تابعنا على التويتر @hdrmut

ملتقى حضرموت للحوار العربي


العودة   ملتقى حضرموت للحوار العربي > ملتقى حضرموت > ملتقى حضرموت العام

الملاحظات

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 26-03-2008, 01:04 PM   #1
support
ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½
 
الصورة الرمزية support
 
تاريخ التسجيل: Aug 2004
الدولة: السعودية - جدة
العمر: 46
المشاركات: 31,359
support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough support is a jewel in the rough
افتراضي إلى وادي دوعن برفقة الشيخ صالح باسويد

وادي دوعن

من كتاب سنوات في اليمن وحضرموت
للطبيبة الالمانية ايفا هويك


بادرني العقيد بقوله عندما وصل إلى الوادي بعيد رأس السنة الجديدة ... « انك تبدين في أحسن حال, وأسعد بال ». ثم راح يسألني إذا كنت أحب أن أمضي معه بالسيارة إلى وادي دوعن.
وكان الشيخ عمر باسويد قد طلب إلي المجيء بسرعة إلى المكلا للكشف على زوجاته وأطفاله, ولذا فقد بعثت فكرة هذه الرحلة السرور في نفسي.
ولم يمض يومان حتى كنا نستقل سيارة النائب الشاحنة ونتجه صعداً مع الوادي. وذكرتني آثار القلاع وأبراج المراقبة طيلة الطريق بغارات الغزاة في الماضي . ورأيت في « قطن» وهي بلدة صغيرة مسوّرة, يحتل فيها قصر السلطان مكاناً مشرفاً بحيث يرى على بعد ميلين وتحيط به حقول غنية بالحنطة, النتائج التي يحققها الري بالمضخات بدلاً من الري بيد الإنسان أو بواسطة الحيوانات .
وكان لبرنامج المضخات الذي شجعته حكومات عدن و المكلا وسيئون, عدد كبير من المعجبين المتحمسين في هذه المنطقة. وكانت الرغبة العامة مصحوبة بالجهد متجهة إلى زيادة المحاصيل, وإزالة خطر المجاعة الذي يهدد هذه البلاد بازدياد.
وتنحصر هذه المنطقة بما فيها من مياه جوفية غزيرة وقريبة إلى سطح الأرض في وادي حضرموت الكبير, وفي مصبات مجاورة عدة تعتبر روافد للوادي الكبير, وتمتد إلى مسافة سبعين ميلاً من « هينين» في الغرب إلى شيبام وتريم والقسم في الشرق. ولكن هذا الجزء من الوادي الواسع الذي شق طريقه آكلاً السوط وهو ما يسمى بوادي حضرموت. أما في القسم العلوي فيحمل الوادي اسم« وادي القصر» بينما يحمل الجزء الأسفل منه اسم « وادي المسيلة» الذي ينساب حتى يصل إلى ساحل المحيط الهندي إلى سيحوت الواقعة على مسيرة بضعة أيام إلى الشرق من المكلا.
وكان أحد المستكشفين في القرن التاسع عشر ويدعى ليو هيرش الألماني من برلين قد عرّف حضرموت « بمنطقة المدائن والأراضي المزروعة» بينما يطلق اسم البادية على« منطقة المراعي والصحراء» رامزاً بها إلى المنطقة التي يسكنها البدو.
ويتسع الوادي بعد قطن ليتضاعف حجماً. وتصل الطريق إلى نهايتها, متكثفة في شبكة من الطريق التي كانت تسير عليها السيارات والتي طمستها الرمال, عبر قطعة من الصحراء تمتد خمسة وأربعين ميلاً . واجتزنا هذه المسافة دون أن تغطس سيارتنا في الرمال ثم اتجهنا إلى وادي دوعن, الذي يطلق عليه في جزأيه الأوسط والأدنى اسم آخر , لم أسمعه على لسان الأهلين مرة واحدة. وقادتنا رحلتنا إلى الجزء العلوي من وادي دوعن, وهو الذراع الأيمن من الوادي الأصلي الذي يتصل بالذارع الأيسر المسمى بالوادي الأيسر عند جاهي.
ووصلنا جاهي في الساعات المبكرة من بعد الظهيرة, وهناك انتهت رحلة السيارة إلى مطافها الأخير. وأوصى لنا الموظف الإداري الذي يسمى « بالقائم» على بعيرين, وهكذا امتطيت للمرة الأولى سنام هذه الحيوانات الصابرة على حمولاتها. وكان نصيبي البعير الأخف حملاً, وجلست على مجموعة من البطانيات بين الأقفاص والأكياس التي تدلت على جانبي الحيوان. ومضيت يقودني بدوي عجوز أمشي الهوينا على مسلك صحراوي تملؤه الحصى الصفر, في مجرى النهر.
وتقف الجلاميد الصخرية المحيطة بجانبي الوادي وراء أشجار النخيل, وقد حملت لوناً يجمع بين البنفسجية والبنية أمام سماء المساء الزرقاء.
وكان الوقت غسقاً عندما وصلنا إلى بيت باسويد في الحجرات. وأعد لنا العشاء قبل أن أستطيع الإيواء إلى فراشي في غرفة الرجال وذلك مع مضيفي الأخوة من أولاد باسويد. ونثرت أمامنا على حصيرة كبيرة من القش صحاف الأرز ولحم الضأن المشوي والحساء. وتناول الأخ الأكبر مطواة طويلة من حزامه, قطع بها اللحم عن العظم, وقدم قطعة منها إلى كل واحد من الضيوف. وجلسنا حول الحصيرة وأخذنا نتناول ما لذلنا وطاب من جبل الأرز المتصاعد أمامنا.
وشرعت في الصباح التالي في معاينة أسرة باسويد المؤلفة من ستين امرأة وطفلاً. وسرعان ما أذعنت النساء جميعاَ للنظام المطلوب إذ كان عليهن أن يعدن إلى أعمالهن اليومية العادية في المطبخ وفي الحقول. ولم تجر العادة في وادي دوعن أن يكون لدى الأسرة عدد كبير من الخدم. وكان زيهن عملياً إلى حد كبير, وشعورهن قصيرة وقد جمعت في قطع برتقالية من القماش ويرتدين ملابس كالأكياس لا أكمام لها تمتد حتى الركبة من الأمام وإلى ما دون عضلة الساق من الخلف. وبالرغم من « الترتر» البراق في الألبسة الصفراء والخضراء والحمراء التي يرتدينها نساء وادي دوعن وعلى الرغم من النطاق الفضي الثقيل, والخلاخل الفنية الصنع, فأن ذوقي لم يستسغ لباس بنات وادي دوعن, مع أن هذا اللباس لم يكن يفتقر إلى الابتكار.
ويعش ستة أخوة من أبناء باسويد في هذا البيت الذي حللت فيه ضيفه الآن. وكانت كل منهم شقته الخاصة به, والتي تعيش فيها زوجاته وأطفاله.
ويجتمع الرجال في غرفة مشتركة يستقبلون فيها ضيوفهم ويتناولون وجبات طعامهم. وتشترك النسوة في المطبخ. وتتألف كل شقة من غرفة كبيرة وممر صغير وحمام. ويقوم أمام النوافذ جدار خشبي أسود يضم عدداً من الخزائن وطرازاً من الكهف يوضع فيه الفراش في النهار. وجميع الأثاث الخشبي وحتى النوافذ ذات الشباك والصناديق المنقوشة كلها مصنوعة من خشب الألب القوي الذي ينمو بكثرة في وادي دوعن. وقد رصعت الأبواب بمسامير كبيرة من الفضة, كما غطيت الأرض ببسط من صوف الغنم الأسود. وعلقت النساء على الجدران المصبوغة بالدهانات صحوناً كبيرة من معدن الفضة أو من النحاس والخزف الصيني, وفي إحدى الزوايا توجد صفائح من التنك لها بطون ضخمة وأعناق نحيلة, يصنعون فيها القهوة ممزوجة بالهال. وقد قدم لي هذا الشراب في قدح من الصيني بعد بضع حبات من التمر.
