تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > ساحة اللغة العربية

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 10-05-2013, 08:04 PM   #1
السيد مهدي الحسيني
(عقوبة) موقوف عن الكتابة
 
تاريخ التسجيل: May 2013
المشاركات: 18
السيد مهدي الحسيني is an unknown quantity at this point
افتراضي عرض الأفكاربلغة الأمتصاص ولغة الإختصاص:

عرض الأفكاربلغة الأمتصاص ولغة الإختصاص:

قبل الدخول في الموضوع، نستعرض شرحابسيطالمفرداته.

فاللغة، هي وسيلة التفاهم والأتصال، بين الملقي والمتلقي، ولكي تصل الرسالة واضحة ومفهومة للمتلقي، وجب على الملقي أن يخاطب المتلقي، بلغة تناسب الحال وظرف المقال، لتصبح مستساغة للفهم والإمتصاص من قبل المتلقي!!

فلغة الإمتصاص: هي عادة ماتكون اللغة الميسرة المفهومة، والغيرمتعبة، والتي توصل المعنى من الكلام واضحا سلسا يهضمه السامع، ويمتصه حتى الساذج من الناس.

مثال: الورد جميل وله ألوان...........تهديه لحبيب بحب وحنان
تراه أصيل فوق الأغصان


فلغة الشعرالغنائي المتقدمة، بسيطة سهلة سلسة مفهومة، لكونها تتعامل مع مفردات لغوية مطروقة منطوقة كل يوم وعلى كل لسان، لذلك صنفناها لغة إمتصاصية، يستسيغها ويفهمها كل سامع بغض النظرعن ثقافته ومستواه الفكري.

أمالغة الإختصاص: فهي غالبا ماتكون خاصة وعسرة، بعض الشئ، وملغومة بالإصطلاحات، ومتعبة للسامع العادي لكونهاتخاطب المختص، وتتعالي فوق إدراك السامع الغيرمختص.

فلوأبدلنا بيت الشعرالغنائي المتقدم بمفردات غير مطروقة كثيرا ليصبح:

الفل خميل, وله ألوان............تزجيه لأريب وجدامنان
تراه خضيل فوق الأفنان


جاء الشعرمملولا، وإن كان مقبولا!! بسبب لغة المفردات القليلة الإستعمال اليومي!! لذلك تعافهاالأذن ولايستسيغهاالسامع، لكنه لايرفضهالكونهاصحيحة .

(جميل) كلمة دارجة ولغة يومية الإستعمال، بينما خميل تحتاج لقاموس وكذلك أغصان مقارنة بأفنان وهكذا.

وبعدأن أوضحناالقصد من لغة الإمتصاص ولغة الإختصاص، نعود إلى عرض الإفكارالمطروحة بقصد أوغيرقصد، لنلاحظ، ليس دائما يكون القصد من طرح الإفكاربلغة الأختصاص، فقد يأتي الفكرفي ظرفه وزمنه، ونحن نعيش جواآخريختلف عن جوالنص.

وعندهايجب أن نفهم القصد من الأبهام، بسبب بعدناعن الظرف المعبرعن تلك الحقب من الأزمان الموغلة في القدم من التاريخ.

لاحظوامطلع معلقة إمرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل...........بسقط اللوى بين الدخول فحومل

بيت الشعرالمتقدم مثيرللإشجان، ومعبرعن لغة الهيام المضنى لمن يفهم مفرداته، ويعيش جوه، لكنه طلاسم وألغازلمن لم يقرأ شرحه ويعيش ظرفه.

ذكرى الحبيب والمنزل مفهومة، ولكن فعل الطلب (قفا) للمثنى ذكراكان أم أنثى ، وكذلك (نبكي) فعل المضارع للجمع، تحتاج لشارح يفهم لغة الشعرفي تلك الإيام الخوالي والإزمان الدوالي!!

وكذلك سقط اللوى، وحومل!! مفردات يتيه فيهاالسامع الغيرمستوعب للشعرالجاهلي، وجوه الرومانسي الآسر، وهيام العربي به، إطنابا في الشعر.

وللموضوع بقية:

السيد مهدي الحسيني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2013, 08:12 PM   #2
ناقدسيبان
ناقدسيبان
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
الدولة: الرياض
المشاركات: 4,957
ناقدسيبان will become famous soon enough ناقدسيبان will become famous soon enough
افتراضي رد: عرض الأفكاربلغة الأمتصاص ولغة الإختصاص:

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة السيد مهدي الحسيني مشاهدة المشاركة
عرض الأفكاربلغة الأمتصاص ولغة الإختصاص:


قبل الدخول في الموضوع، نستعرض شرحابسيطالمفرداته.

فاللغة، هي وسيلة التفاهم والأتصال، بين الملقي والمتلقي، ولكي تصل الرسالة واضحة ومفهومة للمتلقي، وجب على الملقي أن يخاطب المتلقي، بلغة تناسب الحال وظرف المقال، لتصبح مستساغة للفهم والإمتصاص من قبل المتلقي!!

فلغة الإمتصاص: هي عادة ماتكون اللغة الميسرة المفهومة، والغيرمتعبة، والتي توصل المعنى من الكلام واضحا سلسا يهضمه السامع، ويمتصه حتى الساذج من الناس.

مثال: الورد جميل وله ألوان...........تهديه لحبيب بحب وحنان
تراه أصيل فوق الأغصان


فلغة الشعرالغنائي المتقدمة، بسيطة سهلة سلسة مفهومة، لكونها تتعامل مع مفردات لغوية مطروقة منطوقة كل يوم وعلى كل لسان، لذلك صنفناها لغة إمتصاصية، يستسيغها ويفهمها كل سامع بغض النظرعن ثقافته ومستواه الفكري.

أمالغة الإختصاص: فهي غالبا ماتكون خاصة وعسرة، بعض الشئ، وملغومة بالإصطلاحات، ومتعبة للسامع العادي لكونهاتخاطب المختص، وتتعالي فوق إدراك السامع الغيرمختص.

فلوأبدلنا بيت الشعرالغنائي المتقدم بمفردات غير مطروقة كثيرا ليصبح:

الفل خميل, وله ألوان............تزجيه لأريب وجدامنان
تراه خضيل فوق الأفنان

جاء الشعرمملولا، وإن كان مقبولا!! بسبب لغة المفردات القليلة الإستعمال اليومي!! لذلك تعافهاالأذن ولايستسيغهاالسامع، لكنه لايرفضهالكونهاصحيحة .

(جميل) كلمة دارجة ولغة يومية الإستعمال، بينما خميل تحتاج لقاموس وكذلك أغصان مقارنة بأفنان وهكذا.

وبعدأن أوضحناالقصد من لغة الإمتصاص ولغة الإختصاص، نعود إلى عرض الإفكارالمطروحة بقصد أوغيرقصد، لنلاحظ، ليس دائما يكون القصد من طرح الإفكاربلغة الأختصاص، فقد يأتي الفكرفي ظرفه وزمنه، ونحن نعيش جواآخريختلف عن جوالنص.

وعندهايجب أن نفهم القصد من الأبهام، بسبب بعدناعن الظرف المعبرعن تلك الحقب من الأزمان الموغلة في القدم من التاريخ.

لاحظوامطلع معلقة إمرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل...........بسقط اللوى بين الدخول فحومل

بيت الشعرالمتقدم مثيرللإشجان، ومعبرعن لغة الهيام المضنى لمن يفهم مفرداته، ويعيش جوه، لكنه طلاسم وألغازلمن لم يقرأ شرحه ويعيش ظرفه.

ذكرى الحبيب والمنزل مفهومة، ولكن فعل الطلب (قفا) للمثنى ذكراكان أم أنثى ، وكذلك (نبكي) فعل المضارع للجمع، تحتاج لشارح يفهم لغة الشعرفي تلك الإيام الخوالي والإزمان الدوالي!!

وكذلك سقط اللوى، وحومل!! مفردات يتيه فيهاالسامع الغيرمستوعب للشعرالجاهلي، وجوه الرومانسي الآسر، وهيام العربي به، إطنابا في الشعر.

وللموضوع بقية:

كلام جميل استمر ونحن معك ...
__________________
ناقدسيبان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-05-2013, 11:23 PM   #3
السيد مهدي الحسيني
(عقوبة) موقوف عن الكتابة
 
تاريخ التسجيل: May 2013
المشاركات: 18
السيد مهدي الحسيني is an unknown quantity at this point
افتراضي رد: عرض الأفكاربلغة الأمتصاص ولغة الإختصاص:

شكراللمكرم نقد سيبان على التواصل مع الموضوع:

نواصل الموضوع:

لكن أحيانا قد يكون هناك قصدا!! لانقول في التعمية على الأفكاروفي طرحها، بغرض إتعاب القارئ وإرهاقه بلغة، قد نسميهاعالية أومستعلية!! تبعا للطارح لتلك الأفكار، لكونها تنحوللإصطلاح بدل الإيضاح، بل لحاجة إبعاد غيرالمختصين والمتلصصين والمتطفلين!!!!

فمن موضوع العلامة المنار في ساحة هجر، عن معجزة سيد البشر، رسول الله(ص)، والذي نجده في هذه الوصلة:

http://www.hajr.biz/forum/showthread...2778549&page=2

لم إستوعب بإدراك كامل، بعض ماجاء من كلامه وشرحه!!! بسبب لغته الإختصاصية العالية!

لذلك عقبت كاتبا له الآتي:

مولاناالكريم العلامة المنار: حفظه الله ذخراللأمة الإسلامية ونهج المطهرين الأطهار.

مولاي تحملوا قليلا هذاالعبد الفقيرلله.

تعرف جيدا بإن الهجريين يقبلون على المدهش من طروحاتك وأفكارك بنهم بالغ، وتعرف بإن الكثيرمنامن غير أصحاب الإختصاص، ومن المتعلمين منك ومن سديد أفكارك. فحبذا مولاي لوراعيت هذاالجانب في التعبيرونحوت للغة الإمتصاص!!! عوضا عن لغة الأختصاص!! في الطرح.

