وداعا مايا منتدى المعالي في معهد الكمبيوتر جمعتنا مقاعد الدراسة... في العشرين من عمرها متوسطة الطول ، بيضاء ،جميلة الملامح يزينها شعر أشقر ولها عينان خضراوان،كانت هادئة الطبع حسنة الخلق.. قررت أن أتعرف عليها اكثر فقد أعجبت بها كثيرا اقتربت منها :- - مرحبا.. أنا ناديا .. اسمك؟ - اسمي مايا.. - مايا هذا يعني انك …! - نعم نصرانية . - لا يهم .. المهم أن نكون صديقتين. وفعلا كان اللقاء وكانت الصداقة…… كانت طباعنا متقاربة في كل شئ والعجيب أن مولدنا في يوم واحد! كنا لا نفترق نجتمع دائما إما في المعهد أو في النادي ، كانت تحب لعبة الاسكواش والتنس وأنا كنت احب ركوب الخيل أتدرب كثيرا حتى أصبحت فارسة ماهرة.. ركبت معي مايا ذات مرة على الفرس لكنها سقطت … كنت أزورها كثيرا في منزلها وهي أيضا كانت تمكث معي في بيت جدتي الساعات الطوال حتى إن جدتي أحبتها كثيرا… استهواني الدين النصراني كنت أريد أن اعرف عنه كل شئ ذهبت معها اكثر من مرة إلى الكنائس كنت أسال عن أشياء لا افهمها وتجيبني عنها بإيجاز أما هي فكانت تجلس صامتة وعلى وجهها ملامح الحيرة … طلبت مني ذات يوم الذهاب معها إلي الكنيسة لتؤدي صلاة عيد القيامة لم أمانع أبدا !! كانت جذوري غير راسخة لم اكن اعرف قدر ما عندي! ذهبت معها .. كانت تختلس النظر إلي تريد أن ترى ردّة فعلي. لم اعلق على شئ كان الذي يدور أمامي طلاسم محيرة لا أستطيع فهمها …. في اليوم التالي زرتها في منزلها تحدثنا وضحكنا كثيرا لم نكن نحسب للزمن حسابا المهم أن نبقى معا.. وعندما هممت بالانصراف لمحت عندها بعض الكتب التي تتحدث عن النصرانية دفعني الفضول إلى طلبها فوافقت مايا… أخذت تلك الكتب معي إلى المنزل وأنا في شوق لقراءتها فقد كنت احب أن افهم هذا الدين المليء بالألغاز . دخلت المنزل وسلمت على جدتي وجلست أتحدث معها ..كم احبها فهي الصدر الحنون الذي آوي إليه بعد أن انشغل عني والداي! وفي أثناء الحديث وقع نظر جدتي على تلك الكتب ودهشت عندما رأت الصليب مرسوما على الغلاف نظرت إلي في حدة وثارت في وجهي وصرخت بصوت عال وسبتني سبا شديدا ورمت بها في وجهي. مالها؟ لم أرها غاضبة من قبل لم اكن اعرف ماذا يجري وكل ما أدركته أن إحضاري لهذه الكتب خطا كبير وامرمزعج. اعتذرت إلى جدتي وفي اليوم التالي أرجعت الكتب إلى مايا وقلت لها إني قد قرأتها كان هذا خيرا لي فقد كانت جذوري غير راسخة اجهل الكثير عن ديني لم اكن اعرف الحجاب وافرط كثيرا في الصلاة وفي غرفتي كم هائل من أشرطة الغناء العربية والأجنبية وعلى جدرانها صور كثيرة لأهل الغناء والتمثيل وفي النادي امضي ساعات امتطي الحصان وفي نفسي جوانب كثيرة مظلمة أخفيها دائما عن الناس أحاول إخفائها عن نفسي !! كان الشيء الوحيد الذي يربطني بالإسلام هو إنني اذهب كل جمعة إلى المسجد لأشهد صلاة الجمعة مع المسلمين !! وفي ذات يوم بعد صلاة الجمعة رجعت إلى المنزل ووجدت صديقتي مايا جالسة مع جدتي تنتظرني جلسنا معا نتحدث ثم انصرفت جدتي لتعد الغداء اقتربت مني مايا وقالت لي إنها تريد بعض الكتب التي تتحدث عن الإسلام قلت لها: ولماذا؟ قالت إنها تود أن تعرف بعض المعلومات عن الإسلام اعتذرت لها فلم يكن لدي شئ من الكتب الدينية!! ولكني وعدتها بان احضر لها ما تريد .. في اليوم التالي ذهبت البيت والدي وبحثت في مكتبته فلم أجد سوى (القرآن الكريم بالتفسير) فأخذته وانصرفت ولم يعرف والدي ووالدتي باني جئت إلى المنزل ولم انتظرهما حتى يعودا من العمل ! حملت (المصحف المفسر) إلى مايا أخذته مني بلهفة وشكرتني على ذلك كثيرا.. ثم افترقنا.. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى المعهد وكلي شوق للقاء صديقتي ..