وكانت الشمس قد غابت عن الوادي عندما وصلت إلى بستان النخيل. وقد ظلت هنا بعض الحشائش حية تحت أشجار النخيل نتيجة الأمطار التي هطلت في أواخر صيف السنة الماضية. أما بقية أجزاء التربة فكانت جافة وقاحلة. وليس المطر الذي يتساقط في الوادي غزيراً كل الغزارة, كما هي الحالة في السوط, حيث تسقط حبات البرد بحجم معصم الإنسان. ويعتبر وادي دوعن المسيل الذي تتحول إليه مياه مساحات شاسعة من الهضبة الصخرية.
وهكذا يسيل طوفان عرم من الماء إلى الوادي بعد عاصفة رعد ممطرة. وكانت هذه المياه الثمينة تسيل منذ أقدم العصور في قنوات وخزانات وسدود إلى الحقول وبساتين النخيل. وتحيط أسوار من الحجر بالتربة الثمينة للحيلولة بينها وبين الانحراف مع الماء. لكل مجلس قرية, قناته الرئيسية الخاصة به والتي تستخدم في عمليات الري الجماعي. ويختار لأفراد المجموع محافظاً يكون مسؤولاً عن صيانة أجهزة الري وإدارتها, ويتحتم على كل فرد في القرية إطاعة أوامره لمصلحة هذا الفرد ومصلحة المجموع.
وقد قمت بزيارة بودا أبان وجودي في الوادي. فلقد طهر مرت أخرى بدوي مع بعيره الذي يستخدمه كسيارة أجرة في الصحراء. وقد حملني عبر القناة الرئيسية الجافة إلى حقول بودا الواقعة إلى اليسار من الأسوار التي يتراوح ارتفاعها بين التسعة أقدام والأثني عشر قدماً والتي تحيط بالحقول المسوّرة, وإلى اليمين من السد يرتفع هذه المسافة أيضاً والذي يفصل القناة عن مجرى النهر. وسار رفاقي الستة في صف واحد على طول سور السد, وفي طليعتهم صيدلي خوريباه, وهو إنسان متحذلق مغرور, كان يعرض عصا للمشي متقنة الزخرف, ومشى في المؤخرة كاتب محفوظات وهو شاب رقيق ذو شعر اسود وقد بان في ذقنه زغب من الشعر. وكان يتطلع إلى لقائي لا شفية من ثمار حياة العمر التي يعيشها.
ولك يتوقف هذر رفاقي العالي والملي بالحيوية لحظة واحدة. وكان البدوي العجوز يرقبني باهتمام وحرص ليتأكد من عدم اصطدامي بأحد أغصان الإلب المتدلية.
وتحتم علي في بودا أن أترجل, وأن أتسلق الدروب العمودية الملأى بالحصى على قدمي. وكانت هذه العملية أكثر مشقة, إذ أن النفايات الخارجة من الدور, كانت تسيل على التل, كما كانت مجاري المراحيض تنصب على الشارع. وعم ذلك وعلى الرغم من هذا العيب فأن بيوت هذه القرية المكتظة والقابعة تحت الجلاميد الصخرية العمودية, وكانت من النوع الذي يلقي العناية والرعاية لأن بودا هي عاصمة وادي دوعن الذي يقيم فيه شعب العموديين.
واستقبلنا علي عبدالرحمن, أنا وحرسي المؤلف من ستة رجال. وكان قد عاش ثلاثين سنة على التناوب في بودا وأسمره في اريتريا, ويتحدث اللغة الإيطالية بطلاقة.
وكان على العمودي رجلاً نشيطاً وذكياً. ولكنه ظل في مظهره وفي قرارة فؤاده دوعنياً خالصاً. ويتميز هذا الشعب بأنه محافظة من الأقوام الأخرى في وادي حضرموت., وينعكس هذا انعكاساً قوياً في وضع النساء اللاتي يعتبرون حفظة التقاليد القديمة. وفي الصيف عندما تنتج الأمطار ثلاثة مواسم من الذرة, وعندما ينضج الثمر, يعيش الدواعنيون في واديهم. أما في الشتاء, فيظل في الوادي النساء وحدهن وبعض الأيدي العاملة ليس إلا, بينما يمضي الرجال بكثير من البساطة ودون أي تظاهر, للاتجار في الاريتريا, وهو المكان الذي يؤثرونه, أو في الحبشة والعربية السعودية أو حتى في المكلا, حيث تستند التجارة إلى حد كبير على التجار الدوعنيين. وقد حققوا جميعاً نجاحاً يقوم على أسس ثابتة.
وراح يقول ... « ليس بيننا هنا فقراء أبداً».
وعندما كنا في بيت أبن عم علي الذي تبدو سعة العيش والهناء, وصاحبه رجل عجوز صخاب, يرتدي رداءً ممزقاً, خيل إلي أن الرجل بعيد كل البعد عن الثراء. وبدا لي ممثلاً لما يتميز به الدواعنيون من جشع وشره للمال, كما بدا لي غريباً في هذه الغرف المؤثثة بفاخر الأثاث والرياش. ورأيت في بيته, وبين عوارض السقف, لوحات صغيرة بيضاء من الخشب تحمل كتابات عربية, ولا أدري هل وضعها بدافع التقوى أو بدافع الإيمان بالخرافات, وأن كان القصد منها حماية البيت من الأرواح الشريرة, كما رأيت بيوض النعام في إحدى زوايا الغرفة وقرون الوعل في صدر الجدار, كما في عدد من بيوت الحضارمة الآخرين.
ويبدو أن أبن عم علي كان يتوقع المعجزات مني. وكان ولده البالغ الخامسة عشرة من عمره يشكو ألماً في ساقه يحتاج إلى علاج خاص في عيادة التجبير. وعندما قلت له أن عليه أن يبعث بولده إلى المستشفى في أسمره حيث يعيش علي, هز رأسه, وبدت عليه علائم عدم الاقتناع بما أقول وبما عملت, وقد أعرب عن عدم قناعته بقوله أنه لن يدفع إلى أجري, لأنني لم أفعل شيئاً لمعالجة ساق ولده.
وكان الغلام قد خيم عندما انتهيت من فحص المرضى الكثيرين ومعظمهم من نساء أسرة العمودي. وكان الوقت قد بات متأخراً بالنسبة إلى البدوي العجوز, ولذا فقد اختفى مع بعيره. وتحتم علي أن أعود مستعينة بضوء مصباحي. وكان القمر المتثائب يلقي بأضوائه الخافتة على جدران الوادي السوداء.
وعندما حل بعد الظهر اليوم السادس من وجودي في الحجرات حملت متاعي على بعير قوي, وامتطيت سنامه من جديد. وساروا أمامي حراسي يستقلون حميراً صغيرة ضعيفة.
ووصلنا بعيد المغيب إلى قرية « مسنة» التي تشبه القلعة, حيث نزلت في دار نائب دوعن المتغيب عن القرية. وجاءني أحد الرجال سعياً وراء راحتي بمرتبة كثيفة حسنة التنجيد, بينما جاءني ثان بمسنده, وثالث ببطانية حمراء مشرقة ، إذ أن البرد كان شديدا في شهر كانون الثاني .
ولم يراودني الأمل لحظة واحدة في أنني قد أتمكن من النوم إذ أن الممر الواقع أمام غرفتي كان مكتظا بالناس الذين يتحدثون بأصوات جمهورية عالية.
ويبدو أنهم كانوا يتناقلون آخر الأنباء والشائعات التي وصلتهم من الحجرات . وكان أحد الرجال يطل برأسه بين الفينة من الباب ليراني, فكنت أتظاهر بالنوم وأظل مغلقة عيني لأني كنت أشد تباً من أن أسدي مشورة طبية أو أتلقى زيارة في مثل هذه الساعة. ولم أتحرك إلا عندما سمعت ( قرقعة) الأطباق. ودخل عدد من الرجال ألآن ومعهم والد النائب. وجاء عدد من الغلمان بأطباق الأرز واللحم, وسرعان ما تحولت البسط القائمة بيننا إلى موائد للطعام.
والأكل كالنوم عند العرب, واجب له جلاله, ولا يجوز إزعاج المرء وهو يتناول طعامه. ولهذا أنتظر الرجال حتى فرغت من طعامي, وبدأت في تناول الشاي, ليواجهوا لي ما يشاءون من أسئلة.
ورحت أتجول في الساعات المبكرة من الصباح بحذاء أسوار السد, عبر بساتين النخيل اليانعة, التي تتلألأ في أشعة الشروق الأولى لأعود بعض المرضى قبل أن أغادر الوادي.