أعطيك مثالا، ولاأستحي من مصارحتك، فمثلا في هذه الفقرة((...بل ازيدك علما بأنني اكتشفت الفكر القصدي ونقدت تأسيسه قبل أن يؤسس بعشر سنوات ، وكان لذلك دواع فكرية وفلسفية منها قصور علوم الدلالة وجمالية الأداء اللغوي عن الوصول إلى كنه إدراك القرآن، وعلى كل حال فهو لم يغب عن الذهن . ولا يلزمني السير وفقه لأن رتق فتقه يصعب على الراقع. وهذا رأيي بصراحة وقد أبلغته لصديقنا الدكتور أبي زينب وغيره مرارا بل قل لا يكاد لقاء يخلو من المناقرة فيه. ولن يغيّر هذا من نظري الحسن بهذا المسلك الذي يحاول أن يستكشف العمق القرآني من خلال حياة اللغة وقدرتها على التعشيش في العقل وقدرتها الفائقة في بناء هندسة علاقات معنوية بروابط لغوية رائعة لينتج لنا العلوم بطريقة (عقلية – نفسية- رياضية- هندسية) مع غلاف جميل من عدم القدرة العقلية على الكشف الحقيقي)).

بداية الفقرة مفهومة ومستوعبة ولكن عندما تصل لعبارة ((..قصور علوم الدلالة وجمالية الأداء اللغوي ...))
ماهي علوم الدلالة؟؟ هل هي كل العلوم التي يحاول العالم الإستدلال بها؟؟ أم علوم خاصة؟؟ بصراحة تهت!!!

وأيضا((...وقدرتها الفائقة في بناء هندسة علاقات معنوية بروابط لغوية رائعة لينتج لنا العلوم بطريقة (عقلية – نفسية- رياضية- هندسية) مع غلاف جميل من عدم القدرة العقلية على الكشف الحقيقي.))

هندسة علاقات معنوية بروابط لغوية؟؟؟؟؟؟؟؟ ممكن توضيح بمثال عن قصدكم مولاي!!!

لينتج لنا العلوم بطريقة (عقلية – نفسية- رياضية- هندسية) مع غلاف جميل من عدم القدرة العقلية على الكشف الحقيقي!!!

ينتج علوما بطريقة عقلية - نفسية - رياضية - هندسية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ممكن توضيح مولاي!!

غلاف جميل من عدم القدرة العقلية على الكشف الحقيقي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ممكن توضيح مولاي!!!

كماتشاهدمولاي الكريم، قد يمرالقارئ على هذاالعرض ومافيه من جمل أشبه بطلاسم!!!!!!!!!!!! لكونك تتكلم بلغة إختصاصية شديدة، قد يفهمها صاحب النهج القصدي!! لكن عامي من أمثالي ليس له إلا هزالرأس ورفع الحاجب!!

لذلك مولاي ولكي تعم الفائدة الجميع حبذا لوتيسرتم وتفسحتم في الطرح، ليستفيد الجميع ويستمتع بالمدهش من أفكاركم.

تحياتي

فأجاب سماحته بالآتي:

سيدنا الكريم السيد مهدي زادك شرفا

يا أبا نادر لقد أردتُ أن ابسِّط الأمر فقلتُ كلمات مختصرة. ولو أردت أن أشرح الكلام لدخلنا بالتخصص، وفقدنا لذة الحوار القلبي.

وقد يصعب التبسيط لموضوع معقد، وسأحاول جهد الإمكان استجابة لطلبكم الكريم، وأعتذر إليكم مسبقا راجيا قبول هذه الوجيزة فيما سألت يا سيدنا سلام الله على آبائك الطاهرين.

فحبا وكرامة لك سيدنا وسأحاول قدر الإمكان تبسيط الموضوع وأوضح ما طلبت توضيحه.

المقصود بجملة ((..قصور علوم الدلالة وجمالية الأداء اللغوي ...))
هو إن علوم اللغة (نحو، صرف ، لغة) وعلوم المنطق والبلاغة والأصول اللفظية ، هي علوم الدلالة وعلوم جمالية الأداء اللغوي.

هذه العلوم فيها ضوابط للأداء اللغوي وجماليته وإبداعه وهي ضوابط دقيقة ومتشعبة ، ولكنها للأسف لا يمكنها أن تفرّق بين كلام الخالق والمخلوق .

بل يمكن أن تثمن عاليا بيتا للمتنبي أعلى من تثمين عشرة آيات قرآنية بسبب وقوع بيت الشعر وفق الضوابط لتلك العلوم أي وفق معيار الصناعة، وعلى الأخص علم البلاغة. بخلاف الآيات القرآنية، وهذه المشكلة يعرفها الضليعون في البلاغة . وهذا يدل على أن عدم الاستجابة للتحدي مع وجود دواعيه لم يكن بسبب البلاغة والبيان وإنما بسبب أعمق منها بكثير.

فإذا كانت المعايير توصلنا لهذه النتيجة فلن يستطع بلاغي أن يرفع من كفة القرآن على ديوان ابن الرومي أو المتنبي.

رغم تسليمه الداخلي بالرفعة الحقيقية، ولكن صناعته تحدده بهذا المستوى.

فهو يقول إن بيت الشعر الفلاني للمتنبي فيه عشرة أغراض بلاغية بينما سورة الفاتحة أو الإخلاص بكاملها، فيها بضع أغراض بلاغية. بموجب ما هو مقنن، ولا يوجد معيار يعتبرُ غرضا معينا واحدا يعادل عدة أغراض مقابله.
فلا يوجد تمايز كيفي بين المعايير نفسها، بقدر ما يوجد تمايز كمي بينها بتعدد النكات والأغراض . بمعنى لا يمكن القول أن التشبيه في القرآن يعادل خمسة اغراض من المجاز والتورية والطي والنشر وحسن التخلص.

فاذا ورد في اية غرض واحد كالتشبيه او الاستعارة وورد في بيت شعر لابي تمام خمسة اغراض كالمذكورات انفا فانه بحسب الصناعة يكون بيت الشعر ابلغ من الاية الكريمة، وهنا مبدأ الخطأ.

وهذا هو عذر البلاغي أو المنطقي أو اللغوي حين يميل إلى الكم في تجميع الأغراض دون الكيف في القيم.

وإن كان يبحث الكيف في القيمة ذاتها كأن تكون هذه الاستعارة أجمل من تلك فهذا يتحقق في العنوان الواحد لا العناوين المتعددة .

وهذا لا يناسب قرآننا الكريم فلا يحق أن تقاس قداسته ومعجزته بهذه المعايير.

وأما قولي : ((...وقدرتها الفائقة في بناء هندسة علاقات معنوية بروابط لغوية رائعة لينتج لنا العلوم بطريقة (عقلية – نفسية- رياضية- هندسية) مع غلاف جميل من عدم القدرة العقلية على الكشف الحقيقي.)).

فهذا يحتاج إلى شرح مستفيض ليس بالمقدور نشره بالكامل، ولكن لا بأس باختصاره وشرح أسسه.

وسأبدأ بشرح مختصر لنظريتي القريبة من القصدية والتي اكتشفت عدم وفائها بالمطلوب بسرعة.
في سنة 1972 تولدت لدي فكرة (بعد أن عرفت الضوابط الدلالية وعدم قدرتها على التمييز بين كلام الخالق والمخلوق)، مفادها أنه لا بد من وجود نظام بديل لهذه النظم اللغوية المعروفة، يجب أن يكون له قابلية التمييز، وتكون فيه العلاقات أكثر تعقيدا وتحديدا.
وهو يتأسس على أساس أن اللغة داخل الإنسان جزء من كيانه الحيوي فهي كائن حيوي كبقية الأحاسيس الحيوية العصبية غير انه قابل للنقل والانتقال والمبادلة، تحكمه قوانين متعددة منها قوانين ذات طبيعة عصبية من تأثير الصورة والصوت وانتقال الحس، ومنها عقلية مثل المعنى ، والعلاقة بين اللفظ والمعنى والتركيب ، ومنها نفسية ذات طابع جمالي سواء حسي او نفسي أو معماري. ومنها هندسية ورياضية تتحكم بضرورة العلاقات بين المعاني والألفاظ سواء مع بعضها أو مع غيرها.

وهذا الكائن الحي لا تكون له حياة خارج عقل الإنسان كما هو سلوك الفيروس الذي لا يكون في الخارج إلا بلورات ملحية، ولكنه في داخل جسم الإنسان يكون كائنا نشطا فعالا جدا.

وهذا الكائن اللغوي مكون من أجزاء الكلمات ومن أجزاء المعاني وهي مفرداتها الأساسية ولها معاني بذاتها وأساس كل لغة هي الحروف المفردة كالحروف الهجائية، فيمكن للحرف المعيّن أن يدل على الدفع أو على القبض أو على أي فعل أو صفة أساسية في الكون والتي تفسر بنظام الحركة، فالحروف لها معان أساسية.

وحين تتألف لا تتألف بطريقة عشوائية اعتباطية (غير قانونية) وإنما بحسب نظام المعاني الخاصة بتلك الحروف ، فنحن كبشر لم يكن اختراعنا للمعاني من تركيب الألفاظ بدون قانون تأليف أساسيات هذه اللغة المكونة من حروف لها معان خفية بذاتها يمكن أن تستكشف، وهذا يعني أن تركيب اللغة تشابه تركيب المواد الكيميائية أو المواد الهندسية الفيزيائية من مفردات أساسية بموجب قوانين مرنة قابلة للإبداع كما هو التعامل مع المنتجات الهندسة والكيميائية.

فلا يوجد ما يسمى بالوضع الاعتباري الجزافي والقبول به اجتماعيا.

واللغة التي على الكرة الارضية أصلها لغة واحدة تفرعت إلى لغات متعددة بحكم قابلية الإبداع ، وقد قلت في موضوع عبد الصبور شاهين وقصة آدم إن احد الأدلة على الأصل الواحد لجميع البشر هي المفردات اللغوية الواحدة والبناء اللغوي الواحد.

فلم تكن العلاقة بين الشعوب هي توحيد (قابلية اللغة) بل توحيد (مفردات اللغة) وهذا يمكن البرهنة عليه بالاستقراء لمدى تطابق الألفاظ الأساسية في المعاني بين اللغات، مثل ألفاظ الطفولة العجيبة (بابا ، ماما) التي وجدت حتى في الجزر النائية التي يفترضون أنهم من اصل غير اصل هذا الإنسان أساسا، وقد اختلفوا في التزاوج بين الإنسانين على مر الدهر ، وهذه اللغة المشتركة تبطل هذا الفرض وتؤكد وحدة الأصل، ولكن مما يدل بوضوح وجود كلمات وحروف أساسية بين جميع اللغات، فليس من قبيل الصدفة أن يكون فعل الملكية (حاز) موجود في جميع اللغات مثل هاز وهاس وآس . وغيرها كثير يطول بها الشرح.