ولكنها لم تحضر !! ماذا جرى ؟! ازدادت مخاوفي وذهبت بيّ الظنون كل مذهب في اليوم الثالث لم تحضر مايا.. ما الذي حدث؟! أين هي الآن ؟! هل……………؟ قطعت كل التساؤلات وقررت أن اذهب إلى منزلها لأطمئن عليها طرقت الباب فإذا بمايا تستقبلني. أنت بخير. لقد... لم تدع لي فرصة للحديث ولم تجبني عن شئ … ابتسمت لي وأخذت بيدي وخرجت بي مسرعة وذهبنا إلى بيت جدتي وكانت جدتي غائبة عن المنزل . في بيت جدتي تحدثنا قليلا ثم انصرفت لأحضر العصير رجعت إليها فاذا بها مطرقة الرأس غارقة في تفكير عميق شعرت بأنها تخفي شيئا… سر كبير من وراء تلك العينين الحائرتين اقتربت منها همست إليها .. - مايا مالك يا صديقتي ؟! رفعت رأسها في تثاقل وقد ترقرقت عيناها بالدموع وقالت: تعبت يا ناديا تعبت… - من أي شي ؟! - صراع مرير يعصف في داخلي ! يكاد أن يقضي عليّ أصبحت اكره حياتي واكره وجودي في هذه الحياة! - مايا الذي جرى ؟! لم تكوني أبدا هكذا لماذا هذا الشعور الغريب؟ لماذا يا مايا؟ نظرت اليّ وقد جرت على وجنتيها دمعتان مسحتهما بكفيها …وقال : سأخبرك يا ناديا عن كل شئ .. ولكن! - ولكن ماذا؟ - اتقسمين لي بأن يكون الأمر سرا بيننا وإلا تبديه لأحد مهما يكن … أقسمت لها حتى اطمأنت عندما استجمعت قواها وكأنها تحاول أن تضع عن كاهلها حملا ثقيلا عدلت من جلستها ونظرت إلي وقالت: - ناديا أريد أن ادخل في الإسلام! عقدت الدهشة لساني وقعت كلماتها عليّ كالصاعقة أدركت خطورة الأمر صرخت بها:- - ماذا؟!! تسلمين ؟؟!… الإسلام؟! أما تدركين خطورة هذا القرار؟! ماذا لو علم اهلك بهذا؟ سوف يقتلونك حتما سيقتلونك… نظرات الرجاء في عينيها تكسرت شيئا فشيئا أطرقت رأسها ووضعت وجهها بين كفيها وانهارت في بكاء شديد ثم تحشرج صوتها وأخذت تردد:- - حتى أنت يا ناديا.. حتى أنت يا صديقتي! لا تريدينني أن أرى النور! لا أحد يريد أن يأخذ بيدي رحماك يا رب … آه مما أنا فيه..كزورق تائه تتقاذفه الأمواج ولا من معين…… رحماك يا رب رحماك … وغرقت في بحر من الدموع وأنا مازلت حائرة !! أفكر فيما أرى واسمع ومخاوفي تزداد على صديقة العمر ..عالم مجهول ينتظرها !! قرارها هذا قد يفرق بيننا إلى الأبد بل قد يفرق بين روحها وجسدها..!! آه..ما أبشع المنظر عندما تصورتها جثة هامدة وقد قتلها اقرب الناس إليها لن يرحموها أبدا …لن… نشيجها المتصاعد يقطع عليّ مخاوفي المفزعة ..يكاد البكاء أن يقضي عليها ..آهاتها الحرى تقطع نياط قلبي ونظراتها العاجزة تتوسل إلي لمحت في عينيها صدق الرغبة أيقنت أنها قد اتخذت قرارها ولن تتراجع عنه وأنا أيضا اتخذت قراري… اقتربت منها احتضنتها إلى صدري بشدة وقلت لها:- - لا عليك يا صديقتي لا عليك.. ليكن لك ما تريدين... لن أتخلى عنك مهما كلف الأمر ..ساكون معك والله معنا.. النطق بالشهادتين أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله… كأنني اسمعها لأول مرة .. نطقتها مايا فلم تبق مني جارحة إلا وانتفضت لأول مرة اشعر بجلال هذه الكلمة! آه لم اكن اعرف قدر ما عندي !! توقفت عقارب الزمن عن الدوران وعشت مع مايا لحظات ليست من عمر الزمن غمرتنا السكينة من كل مكان وكان الملائكة من السماء تتنزل لترفع ذلك الإيمان الغض الندي إلى الملكوت الأعلى … انه التوحيد(( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ). أشرقت شمس الإيمان .. وتبدد الظلام..( إنما الله اله واحد ). وداعا للخرافة .. وداعا للأوهام.. ( ثلاثة في واحد .. واحد في ثلاثة) ليل جاثم .. لن يصمد طويلا أمام الفجر الساطع: ( قل هو الله أحد (1) الله الصمد(2) لم يلد ولم يولد(3) ولم يكن له كفوا أحد(4)) الحمد لله .. الحمد لله .. الحمد لله ..