ولم أتعرف حقاً على ما في وادي دوعن من جمال وجلال إلا بعد مضى عامين عندما وجه إلي النائب بأزرعة, رسالة عاجلة للمجيء إلى « مسنة». وكان الوقت شهر تموز, وفيضانات الأمطار في أوجها في وادي دوعن, وتتكرر كل يوم, مما اضطرنا إلى الدنو من « جاهي» عند عقبة الطريق الغربي المؤدي إلى السوط لنصل إلى وادي دوعن فوق « مسنة» .
وبدا أمامنا أخدود عميق في مدى الهضبة الذي لا نهاية له. ومشيت إلى طرف الأخدود وألقيت بناظري إلى ما تحتي بين الصخور العمودية القطاع, والعارية من كل شيء, لأرى الوادي على بعد خمسمائة قدم تقريباً, وما يحيط به من آماد النظر الخضراء الرائعة, وفيها الحقول الحسنة التجدير, والعناقيد الكثيفة من البلح, وقد بانت بين أشجار الألب المنتشرة. وعلى ضفاف المنحدرات, تقوم القرى التي كان من الصعب علي تمييزها على الجلاميد الصخرية الشبهاء.
ولم تكن ثمة إلا دروب قدمية قليلة تقود من السوط إلى الوادي. وعلى رأس كل درب من هذه الدروب المنحدرة يقوم حصن كان يضم حتى وقت قريب الجنود لحماية الوادي من غزو البدو.
وقادني رسول النائب عبر قناة واسعة خلقتها الأمطار إلى درب صغير يسير بحذاء جدار الوادي. ورأيت فوق رأسي, هامات الصخور المدببة, وقد انفصلت عن الجلاميد بفعل الرياح وعوامل الطقس. وكان لابد من أن تنهار هذه الصخور ذات يوم إلى الوادي, تماماً كالصخور الأخرى التي تجمع بقاياها في أسفل الوادي. وضللنا نسير بحذاء هذا الممر عدة مئات من الياردات حتى وصلنا إلى منحدر صخري عميق , وأخذنا نتعرج في سيرنا ونتلوى في منعطفات دقيقة دقة رؤوس الإبر. وكانت ظلال السماء الباردة قد خيمت على الوادي. وأخذت النسوة الهارعات في طريق العودة إلى بيوتهن يتطلعن إلينا بعين الفضول والاستطلاع من وراء حجبهن السوداء الكثيفة.
وسرعان ما أنطلق صوت المؤذن داعياً صلاة المغرب. وعندما وصلت مسنة وجدت النائب في حالة من الضنك الشديد, من جراء نوبة عنيفة من نوبات الملاريا. وقضيت ليلي في العراء, كما كانت أفعل طيلة أيام السنة. وكان في وسعي أن أرى في ليالي الصيف الصافية برج العقرب وصليب الجنوب في كبد السماء, لا في هذا الوادي العميق وإنما في السوط المرتفع.
وأيقظني نسيم بارد عليل في الصباح التالي. وكانت السماء ملبدة بالغيوم, ولكن سرعان ما أنجلى الضباب. وتناولت طعام الفطور مع النائب وابية. وبدأ إلي الرجل العجوز بمعطفه الأزرق وكوفيته البيضاء, ودوداً ونبيلاً, مما استهواني إليه. وكان يتولى منصب النيابة قبل ولده, كما كان والده وجده من قبله. وكانت واجباته تحمله على أن يجوب الوادي صعوداً ونزولاً. وعلى الرغم أن يمضي إلى السوط وإلى الوديان الأخرى الواقعة في منطقته. وكان يقوم بهذه الرحلات دائماً على قدميه. وعلى الرغم من أنه غدا الآن رجلاً عجوزاً, إلا أنه كان أكثر حيوية وأسرع مشية من كثيرين من الشبان. وقال لي النائب العجوز أن أسرة بازرعة تنتمي إلى قبيلة حمير. وقد هاجر الحميريون من المنطقة المحيطة بصنعاء في اليمن قبل نحو من خمسمائة عام إلى الشحر. التي كانت تعتبر أهم ميناء في حضرموت قبل تفوق سلاطنة القعيطي, مما حول الأهمية منها إلى المكلا. وانتقل آل بازرعة من الشحر إلى وادي دوعن, كما شيدوا عدداًً من المعاقل في وادي حضرموت. وكان جد النائب قد عاش سنوات عدة في مصر حيث تعلم الكثير وراء الكثير. وعندما عاد إلى دوعن خاض حرباً ضروساً مع البدو, الذين ظلوا يبعثون الفزع والرعب والقلق لغاراتهم الدموية في المنطقة وما جاورها. وانتصرت عليهم أخيراً وفرض حاله من الأمن والاستقرار في دوعن. وراح يطلب من السلطان القعيطي في المكلا, أن يتولى حماية المنطقة وأن يبعث بعدد من جنوده ليخلص الدوعنيين من مهمة حماية مداخل واديهم.
وسادت حالة من الهدوء النسبي بعد ذلك وادي دوعن ووادي الأيسر أيضاً. ومضيت مع بازرعة العجوز إلى بيته في القسم العلوي من البلدة. وكانت جميع البيوت عالية كالعادة ولا تضم أية نوافذ كالطبقة الأرضية, وقد بنيت كلها متقاربة, حتى أن هاماتها كانت تكاد تتلامس لتربطها الجسور فوق الأزقة الضيقة المفروشة بالحصى ولا يكون في الأمكان تحصينها ضد هجمات خارجية بعدة أبواب ثقيلة منيعة. ورأيت ثقوباً واسعة بين النوافذ تنحدر إلى الأسفل من الجدار. وتبين لي أن هذه الثقوب تستخدم لإطلاق النار من أهل هذه البلدة بأمان واطمئنان على الغزاة من البدو, تماماً كما كان يفعل سكان القلاع في القرون الوسطى .
ووجدت في بيت الرجل العجوز سبعة أحفاد يعانون جميعاً من الملاريا ويعشش البعوض بشكل مزعج في البرك التي تخلفها الأمطار في الحقول وحول أشجار النخيل. ويروح هذا البعوض مهاجماً الناس وكأنه طاعون مخيف. وكان أزيزه يتخذ المساء شكلاً مزعجاً للغاية ولهذا فجميع أهل الوادي مصابون تقريباً بالملاريا ولاسيما الأطفال منهم, الذين يلقى الكثيرون منهم حتفهم من جراء ذلك.
وهبت عاصفة من الرعد بعد الظهر تماماً ولم تمض ربع ساعة حتى كانت مياه الأمطار قد شكلت سيولاً جارفة منصبة فوق الجلاميد الصخرية إلى الوادي السحيق. ولكن هذه السيول ما لبثت أن جفت فور توقف المطر. وشق الماء طريقه بسرعة عبر القنوات والسدود فوق الحقول. ولكنه لم يكن كافياً ليملى مجرى الوادي.
وقادني والد النائب بعد قليل « الخوريباه» وهي مركز الحكومة في الوادي, ولكننا لم نصل إليه أبداً. إذ سرعان ما تعالت الصرخات في الوادي معلنة حدود الطوفان. ويبدو أن المطر كان شديداً في أعالي السوط في الصباح. إذ أن وصول السيول منه إلى « الخوريباه» كان يستغرق ست ساعات. وكنا نسير بحذاء سد القناة الرئيسية عندما وصلت مياه الفيضان هادرة من المرتفعات, ورأيت أمواجاً من المياه ترغي وتزبد وترعد, هادرة من مزمجرة. وارتفع الماء إلى علو الإنسان. وعلا صوت الهدير في الوادي. ونحولنا عن السد الكبير إلى المروج الصغيرة التي تعلوها الأعشاب بين أشجار النخيل. وعندما وصلنا إلى الجدول, كان الماء قد أسرع بالسير نحو الأخاديد والحفر وملأها. وسار بي بازرعة العجوز إلى سد صلب, يتولى تحويل جزء من الجدول إلى قناة واسعة. أما ما تبقى فقد تحول إلى شلال ضخم يتهاوى فوق الجدار. وعبق الجو برائحة دافئة من الأرض التي بللتها المياه.