وهذا النظام له وجهان.

الأول: هو جهة المتلقي
والثاني: هو جهة المنشئ.

ولا يقتصر في الاعتماد على ضوابط قائمة على أساس النص بما هو نص، ولا على علاقة اللفظ بالمعنى، بشكله المعهود.

وهنا لا بد من الاتجاه إلى فكرة الشكل (المحْكم) للنص ومساحته المحيطة وعمقه.

ففي جهة المتلقي هناك قواعد كثيرة تتحكم في تحليله للنص وهي تتكون من (أساسيات اللغة التصورية والتصديقية والجدية (المراد الجدي) + مجموعة القواعد الأساسية لتحليل + إرادة وأهمية المنشئ) ، ودور المتلقي هو التحليل وليس الإنشاء.

وأما من جهة المنشئ (الملقي) فهناك قواعد كثيرة تتحكم في طريقة الربط بين اللفظ والمعنى ولكنه هو من يتحكم بها .

بمعنى أنه هو من (ينشأ) أو يتعهد بوضع اللفظ إزاء المعنى بحسب الطريقة و التركيب لينتج نتائج فردية لنصوص مفردة متعلقة به، ولهذا فلكل منشئ ومتكلم طابعه الخاص. ومبدأ هذه النظرية هو مسلك التعهد المنسوب للأمير السيد علي بن فتح الله النهاوندي المتوفى سنة 1322هـ 1904 م . وهو مسلك يبرر العلاقة السببية في الترابط بين اللفظ والمعنى ذهنا، وقد تبناها السيد الخوئي ونقدها السيد الصدر واعتمد نظرية القرَن المخصوص، ونقدها السيد السيستاني وأبدلها بنظريته (الاعتبار الأدبي) وتحوّل الاعتبار إلى حالة تكوينية تدمج اللفظ في المعنى (مرحلة الهو هوية في الربط الحاصلة من مقدمات ثلاث: 1 - الجعل. 2 - الاستعمال مع القرينة. 3 - التلازم.) . ولكن بحسب المنظور العلمي فإن بإمكان مسلك التعهد أن يجيب عن الإشكالات الموجهة له، بضبط معنى التعهد بمعنى الالتزام في الإرادة الجدية الابتدائية من جهة الملقي وإرادة هذه الإرادة الجدية من جهة المتلقي، وعلى كل حال فإن هذا المسلك وغيره يفسّر اللغة أفضل مما فسره دوسيسير بالبنيوية وتحليل الكتلة وجومسكي بالقابلية اللغوية التطورية فهي لا تتكفل تفسير العلاقة وانما تقر بالعلاقة فقط، وإن كانت هذه النظريات مندمجة في الجملة مع نظريات الاعلام خصوصا مبدأ القابلية اللغوية المتنامية منذ الطفولة.

وحين نأتي للقرآن نجد فيه ميزات كبيرة وفق هذه نظرية (الإحكام الدلالي) إن صح التعبير.

منها: أن منشئ القرآن هو الله وقد وضع نظاما نصيا له خاصية التخليق في المجال الحيوي للمتلقي وليس فقط التحليل. وهذا محسوس وجدانا.

فهو أشبه ما يكون ببرنامج مضغوط حين يدخل لعقل الإنسان يبدأ بعمليات تخزين وترتيب وإنتاج ذاتي لبيانات خفية وظاهرة . بحيث يؤثر تكوينا في المجال العقلي والنفسي التكويني للإنسان. فالله الخالق حين يبعث حزمة بيانات نصية يختلف كليا عن إنسان عادي حين ينشأ نصا يريد أن يصوغ فيه أفكاره بحدودها الواقعية (سواء كانت عالية الجناب أو منخفضة القيمة) .

ومن هنا لا بد أن يُدرس كلام الله ليس بطريقة التحليل فقط، وإنما برصد الفاعلية الكونية في ذات المتلقي ، وهنا ينبغي أن يكون المتلقي يقضاً لجملة قواعد، أهمها أن كل لفظ في أي موقع يختلف بالمعنى مع نفسه في موقع آخر وأنه لا تصدق نظرية سيبويه بتقسيم الاستخدام اللغوي إلى ما كان متغير النمط وما كان ثابت النمط على القرآن الكريم فالجميع متغير النمط (المعنوي) ومتغير المعنى في الحقيقة وفق هذه النظرية (إلا إذا كان يقصد بالنمط المعنى العام مثل الفاعلية والمفعولية)، لأن كل مفردة وكل نص محدد القيمة المعنوية ولهذا تصح في القرآن لغة خرق الثوبُ المسمارَ فصح (إن هذان لساحران) (والمقيمين الصلاة) لعدم الاختلاط المعنوي. وبهذا فلا تكرار في القرآن ولا خطأ ولا اختلاف، ويمتزج الاستعمال بالحقيقة إلى درجة تكاد تذيب أحداهما في الأخر لأن الاستعمال يكون ذو وظيفة محددة تكاد أن تكون منشئة لمعنى جديد. والاستخدام القرآني هو المرجع في فهم حدود المعنى.

ومن الميزات لهذا النظام أن يستخدم نظام المصفوفات الرياضية الهندسية لكشف المعاني وذلك سبب مهم جدا.

وهو إن في اللغة العربية ألفاظ متقاربة المعنى أو لنقل معانٍ متقاربة بألفاظ مختلفة ، وكذلك هناك معان متعددة للفظ واحد، وبموجب (الإحكام) الذي هو أساس قراءة القرآن المختلفة عن قراءة أي نص أدبي . لا بد من تحديد معنى واحد للفظ واحد في الموقع الواحد تحت ظرف واحد وبشرط واحد.

وتطبيق هذا بلا نظام لا يمكن الجزم به في القرآن، باعتبار عدم القدرة الحقيقة لاستيضاح الأمر، لأن المنشئ جل أن نصل إليه . وهنا لا بد من اعتماد نظام مصفوفات يتكون من المحور السيني للمعنى والمحور الصادي للفظ وقد ينقلب ليأخذ صيغة هندسية جديدة. من اجل الوصول الى التقاطعات الواضحة التي تقلل من المعاني غير المستخدمة. والقيم السالبة للمعنى.

وبعد تفكير وتطبيقات على نصوص قرآنية تبين عدم كفاية هندسة السطوح وانما يحب اعتبارها هندسة مجسمة لوجود بعد ثالث (البعد العيني)، وهو الظرف أو الشرط. فأصبحت المصفوفة معقدة ولكنها مفيدة . فلو أخذنا مثال عن تركيب وليس عن لفظة مفردة وابتعدنا عن التطبيق على الحروف (لكون الحرف بعيد المنال فعليا) .

مثلا لو درسنا هذا المقطع من الآية { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فهنا لكل لفظ مكان في البعد الصادي في المصفوفة . ص1 لا ينال ص2 عهدي ص3 الظالمين . فمعنى ينال في النقطة ص1 س1 هي (وصَلَ إلى العهد) وفي النقطة ص1 س2 (وصَلَ إلى الظالم) ، وفي ص2 س1 (العهد بمعنى النبوة ) وفي ص2 س2 (العهد بمعنى الإمامة)، وفي ص3 س1 (الظالمون فاعل) وفي ص3 س2 (الظالمون مفعول) . وبما أن النص وقع جوابا لطلب الإمامة فيكون معنى العهد الامامة تحديدا ، وبما إن الصياغة النحوية حددت إن الظالم مفعول لكونه منصوبا وهذا بعد ثالث حدد اتجاه المعنى في كلمة ظالم، فإن الترابط أصبحت نقاط اللقاء والتقاطع هي ص1س2 و ص2 س2 و ص3 س2 ،وهذا يعني أن العهد هو الفاعل المتلبس بصفة الوصول فيكون العهد كيانا معنويا يتحرك باتجاه الإنسان فإذا كان ظالما لا يصل إليه ولا يتلبس به. وهنا تظهر جمالية اختيار (الظالم) مفعولا وهو الكشف عن كون الإنسان لا يملك الوصول إلى العهد المخصوص بنفسه لأنه ليس فاعلا فيه، والعهد ليس بمتناول يده، إنما العهد هو من يختاره، وهو من بيده الامر، وهذا يعني بالضرورة كذب من يدعي أنه اخذ العهد من الله بنفسه، وليس باختيار الله، فيصبح لازم (ينال) بهذا التركيب أن العهد أمر جعليٌ له شروط الخاص وهو (عدم الظلم)، فتم التضييق على احتمالات كثيرة بطريقة الاستبعاد نتيجة التقاطع والظروف والشروط.

هذه فكرة بسيطة قد لا تكون دقيقة لسرعة الكتابة ، ولكنها تعطي فكرة أولية عن تحليل النص على أساس المصفوفات. وهذا ليس كل شيء لأننا قلنا أن من خصائص القرآن انه فاعل داخل المتلقي.

فماذا تفعل جملة { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} عقليا ونفسيا وسلوكيا ، الجواب : إنه إنشاء منظومة العدل الفكرية بالتوافق مع المنظومة العقلية المستقبِحة للظلم ، ومن الناحية النفسية فهو الارتياح لاستبعاد الظالم عن جائزة العهد وعن إدارة المجتمع، ومن الناحية السلوكية هو القناعة بعدم طلب العهد ورفض التصدي بدون عهد جعلي.

إذن خلَقَ النص حالة راسخة من القناعة برفض تولي الظالم لسلطات الله على البشر. وهذا يسمى الاعتقاد، وهو أساس الكيان الإنساني وسلوكه. ويعرف هذا من خلال خصوصية موقع (الظالمين) بالنسبة للفعل (ينال) الذي يبادل بين الفاعل والمفعول. (لأنه عبارة عن تواصل يصح من أي من الطرفين) فهنا وجد بعد ثالث يقرن بين منتجات الخط السيني فهو يحكم ويحدد اتجاه النص ويولد معان كثيرة من خلال نفي هذا الاقتران تحت ظرف معين. (وهذا مثال بسيط غير معقد). وهذا الأمر يمارسه الإنسان بدون شعور منه بالتعقيد أم التكلف الفكري.