لم اخسر شيئا.((ربحت محمدا ولم أخسر المسيح)). رسولان عظيمان في طريق واحد الطريق إلى الله.. لم يكن المسيح يوما إلها أو ابنا للإله إنما هو عبد الله ورسوله.. السر المحير في طبيعة المسيح يبدده شعاع من القرآن: ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون). الله اكبر .. الله أكبر .. اشهد أن لا اله إلا الله...اشهد أن محمدا رسول الله.. صوت الأذان يجلجل في كل مكان .. يا الله ! كم هزني هذا النداء! لطالما تمنيت أن استجيب له الحمد لله حان اللقاء.. سأقف بين يدي الله.. سأسجد له سأعترف له بذنوبي واسأله الغفران لست بحاجة إلى واسطة بيني وبينه انه ربي قريب مني ليس بيني وبينه حجاب: ( وإذا سالك عبادي عني فأني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليأمنوا بي لعلهم يرشدون). الحمد لله .. آن لهذه الروح الظامئة أن ترتوي.. عاشت مايا تلك التجليات وحلقت في تلك الأجواء كنت اشعر إنها بحاجة إلى هذه الوقفات ولكن لم يبق في الوقت متسع ولا بد من العمل.. أخذت بيدها وذهبت إلى مكان الماء وعلمتها الوضوء.. توضأت أمامها وجعلتها تتوضأ من بعدي.. يا الله! ما اجمل الوضوء ! نظرت إليها وهي تسبغ الوضوء وقد استنار وجهها فكأنما أراها لأول مرة أحسست إنها اجمل من ذي قبل كأنها ولدت من جديد! حان وقت الصلاة جعلتها تستقبل القبلة .. وقفت في خشوع ورفعت يديها وقالت في يقين :الله اكبر.. وصّلت مايا .. وسجدت مايا .. لأول مرة في حياتها وكانت سجدة طويلة.. طويلة اختلط التسبيح فيها بالدموع.. إنها دموع الفرح فرح بلقاء العبد ربه.. ياله من منظر لن أنساه ما حييت .. كانت تريد أن تعلن إسلامها في المسجد على يد شيخ هناك.. قلت لها ليس الآن اجعلي الأمر سرا بيننا.. كان عليها أن تنتظر حتى تبلغ السن القانوني حتى تخرج من وصاية أهلها كان عيها أن تنتظر تكتم إيمانها سنتين على اقل تقدير .. يجب ألا تستعجل وإلا فانه العذاب المرير لطالما سمعت عن قصص كثيرة مشابهة لم يسلم منها كثير ممن أعلن عن إسلامه من مطاردة الكنيسة وأذاها!! ومرت الأيام وهي تزداد في كل يوم إشراقا .. كنا نذهب كل جمعة إلى المسجد للصلاة وكانت ترتدي الحجاب في السيارة حتى لا يعرفها أحد..أما أنا فكنت لم ارتد الحجاب بعد! أقبلت مايا على القرآن وتملك القرآن قلبها أخذت تقرأ القرآن وحفظت الكثير من السور القصيرة حتى حفظت عشرين آية من سورة البقرة.. كانت تقرا القرآن خفية حتى في بيت أهلها دون أن يشعر بها أحد لقد كانت في عناية الله .. أعطيتها يوما كتاب (رجال حول الرسول). قرأته كثيرا وأحببته حبا كبيرا وكانت لاتملك عينيها وهي تقرا أن أصحاب الرسول( صلى الله عليه وسلم ) تعذبوا كثيرا في سبيل الإسلام ومنهم من أخفى إسلامه حتى لا يضعف أمام أذى المشركين .. لقد وجدت في ذلك الكتاب سلوه لها وتثبيتا لقلبها على الإيمان .. وازدادت عزيمتها على الصبر والمضي في الطريق حتى يأذن الله بالفرج وما هي ألا أيام حتى هبت تلك النفحة الربانية وهل الهلال بقدوم ذلك الضيف العزيز.. انه موسم الرحمة والبركات ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) لكم تمنت مايا في عهدها القديم أن تصوم وتشارك المسلمين في هذه الروحانية الغامرة.. وهاهي اليوم تستقبل رمضان .. وقد أسلمت وجهها لله.. لم استطع مقاومة رغبتها في الصيام..