ولم تمضي ساعات حتى كان مجرى النهر قد خلا من الماء ثانية. وغمرت المياه في شهر آب(أغسطس), عام 1954, الوادي بكامله حتى وادي حضرموت مدة أسبوع كامل. ووصلت كذلك إلى شيبام وسيئون وتريم. ويعتبر حادث الفيضان دائماً من الأحداث المثيرة عند الأهلين, ولاسيما عندما تأتي المياه بلسانها النهم الشرة, ليعلق المنطقة الريفية كلها. ورأيت في هذا السيل الجارف المزبد, شيئاً حيوانياً قاسياً بل وشيئاً خطراً ومهدداً بالنسبة إلى زحفه الذي لا ضابط له. إذ لا تمضي ومضة عين حتى يكون الهدير قد وصل, وكثيراً ما داهم الفيضان بعض الناس بغتة وجرفهم معه مؤدياً بأرواحهم. وكثير ما حطمت المياه الهائجة بيوتاً بكاملها, وألافاً من أشجار النخيل الثمينة, التي يقتلعها من جذورها ويجرفها معه مسافة تترواح بين عشرة أميال وخمسة عشر ميلاً .
وكان هذا مثابة كارثة الدوعنيين. وعند وقوعها تنهال الهدايا من صغار النخيل على وادي دوعن من جميع المناطق المنتجة للتمر في حضرموت لتحل محل الأشجار التي اقتلعها الفيضان. لكن هذه الشجيرات لا تعطي أول ثمرها قبل انقضاء عشرين عاماً على الأقل. يا لها من خسارة ! وتنتج شجرة النخيل التي تلقى العناية., وتجد الري الكافي, وتكون قد نمت نمواً كافياً, ما يتراوح بين مائة ومائتي رطل من التمر. ويصل ثمن الشجرة الطيبة في وادي دوعن نحواً ثلاثة آلاف شلن. ولعل السبب في هذا الارتفاع في الأسعار ناجم عن كثرة الطلب, إذ أن كل دوعني يود لو أستثمر جزءاً من المال الذي حصل عليه في الخارج في أشجار النخيل, بدافع ما تقدمه من ربح طيب في وقت الجني, وبدافع ما يخلق له امتلاك هذه الأشجار من جذور عميقة في أرضه.
وعندما طلع صبح اليوم التالي, كان الجانب الشرقي من الوادي لا يزال يعيش في الظلال. ورحت أتسلق الممر مرة ثانية وأسير فوق الوادي الأخضر إلى جانب الجدار الصخري لأعبر المضيق نحو قمة السوط .
وكانت شاحنة في انتظاري هناك على مقربة من برج المراقبة القديم واختفى وادي دوعن وراءنا, ورحنا مرة ثانية نأخذ طريقنا على الهضبة التي لا حدود لها لنعود إلى الوادي على مقربة من جاهي. وأرعبتني من جديد رؤية العقبة العميقة بمنعطفاتها الشديدة التي لا تستطيع أية شاحنة عبورها دون الرجوع إلى الوراء, مع وجود هاوية مخيفة إلى حد الجانبين. وكان السائق يشير بين الفينة والفينة إلى أحد المنعطفات الشديدة الخطورة ويبلغني قصة سائق يدعى عبود أو آخر يدعى أحمد, كانا قد هويا بشاحنتهما إلى الوادي السحيق, بعد أن تعلق مقدمها مدة كافية بحافة الهوة, مكنت ركاب السيارتين من القفز منهما.
ورأيت في الوادي الأيسر بعض الماء ما زال متخلفاً من الفيضان الكبير, وهو يسيل في اتجاه الوادي الرئيسي. وتمكنا من عبور هذا الوادي بسيارتنا دون أية مشكلة أو مصيبة.
ولكننا رأينا الطريق فجأة تنقطع أمامنا. فلقد جرفت المياه التي سالت من وادي جانبي التربة وأصبح الماء الآن على انخفاض بضعة أقدام من مستوى الطريق العادي. وقفز جميع من في السيارة من ركاب وكلهم من الرجال الذين جمعناهم في طريقنا, وأخذوا يخوضون في الماء بحثاً عن أكثر النقاط تضحلاً, حتى لا تعلق السيارة في الطمي. وانتزع الرجال جلاميد الصخر, وملأوا الحفر بالحصى, حتى تتمكن سيارة (الفورد) من المرور بأمان. وعاد السائق الصومالي فتسلق السيارة ورجع إلى مقعده, وأراد المرور على الطريق المؤقت, ولكن الدواليب أخذت تلف في الطمي, وتحتم علينا أن نعمل على دفع السيارة, وأن نتأكد من أن الحصى التي قذفتها عجلاتها لا تصيب أقدامنا. ومضت السيارة وئيداً في طريقها, وكان فرحنا شاملاً عندما وجدنا أنفسنا على أرض جافة في الجانب الثاني. وتطلب السائق ومحرك السيارة الذي اشتدت حررته بعض الراحة. وأحسسنا جميعاً بالحر والظماء, فأطفأنا عطشنا بالماء الذي نحمله قي « قربنا» الجلدية التي كنا تعلقها على طرف السيارة ليلفحها النسيم العليل فيضفي علم ما بها من ماء شيئاً من البرودة. وعاد الركاب نشطين يتدفقون بالحيوية إلى الشاحنة التي عادت تشق طريقها من جديد. ولكننا كنا قد أصبحنا الآن خبراء في معالجة الأمر, وكررنا العمل الشاق أكثر من عشر مرات في تلك الرحلة. وفي أحدى هذه المرات تحتم على السيارة أن تهبط أرضاً شديدة الانحدار وباتت في وضع عمودي خطر يهددها بالانقلاب ولكنها عادت فصححت وضعها, ومضت بهدوء خارجة من الرمل والحصى.
وهكذا قضينا ثماني ساعات في قطع المسافة التي كنا قطعناها في رحلة الذهاب في ساعتين. وبضب الماء من قربنا, وأحسسنا جميعاً بظمأ ساعر, إذ أن مياه الفيضان بلونها الأصفر والبني من الرمل والطمي, لم تكن صالحة للشرب .
ونجونا أخيراً من المياه, وصلنا, إلى قرية صغيرة تدعى « غار السودان» .
وكنا في حالة شديدة من الإنهاك و الظمأ, وتركز أملنا على إيجاد بعض الماء لنشربه ونشدان بعض الراحة. ولكن القرية كانت مهجورة تماماً. إذ خرج كل من فيها من رجال ونساء بعد انحسار مياه الفيضان عن الحقول, وامتصاص ما تبقى منها في التربة, إلى الحقول يحرثونها وينثران البذار فيها.
وخرج القائم, وهو الموظف الإداري الذي رافقنا في رحلتنا من السيارة ينادي على مختارها. ومضى بنا الرجل إلى بيته حيث قدم إلينا جرعة كبيرة من الماء المنعش القراح, من قربة « قربة» كبيرة, وقدحاً من القرفة الممزوجة بالبن والتمر.
وبد أن نال الرجال قسطاً من الراحة, أخذوا يثبون واحداً بعد الآخر على أقدامهم, وينشرون أرديتهم على الأرض لأداء صلاة العصر.
وخيّل المكان إلي أننا اكتفينا بما نلناه من راحة, وأن علينا أن نوصل السير إلى المكان الذي نقصده. ولكن المختار أحضر في تلك اللحظة غداء رائعاً مؤلفاً من الأرز واللحم والسمك المقدد والخبز والعسل العذب والمذاق يحيط به الشمع, وهو ما تشهر به منطقة دوعن. وكان الرجل على وجه التأكيد , فقيراً وقد أتيناه ضيوفاً بغتة وعلى غير استعداد. ولكن العرف يقضي بأن ندخل جميعاً إلى منزله, حتى الركاب الذين حملناهم معنا في السيارة, وأن يقدم إلينا الطعام والشراب وكأننا من أصدقائه القدامى, مع إننا كنا جميعاً غرباء عنه هذا هو الكرم العربي في أروع صورة, وهو يسود البلاد في كل أطرافها فالمسافر هو الضيف اليوم, وقد يغدو الضيف غداً أو بعد غد, ولهذا فأن أجود الأطعمة الموجودة في البيت يجب أن تقدم دائماً إلى الضيف .
وأكملنا رحلتنا في الصباح التالي. ووجدت في شيبام حشداً كبيراً من الحجاج ينتظرون بفارغ الصبر الحصول مني على شهادات تطعيمهم. فلقد كانوا يعتزمون الشروع تلك الليلة في رحلة تستغرق عشرة أيام عبر الصحراء لا ماء فيها ولا حياة إلى مكة المكرمة.
__________________
اقتباس:
ليس بالضرورة أن تكون عميلا لتخدم عدوّك
يكفي أن تكون غبيّاً .