وفي سبيل تهيئة مصفوفات منتجة ينبغي إجراء جملة أمور منها جرد احصائي للمفردات المشابهة المستخدمة في القرآن للتأكد من كون المفردة محددة باستخدام معين فيه أو أن لها أكثر من استخدام (يعني بمعزل عن المعنى اللغوي العام وإنما بالاستخدام القرآني)، وهذا يعقد شبكة المصفوفات . وهنا ينبغي استخدام الذكاء أو ما يعرف حاليا بالذكاء الصناعي في قراءة المصفوفات الكبيرة، مثل خوارزمية (ألفا بيتا) القائمة على أساس استبعاد اكبر كمية من النقاط غير المنتجة والإبقاء على نقاط التقاطع البياني (المنتِج). وبهذه الطريقة ستتحدد المعاني أكثر بل يمكن الادعاء انحصارها بها في أغلب الأحيان. فلا يوجد هذا الكم الكبير من الاحتمالات التي تضيّع مقاصد القرآن الكريم. ولكن في حالة المتشابه نحتاج إلى اعمال نظر وقوة ملاحظة بخلاف الاستخدام البسيط في المثال الذي ذكرناه الذي هو من المحكم.

ولا يقتصر نظام دراسة النص القرآني على هذا الجانب وإنما هناك جوانب أخرى كثيرة لا تقل أهمية ، مثل تحديد نحو القرآن ، ومنطق القرآن وبلاغة القرآن المختلفة عن البلاغة العادية. ولعل أهم قضية هي كيفية خلق الأحاسيس لا نقلها كما يذهب السيد السيستاني، القرآن خلاّق أحاسيس وبينما الكلام العادي ينقل الأحاسيس. والفرق بينهما دقيق فنقل الأحاسيس يمكنك أن تضيف له أحاسيس إضافية ولكنك مقيد بما ينقله الإحساس، وأما القرآن فهو يريد أن يخلق عند القارئ إحساس معين مثل الإحساس بخطورة النار فيعطيها اسماءً ذات نبرة خاصة (الحطمة، الصاخة، الغاشية ، حامية، الموقدة، المطلعة على الأفئدة، الطامة الكبرى ، الجحيم ......) فالله سبحانه جل أن يكون له أحاسيس ينقلها إلينا، وإنما يريد خلق الأحاسيس فينا. فإحساس المسلم قارئ القرآن بالنار إحساس مصنوع يصل إلى حد المشاهدة العيانية وبنظام متكامل من خلال خلق الإحساس بمراقبة العمل وبجزاء العمل وبحجم الجزاء بما يشكل وحدة ذهنية واحدة . فالنار دائما تناسب عمل الشر وحجمه، فكلما كانت صورة النار أضخم كان الإحساس بحجم الشر اكبر. وكلما كان إحساس الإنسان بالنار ضعيفا كان الإحساس بحجم الذنب والشر ضعيفا فتسهل اعمال الشر عند الإنسان. ولهذا قال العقلاء أن الدين رادع قوي عن الجرائم، وهذا من خلال رصد المفعول القوي للنص للتصوير الهام لطبيعة الجزاء بحيث يتحول إلى صورة ماثلة عند المؤمن.

وهذا نوع من الإحكام الذي يناقض سلوك المفسرين بالتحيّر أمام هلامية المعاني والألفاظ. وتعدد الاحتمالات التي قال عنها الفخر الرازي في سورة النساء بأن لا يمكن الاستفادة من القرآن أحكاما واضحة بل يستفاد بضميمة السنة والاجماعات. فهو يُشكل على قوله تعالى (حرمت عليكم امهاتكم) في سورة النساء بعدة إشكالات ينتهي أن دلالتها على تحريم الأم على ابنها غير واضحة من القرآن، ولا يمكن التمسك بها!!!! وإنما يصار إلى الفقه والحديث الشريف ليحدد المعنى.

فهذا موجز ما فكرت فيه في ذلك الوقت .


وللموضوع بقية:
السيد مهدي الحسيني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-05-2013, 06:06 PM   #4
السيد مهدي الحسيني
(عقوبة) موقوف عن الكتابة
 
تاريخ التسجيل: May 2013
المشاركات: 18
السيد مهدي الحسيني is an unknown quantity at this point
افتراضي رد: عرض الأفكاربلغة الأمتصاص ولغة الإختصاص:

نواصل الموضوع:

ولكن بعد مدة قليلة من التفكير في هذا النظام وجدته قاصرا ، فهو يجازف في دعوى تغير الأنماط دائما وهذا خلاف الوجدان، ولا يعطي تفسيرا حقيقا للحروف ، ويبقى حتى في المجال الهندسي اقل قدرة على تفسير كلام الله بشكل كبير . وهو لا يفي بظروف كثيرة للنص مثل أسباب النزول والقرائن والسياق والظروف المحيطة بالنص.

وعلى سبيل المثال لو عتمدنا مثالا آخر مثل (إِنَّمَا يريد اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) على نظام المصفوفات قد لا يكون موفقا ، (لأن السياق والموقع والنصوص المشابهة تختلق لنا شبهة كبيرة في البعد عن المعنى الحقيقي.) ولا بد من استعمال حل آخر لتصحيح الوضع للاقتراب من المعنى الظاهر المؤيد. وقد قمت بدراسة هذا المثال ولكن لأنه كبير جدا اترك الأمر لفهم الإخوة ومن يتعذر عليه الفهم أشجعه على البحث وتجميع النصوص القرآنية وسيجد بعض الأسرار في الفرق بين الرجز والرجس مما يفصل في المعنى ولكن على كل حال يحتاج البحث إلى نوع ثان من التأصيل الفكري للتحليل اللغوي.

لهذا فقد اتجه النظر إلى النظام الشامل ، وهو يعتمد (تكميم) اللغة بمعنى أن مفردات اللغة هي مفردات معيارية كميّة كما هي مفردات الفيزياء والكيمياء وعلى هذا فقد تم علم الكم (الفيزيائي و الفيزيائي الكيميائي) ، فالمعاني الأساسية للغة هي في الحقيقة لا تخرج أبدا عن مبدأ (الكتلة- القوة- الزمن- الضغط - القوة الكهربائية - وقوة الضوء) وهو يعني بكل بساطة أنه ما من فعل أو مشتقاته إلا وهو يمثل (الحركة) ولوازمها، وبتفكيك الحروف والكلمات والمعاني نجد إمكانية الوصول لتكميم اللغة بحيث تعبّر عن قيم حسابية يمكن إعادة ترجمتها من جديد إلى المعنى، وبهذا فإن المعالجة اللغوية عبارة عن معالجة حسابية عميقة ومعقدة جدا، تعتمد مبدأ التحليل الكمي للحروف والكلمات والمعاني وحساب طاقاتها ومساراتها وموارد اجتماعها وامتناعها، والعلاقة بينهما جوهريا هي التطابق الرقمي أو القيمي، سواء كان مبدأ التخزين والتحليل يعتمد نظام المفتاح الفيزيائي (مفتوح – مغلق) أو نظام البروتين كما يقترح كثير من العلماء الآن ليكون نظام التخزين أكثر فاعلية عبر الأحماض الأمينية لأنها أكثر عددا كمفردات تخزين، فتختصر البيانات بشكل مدهش كما هو حال كتاب خلقة المخلوق (الجين الوراثي [الكروموسوم]) الذي يحتوي على أعجوبة حقيقية بالنسبة لنظام التخزين البياني حجما ودقة ونظاما. ولا نعلم بالضبط ما يجري في الدماغ فهل له علاقة بالكروموسوم أم له طرق أخرى إضافية. فهذا لا يعنينا بقدر ما يعنينا تحليل اللغة إلى قيم حسابية لأن أسسها كلها خاضعة للتقييس الحسابي وبالتالي فهي جزء من هندسة رياضية غاية في التعقيد والتطور لم يبدأ البحث فيها جديا لحد الان، وانما عندي تصورات ومنهجية للبحث لنظرية كم اللغة. ليس إلا . وهذا يفسر جزيا ما اطلعنا عليه من علم الجفر ونظام التحويل اللفظي إلى قيم حسابية وإجراء المعادلات المتعاقبة ومن ثم تحويل القيم الناتجة إلى حروف ولقد اثبتوا عجائبَ من الأجوبة المهمة لأسئلة محددة، وهذا يدل على أن الجفر اما أن يكون مماسا لسطح التكميم أو انه يعرف سر التكميم، وقطعا فان علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام بالجفر يختلف عما رأيناه من جفر رغم كونه أعجوبة حقيقية ولا يبعد عندي أنهم عليهم السلام يعرفون قيمة الطاقة الحقيقية لكل حرف ومعرفة المعادلات المنتجة للمعاني التي تتكون منها اللغة والعلوم وهو ما يفسر كون كتاب الجفر عندهم يجيب عن كل شيء وبحسب عموم قولهم فهو الذي يفسر القرآن بصورة حقيقية. (فلعله يدخل الآية بطريقة جفرية لتخرج الاجوبة الحقيقية) وقد قال الامام (وهو الجفر وفيه علم الاولين والاخرين وهو عندنا) وقد نص الامام الكاظم عليه السلام على الامام الرضا ووصفه بأنه (ينظر في الكتاب الجفر معى وليس ينظر فيه الا نبى أو وصى نبى وقال الصادق عليه السلام (وفيه ما يحتاج الناس الينا ولا نحتاج إلى احد) وقال (ما من شئ يحتاج إليه الا وهو فيه). يراجع الكافي و بصائر الدرجات.

وبالنسبة لنظام المصفوفات فقد وجدت أن النظام الأقرب هو نظام الطبقات المصفوفة layers وهو أشبه بنظام GIS (النظام المعلوماتي الجغرافي) حيث تنفصل طبقات المعاني الثلاثية الأبعاد لعدة طبقات شفافة وكلما كان التكرار والتقاطع واضحا ومكررا كانت القيمة اقرب للجزم بالتخصيص، وهنا يكون الوضع معقدا جدا لا يفي به التبسيط الذي شرحته آنفا.