على الرغم من خطورة الأمر ولكنه الإيمان لا يعرف القيود ولا الحدود .. كنا نقضي اليوم بطوله في المعهد لم نكن نفترق أبدا أما الافطار فكانت تتناوله معي ومع جدتي واهلها يعرفون انها عندي ولم يشكّوا في شئ حتى جدتي لم تكن تعرف حقيقة الأمر … أما وقت السحور فكنت اتصل بها على هاتفها المحمول الخاص بها حتى تستيقظ من النوم لتتناول السحور يا لها من أيام تلك الأيام! رسمنا خطة محكمة حتى لا ينكشف الأمر .. حتى إننا كنا نذهب إلى ابعد مسجد في البلدة لنصلي صلاة التراويح كي لا يراها أحد ومرت الأيام .. وعام كامل على الإيمان المكتوم وبقي عام آخر ليتحقق الحلم الجميل ولتعلن مايا إسلامها .. ولكن! يبدو أن الأحلام الجميلة سرعان ما تنتهي!! الحلم المكتوم العام الميلادي يوشك أن يلفظ أنفاسه.. وعام ميلادي جديد اصبح على الأبواب.. والاستعدادات بدأت للاحتفال بعيد السيد المسيح! وفي داخل (الترام) الذي يشق طريقه وسط الزحام كنت اجلس بجانب مايا كانت واجمة وبدت عليها ملامح القلق :- - مالك يا صديقتي.. مالك يامايا ؟! - اليوم هو الاثنين لقد بقيت أربعة أيام - على ماذا؟! - على عيد رأس السنة - وماذا في الأمر؟ - معنى ذلك انه يتحتم عليّ الذهاب إلى الكنيسة .. كم أنا خائفة!! أخشى أن اضعف أخشى أن افقد النور … - لا تقلقي يا مايا سأذهب معك وأكون بجانبك ..لم يرضها هذا العرض صمتت قليلا ثم قالت : - كلا لا أريد أن اذهب لن ادخل الكنيسة بعد اليوم. ثم أخذت تضحك وهي تردد :- - لن ادخل الكنيسة إلا جثة خامدة!! لا يزال الترام يشق وسط الزحام وفترة الصمت الكئيبة يقطعها صوت خافت حزين: - ناديا أكاد اختنق اشعر إنني كالسارق لم اعد احتمل! - صبرا يا صديقتي.. وأغمضت عينيها وأخذت تحدثني عن أحلامها الجميلة: - في ذلك اليوم الذي أعلن فيه إسلامي سأركض في كل اتجاه وأصيح بأعلى صوتي إنني مسلمة .. لن التفت إلى أحد لن أتنازل عن شئ سأقاوم مهما كانت الضغوط حتما سأخسر كل من اعرف حتى أهلي كم يحزنني هذا! كم أتمنى أن يبصروا الحقيقة! سأدعوهم إلى الإيمان وادعوا لهم في صلاتي المهم إني لن اخسر نفسي فلن أعود إلى الظلام.. وحلقت مايا في سماء الأحلام: - كم ابدوا جميلة في الحجاب ؟ سأرتديه في اول لحظة أعلن فيها إسلامي وبالطبع سأتزوج حين أجد شابا مسلما لن اشترط عليه شيئا المهم أن نحيا معا حياة سعيدة في ظل الإسلام…وتمر الأيام ..مولودي الأول سأسميه ((ادهم)) والثاني((عبد الرحمن)) كم احب هذين الاسمين!.. ثم أفاقت من أحلامها على صوت الترام الذي يوشك أن يقف وسددت نظرتها بغضب إلى الصليب المرسوم على يدها .. توقف الترام وفي سرعة غريبة تهيأت مايا للخروج ودخلت في زحام الناس أحاول عبثا اللحاق بها ونزلنا من الترام لنعبر الشارع وهي تجري وتناديني :- أسرعي يا ناديا الحقي بي.. ولكنهـا سبقتني .. وعبرت الشارع أمامي.. وفـي وسط الطريق .. تسقط مايا صريعة .. تحت عجلات سيارة مسرعة.. تسمرت قدماي ولم اعد أرى أمامي إلا منظر صديقة العمر..وهي تنزف بالدماء! جريت في ذهول وأنا اصرخ :- مايا مايا .. احتضنتها بين يدي وضممت رأسها إلى صدري وشعرها الأشقر الطويل قد تغير بلون الدم وجرحها النازف يتدفق بالدماء وقفت عاجزة تماما إلا عن الصراخ والبكاء .. أحسست بقلبها ينبض وكأنها تستبقي الحياة.. نظراتها الكسيرة تتوسل إلي وصوت ضعيف يقاوم الموت ويبعث الأسى:- لا لا ليس الآن.. حلمي لم يتحقق ناديا أرجوك.. أوقفي النزيف ..أوقفي النزيف.. أريد أن أعيش أرجوك ناديا .. ناديا .. نا.. وكان الرحيل! أسـى تعلـق بــي واحـتـل وجـدانـي لكـم شجـى أسـفـي حـزنـا وآلمـنـي حـق الـوداع علـى قلبـي لـك مـايـا إلـى اللقـاء مايـا والحـزن يحرقنـي إلـى اللقـاء مايـا يـا زهـرة رحلـت ذكرى ترجع بي شجوي وتنغصني أيــام كـنـا ولــم يـسـرح بخاطـرنـا لـم أنسـى يـا مايـا والحـب يبعثـهـا لـك السـلام مــن الأعـمـاق أنـشـده وأقتضـي الوعـد والميثـاق أحفـظـه هـنـاك يــا مـايـا فــي جـنـة الخـلـد سأحفظ الله فـي سـري وفـي علنـي إلـى اللقـاء مايـا إلــى اللـقـاء مـايـا