الشيخ / محمد الغزالي
support غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-03-2008, 01:57 AM   #2
العـــاذر
حارس الــــورد
 
الصورة الرمزية العـــاذر
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 13,794
العـــاذر is on a distinguished road
افتراضي رد: إلى وادي دوعن برفقة الشيخ صالح باسويد

امتاع في جلاال التاريخ ووقارة


شكرآ
العـــاذر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2009, 07:57 PM   #3
عاشق البراري
من كبار كتّاب الملتقى
 
الصورة الرمزية عاشق البراري
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 3,567
عاشق البراري قام بتعطيل التقييم
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة support مشاهدة المشاركة
وادي دوعن


من كتاب سنوات في اليمن وحضرموت
للطبيبة الالمانية ايفا هويك


بادرني العقيد بقوله عندما وصل إلى الوادي بعيد رأس السنة الجديدة ... « انك تبدين في أحسن حال, وأسعد بال ». ثم راح يسألني إذا كنت أحب أن أمضي معه بالسيارة إلى وادي دوعن.
وكان الشيخ عمر باسويد قد طلب إلي المجيء بسرعة إلى المكلا للكشف على زوجاته وأطفاله, ولذا فقد بعثت فكرة هذه الرحلة السرور في نفسي.
ولم يمض يومان حتى كنا نستقل سيارة النائب الشاحنة ونتجه صعداً مع الوادي. وذكرتني آثار القلاع وأبراج المراقبة طيلة الطريق بغارات الغزاة في الماضي . ورأيت في « قطن» وهي بلدة صغيرة مسوّرة, يحتل فيها قصر السلطان مكاناً مشرفاً بحيث يرى على بعد ميلين وتحيط به حقول غنية بالحنطة, النتائج التي يحققها الري بالمضخات بدلاً من الري بيد الإنسان أو بواسطة الحيوانات .
وكان لبرنامج المضخات الذي شجعته حكومات عدن و المكلا وسيئون, عدد كبير من المعجبين المتحمسين في هذه المنطقة. وكانت الرغبة العامة مصحوبة بالجهد متجهة إلى زيادة المحاصيل, وإزالة خطر المجاعة الذي يهدد هذه البلاد بازدياد.
وتنحصر هذه المنطقة بما فيها من مياه جوفية غزيرة وقريبة إلى سطح الأرض في وادي حضرموت الكبير, وفي مصبات مجاورة عدة تعتبر روافد للوادي الكبير, وتمتد إلى مسافة سبعين ميلاً من « هينين» في الغرب إلى شيبام وتريم والقسم في الشرق. ولكن هذا الجزء من الوادي الواسع الذي شق طريقه آكلاً السوط وهو ما يسمى بوادي حضرموت. أما في القسم العلوي فيحمل الوادي اسم« وادي القصر» بينما يحمل الجزء الأسفل منه اسم « وادي المسيلة» الذي ينساب حتى يصل إلى ساحل المحيط الهندي إلى سيحوت الواقعة على مسيرة بضعة أيام إلى الشرق من المكلا.
وكان أحد المستكشفين في القرن التاسع عشر ويدعى ليو هيرش الألماني من برلين قد عرّف حضرموت « بمنطقة المدائن والأراضي المزروعة» بينما يطلق اسم البادية على« منطقة المراعي والصحراء» رامزاً بها إلى المنطقة التي يسكنها البدو.
ويتسع الوادي بعد قطن ليتضاعف حجماً. وتصل الطريق إلى نهايتها, متكثفة في شبكة من الطريق التي كانت تسير عليها السيارات والتي طمستها الرمال, عبر قطعة من الصحراء تمتد خمسة وأربعين ميلاً . واجتزنا هذه المسافة دون أن تغطس سيارتنا في الرمال ثم اتجهنا إلى وادي دوعن, الذي يطلق عليه في جزأيه الأوسط والأدنى اسم آخر , لم أسمعه على لسان الأهلين مرة واحدة. وقادتنا رحلتنا إلى الجزء العلوي من وادي دوعن, وهو الذراع الأيمن من الوادي الأصلي الذي يتصل بالذارع الأيسر المسمى بالوادي الأيسر عند جاهي.
ووصلنا جاهي في الساعات المبكرة من بعد الظهيرة, وهناك انتهت رحلة السيارة إلى مطافها الأخير. وأوصى لنا الموظف الإداري الذي يسمى « بالقائم» على بعيرين, وهكذا امتطيت للمرة الأولى سنام هذه الحيوانات الصابرة على حمولاتها. وكان نصيبي البعير الأخف حملاً, وجلست على مجموعة من البطانيات بين الأقفاص والأكياس التي تدلت على جانبي الحيوان. ومضيت يقودني بدوي عجوز أمشي الهوينا على مسلك صحراوي تملؤه الحصى الصفر, في مجرى النهر.
وتقف الجلاميد الصخرية المحيطة بجانبي الوادي وراء أشجار النخيل, وقد حملت لوناً يجمع بين البنفسجية والبنية أمام سماء المساء الزرقاء.
وكان الوقت غسقاً عندما وصلنا إلى بيت باسويد في الحجرات. وأعد لنا العشاء قبل أن أستطيع الإيواء إلى فراشي في غرفة الرجال وذلك مع مضيفي الأخوة من أولاد باسويد. ونثرت أمامنا على حصيرة كبيرة من القش صحاف الأرز ولحم الضأن المشوي والحساء. وتناول الأخ الأكبر مطواة طويلة من حزامه, قطع بها اللحم عن العظم, وقدم قطعة منها إلى كل واحد من الضيوف. وجلسنا حول الحصيرة وأخذنا نتناول ما لذلنا وطاب من جبل الأرز المتصاعد أمامنا.
وشرعت في الصباح التالي في معاينة أسرة باسويد المؤلفة من ستين امرأة وطفلاً. وسرعان ما أذعنت النساء جميعاَ للنظام المطلوب إذ كان عليهن أن يعدن إلى أعمالهن اليومية العادية في المطبخ وفي الحقول. ولم تجر العادة في وادي دوعن أن يكون لدى الأسرة عدد كبير من الخدم. وكان زيهن عملياً إلى حد كبير, وشعورهن قصيرة وقد جمعت في قطع برتقالية من القماش ويرتدين ملابس كالأكياس لا أكمام لها تمتد حتى الركبة من الأمام وإلى ما دون عضلة الساق من الخلف. وبالرغم من « الترتر» البراق في الألبسة الصفراء والخضراء والحمراء التي يرتدينها نساء وادي دوعن وعلى الرغم من النطاق الفضي الثقيل, والخلاخل الفنية الصنع, فأن ذوقي لم يستسغ لباس بنات وادي دوعن, مع أن هذا اللباس لم يكن يفتقر إلى الابتكار.
ويعش ستة أخوة من أبناء باسويد في هذا البيت الذي حللت فيه ضيفه الآن. وكانت كل منهم شقته الخاصة به, والتي تعيش فيها زوجاته وأطفاله.
ويجتمع الرجال في غرفة مشتركة يستقبلون فيها ضيوفهم ويتناولون وجبات طعامهم. وتشترك النسوة في المطبخ. وتتألف كل شقة من غرفة كبيرة وممر صغير وحمام. ويقوم أمام النوافذ جدار خشبي أسود يضم عدداً من الخزائن وطرازاً من الكهف يوضع فيه الفراش في النهار. وجميع الأثاث الخشبي وحتى النوافذ ذات الشباك والصناديق المنقوشة كلها مصنوعة من خشب الألب القوي الذي ينمو بكثرة في وادي دوعن. وقد رصعت الأبواب بمسامير كبيرة من الفضة, كما غطيت الأرض ببسط من صوف الغنم الأسود. وعلقت النساء على الجدران المصبوغة بالدهانات صحوناً كبيرة من معدن الفضة أو من النحاس والخزف الصيني, وفي إحدى الزوايا توجد صفائح من التنك لها بطون ضخمة وأعناق نحيلة, يصنعون فيها القهوة ممزوجة بالهال. وقد قدم لي هذا الشراب في قدح من الصيني بعد بضع حبات من التمر.
وكانت الشمس قد غابت عن الوادي عندما وصلت إلى بستان النخيل. وقد ظلت هنا بعض الحشائش حية تحت أشجار النخيل نتيجة الأمطار التي هطلت في أواخر صيف السنة الماضية. أما بقية أجزاء التربة فكانت جافة وقاحلة. وليس المطر الذي يتساقط في الوادي غزيراً كل الغزارة, كما هي الحالة في السوط, حيث تسقط حبات البرد بحجم معصم الإنسان. ويعتبر وادي دوعن المسيل الذي تتحول إليه مياه مساحات شاسعة من الهضبة الصخرية.
وهكذا يسيل طوفان عرم من الماء إلى الوادي بعد عاصفة رعد ممطرة. وكانت هذه المياه الثمينة تسيل منذ أقدم العصور في قنوات وخزانات وسدود إلى الحقول وبساتين النخيل. وتحيط أسوار من الحجر بالتربة الثمينة للحيلولة بينها وبين الانحراف مع الماء. لكل مجلس قرية, قناته الرئيسية الخاصة به والتي تستخدم في عمليات الري الجماعي. ويختار لأفراد المجموع محافظاً يكون مسؤولاً عن صيانة أجهزة الري وإدارتها, ويتحتم على كل فرد في القرية إطاعة أوامره لمصلحة هذا الفرد ومصلحة المجموع.
وقد قمت بزيارة بودا أبان وجودي في الوادي. فلقد طهر مرت أخرى بدوي مع بعيره الذي يستخدمه كسيارة أجرة في الصحراء. وقد حملني عبر القناة الرئيسية الجافة إلى حقول بودا الواقعة إلى اليسار من الأسوار التي يتراوح ارتفاعها بين التسعة أقدام والأثني عشر قدماً والتي تحيط بالحقول المسوّرة, وإلى اليمين من السد يرتفع هذه المسافة أيضاً والذي يفصل القناة عن مجرى النهر. وسار رفاقي الستة في صف واحد على طول سور السد, وفي طليعتهم صيدلي خوريباه, وهو إنسان متحذلق مغرور, كان يعرض عصا للمشي متقنة الزخرف, ومشى في المؤخرة كاتب محفوظات وهو شاب رقيق ذو شعر اسود وقد بان في ذقنه زغب من الشعر. وكان يتطلع إلى لقائي لا شفية من ثمار حياة العمر التي يعيشها.
ولك يتوقف هذر رفاقي العالي والملي بالحيوية لحظة واحدة. وكان البدوي العجوز يرقبني باهتمام وحرص ليتأكد من عدم اصطدامي بأحد أغصان الإلب المتدلية.