ولهذا لا يعتمد هذا النظام نظام (الإحكام) بالطريقة السابقة نتيجة استنطاق معنى الحرف وقوة الترابط ، لما فيه من سلبيات لا مجال لذكرها ولكنه يعتمد نظام (الشمول) وهو لا يعتمد إحكاما كاملا، بل يقرّب النتيجة إلى اقرب نقطة تكون حجة عقلية وشرعية بإفراغ الذمة في فهم النص (وهذا يتناسب مع نظرية معرفة متطورة تختلف عن نظرية المعرفة المعمول بها حاليا والتي تعتمد على أن معنى العلم الحقيقي هو القطع)، فإذا تحقق الإحكام فبها ونعمت، وإذا لم يتحقق لا يسقط النظام كما هو في الفرض السابق، ولكنه سيحقق اقرب النتائج المعتبرة عقلا وشرعا. وهذه نظرية نمارسها كبشر عمليا بصورة غير واعية ولهذا نحس بأن القرآن لا يمكن أن يدانيه كلام حتى لو كان الكلام منمقا أكثر من القرآن، لوجود قوة عجيبة في عقل الإنسان ذات قدرة على التحليل الرياضي وعمل طبقات متعددة ثلاثية الأبعاد تدرس فيها النقاط بما يشبه التقدير النقطي لمتوسط مجتمع في علم الإحصاء. وبنفس الوقت حيث تزداد الطبقات والعينات النقطية يقوم بعملية التقدير المجالي لمتوسط مجتمع، للحصول على (مجال الثقة) لمتوسط مجتمع. كل هذا يقوم به العقل بصورة طبيعية ولا إرادية، ولكن فيما لو أعملنا الإرادة الواعية فستتحول النظم إلى دراسات معقدة تعتمد المعادلات والنظريات الإحصائية العالية، لتقريب النتيجة إلى اقرب قيمة، وبذلك يكون المعنى الناتج وفق هذا النظام اقرب للصواب وابعد ما يكون عن العشوائية وعن تكثير الاحتمالات غير المنتجة التي يتمسك بها ذووا الغايات المنحطة لتكوين مذهبيات كرتونية مبنية على أساس اللعب على القيمة المعنوية للنصوص. ففي آية (إِنَّمَا يريد اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) حاولوا العبث بالآية لأن البيانات الظاهرة على السطح تعطي نتائج مشوشة، ولا بد من تركيب مصفوفات معقدة جدا على شكل طبقات شفافة متعددة، لنحدد القيمة الحقيقية للنص. وقد استخدم الوهابية البيانات الظاهرة على السطح بصور شتى لتفريغ النص من قيمته. مثل أن هذه الإرادة تشريعية وأن التطهير لا يعني العصمة من الذنب وان الأهل تعم النساء، وهي بيانات مبنية على معطيات قرآنية في بعض الأحيان مثل الإرادة والتطهير لوجود نص مشابه يستخدم معنى التطهير من الحدث وولإرادة استخدمت في مواقع أخرى بمعنى الإرادة الشرعية ، بالإضافة لتعقيد استعمال الإرادة بين التكويني والشرعي في القرآن بشكل يحتاج إلى دراسة مستقلة معمقة للخروج بنتيجة حاسمة. ولولا التطويل والملل لذكرت هذا المثال بتفاصيله الكبيرة.

وبهذا اكتشفت أن النظام الحقيقي لاستكشاف علم جديد، يفرّق بين كلام المخلوق وكلام الخالق لا زال كامنا في داخلنا، لم يخرج بصيغة علمية ورياضية بشكلها الدقيق، ولكن نظام (الإحكام) يمكن أن يكون احد مفردات النظام الشامل إذا أدى إلى نتيجة قطعية غير مكيّفة، وبقواعد أدق وأكثر مرونة. و نظام الإحكام الذي يعتمد على الجدية في الإرادة يمكن تطبيقه على القرآن إلى حد كبير، ولا يمكن تطبيقه على غيره بشكل دقيق، للفرق بين منابع الإرادة الجدية، حيث أن هذه إذا كانت من العالِم تختلف عنها إذا كانت من الجاهل ، فكيف بالفرق بين الله والإنسان؟

سيدي أبو نادر :
وبعد مدة تزيد عن عشرين عاما اكتشف أن أفاضل في الحلة وبغداد من العراق خرجوا إلى خارج العراق و أنبئوني بقيام محاولة في أواخر الثمانينات لإيجاد نظام فاعل في تحليل النصوص أسموه المذهب القصدي يشابه إلى حد بعيد ما توصلت إليه سابقا ، وقد اطلعت على كتاباتٍ اغلبها جميل وفيها ذكاء رائع، ولكن يشوب العملية أخطاء كثيرة ومجازفات واشتباهات تجعلها في بداية الطريق من أجل التصويب، ولكن الذي اكتشفته في المجموعة القائمة على البحوث أنها تجزم بقوة ولا تقبل النقاش وترفض المخالف بشكل سريع وقاطع. وهذه مشكلة بحد ذاتها.

ملخص فكرة القصدية و ما فهمته من خلال كتاباتهم:
إن آدم حين خُلق خلَقَ الله معه قدرة عجيبة تفوق قدرة الملائكة ، وهي قدرة توليد اللغة وثبات معاني الحروف بذاتها داخل العقل، واللغة تبدأ من معنى الحرف (اللازم) ، فينبغي لمن يريد أن يستكشف معاني الحروف الحقيقية عليه أن يدرس اللغة الموحدة وأن يحاول التبحر والمتابعة لكل لفظة في كل لغة وتحليلها فنستخرج من هذا الاستقراء معنى الحرف، فكل حرف له معنى مثلا الالف له معنى الزمان والمكان والباء له معنى انبثاق الحركة فجائيا بقوة والراء تفيد تكرار الحركة وهكذا. وبتركيبها يتكون معنى منها لا يمثل جزئاتها ولكنه يمثل مجموعها.

و بما إن القرآن الكريم كلام الله فلا بد آن يكون قد استعمل الحروف وفق النظام الأساسي الصحيح، وليس بحسب أخطاء الاستعمال ، والفرق هنا بين ما توصلت إليه سابقا وبين القصدية أنهم يقولون بأن تغيّر الاستعمالات ليس (للإبداع) وإنما (للأخطاء) لأنهم يقولون بأن النظام الأساسي عند ادم هو قمة الصواب والبقية تحريفات ، و اللغة العربية عندهم حاولت المحافظة على القواعد الحرفية الصحيحة إلى حد ما، لأنها بقيت في نفس الأرض التي نشأت منها اللغة الأم، وهذا العامل الجغرافي مهم .

وحين نزل القرآن نزل بالقواعد الصحيحة، فيمكن من لفتات الاستعمال القرآني مع المقارنة مع اللغات الأخرى نستكشف جوهر معنى الحرف، وبهذا يمكن إرجاع البحث في القرآن نفسه على هذا الأساس ، بمعنى أننا حين نمتلك هذه الأدوات الأساسية في عمق جذور اللغة نتمكن من معرفة القرآن نفسه بطريقة جديدة فيكون القرآن كاشفا عن نفسه بنفسه في نظام فريد.

وبعد ذلك يؤكد الفكر القصدي على مرحلتين من المنظور للمعاني
الأول يتعلق بـ (جهة الملقي والمتلقي والعلاقة بين اللفظ والمعنى)
والثاني هو (نظام التجميع والتفكيك الهندسي).

ففي المنظور الأول رأوا أنه في زمننا أن الملقي هو الله والمتلقي هو (آدم المحرّف) وليس أدم الدقيق الخالي من شوائب الانحراف الإنساني في اللغة ، ولهذا علينا أن ندرك عملية إعادة بناء ادم الحقيقي فينا. وذلك بدراسة العلاقة الحقيقية بين اللفظ والمعنى وإدراك مفرداتها.

وهم هنا يتشددون ويرون الخطأ الفاحش لنظريات الكثير من علماء الأصول في العلاقة بين اللفظ والمعنى، فهم يلومون جميع علماء الأصول باستبعادهم لمعنى الحرف بذاته (وليس المعنى الحرفي المعروف) ، ويستنكرون بشدة القائلين بأن جوهر العلاقة هو الاعتبار كالشيخ الآخند أو التعهد كالسيد الخوئي أو القرن كالشهيد الصدر ، ولكنهم يرتاحون جدا لنظريات قديمة تقول بذاتية العلاقة أو باتحاد اللفظ في المعنى اتحادا اندماجيا لا تفريق فيه في الهوية بحيث يكون هو هو . وهذا ما يقول به السيد السيستاني بتفصيل عنده. وهي نظرية قديمة قدم الفكر اليوناني والبابلي وغيره.

وفي المنظور الثاني :

يعتمد النظام على الإحصاء والاستنتاج لجميع استخدامات اللفظة بالنظر لحروفها وتركيبها الحرفي، ويقيم النظام جدولا للحروف بحسب معانيها في الحركة والاتجاه والزمن والمكان وغيرها، ثم ينتقل ليقيم اقترانات معنوية ولفظية بمراعاة الحروف ومعانيها . وعندهم مرحلتان قد تتعاقبان مكررا على في نفس المعالجة وهي التفكيك والتجميع. فأما التفكيك فيعمدون فيه إلى تفكيك اللفظ إلى جذره الصرفي ثم يفكك كل حرف إلى معانيه الأساسية المطابقة للمعاني العقلية، ثم يُدرس الحرف وموقعه وقيمته، ويستنتج منه (اتجاه معنى) يقوم بعد ذلك (بإنتاج معنى) بالمزاوجة من خلال النصوص المعالجة لنفس القضية ، وقد يضطر المحلل إلى التفكيك من جديد حين تتداخل الألفاظ والمعاني. فلو جاء لفظ يعرف بأنه استخدام مجازي فلا يسلّمون مطلقا بهذا الحكم فيقومون بالتفكيك ثم التجميع ثم التفكيك ثم التجميع حتى يصلون إلى أن معنى الكلمة الأعم من الاستخدام اللغوي الدارج فيكون الاستخدام القرآني استخدام في (الأعم) ولهذا فلا مجاز ولا اشتراك ولا ترادف ، لأنه ينطبق عليه بمفرده على الحقيقة.

ويستخدمون من أجل ذلك الجداول الثنائية الأبعاد في الغالب ، وحتى لا ابخسهم حقهم أرى إنهم يستخدمون فعلا عمليات معقدة لها أبعاد ثلاثية للجدول بحيث لا يكون المسار خطيا. لأن البعد العيني يغير موقع النقطة ارتفاعا وهبوطا بحسب القيمة المسلطة عليه. ولا يشيرون إلى استخدام الطبقات المعقدة. ويجب أن ننتبه إلى إن أساس القواعد عندهم وهي معاني الحروف مستنبطة بطرق ظنية يعتقدون أنها وصلت لمرتبة القطع.

