تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > الأقسام الأدبية ( شعر, نثر, قصص, نقد ) > الساحة الأدبية للشعر العربي الفصيح

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 11-09-2003, 06:06 PM   #1
عابد الرحمن
كاتب جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
المشاركات: 51
عابد الرحمن is an unknown quantity at this point
افتراضي عسكر ووطنية ( قصة قصيرة )

عسكر ووطنية

عرفته أيام الدراسة ، تجاورنا على مقعد واحد عدة سنوات في المرحلتين المتوسطة والثانوية .. مستوانا المادي واحد تقريبا ، كلانا ابنان لأبوين من الموظفين متوسطي الدخل ، كنت مختالا بتميزي العقلي والفكري وفخورا بسرعة استيعابي وسعة إدراكي ، وكان مختالا بقوته الجسدية والعضلية .. كان يلجأ إلي دائما أيام الاختبارات والامتحانات الصعبة ضارعا ، وكنت أطلب مساعدته أحيانا في المواقف التي تتطلب حلا عضليا ..

غريب هو عالم الطفولة والصبا ، مساحة التسامح فيه أكبر من مساحة التمييز والانتماء ، ورغم الاختلاف الواضح في أسلوب وتكوين كل منا فقد كنا صديقين .. كان يشتم وكنت عف اللسان ، كان يبطش وكنت لا أستخدم يدي – في غير الكتابة – إلا نادرا .. كان .. وكنت .. نموذجان مختلفان للرياضة والفكر ، للقوة والثقافة ، للرعونة والعقل .. ولا يفهم من حديثي أنني كنت بعيدا عن الرياضة فقد كنت ومازلت أعشق كرة القدم ، وأمارس الرياضة الخفيفة إلى الآن ، غير أنني كنت في الغالب ألعب الكرة بعقلي أكثر مما ألعبها بجسدي .. وفي الحقيقة إن المثقف في بلادي يكون عنده إلمامة – ولو عامة – بكل نواحي الحياة في مجتمعه ما اتصل منها بالدين والسياسة ، والعلم والاجتماع ، والاقتصاد والرياضة ، والفن والأدب ، ثم يتخصص في إحدى فروع المعرفة الإنسانية فيصبح راهبا في محرابها ، وقد يتصوره البعض منغلقا وهو على عكس ذلك ، فالمثقف مثل الهرم قاعدته العريضة الثقافة العامة وقمته الشامخة التخصص ، ولا يمكن أن توجد قمة عالية بغير قاعدة صلبة ، فطالب الثانوية العامة لا يمكن أن يلتحق بكلية الطب لتفوقه في الأحياء وحدها فلابد من تفوق مماثل في الرياضيات واللغات والفيزياء , ولا مانع من التميز في الأحياء .. ولذا فقد كنت مثقفا أعيش الحياة بجميع فروعها وتمثل لي القراءة قمة هذه الفروع , وكان يعيش حياة القوة وحدها يبحث دائما عن الحد الأدنى للحياة الضرورية ، لم أسمعه مرة يتحدث ولو حديثا عابرا في السياسة – رغم اشتعال ساحتها في ذلك الوقت – ، ولم يتحدث بالطبع في الثقافة أو الأدب أو الفن – اللهم إلا ما اتصل منه بمشاهد العري أو باللقطات الساخنة - ، لا يقرأ في الكتب الدراسية إلا ما يصلح أن يكون موضعا للأسئلة ، أما الحياة العامة فلم تكن تعني عنده أكثر من طابور الخبز وطابور الجمعية وبنت الجيران .. ولك أن تتخيل إن وقعت في أيدينا جريدة الصباح ماذا أقرأ وماذا يقرأ ؟ .. كنت أتصفح عناوينها جميعا ، وكان لا يكاد تقع عيناه على بعض حروفها ، فالجريدة اليومية ترف لا تحتاجها حياته الواقعية ..
بعد نتائج الثانوية العامة فرق بيننا المجموع التحقت بكلية التجارة والتحق بكلية الشرطة ، وتفرقت بنا السبل سنوات نسيته فيها أو كدت أنساه ، وعندما دق بابي بعنف بعد منتصف إحدى الليالي الباردة ليلقي القبض علي ، لم تفلح حالة الهلع التي أصابت أسرتي ولا الفوضى التي سادت المكان بفعل جنوده ورفاقه ، ولا الصرامة الشديدة التي يكسو بها وجهه في أن تمنع ابتسامة الترحيب على وجهي فتقدمت إليه ومددت يدي بسلام حار مدعوم بعبق الذكريات استطاع أن يذيب صرامته لدقيقة تدفقت فيها على مخيلتينا أيام الصبا ، وارتسمت ملامح البراءة الطفولية التي لا تعرف المفاصلة على المبادئ والأفكار .. ثم تذكر كل منا واجبه ، كبريائي في الموقف العصيب يمنعني أن أستدر عطفه فيشعر أنني أستجديه – وهو الذي طالما استجداني لنجدته في الامتحانات - ، ومركزه يمنعه من التعاطف معي بكل تأكيد ، لكن ودون أدني شك كان لبشاشة الاستقبال أثر في تخفيف حدة المعاملة ..
في صباح اليوم التالي كان هو المكلف بالتحقيق معي ، وكانت جريمتي بالطبع أنني غير حزبي ، أي أنني لا أنتمي إلى حزب الحكومة ..
قلت له : إنني قضيت حياتي حرا طليقا .. قد أمثل تيارا فكريا ، لكني لا أتبع تنظيما سياسيا ..
نعى علي استقلالي ، ورثيت له لأني أدركت أنه لا يفقه كثيرا من قولي ..

وعندما عدت إلى ظلام زنزانتي وبرودة أركانها الرطبة العفنة ورائحة النتن المحبوسة معي في غير قدرة على الفرار ، ووضعت جسدي المكدود على بلاطها العاري تدافعت أمام عيني الذكريات .. كنا دائما ونحن في المدرسة المتوسطة نلعب لعبة اسمها ( عسكر ووطنية ) وهي تطوير للعبة ( عسكر وحرامية ) ، وكانت اللعبة من اختراعي حيث اقتنعت أن بعض العسكر في بلادنا يطاردون الوطنيين أكثر مما يطاردون اللصوص ، وأن الوطنيين لا يجدون قانونا يستوعب نشاطهم فيعملون دائما خارجه ويتعرضون للملاحقة ..
وكان هو دائما العسكر ، وكنت أنا دائما الوطنية كأننا ونحن أطفال كنا نقوم بتمثيل ( بروفة ) مصغرة لما نقدمه الآن على خشبة الحياة ، وأسفت لأنني لم أحاول أن أستوعبه يوما في صف الوطنية ، وأظن لو أنني بدلت الأدوار وأعطيته دور الوطنية ذات مرة لربما تغير مصير كل منا الآن ..
لكننا كنا دائما هو القوة وأنا العقل .. هو العسكر وأنا الوطنية ..
__________________
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك بالعبادة تلعب
عابد الرحمن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
لا شيء

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ابو عسكر محمد احمد بفلح الكاميرا الحضرمية 14 10-02-2019 02:49 PM
قصة قصيرة بعنوان ( عسكر ووطنية ) نرجو النقد aabd الساحة الأدبية للشعر العربي الفصيح 14 12-07-2003 07:59 AM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:13 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م