وتحتم علي في بودا أن أترجل, وأن أتسلق الدروب العمودية الملأى بالحصى على قدمي. وكانت هذه العملية أكثر مشقة, إذ أن النفايات الخارجة من الدور, كانت تسيل على التل, كما كانت مجاري المراحيض تنصب على الشارع. وعم ذلك وعلى الرغم من هذا العيب فأن بيوت هذه القرية المكتظة والقابعة تحت الجلاميد الصخرية العمودية, وكانت من النوع الذي يلقي العناية والرعاية لأن بودا هي عاصمة وادي دوعن الذي يقيم فيه شعب العموديين.
واستقبلنا علي عبدالرحمن, أنا وحرسي المؤلف من ستة رجال. وكان قد عاش ثلاثين سنة على التناوب في بودا وأسمره في اريتريا, ويتحدث اللغة الإيطالية بطلاقة.
وكان على العمودي رجلاً نشيطاً وذكياً. ولكنه ظل في مظهره وفي قرارة فؤاده دوعنياً خالصاً. ويتميز هذا الشعب بأنه محافظة من الأقوام الأخرى في وادي حضرموت., وينعكس هذا انعكاساً قوياً في وضع النساء اللاتي يعتبرون حفظة التقاليد القديمة. وفي الصيف عندما تنتج الأمطار ثلاثة مواسم من الذرة, وعندما ينضج الثمر, يعيش الدواعنيون في واديهم. أما في الشتاء, فيظل في الوادي النساء وحدهن وبعض الأيدي العاملة ليس إلا, بينما يمضي الرجال بكثير من البساطة ودون أي تظاهر, للاتجار في الاريتريا, وهو المكان الذي يؤثرونه, أو في الحبشة والعربية السعودية أو حتى في المكلا, حيث تستند التجارة إلى حد كبير على التجار الدوعنيين. وقد حققوا جميعاً نجاحاً يقوم على أسس ثابتة.
وراح يقول ... « ليس بيننا هنا فقراء أبداً».
وعندما كنا في بيت أبن عم علي الذي تبدو سعة العيش والهناء, وصاحبه رجل عجوز صخاب, يرتدي رداءً ممزقاً, خيل إلي أن الرجل بعيد كل البعد عن الثراء. وبدا لي ممثلاً لما يتميز به الدواعنيون من جشع وشره للمال, كما بدا لي غريباً في هذه الغرف المؤثثة بفاخر الأثاث والرياش. ورأيت في بيته, وبين عوارض السقف, لوحات صغيرة بيضاء من الخشب تحمل كتابات عربية, ولا أدري هل وضعها بدافع التقوى أو بدافع الإيمان بالخرافات, وأن كان القصد منها حماية البيت من الأرواح الشريرة, كما رأيت بيوض النعام في إحدى زوايا الغرفة وقرون الوعل في صدر الجدار, كما في عدد من بيوت الحضارمة الآخرين.
ويبدو أن أبن عم علي كان يتوقع المعجزات مني. وكان ولده البالغ الخامسة عشرة من عمره يشكو ألماً في ساقه يحتاج إلى علاج خاص في عيادة التجبير. وعندما قلت له أن عليه أن يبعث بولده إلى المستشفى في أسمره حيث يعيش علي, هز رأسه, وبدت عليه علائم عدم الاقتناع بما أقول وبما عملت, وقد أعرب عن عدم قناعته بقوله أنه لن يدفع إلى أجري, لأنني لم أفعل شيئاً لمعالجة ساق ولده.
وكان الغلام قد خيم عندما انتهيت من فحص المرضى الكثيرين ومعظمهم من نساء أسرة العمودي. وكان الوقت قد بات متأخراً بالنسبة إلى البدوي العجوز, ولذا فقد اختفى مع بعيره. وتحتم علي أن أعود مستعينة بضوء مصباحي. وكان القمر المتثائب يلقي بأضوائه الخافتة على جدران الوادي السوداء.
وعندما حل بعد الظهر اليوم السادس من وجودي في الحجرات حملت متاعي على بعير قوي, وامتطيت سنامه من جديد. وساروا أمامي حراسي يستقلون حميراً صغيرة ضعيفة.
ووصلنا بعيد المغيب إلى قرية « مسنة» التي تشبه القلعة, حيث نزلت في دار نائب دوعن المتغيب عن القرية. وجاءني أحد الرجال سعياً وراء راحتي بمرتبة كثيفة حسنة التنجيد, بينما جاءني ثان بمسنده, وثالث ببطانية حمراء مشرقة ، إذ أن البرد كان شديدا في شهر كانون الثاني .
ولم يراودني الأمل لحظة واحدة في أنني قد أتمكن من النوم إذ أن الممر الواقع أمام غرفتي كان مكتظا بالناس الذين يتحدثون بأصوات جمهورية عالية.
ويبدو أنهم كانوا يتناقلون آخر الأنباء والشائعات التي وصلتهم من الحجرات . وكان أحد الرجال يطل برأسه بين الفينة من الباب ليراني, فكنت أتظاهر بالنوم وأظل مغلقة عيني لأني كنت أشد تباً من أن أسدي مشورة طبية أو أتلقى زيارة في مثل هذه الساعة. ولم أتحرك إلا عندما سمعت ( قرقعة) الأطباق. ودخل عدد من الرجال ألآن ومعهم والد النائب. وجاء عدد من الغلمان بأطباق الأرز واللحم, وسرعان ما تحولت البسط القائمة بيننا إلى موائد للطعام.
والأكل كالنوم عند العرب, واجب له جلاله, ولا يجوز إزعاج المرء وهو يتناول طعامه. ولهذا أنتظر الرجال حتى فرغت من طعامي, وبدأت في تناول الشاي, ليواجهوا لي ما يشاءون من أسئلة.
ورحت أتجول في الساعات المبكرة من الصباح بحذاء أسوار السد, عبر بساتين النخيل اليانعة, التي تتلألأ في أشعة الشروق الأولى لأعود بعض المرضى قبل أن أغادر الوادي.
ولم أتعرف حقاً على ما في وادي دوعن من جمال وجلال إلا بعد مضى عامين عندما وجه إلي النائب بأزرعة, رسالة عاجلة للمجيء إلى « مسنة». وكان الوقت شهر تموز, وفيضانات الأمطار في أوجها في وادي دوعن, وتتكرر كل يوم, مما اضطرنا إلى الدنو من « جاهي» عند عقبة الطريق الغربي المؤدي إلى السوط لنصل إلى وادي دوعن فوق « مسنة» .
وبدا أمامنا أخدود عميق في مدى الهضبة الذي لا نهاية له. ومشيت إلى طرف الأخدود وألقيت بناظري إلى ما تحتي بين الصخور العمودية القطاع, والعارية من كل شيء, لأرى الوادي على بعد خمسمائة قدم تقريباً, وما يحيط به من آماد النظر الخضراء الرائعة, وفيها الحقول الحسنة التجدير, والعناقيد الكثيفة من البلح, وقد بانت بين أشجار الألب المنتشرة. وعلى ضفاف المنحدرات, تقوم القرى التي كان من الصعب علي تمييزها على الجلاميد الصخرية الشبهاء.
ولم تكن ثمة إلا دروب قدمية قليلة تقود من السوط إلى الوادي. وعلى رأس كل درب من هذه الدروب المنحدرة يقوم حصن كان يضم حتى وقت قريب الجنود لحماية الوادي من غزو البدو.
وقادني رسول النائب عبر قناة واسعة خلقتها الأمطار إلى درب صغير يسير بحذاء جدار الوادي. ورأيت فوق رأسي, هامات الصخور المدببة, وقد انفصلت عن الجلاميد بفعل الرياح وعوامل الطقس. وكان لابد من أن تنهار هذه الصخور ذات يوم إلى الوادي, تماماً كالصخور الأخرى التي تجمع بقاياها في أسفل الوادي. وضللنا نسير بحذاء هذا الممر عدة مئات من الياردات حتى وصلنا إلى منحدر صخري عميق , وأخذنا نتعرج في سيرنا ونتلوى في منعطفات دقيقة دقة رؤوس الإبر. وكانت ظلال السماء الباردة قد خيمت على الوادي. وأخذت النسوة الهارعات في طريق العودة إلى بيوتهن يتطلعن إلينا بعين الفضول والاستطلاع من وراء حجبهن السوداء الكثيفة.
وسرعان ما أنطلق صوت المؤذن داعياً صلاة المغرب. وعندما وصلت مسنة وجدت النائب في حالة من الضنك الشديد, من جراء نوبة عنيفة من نوبات الملاريا. وقضيت ليلي في العراء, كما كانت أفعل طيلة أيام السنة. وكان في وسعي أن أرى في ليالي الصيف الصافية برج العقرب وصليب الجنوب في كبد السماء, لا في هذا الوادي العميق وإنما في السوط المرتفع.
وأيقظني نسيم بارد عليل في الصباح التالي. وكانت السماء ملبدة بالغيوم, ولكن سرعان ما أنجلى الضباب. وتناولت طعام الفطور مع النائب وابية. وبدأ إلي الرجل العجوز بمعطفه الأزرق وكوفيته البيضاء, ودوداً ونبيلاً, مما استهواني إليه. وكان يتولى منصب النيابة قبل ولده, كما كان والده وجده من قبله. وكانت واجباته تحمله على أن يجوب الوادي صعوداً ونزولاً. وعلى الرغم أن يمضي إلى السوط وإلى الوديان الأخرى الواقعة في منطقته. وكان يقوم بهذه الرحلات دائماً على قدميه. وعلى الرغم من أنه غدا الآن رجلاً عجوزاً, إلا أنه كان أكثر حيوية وأسرع مشية من كثيرين من الشبان. وقال لي النائب العجوز أن أسرة بازرعة تنتمي إلى قبيلة حمير. وقد هاجر الحميريون من المنطقة المحيطة بصنعاء في اليمن قبل نحو من خمسمائة عام إلى الشحر. التي كانت تعتبر أهم ميناء في حضرموت قبل تفوق سلاطنة القعيطي, مما حول الأهمية منها إلى المكلا. وانتقل آل بازرعة من الشحر إلى وادي دوعن, كما شيدوا عدداًً من المعاقل في وادي حضرموت. وكان جد النائب قد عاش سنوات عدة في مصر حيث تعلم الكثير وراء الكثير. وعندما عاد إلى دوعن خاض حرباً ضروساً مع البدو, الذين ظلوا يبعثون الفزع والرعب والقلق لغاراتهم الدموية في المنطقة وما جاورها. وانتصرت عليهم أخيراً وفرض حاله من الأمن والاستقرار في دوعن. وراح يطلب من السلطان القعيطي في المكلا, أن يتولى حماية المنطقة وأن يبعث بعدد من جنوده ليخلص الدوعنيين من مهمة حماية مداخل واديهم.
وسادت حالة من الهدوء النسبي بعد ذلك وادي دوعن ووادي الأيسر أيضاً. ومضيت مع بازرعة العجوز إلى بيته في القسم العلوي من البلدة. وكانت جميع البيوت عالية كالعادة ولا تضم أية نوافذ كالطبقة الأرضية, وقد بنيت كلها متقاربة, حتى أن هاماتها كانت تكاد تتلامس لتربطها الجسور فوق الأزقة الضيقة المفروشة بالحصى ولا يكون في الأمكان تحصينها ضد هجمات خارجية بعدة أبواب ثقيلة منيعة. ورأيت ثقوباً واسعة بين النوافذ تنحدر إلى الأسفل من الجدار. وتبين لي أن هذه الثقوب تستخدم لإطلاق النار من أهل هذه البلدة بأمان واطمئنان على الغزاة من البدو, تماماً كما كان يفعل سكان القلاع في القرون الوسطى .