وأذرف العـيـن مــن دمــع كهـتـان وأضرم النار من وجدي وأحزانـي واجتاح فيـه الأسـى ينعـى لفقدانـي والبين يوغـل فـي مأسـاة أشجانـي ما زال برعمها غضـاً كمـا البانـي حلـو الحيـاة إذا مــا حــل تحنـانـي هذا الفراق الذي قد كان لـي جانـي ذكـرى تجـول ولا صبـرا لنسيانـي جهـرًا بلـفـظٍ كـمـا حـسـاً بكتمـانـي عـهــداً أرتــلــه يـبـقــى بـإيـمـانـي لـقـاؤنــا يـحــلــو وذاك سـلــوانــي لعلـنـي أرتـجـي عـفـوا لرحـمـانـي إلـى اللقـاء مايـا والعـهـد يرعـانـي (( لن ادخل الكنيسة إلا جثة خامدة )) .. هذا هو قرارها قبل الرحيل .. ويا لعجائب الأقدار هاهي اليوم تدخل الكنيسة جثة بلا حياة جسدا بلا روح! قررت أن أكون بجانب صديقتي إلى أن توسد التراب.. رغم مواجعي .. دخلت الكنيسة ووجدت أهلها وبعض النصارى ملتفين حولها وحول القسيس وهم يقرؤون عليها آيات من الإنجيل صعب عليّ أن أراها بينهم شعرت انهم كاللصوص اخترقت ذلك الجمع إلى أن وصلت إلى مايا .. كانت ممددة في صندوق بني اللون وعلى صدرها الصليب! آه .. ما اصعب هذا !! اقتربت منها ألقيت على وجهها نظرات الوداع كان وجهها يبعث بالنور .. اقسم لكم ..لم أتمالك نفسي وأنا أرى الصليب على صدرها.. انحنيت منها وأنا ادعوا لها في داخلي وطبعت على جبينها قبلة الوداع! عندها خارت قواي خنقتني العبرة سقطت على قدمي وارتفع صوتي بالبكاء .. اقترب القسيس مني واخذ يربت على كتفي ويقول:- لا تقلقي عليها إنها الآن مع المسيح والقديسين .. همت أن اصرخ في وجهه :لا لا مايا مسلمة ..مسلمة.. ولكني تذكرت وعدي لها فأخذت اصرخ في داخلي ! وما زلت ابكي حتى حملوها من بين يديّ ومضوا بها بعيدا عني وهناك.. بين قبور النصارى وعلى التل البعيد دفنت مايا دفنت وعلى صدرها الصليب! ولكن حسبها الله ونعم الوكيل .. رجعت إلى منزلي وصورتها تملأ جوانحي والذكريات الجميلة تلاحقني .. وما أن دخلت إلى منزلي حتى أسلمت عيني لنوم عميق .. وفي المنام كان اللقاء رأيت نارا سوداء تلتهب وفي وسط النار كانت تقف مايا .. والنار لا تحرقها بل كانت تصلي داخلها وعندما جريت إليها لأخرجها.. صرخت في وجهي بان ابتعد عنها.. قمت من منامي فزعة مذعورة أخذت أفكر في صديقتي وما جرى لها حتى سألت شيخا يعبر الرؤيا فحمد الله وقال: أما النار السوداء فهي الفتنة التي كانت فيها وهي تكتم إيمانها وأما الصلاة فهي علامة النجاة وإنها نجت بإذن الله.. فرحت كثيرا أن مايا بخير.. الحمد لله .. اللهم لا تحرمني أجرها ولا تفتني بعدها واجمع بيني وبينها في جناتك جنات النعيم.. وفي ذات مساء كان أيضا اللقاء .. رأيت مايا في واحة خضراء في أجمل حلة وأبهى مظهر وهي تشير بيدها إلي وتدعوني أن اذهب إليها ..لأسال عن تلك الرؤيا فهي واضحة.. استقر في نفسي انه سبيل النجاة لا بد من العودة الله قبل فوات الأوان سنلتقي يا مايا بإذن الله .. لن تخدعني الأوهام بعد اليوم.. لن اركض خلف السراب ... أحسست بالنور يغمر جوانحي ويبدد ظلمات الغفلة.. فرغت قلبي لله.. ارتديت الحجاب ..وفتحت صفحة جديدة مع ربي .. كتبت عليها بدموع التوبة والندم: تبت إلى الله.. تبت إلى الله.. يا الهي يا مجيب الدعوات.. يا مقيل العثرات.. اعف عني أنت من أيقظ قلبي من سبات.. وأنا عاهدت عهد المؤمنات.. أن تراني .. بين تسبيح وصوم وصلاة.. يا الهي جئت كي أعلن ذلي واعترافي.. أنا ألغيت زوايا انحرافي.. وتشبثت بطهري وعفافي.. أنا لن امشي بعد اليوم في درب الرذيلة.. وسأمضي في طريقي اهتدي القيم الأصيلة.. يغمر الإيمان قلبي.. تملأ الأنوار دربي.. قسما بالله ربي.. سوف أحيا للفضيلة.. سوف أحيا للفضيلة. انتهاء 000000000000000000000 مها . . كبرت قصة مها .. للكاتب