للمثال على ذلك كلمة (قوامون) في الآية الشريفة {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ....}(النساء/34). يتم إرجاع الكلمة إلى جذرها الصرفي وهو قوَم وقوَم مكونة من ثلاثة حروف ( ق – و – م) فالقاف هي الحركة باتجاه محدد والواو هو الحركة المستديمة (الاستدامة) والميم هو التمام المكاني أو الهالة التامة المحيطة بالشيء وهذا التركيب يعني السلطة والنفوذ والاحاطة والإدامة. فيكون معنى القوامون هنا ممارسة النفوذ في ترتيب الأسرة وإدامتها ، وهذا المعنى يختلف عما يفهمه أهل اللسان ببعض الخصوصيات، وبما أن الباء في قوله (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) هي باء سببية عندهم وأن التفضيل هو تفضيل العقول والحزم في إدامة الأسرة فيكون المعنى هو إن السلطة بإدامة الأسرة بيد الرجل إذا كان أفضل عقليا وإلا فهي بيد المرأة إذا كانت أفضل من هذه الجهة، فهم يقولون إن هذه الآية تمثل قراءة الواقع، ولا تمثل تشريعا، ويغضون الطرف عن المقطع الأخر (وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) الذي يمثل تشريعا قطعا وهو عنوان النفقة والذي فسر به الفقهاء معنى القوامة فالقوامة عندهم النفقة. ولكن الحق يقال أن هنا أمرا محيرا وهو عطف (وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) على (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) والذي يدل على انه قسيم له وليس قسما منه، فلا يصح أن يكون مفسرا له كما فهمه الفقهاء، فلا بد إن التفضيل غير النفقة ولكن أما كلاهما قراءة للواقع أو كلاهما تشريع، وهذا لا يمكن الجزم به وهو محل تأمل ، غير إن القصديين يرون أن التفضيل قراءة واقع ولا يتطرقون للنفقة، كما بدا لي من الحوار معهم.

وفي سنة 1998 م تم طبع النظام القرآني من قبل المجموعة، وهو كتاب يجمع بين الروعة والاشتباهات بشكل يشوش الذهن.

يحاول الكتاب أن يستكشف النظام القرآني على أساس (عدم التكرار وعدم التعدد في المعاني وإنما قصدٌ واحد للفظ واحد) بحسب نظام الإحكام.

و بقدر ما أبدع هذا النظام وأثار الذهن في نواحٍ فقد فشل فشلا ذريعا في نواح أخرى.

ويجب الاعتراف بأنه محاولة مهمة للتوصل إلى معايير للإعجاز القرآني مهما اختلفنا في النتيجة .
وسآتيك بمثالين واحد للفشل وآخر للإبداع غير الموظّف .

المثال الفاشل :

في المحاولة الأولى لإبطال المترادفات أعطى مثالا وخلص إلى نتيجة غريبة ومجازفة علمية لا يمكن أن نسلّم بها. وسوف انقل لك الكلام وبعد ذلك اعلق :

قال في صفحة 37 من النظام القرآني :
(نلاحظ الآن الاختلاف في الترتيب لحدث واحد في آيتين:
سورة البقرة\ 58
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ
فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً
وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ
نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}

سورة الأعراف\161
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ
وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ
وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا
نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ
سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ

نلاحظ هنا أن الاختلاف لم يقتصر على التركيب عموما بل على كل مركب فيه وأن الاختلاف لم يقتصر على الترتيب بل شمل التغيير بالألفاظ مما يؤكد عند التطبيق الواسع التفصيلي للمنهج على الآيتين أن القرآن لم يكرر الحدث بل الحدث نفسه كان مكررا في واقعه التاريخي – حيث كانت النتيجة من تكرار الأوامر بصورة مختلفة، ثبات القوم على نفس النهج - لأن المركب الذي يتلو ذلك والذي هو شطر من الآية اللاحقة هو الوحيد الذي لم يطرأ عليه أي تغيير لا في الترتيب ولا في الألفاظ وهو قوله تعالى :
البقرة \59 فبدّل الذين ظلموا الأعراف \162 فبدّل الذين ظلموا)
انتهى النقل.

وبعد ذلك حاول إثبات وحدة النتيجة لحدثين مختلفين. وخلص أن من خلال تبدل الحروف والكلمات والأسلوب بالتقديم والتأخير والإضافة والحذف لا بد من القول بوجود حدثين يتكلم عنهما القرآن. وليس حدثا واحدا بصياغتين لغويتين فلا تكرار.

والتعليق واضح جدا ، إن المجازفة في اعتبار القضية حدثين منفصلين من خلال التغاير التركيبي واللفظي ، والإصرار عليها من دون اعتماد أي دليل، حتى انه لم يستأنس بشيء تاريخي، بما لا يمكن تبريره .
اعتقد أن هذا المثال خير دليل على الفشل في التطبيق على القاعدة، فكيف يجازف هذه المجازفة ويدعي بأن الله لم يكرر الكتلة النصية إلا لأن الحدثين مكرران؟ وكل حدث صاغه بشكل مختلف! فهل يمكن أن نستنتج من الاختلاف هذه النتيجة؟
لو قال انه يُحتمل. لقلنا نعم قد يكون.
و اختلاف التعبير عن الحدث الواحد لا يعتبر دليلا على تعدده في ذاته مهما قلنا بحيوية الحروف ومعانيها، ومع أننا نؤمن انه لا تكرار، ولكن ليس بهذه الطريقة، وإنما نحتمل أن الإعادة للقصة كانت لغرض ثان ولمقصد آخر غيره في تلك القصة ففي القصة الأولى هي جزء من قصة الخروج بصيغة المعاناة وجدلية بني إسرائيل وعدم اعتنائهم بالنعمة والثانية تتعلق بعلاقة بني إسرائيل بالإسلام فهي تذكرهم أن هذا هو الرسول الذي بشركم به الله والذي انعم عليكم سابقا بالمن والسلوى والذي أوجد لكم طريقة للخلاص من الذنوب بباب حطة.

فهذان غرضان يجعلان القصة غير مكررة في واقعها من ناحية نفسية وموضوعية. فما الداعي لاعتبارهما قصتان مختلفتان؟
وإن أدنى مراجعة للقصتين في القرآن تكشف البعد عن الحقيقة لما قام به السيد النيلي من تويلف فكرة الحدثين.

وهذه هي الآيات لمن لا يجد في نفسه همة في مراجعة القرآن :
أيات سورة البقرة:
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * [ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ] 58 * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}(البقرة/61).

آيات سورة الأعراف:

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنْ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * [وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ] 161 * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ * وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ * وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الأعراف/174).



المثال الناجح والمبدع:

في قاعدته بنفي المجاز في القرآن أورد عدة أمثلة منتقاة بعناية ، فبغض النظر عن كونه اختار آيات يمكن المناقشة فيها وقد غفل عن آيات لا يمكن المناقشة في مجازيتها مثل بعض الآيات التي تنسب الأعضاء إلى الله أو الحالات مثل الاستهزاء و السخرية فهذه لا يمكن اعتبارها استعمالا حقيقيا قطعا، إلا بمجازفة تغيير المعاني المخصوصة إلى عموميات غير منصوصة، وهذه مجازفة اكبر من مجازفة نفي المجاز كليا. وهذا تهرب من الحقيقة وإخفاء لإخفاق الدعوى في هذا المجال.
لقد بحث المعنى المجازي المدعى في آية (القرية) وحاول أن يوجد قاعدة بيانات ذات امتداد طويل، ولطيف، ليثبت إن ورود كلمة قرية لم يكن مجازا أو يحتاج إلى تقدير كلمة (أهل) قبل القرية.
بل هي نفسها تأتي بمعنى الأهل (يبقى مشكلة ورود إضافة الأهل إليها في نصوص قرآنية وقد عالجها بصورة مقبولة)

وهذه هي الاية :
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}(النحل/112).

في هذه الآية رأى أنهم لم يستطيعوا تقدير محذوف لأن الأحكام كانت متعلقة بالقرية نفسها (آمنة ، رزقها، فكفرت ، فأذاقها) ولو تم تقدير محذوف لوجب تبديل كل هذه الكلمات(أمنوا ، رزقهم، فكفروا ، فأذاقهم) . بناءً على أن معنى القرية هي البناء والحيطان ، وعليه فلا بد هنا من ورودها مجازا بإطلاق اسم المحل على أهله.
ولكن النيلي لم يقبل أساسا معنى القرية بمعنى الحيطان والبناء ، بل هي بمعنى السكان عنده وأقام أدلة لطيفة من تقاطع بيانات قرآنية .
منها وصف القرية بالخاوية على عروشها ، الذي يوافق وصف الإنسان كما ورد في الآية الشريفة (كأنهم أعجاز نخل خاوية) ثم يصعّد من المعنى بذكاء مفرط حيث يلتقط الآية الكريمة في سورة الحج 45
{فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ}
فقال لو كان الخواء صفة البنيان لما صح النص على عدم تهدم البنيان، فالبئر معطلة وليست عاطلة والقصر مشيد يعني مجصص الجدران، وهذا دليل الحداثة في الصنع والسلامة. فلا بد أن المقصود من الخواء هو موت السكان بطاعون مثلا بمعنى موت أهل القرية دون تأثر القرية نفسها بشيء. فتكون القرية هي نفس السكان وليس المساكن.
طبعا هذا المعنى لطيف جدا ومبتكر ، ولكنه لم يوظفه بشيء عدا نفي المجاز، بينما قد اكتشفت هذا المعنى مبكرا لنفس أسلوب المعالجة قبل اكثر من عشرين عاما، ووظفته وبنيت عليه فكرة فقهية جديدة في حينه، ملخصها أن الفكر والفقه الإسلامي لا يقول بالشخصية الاعتبارية المعنوية في الفقه بخلاف القانون العالمي المعاصر، وهذه الآية تشير الى شخصية معنوية بكل وضوح، وهذا حل لأكبر أزمة فقهية تواجه الفقه الإسلامي ، حيث إن عدم اعتراف الفقهاء بالشخصية المعنوية يعني كوارث قانونية في العصر الحديث، وحلهم للقضية غير مجدٍ، فهم يحلونها: بأن الشركات والمؤسسات والدول محكومة لقاعدة اليد، وليس لها شخصية معنوية تملك وتجازى، فالاعتبار لصاحب اليد على المؤسسة بأي نظام كان.
وهذا يجعل من الإسلام دين لا يوافق العصر مطلقا لأن أساس كل التصرفات القانونية الآن في جميع العالم هو الشخصية المعنوية، لإقامة المؤسسات والشركات والدول المحكومة لنظم داخلية ودساتير توزع الصلاحيات والمنافع على المساهمين أو الشركاء أو عموم ذوي الحقوق كالشعب مثلا. ولا حل لهذا إلا بالاعتراف بالشخصية المعنوية، حتى تصحح التصرفات وإلا فإن الإسلام يكرس الدكتاتورية والتصرف الفردي والمسؤولية الفردية.
وقضية القرية حين يكون معناها المجتمع وان المجتمع (يجازى ويرزق ويمنع) أي يملك فهو عين الشخصية المعنوية، ونص القرية اعتراف بكلي الأمة وشخصيتها المعنوية، وحين تأتي نصوص تنص على (أهل القرية) فهذه لا تنفي كون القرية هي المجتمع المعنوي وانما قد يكون لمناسبة ما استخدم القرية بمعنى التجمع السكاني لا المجتمع من أجل أن تعني بأن الفرد هو جزء صغير من المجتمع وليس شخصية الأمة بما هي أمة لتحميله المسؤولية الشخصية وليس للمجتمع.
فالمجتمع له شخصية اعتبارية معتبرة عند الشارع المقدس وهذا يكفي لأن يؤيد الدليل العقلي القائل أن الملكية وغيرها أمر اعتباري يمكن أن يتعلق بأمر اعتباري كلي سواء كان عوضا أو مالكا.