ووجدت في بيت الرجل العجوز سبعة أحفاد يعانون جميعاً من الملاريا ويعشش البعوض بشكل مزعج في البرك التي تخلفها الأمطار في الحقول وحول أشجار النخيل. ويروح هذا البعوض مهاجماً الناس وكأنه طاعون مخيف. وكان أزيزه يتخذ المساء شكلاً مزعجاً للغاية ولهذا فجميع أهل الوادي مصابون تقريباً بالملاريا ولاسيما الأطفال منهم, الذين يلقى الكثيرون منهم حتفهم من جراء ذلك.
وهبت عاصفة من الرعد بعد الظهر تماماً ولم تمض ربع ساعة حتى كانت مياه الأمطار قد شكلت سيولاً جارفة منصبة فوق الجلاميد الصخرية إلى الوادي السحيق. ولكن هذه السيول ما لبثت أن جفت فور توقف المطر. وشق الماء طريقه بسرعة عبر القنوات والسدود فوق الحقول. ولكنه لم يكن كافياً ليملى مجرى الوادي.
وقادني والد النائب بعد قليل « الخوريباه» وهي مركز الحكومة في الوادي, ولكننا لم نصل إليه أبداً. إذ سرعان ما تعالت الصرخات في الوادي معلنة حدود الطوفان. ويبدو أن المطر كان شديداً في أعالي السوط في الصباح. إذ أن وصول السيول منه إلى « الخوريباه» كان يستغرق ست ساعات. وكنا نسير بحذاء سد القناة الرئيسية عندما وصلت مياه الفيضان هادرة من المرتفعات, ورأيت أمواجاً من المياه ترغي وتزبد وترعد, هادرة من مزمجرة. وارتفع الماء إلى علو الإنسان. وعلا صوت الهدير في الوادي. ونحولنا عن السد الكبير إلى المروج الصغيرة التي تعلوها الأعشاب بين أشجار النخيل. وعندما وصلنا إلى الجدول, كان الماء قد أسرع بالسير نحو الأخاديد والحفر وملأها. وسار بي بازرعة العجوز إلى سد صلب, يتولى تحويل جزء من الجدول إلى قناة واسعة. أما ما تبقى فقد تحول إلى شلال ضخم يتهاوى فوق الجدار. وعبق الجو برائحة دافئة من الأرض التي بللتها المياه.
ولم تمضي ساعات حتى كان مجرى النهر قد خلا من الماء ثانية. وغمرت المياه في شهر آب(أغسطس), عام 1954, الوادي بكامله حتى وادي حضرموت مدة أسبوع كامل. ووصلت كذلك إلى شيبام وسيئون وتريم. ويعتبر حادث الفيضان دائماً من الأحداث المثيرة عند الأهلين, ولاسيما عندما تأتي المياه بلسانها النهم الشرة, ليعلق المنطقة الريفية كلها. ورأيت في هذا السيل الجارف المزبد, شيئاً حيوانياً قاسياً بل وشيئاً خطراً ومهدداً بالنسبة إلى زحفه الذي لا ضابط له. إذ لا تمضي ومضة عين حتى يكون الهدير قد وصل, وكثيراً ما داهم الفيضان بعض الناس بغتة وجرفهم معه مؤدياً بأرواحهم. وكثير ما حطمت المياه الهائجة بيوتاً بكاملها, وألافاً من أشجار النخيل الثمينة, التي يقتلعها من جذورها ويجرفها معه مسافة تترواح بين عشرة أميال وخمسة عشر ميلاً .
وكان هذا مثابة كارثة الدوعنيين. وعند وقوعها تنهال الهدايا من صغار النخيل على وادي دوعن من جميع المناطق المنتجة للتمر في حضرموت لتحل محل الأشجار التي اقتلعها الفيضان. لكن هذه الشجيرات لا تعطي أول ثمرها قبل انقضاء عشرين عاماً على الأقل. يا لها من خسارة ! وتنتج شجرة النخيل التي تلقى العناية., وتجد الري الكافي, وتكون قد نمت نمواً كافياً, ما يتراوح بين مائة ومائتي رطل من التمر. ويصل ثمن الشجرة الطيبة في وادي دوعن نحواً ثلاثة آلاف شلن. ولعل السبب في هذا الارتفاع في الأسعار ناجم عن كثرة الطلب, إذ أن كل دوعني يود لو أستثمر جزءاً من المال الذي حصل عليه في الخارج في أشجار النخيل, بدافع ما تقدمه من ربح طيب في وقت الجني, وبدافع ما يخلق له امتلاك هذه الأشجار من جذور عميقة في أرضه.
وعندما طلع صبح اليوم التالي, كان الجانب الشرقي من الوادي لا يزال يعيش في الظلال. ورحت أتسلق الممر مرة ثانية وأسير فوق الوادي الأخضر إلى جانب الجدار الصخري لأعبر المضيق نحو قمة السوط .
وكانت شاحنة في انتظاري هناك على مقربة من برج المراقبة القديم واختفى وادي دوعن وراءنا, ورحنا مرة ثانية نأخذ طريقنا على الهضبة التي لا حدود لها لنعود إلى الوادي على مقربة من جاهي. وأرعبتني من جديد رؤية العقبة العميقة بمنعطفاتها الشديدة التي لا تستطيع أية شاحنة عبورها دون الرجوع إلى الوراء, مع وجود هاوية مخيفة إلى حد الجانبين. وكان السائق يشير بين الفينة والفينة إلى أحد المنعطفات الشديدة الخطورة ويبلغني قصة سائق يدعى عبود أو آخر يدعى أحمد, كانا قد هويا بشاحنتهما إلى الوادي السحيق, بعد أن تعلق مقدمها مدة كافية بحافة الهوة, مكنت ركاب السيارتين من القفز منهما.
ورأيت في الوادي الأيسر بعض الماء ما زال متخلفاً من الفيضان الكبير, وهو يسيل في اتجاه الوادي الرئيسي. وتمكنا من عبور هذا الوادي بسيارتنا دون أية مشكلة أو مصيبة.
ولكننا رأينا الطريق فجأة تنقطع أمامنا. فلقد جرفت المياه التي سالت من وادي جانبي التربة وأصبح الماء الآن على انخفاض بضعة أقدام من مستوى الطريق العادي. وقفز جميع من في السيارة من ركاب وكلهم من الرجال الذين جمعناهم في طريقنا, وأخذوا يخوضون في الماء بحثاً عن أكثر النقاط تضحلاً, حتى لا تعلق السيارة في الطمي. وانتزع الرجال جلاميد الصخر, وملأوا الحفر بالحصى, حتى تتمكن سيارة (الفورد) من المرور بأمان. وعاد السائق الصومالي فتسلق السيارة ورجع إلى مقعده, وأراد المرور على الطريق المؤقت, ولكن الدواليب أخذت تلف في الطمي, وتحتم علينا أن نعمل على دفع السيارة, وأن نتأكد من أن الحصى التي قذفتها عجلاتها لا تصيب أقدامنا. ومضت السيارة وئيداً في طريقها, وكان فرحنا شاملاً عندما وجدنا أنفسنا على أرض جافة في الجانب الثاني. وتطلب السائق ومحرك السيارة الذي اشتدت حررته بعض الراحة. وأحسسنا جميعاً بالحر والظماء, فأطفأنا عطشنا بالماء الذي نحمله قي « قربنا» الجلدية التي كنا تعلقها على طرف السيارة ليلفحها النسيم العليل فيضفي علم ما بها من ماء شيئاً من البرودة. وعاد الركاب نشطين يتدفقون بالحيوية إلى الشاحنة التي عادت تشق طريقها من جديد. ولكننا كنا قد أصبحنا الآن خبراء في معالجة الأمر, وكررنا العمل الشاق أكثر من عشر مرات في تلك الرحلة. وفي أحدى هذه المرات تحتم على السيارة أن تهبط أرضاً شديدة الانحدار وباتت في وضع عمودي خطر يهددها بالانقلاب ولكنها عادت فصححت وضعها, ومضت بهدوء خارجة من الرمل والحصى.
وهكذا قضينا ثماني ساعات في قطع المسافة التي كنا قطعناها في رحلة الذهاب في ساعتين. وبضب الماء من قربنا, وأحسسنا جميعاً بظمأ ساعر, إذ أن مياه الفيضان بلونها الأصفر والبني من الرمل والطمي, لم تكن صالحة للشرب .
ونجونا أخيراً من المياه, وصلنا, إلى قرية صغيرة تدعى « غار السودان» .
وكنا في حالة شديدة من الإنهاك و الظمأ, وتركز أملنا على إيجاد بعض الماء لنشربه ونشدان بعض الراحة. ولكن القرية كانت مهجورة تماماً. إذ خرج كل من فيها من رجال ونساء بعد انحسار مياه الفيضان عن الحقول, وامتصاص ما تبقى منها في التربة, إلى الحقول يحرثونها وينثران البذار فيها.
وخرج القائم, وهو الموظف الإداري الذي رافقنا في رحلتنا من السيارة ينادي على مختارها. ومضى بنا الرجل إلى بيته حيث قدم إلينا جرعة كبيرة من الماء المنعش القراح, من قربة « قربة» كبيرة, وقدحاً من القرفة الممزوجة بالبن والتمر.
وبد أن نال الرجال قسطاً من الراحة, أخذوا يثبون واحداً بعد الآخر على أقدامهم, وينشرون أرديتهم على الأرض لأداء صلاة العصر.
وخيّل المكان إلي أننا اكتفينا بما نلناه من راحة, وأن علينا أن نوصل السير إلى المكان الذي نقصده. ولكن المختار أحضر في تلك اللحظة غداء رائعاً مؤلفاً من الأرز واللحم والسمك المقدد والخبز والعسل العذب والمذاق يحيط به الشمع, وهو ما تشهر به منطقة دوعن. وكان الرجل على وجه التأكيد , فقيراً وقد أتيناه ضيوفاً بغتة وعلى غير استعداد. ولكن العرف يقضي بأن ندخل جميعاً إلى منزله, حتى الركاب الذين حملناهم معنا في السيارة, وأن يقدم إلينا الطعام والشراب وكأننا من أصدقائه القدامى, مع إننا كنا جميعاً غرباء عنه هذا هو الكرم العربي في أروع صورة, وهو يسود البلاد في كل أطرافها فالمسافر هو الضيف اليوم, وقد يغدو الضيف غداً أو بعد غد, ولهذا فأن أجود الأطعمة الموجودة في البيت يجب أن تقدم دائماً إلى الضيف .
وأكملنا رحلتنا في الصباح التالي. ووجدت في شيبام حشداً كبيراً من الحجاج ينتظرون بفارغ الصبر الحصول مني على شهادات تطعيمهم. فلقد كانوا يعتزمون الشروع تلك الليلة في رحلة تستغرق عشرة أيام عبر الصحراء لا ماء فيها ولا حياة إلى مكة المكرمة.


