحسين عليه السلام هو من باب التهلكة!!!!
ولا ادري كيف حكمت انه لو علم ان شيعته سيتخلون عنه لما واصل مسيره
واظنك تعلم انه اتاه خبر ابن عمه وخبر اهل الكوفه وهو في الطريق وكان بامكانه ان يعود ادراجه ولكنه اراد ان يسن سنة للمسلمين بل وللبشرية كلها وقال قولته الشهيرة:
((إن كان دين محمد لن يستقيم إلا بدمي فيا سيوف خذيني))

الحسين خرج على يزيد عندما راى امر الامة يسند الى غير اهله وراى امر الامة يتحول من الشورى بين المسلمين الى توريث الابناء وعقد البيعة بقوة السلاح....
فهو لم يخرج على احدا حتى معاوية لان الامر كان بالشورى والاتفاق والبيعة بين المسلمين...
ولعلمك يا زميلي العزيز ان دم الحسين عليه السلام الذي اريق في ثرى كربلاء هو ما عجل بسقوط وانتهاء عصر بني امية....

عموما اعتذر لك اخي الفاضل على خروجي عن الموضوع من بداية تعقيبي الاول ربما لسوء فهم مني ...
لك تحياتي......
__________________
[align=left]
أدمنتُ قدميها...
[/align]

ابن ماء السماء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
للشيعة , الخليفة , الرازي , العصر , رسالة , صلاح , شاهد , عمر , عبدالعزيز , وأذنابهم

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تقديم العزاء في وفاة اخوان الأديب / زاهد الراشد فاتن بن عمار ملتقى الشعر الشعبي 7 05-09-2007 02:03 PM
تقديم العزاء في وفاة اخوان الأديب / زاهد الراشد فاتن بن عمار صيوان العزاء في روح الفقيد بدر بن سالم بقشان 19 08-08-2007 07:40 PM
تقديم العزاء في وفاة اخوان الأديب / زاهد الراشد فاتن بن عمار الساحة المفتوحة 24 05-08-2007 06:54 AM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:33 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م