فهذان مثالان احدهما للفشل والآخر للإبداع ، وعلى العموم هناك اشتباهات كبيرة في المنهج القصدي يجب أن نعترف بها عسى أن تتطور وتحسن إلى طريقة أكثر فاعلية، وأعظم قدرة على أداء جيد في التفريق بين كلام المخلوق وكلام الخالق.


ويجب أن نعرف أن المنهج القصدي يتوجه لعقول تؤمن بأن القرآن كلام الله باعتراف أصحابه، دون غيرها من عقول الشكاك والرافضين.
و في نفس الوقت يكرر السيد النيلي أنه نظام يثبت إعجاز القرآن!!

وقد يُرد عليه إن من يؤمن لا يحتاج لهذا الإثبات ومن لا يؤمن لا يعتمد هذا النظام ... فكيف تحل القضية؟
فالقضية فيها مشكلة التوجه أي لمن نثبت القرآن ؟ هل نثبته لمن يخالفنا ويقيم علينا الشبهات أم نثبته لأنفسنا؟ وفي الثاني لا نجد حاجة له إلا بمقدار التسلح أمام الشكاك والأول لا يقتنع بهذه الطريقة.

فالسيد النيلي لم يحل المشكلة كما يبدو ، وهذا قوله بالحرف الواحد ص9:

(من يؤمن بها [مبادئ القرآن والإسلام] يقال له عليك أن تؤمن بالنظام الهندسي المحكم للقرآن على ضوء تلك المبادئ وإن كنت لا تدرك هذا النظام قبل اليوم. ومن لا يؤمن يقال له : هذا هو النظام القرآني وعليك أن تؤمن به وبتلك المبادئ – وكل ذلك إنما هو احتجاج لا غير فلا إكراه في الدين كما هو معلوم. )

فبالله عليك يا سيد مهدي كيف يمكن لهكذا واقع أن يحقق إعجاز القرآن لأول مرة في التأريخ؟ ولمن نخاطب في الحقيقة؟

ولعلنا ندافع عنه بطريقة ثانية ونقول إن تثبيت النظام القرآني يكشف عن دقة في الاستخدام يعجز عنها البشر وبهذا يثبت الإعجاز بما هو إعجاز بغض النظر عن جهة الخطاب.
إن المنهج القصدي يجبر المؤمن على إتباع المنهج القصدي ويقترح على الكافر التفكير به لأنه لا يملك عليه سلطانا، بينما نرى أن القرآن في الحقيقة له سلطان نفسي على الجميع ولكنه سلطان من نوع مخصوص،بخلاف هذا الطرح، كما قال في مرسل البحار عن مولانا الصادق عليه السلام : (لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون ) ، فالقرآن له سلطة تكوينية وصورة ذهنية تكوينية مختلفة حين يسمعه الإنسان حقيقة ، وليس لقلقة لسان أو طرب لصوت. حيث اعتقد إن القرآن يشكّل طبقات كبيرة داخل عقل الإنسان من المصفوفات البيانية النقطية والمعلوماتية تتداخل مع كل كيان الإنسان وما على العبد إلا إن يصغي إليه جيدا وان لا يستخدمه استخداما سيئا لأن هذه الجداول نفسها يمكن إن تداخل معلوماتها مع الغير (حين لا يتبع نظاما هندسيا صحيحا) وتنتج إنتاجا معاكسا. وهذه هي طبيعة كل جدول بيانات معقد , فأما أن تقرأ صحيحا فتأخذ نتائج صحيحة وإما أن تقرأه خطأ فتأخذ نتائج خاطئة، و المشكلة كما قلت، أن القرآن يتداخل تكوينا مع العقل البشري وهذا بالتجربة والمشاهدة والمراقبة العقلية والنفسية لعينات كثيرة. وقد ورد في موثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جوابه للمقداد : (فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وماحل مصدق [[ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار]] وهو الدليل يدل على خير سبيل وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل وله ظهر وبطن فظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره ، ينج من عطب ويتخلص من نشب فإن التفكر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ، فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص.)
رغم أن كل الرواية شاهد على ما نقول إلا أن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار) شاهد مخصوص على أن القرآن يفعل مفعولين متعاكسين، وللتنبيه هنا فإن كلمة ساقه تعني فعلا ايجابيا، فيكون معنى الكلام التقدم على القرآن بالتطويع للنص والتسخير والتبرع بالشر ، وليس بمعنى تركه خلفه من دون اعتناء، لأن السوَق هو من فعل نفس القرآن لا من الابتعاد عنه إذا تأملت جيدا. ولهذا فأنا أؤمن حقيقة إن من يقرأ القرآن وهو شرير كالوهابية وأمثالهم من المجسمة المشركين الأشرار محبي دماء المسلمين، فإنه يسوقهم إلى النار ولن يهديهم إلا إلى جهنم وبئس المصير، وهذا بنص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . وكل من يفتخر بمجرد قراءة القرآن اعتبره نصف مجنون لأن قراءة القرآن الحقيقية هي التدبر بآيات الكتاب واستكشاف عجائبه كما قال مولانا رسول الله في هذه الرواية الموثقة الحجة في العمل، وليس بلقلقة اللسان وتحسين الصوت وتكثير القراءة.

ويبقى عليّ أن اثني على منتجي فكرة النظام القرآني فهو محاولة جديدة تستحق المشاركة والتطوير،وفيها بذرة جيدة للتفكير في إيجاد طريقة جديدة لفهم الإعجاز القرآني، ولكن للأسف ينبغي أن يغيّر أصحابها من بعض طباعهم مثل العجلة والغضب والحدة في الحكم و تصعيد الظنيات إلى قطعيات التي جلبت لهم عداوات كثيرة، كما أحب أن يغيروا من نوع تعاملهم مع العلماء واحترام أرائهم، ومناقشتها بدون سب وتحقير لهم وهذا ظاهر حتى في كتاب النظام القرآني. حتى أن الأخ القصدي حفظه الله تعالى رغم انه لا يعرفني ولا اعرفه شخصيا ولكنني اعرف بعض أصحاب التيار المحترمين وأحبهم وقد حدثوني عنه فأحببته، فقد جابهني بشيء عجيب حيث اعتبر إخباري البريء له، بأنني اعرف الفكر القصدي وأصوله، بأنه جواب مني (للطوب!) الذي رماني به، ويشهد الله إني لم ألتفت انه يقصدني بكلامه القائل (وأجزم بأننا قد تهنا عن معجزة القرآن لا لشيء إلاَّ لأنّه رينٌ على قلوبٍ تعلمت من أهل العقيدة شكّاً مبطناً لا ينطق عنه اللسان إلاَّ نادراً وبخوف!! وما ذاك إلاَّ لأن: (حذار أمية أن تقطعه).. وكم من أمية في القلوب الوالهة؟!!.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.)


وما كان ظني بأدبه الرفيع أن يقول أنه (طوب) لي. مع أنني لم يخطر ببالي ذلك. واترك التقدير لكم بجملته (الطوب!) . ولعله لا يعرف أننا ومنذ أن هدانا الله للإسلام كنا حربا على أمية منذ بدر وأحد والأحزاب وحتى صفين وما بعدها.
والحقيقة إنني أحسست حين دخل الموضوع أنه يريد أن يقول أنكم جميعا جهلة والحل عندي ولكن اقبضوه مني مؤجلا. فقررت أن امتحنه بجملةٍ عسى أن يفهم معناها لعلاقتها بالمطروح القصدي. فتبين لي انه ذهب لوادٍ آخر.