شكرا ابوسيف....

الاسماء المكبره اوذات اللون الاحمرهي كما يلي

الحجرات:هي قرية لجرات وفيها عرض باسويد

خوريباه:هي قريةالخريبه..


الالب:شجرة السدر ...العلب


بودا:هي قرية بضه

مسنه:هي المصنعه وفي
عاشق البراري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-01-2009, 03:37 PM   #4
м¹ṡs ḿẓĀāĴ
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: ĵέďdĂђ Ĉİτŷ
المشاركات: 21,658
м¹ṡs ḿẓĀāĴ is a glorious beacon of light м¹ṡs ḿẓĀāĴ is a glorious beacon of light м¹ṡs ḿẓĀāĴ is a glorious beacon of light м¹ṡs ḿẓĀāĴ is a glorious beacon of light м¹ṡs ḿẓĀāĴ is a glorious beacon of light м¹ṡs ḿẓĀāĴ is a glorious beacon of light
افتراضي رد: إلى وادي دوعن برفقة الشيخ صالح باسويد

مشكووووووووووووووووور
__________________
يــآرب!
آمنحني قلبـآ
مبتسم يسعد من حولي
ولاتجعلنـي مـصدر ضيقه لآآي مـخلوق
حتى لآآضعـف آمـآم شـيء (سـوآك يـآرب..
м¹ṡs ḿẓĀāĴ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2009, 07:12 PM   #5
الوسمي80
كاتب جديد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: انا عايش في مدينة جده
المشاركات: 17
الوسمي80 is an unknown quantity at this point
افتراضي رد: إلى وادي دوعن برفقة الشيخ صالح باسويد

مشكووووووووووووووووووووووور واحسنت
الوسمي80 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صور لقرى من وادي دوعن ابو بندر الكاميرا الحضرمية 6 04-02-2011 05:19 AM
قرى وادي دوعن الكحيلا878 ملتقى الأنساب و الشخصيات 1 22-02-2008 11:49 AM
من المكلا إلى وادي دوعن حضرموت ملتقى حضرموت العام 1 20-08-2007 08:06 AM
وادي دوعن في سطور عمك بو يعفر الكاميرا الحضرمية 5 08-11-2001 10:38 PM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:11 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لشبكة حضرموت العربية 1999 - 2009م