فقد قلت له (فأكلفك تكليفا شرعيا أن تتفرغ لتعريف المعجزة وما قيل فيها وكيفيتها وما هو رد الفعل تجاهها. )

وكنت اقصد لغزين أو أكثر في الجملة ولكنه لم يلتفت إليها وغضب ولم يقبل من احد إطلاقا أن يطلب منه تكليفا شرعيا، فلم يحتمل أبدا أن من يخاطبه قد تكون له الأهلية للحكم الشرعي، وقد اجمع الجميع على إن حكم الحاكم نافذ حتى على المجتهدين إذا كان بدون تقصير في المقدمات، وما كلفته به أمر لا تقصير فيه لأنه تكليف بالخير والبحث العلمي. ومع احتمال عدم الاهلية فإن هناك ألغازا في الجملة.
اللغز الأول: أن السيد النيلي لم يقبل تعريف منهجه وقال لا يمكن تعريفه إلا بالتطبيق مع انه يدعي إن هذا المنهج هو المثبت للمعجزة القرآنية فكيف يعرّف المعجزة بمنهج لا يمكن تعريفه؟ مع أن المعجزة لا تعريف لها بحسب الظاهر.
قال النيلي : (ولا يمكن إعطاء تعريف لهذا المنهج أو وصفه بأسطر ولا يمكن كذلك تحديد غاياته فمن طبيعة هذا المنهج أن التعريف به وتحديد غاياته وخصائصه وطريقة عمله ونتائجه تتم سوية من خلال تطبيقاته التي لا حدود لها).
فكيف يطالبنا الأخ القصدي بالتعريف؟ إذا كان منهجه نفسه لا يؤمن بضرورة التعريف؟ ومن ثم ينقل لنا : (إن التردد في تعريف الموضوع يعني التردد في ذات الموضوع) فهذا لا يتطابق مع ذاك!
واللغز الثاني : أنني حين طلبت منه التكليف أردت أن اعرّض بطريقتهم الغريبة في تكليفهم الناس شرعا بحكم إلزامي، بمنهج لفظي تحليلي يتفردون به يرونه صوابا.
فخذ ما قاله النيلي رحمه الله : ( لا يجوز تفسير أو شرح مفردة أو لفظ بلفظ آخر ....... شرح القاعدة : وضَعَ المنهج في نصوص قواعده عبارة (لا يجوز) ليوحي للقارئ أنه يؤمن بحرمة هذا العمل لما يحتمه عليه النظام القرآني كما سترى)
فبالله عليكم يا أهل الإيمان ، هل يعقل هذا الكلام من التحريم والتشريع بناءً على ما يحتمه النظام؟ الذي يقول إن باب حطة وقعت مرتين لاختلاف النصين لفظا!
فكيف يقبل أخونا القصدي أن يكلفنا بتكاليف شرعية ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يقبل منا أن نكلفه تكليفا مماثلا في أمر عقلائي راجح محتمل التكليف شرعا؟!!. حيث انه طالبنا بتعريف المعجزة فقلنا له نكلفك شرعا بتعريفها لأن من يطلب كأنه يعرف ما يريد، واللطيفة أنه لا يعلم إن المعجزة غير معرّفة اصطلاحا وانما هي على ما جرى عليه اللسان اللغوي (ظهور ما يخرق العادة) . والأمر ليس في التعريف ولكنه في البحث الفلسفي في طبيعة المعجزة ومفاد (خرق العادة).
فهل هو بمعنى خلاف ما يظهر من نظام؟ أم هو تغيير النظام؟
فإذا كان الأول فهذا يشمل الخدع السحرية وما شابه
وإذا كان الثاني فهذا كلام كبير يحتاج إلى أكثر من تأمل بل يحتاج إلى دراسات وتأصيل لوجود قدرة على خرق النظام الكوني وتغييره.
ولهذا فإن بعض المعتزلة نفوا المعجزة وقالوا أن الله لا يخرق نظامه من أجل شخص حتى لو كان نبيا وقالوا ان معجزة النبي الوحيدة هي القرآن لأن الله تحدى به ولم يستطع احد يثبت أمام التحدي. وقد نقض أهل السنة قولهم بدليل الإجماع على وجود المعجزة كمعجزة الناقة في تبوك وغيرها. وردهم الشيعة بعدم التسليم بمقدمتهم فإن تغيير النظام ما دام مقدورا لله فلا مانع من منحه لعبده الخاص، كما منح عموم عباده النظام نفسه، وهو ملكه والقادر على منعه. ولهذا فلا مانع من المعجز غير القرآن في طور الامكان وقد وقع فعلا في طور الحدوث فيكون كلامهم مجرد فلسفة لسانية لا محصل منها.
وهنا قد يبحث بشكل دقيق هل ما تسمى معجزات إسلامية مثل معجزة القرآن هو أمر مغيّر للنظام الكوني؟ أم انه يسمى معجزة مجازا بمعنى عدم قدرة الإنسان من الإتيان بمثله، لا أنه خرق لنظام الكون، كما هي العصا حين تحولت إلى حية حقيقية.
والجواب على هذا يتوقف على فهم طبيعة المعجزة القرآنية فمن يؤمن بأنه يحدث تغيرا تكوينيا في الإنسان وفي أشياء لا نفهمها كما قال تعالى {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فهذا يعني أنه يغيّر نظام الكون وهو ما أؤمن به بحسب المعطيات بين يدي ، وأما إذا قيل بأن إعجازه مجرد رفعة لا يصل إليها إنسان ولا يحدث تغييرا تكوينيا، فهذا ليس تغييرا للنظام فهو إما مجاز بناء على كون خرق العادة هو تغيير النظام أو انه حقيقة ولكن بناء على كون خرق العادة معناه عمل غير المعتاد.
وهذا يحتاج إلى دراسة واسعة ننبه لها من يريد التعمق.
بقي أن أقول إن المنهج القصدي حين نشر في النجف وجهت إليه اتهامات كثيرة ابسطها المروق عن الدين وغير ذلك، وهذا لسببين الأول: عدم وضوح عرض الفكرة من قبل اربابها، والثاني: عجلة الحاكمين عليه نتيجة السبب الأول والتقاعس عن التنقيب لمعرفة الحقيقة. فليس معنى أن هناك اشتباهات يعني المروق من الدين. والخطأ الكامل ، فانا شخصيا أرى أخطاء منهجية وتطبيقية في المنهج اللفظي القصدي ولكنني لا أرى فيه مروقا أو إساءة للدين بل هو محاولة مخلصة لتصحيح الانحرافات الدينية وللمساهمة في فهم عظمة القرآن الكريم، لأن المنهج القصدي يريد أن يعيد صياغة العلوم على أساس من حل اللغز القرآني الكامن في سر حروفه ومعانيه. وهذه نية حسنة وليس من حقنا أن ندعي سوء النية لأننا نختلف مع النتائج، وكان رد فعل القصديين عنيفا على منتقديهم بحيث خرجوهم عن العقيدة والدين السليم واتهموهم بالتحريف المتعمد لفكر أهل البيت وما شابه ذلك. وكل هذا لم يكن له موجب، نسأل الله الهداية للجميع.
وكم اتمنى من كل قلبي أن يتطور هذا المنهج لنصل إلى أجوبة حقيقية غير قابلة للنقاش .
=============
الأخ القصدي بارك الله فيك ووفقك لمراضيه
يبدو علينا الاتفاق في كثير مما هو مطروح ولا خلاف فيما نتفق، ولكن ما اختلفنا فيه فهو على ميزانك القصدي وهو غير مسلّم عندي في الجملة، وقد اتفق معك في بعض التفصيلات.
ومما لا بد أن أنبهك عليه هو أنك قلتَ: (إن منهجية السيد الشهيد المبرور محمد باقر الصدر رحمه الله تعالى في إثبات هذه القضية هي منهجية مبتكرة وفذّة ولا شك.. ولكن من قال إن الاستقراء يعطيك نتيجةً جازمةً إلاَّ أن يكون هو تاماً.. وهو ما ذكره رحمه الله تعالى أيضاً كما هو واضح.. فهل استقرأنا حياة الرسول (ص) جميعها.. وهل يسعنا ذلك؟.. وماذا تقول لمن يستشكل على استقراءك بتفاصيله، وهو استقراءٌ لم تعاينه، بل نقل لك نقلاً عبر المؤلفات المختلف فيها أيضاً؟!!....)

وهذا تشكيك في منهج السيد محمد باقر الصدر الذي طرحه بروعة وسلاسة، وهو منهج جميع الشيعة في إثبات النبوة والمعجزة ومعجزة القرآن بالاستقراء ، وحتى بناء على النظام القرآني بالتفسير القصدي فانك مجبر لأن تحرر المسألة بالطريقة التي شرحتها وهي أن نظاما محكما بهذا الشكل لا يصدر من رجل عادي غير متصل بالله، وهو المعجزة الحقيقية أي معجزة كونه يد الله الضاربة لعقول البشر. ولو نفيت عنه كونه معجزة فأنت تنفي عنه بالضرورة كونه متصلا بالله، وفهمك بان اختلافنا إنما هو في التقديم والتأخير صحيح ولكن الصواب بعيد عن فكرة تقديم القرآن عن دراسة ظرف الرسول، فظرفه هو الذي يجعل صدور القرآن منه مستحيل أبدا ، والنظام القرآني يثبت الإحكام في القرآن فيما لو تم التسليم بأن قواعد الأحكام لم تؤخذ من نفس القرآن لأنها دورية وهذا هو مدعى المنهج القصدي أي أن المنهج نفسه مستنبط من نفس القرآن.
ثم إن ردك مبني على عدم صحة الاستقراء مع اعتماد صحة المنهج اللفظي القصدي وهو منهج استقرائي أيضا. والفرق أن ذاك استقراء أحداث ونصوص وهذا استقراء نصوص وكلاهما بنفس القدر من القيمة العلمية.
فهذه مجازفة كبيرة منك ، فأنت تهدم هنا ولا تستطيع أن تبني... إلا بدعوى إن عندك الحل ، وحلك قد يحتاج عشرة مجلدات من الكتابة وفي النهاية يقال لك نحن لا نسلّم لك. فيصبح إسلامك بفعلك عاريا عند إخوانك المسلمين وتبقى أنت وحدك مقتنع بأن الحل عندك وهو صحيح.
فهل تقبل هذا لنفسك؟
ولو التفتَ إلى دليل النقض لوجدته لا يمكن اعتباره وهو (شرط المشاهدة) وعدم اعتماد النقل. وهذا نقض لدليل الاستقراء الذي ذكره المرحوم السيد الصدر بما لا يصح مطلقا. ولا يستحق النقاش. لأنه يغفل عن ابسط أمر في العلم وهو التواتر.
واكرر شكر لك ومحبتي الدائمة التي لا يشوبها شيء.
واقتصر على هذا لما له دخل في صلب الموضوع. والبقية جزاؤها الصفح.


الشكر للاخ باحث مسلم ولله دره


===============================
ملاحظة: اعتذر على التأخير بسبب خلل في جهازي ، وهو يصعّب علي التصحيح نتيجة عدم استقراره وإيقاف تشغيله ذاتيا وبشكل مستمر . وسوف أرسل التصحيحات إلى المحرر الإسلامي حفظه الله إذا تمكنت من إصلاح الجهاز.

تم التنسيق والتصحيح بطلب من المنار : المحرر الاسلامي
السيد مهدي الحسيني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:11 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م