عقد .. منتدى المعالي "ضيفة غريبة !! " كنت أول الخارجين من صالة الطعام .. اتجهت مباشرة إلى مقعدي في تلك الزاوية الهادئة من القاعة .. كان معظم الموجودين في الصالة من الأشبال الصغار .. لفت انتباهي شجار بين طفلين .. كانا يتعاركان بشدة و معظم الأطفال حولهما يشيدون بأعلى أصواتهم : ياسر .. ياسر .. و يبدوأن ياسر هذا كان هو المنتصر في العراك .. أبعدت الأطفال المتجمهرين و فصلت بين المتعاركين .. يبدو أن ياسر لم يبذل مجهوداً كبيراً في العراك لفارق السن و ضعف خصمه الذي نال كما هائلاً من الركل و الضرب من ياسر و من غيره من المتجمهرين .. كان أبيض اللون مشربا بحمرة .. قد صبغت آثار العراك وجهه وأذنيه خاصة باللون الأحمر و الأحمر الداكن .. استعطفتني دمعتان كان يغالبهما بإصرار حتى لا يقال له من أقرانه " صاح .. صاح .. " صحبت الطفل إلى مكاني في القاعة .. كان وجهه ينم عما يعانيه من ارتباك وخوف .. ولم يكن في ملبسه ما يوحي إلي بحرص أهله على تربيته التربية الصالحة .. فابتسمت في وجهه ليطمئن و قلت له بلطف : " وش اسمك يا بطل ؟ " - " معاذ " - " ما شاء الله معاذ بن جبل " .. أطرق باسما فتبسمت وأنا أمسح على رأسه و قلت : " بأي صف تدرس ؟ " - " ثاني " - " ما شاء الله .. تعرف قصة معاذ بن جبل ؟" أومأ برأسه بالنفي و ابتسامته ترتسم على وجهه الجميل .. بحثت عن شيء أشجع به هذا الطفل فلم أجد سوى قلمي الذي أهدته لي زوجتي قبل أيام .. أخرجته و هو أغلى عندي من قلبي و لكن احتسبته عند الله في نفع هذا الطفل و الإسهام في تنشئته نشأة الأبطال .. عرضت له قلمي بطريقة مغرية .. قلت له : " إذا قرأت قصة معاذ بن جبل راح أعطيك أحلى من هذي الهدية " ... رفع عينيه و نظر إلي و ما زالت ابتسامته الجميلة تزيد وجهه المشرب بالحمرة نظرة و جمالا ... كانت عيناه تحدثاني بهمة تكسر الصخور و تثبت لي أنه سيفعلها و سيقرأ القصة بقلبه لا بلسانه فقط ... أخذ القلم مني و قلّـبه بين يديه ثم رفع عينيه إلي و كأنه يقول : " سآخذه بحقه " ... رن هاتفي الجوال .. نظرت إلى المتصل ( دلال الغالية رعاها الله ) .. قلت في نفسي " الطيب عند ذكره ... خفنا منها و هاهي تتصل “... - نعم - السلام عليكم - و عليكم السلام .. سمي - أحمد .. تعشيت ؟ تقدر تمرنا الحين ؟ ترى معانا ضيف الليلة - كيف ؟؟ من ؟؟ طيب .. طيب .. وبعد دقائق كنت عند باب القاعة النسائية فخرجت و معها فتاة تبدو في السابعة عشر أو الثامنة عشر من عمرها و عليها عباءة مخصّـرة ... ركبت زوجتي دلال في المقعد الأمامي .. و ركبت تلك الفتاة في المقعد الخلفي .. سلمت دلال و هي تضحك و قالت : " معنا اليوم ضيف بيروح معنا البيت و ينام عندنا " ... قلت بصوت خافت " ياهلا و مرحبا " و آلاف علامات الاستفهامات تدور في رأسي عن هذا الضيف الغريب .. تحركنا باتجاه شقتنا الصغيرة و كانت دلال تسألني عن الزواج و الحضور و أجيبها و أنا منشغل الفكر عنها بمن تكون هذه الضيفة!! .. اقتربنا من ركن العثيم ( سوبر ماركت ) فقالت لي دلال : " أحمد ياليت توقف الله يعافيك نبغى أغراض " .. أوقفت سيارتي فقالت لي : " عطني قلم أكتب لك الأغراض " ... تمنيت أن تطلب مني أي شيء سوى القلم و خاصة في مثل هذا الوقت فكيف أفهمها و معنا هذه الضيفة .. فارتسمت على وجهي علامات البراءة و بدأت أنظر إلى جيبي .. نظرت دلال إلي جيبي بحدة و استغراب و قالت : " وين قلمك ؟ " ... آآآه الآن وقعت في ورطة كيف بإمكاني أن أبين لها ؟!! نزلت من السيارة بسرعة حتى لا تفقد أعصابها أو تأخذها نزوات الغيرة فتنسى أن معنا هذه الضيفة ... اتجهت إلى نافذتها وعرفت منها الأغراض المطلوبة و عيناها ترمقاني بكل حدة و عتاب ... حمدت الله كثيرا على أن هذه الضيفة معنا .. مع أنها ستحرمني من زوجتي هذه الليلة ... وصلنا إلى الشقة و نزلت زوجتي و ضيفتها في مجلس النساء و أغلقتا عليهما الباب .. اتجهت إلى غرفتي و تجهزت للنوم و بقيت أنتظرها لأخذ الأخبار .. فاستفهامات كثيرة تدور في رأسي .. من هي الضيفة ؟ و لماذا جاءت لتنام عندنا ؟ و كيف تلبس العباءة المخصرة ؟ و أشياء كثيرة ... فكرت بأن أطرق الباب عليهما فتهيبت خروج دلال مغضبة و خاصة أنها غضبت لأنها لم ترَ قلمها في جيبي ... جلست أفكر و أتأمل .. ما أجبننا نحن الرجال ؟ ندعي القوة و نطلب الاحترام من كل أحد و نزأر كليث غاب .. فما أن يجن الليل علينا حتى نرتجف وجلاً من زوجاتنا و نردد في كل حين اللهم سلم سلم .. ذئاب في النهار و دجاج في الليل ... • • • الجزء الثاني : " مها " أخيرا خرجت دلال من عند ضيفتها و استرقتْ النظر إلى غرفتي فوجدت النور ما زال مُضاءًا فأتت تستطلع الأمر .. سلمتْ و دخلتْ و علامات البشر و السرور تبدو على محياها ثم جلست بجانبي على السرير ... بدأنا نتجاذب أطراف الحديث و كنت أسألها عن ضيفتنا ... قالت : " و الله يا أحمد هذي البنت أديم قصتها قصة عجيبة .. يوم كنت بالقاعة رحت أغسل يدي و وقفت أطالع في المرآة .. دخلت أديم و وقفت بجانبي و بدأت تنظر إلي في المرآة .. ابتسمت لها و كأني أعطيتها إشارة بالتقدم فقامت و احتضنتني و بدأت تبكي بكاء مرّا .. تفاجأت من بكائها و بدأت أهدئها و أغسل وجهها بالماء إلى أن هدأت قليلا و ارتاحت بعض الشيء .. خرجنا من المغاسل و كنت ممسكة بيدها و لم أكلمها .. فقط كنت أنظر إليها و أتبسم و أشدّ على يدها .. جلسنا على إحدى الطاولات في آخر القاعة و بدأت أتحدث معها .. بصراحة كنت خائفة من أن أسألها عن سبب بكاءها .. لكن قلت في نفسي إن هي فتحت الموضوع و إلا لن أفتحه أنا .. يا أحمد هذي البنت تقدر تقول إنها قدوة قريناتها بالتحضر و التمدن و حركات المراهقات .. فأهلها ما يقولون لها ( لا ) أبدا .. و المال مغدق عليها ليل نهار .. و مفتوح لها المجال على كيفها " ... قاطعتها و قلت : " إيه أنا مستغرب كيف ناس يخلون بنتهم تنام في غير بيتها .. ما أتوقع إن فيه أسرة تسمح أن البنت تنام خارج البيت .. و غير كذا العباءة!! " ... أكملت دلال حديثها و قالت : " اصبر تجيلك القصة كاملة .. أقولك مفتوح لها المجال على كيفها .. المهم البنت يوم جلسنا على الطاولة قالت لي : " إني زهقت من نفسي و أحس بضيق و أنا ودي أتوب ودي أصير مثلك .. ودي أكون سعيدة و مرتاحة .. ودي أحس بطعم الإيمان بقلبي .. ذبحني الفراغ " .. و بدأت تخرج بعد ذلك كلماتها من قلبها بنبرة باكية .. " ذبحتني همومي .. ودي أتوب و ما أقدر .. أحاول أتوب بعدين أرجع لذنوبي .. ما قدرت أستحمل .. أحس إن الله ما راح يتوب عليّ لأني كل ما تبت رجعت .. و الله زهقت من نفسي ..." وانخرطت في موجة شديدة من البكاء ... هدأتها و سقيتها ماء بارداً ثم توقفتْ عن إكمال حديثها حتى ارتاحت بعض الشيء .. كنت أنظر إليها و أقول في نفسي الآن وقعت المسؤولية عليك يا دلال .. البنت تمد يديها إليك و تقول أنقذيني من ظلام المعاصي و أنا أتهرب .. لا و الله .. سأُحاسب على ذلك إن لم أساعدها .. فما بعد أن تنطرح بين يديك و ترجوك أن تأخذينها إلى طريق الهداية أي عذر ... عرضت عليها الذهاب معي إلى البيت حتى نعالج وضعها بترتيب ففرحت كثيرا .. فذهبتُ و إياها إلى أمها و كنت أتوقع منها الرفض .. فما أن عرضت عليها الأمر حتى قالت : " إذا أديم ودها بكيفها ؟ " .. صعقت بهذه الحرية المفتوحة .. فعلمت أن الخلل ليس بالفتاة بل ببيئتها و بيتها المتفلت ...." واستأذنتني دلال في المبيت مع ضيفتها أديم هذه الليلة ثم تركتني غارقاً في بحر أفكاري .. و قبل أن تهمّ بالخروج التفتت إليّ و قالت : " أحمد وين قلمك ؟؟ " .. ضحكت لأنها لم تنس موضوع القلم فأخبرتها بقصتي كاملة مع معاذ ... أومأت برأسها و هي تبتسم و كأنها تقول : " ماشي .. بس محسوبة !! " ... ذهبت دلال إلى ضيفتها و كانتا قد اتفقتا على خطة تسيران عليها و اتفقتا على أنه لابد لكل شيء من أساس .. و لابد من إرادة قوية و عزيمة صادقة .. تتربى حتى تكبر و تقوى فتثبت أمام تيارات الهوى و الشهوات .. فالذي يريد أن يخوض معركة لابد له من أن يتجهز لها بالتدريب و السلاح و العدة .. كما أن التدريب يكون على شكل مراحل و مستويات حتى ينمو الجسم و يُبنى بناء صحيحا و قويا .. مرت سنتان على هذه الحادثة و رزقنا الله بعدها بمولودة كالقمر أسميناها مها .. كانت أديم من أول المهنئين لنا في المستشفى .. سبحان مغير الأحوال .. أصبحت هذه الفتاة إحدى الداعيات إلى الله في بيتها و عائلتها و في أي مجلس تجلس فيه .. أصبحت تبذل من الأموال لدور الخير أضعاف ما كانت تبذله في سبل الهوى .. عندما علمت من دلال أن أهل القرآن هم أهل الله و خاصته أبت إلا أن تكون منهم .. و عندما علمت أن خيرنا من تعلم القرآن و علمه بذلت كل ما تستطيع لتتعلم القرآن و تعلمه بمالها و نفسها .. من رأى تلك الفتاة يرى أثر نور الإيمان في وجهها .. قالت أديم ذات يوم لدلال بعد أن عتبت عليها خوفا عليها من الإرهاق : " يا دلال .. كل ما بذلت للخير .. كل ما ارتحتْ و حسيتْ بسعادة لم أذقها في حياتي من قبل .. يا دلال .. كل لحظة ضيعتها في معصية الله الآن أتندم عليها .. لأني وجدت الراحة و الطمأنينة و الأنس في طاعة ربي و البذل لدينه" ... • • • الجزء الثالث : " دلال مريضة " مرت بنا فترة عصيبة كانت خلالها دلال تلازم الفراش الأبيض منذ ولادة مها .. ثم خرجت من المستشفى بعد أن أمضت فيه عشرين يوماً و بدأت صحتها تتحسن يوما بعد يوم و الحمد لله ... كانت مها ريحانة قلبي و نبض فؤادي .. يبتهج البيت بصوتها و شقاوتها .. كيف لا وقد كانت دلال تربيها على الأدب من أشهرها الأولى فأتعجب لصنيعها .. طفلة رضيعة فكيف تتأدب !! .. و كانت دائما ما تقرأ القرآن و هي تحملها .. و تعلمها كلمات القرآن قبل أن تنطق .. حتى أني ذات يوم دخلت البيت فسمعت دلال تقرأ القرآن بصوت مرتفع .. فدخلت الغرفة أستطلع الأمر فوجدت دلال قد أجلست مها أمامها و كانت مها للتو قد تعلمت الجلوس و أسندتها على أحد الوسائد حتى لا تسقط على ورائها .. ثم جلست دلال أمامها و كانت تقرأ القرآن بصوت مرتفع و كأنهما تلميذ و أستاذه في حلقة تحفيظ .. استغربت من صنيع دلال بمها فقلت :" ما شاء الله عليكم فاتحين دار تحفيظ .." .. فقالت لي دلال و همة الأم المؤمنة تملأ عينيها : " أبغى مها تلبسنا تاج الوقار يوم القيامة بحفظها لكتاب الله" ... فأكبرت هذه الهمة العظيمة في هذه المرأة الصالحة .. وتذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : " الدنيا متاع , و خير متاعها المرأة الصالحة " ... مرت السنوات و أصبحت مها في الثالثة من عمرها .. كانت زهرة تملأ البيت عبقا و عبيرا و أنسا .. و كانت أمها تملأ البيت إيمانا و ذكرا .. فما أحلى هذا البيت الذي أسس بنيانه على تقوى من الله .. تملأه السعادة و الطمأنينة .. و يخرج منه الخير و البر .. حتى أحبه القريب و البعيد .. و الغني و الفقير .. ذات يوم .. كانت مها تسير مع أمها في المستشفى .. فسمعتا امرأة تتأوه من الألم .. فسألت مها والدتها عن هذا الصوت .. فأخبرتها بأنها امرأة مريضة تتوجع .. فأخرجت صغيرتي من حقيبتها الصغيرة "ريالا" و ذهبت به إلى المرأة المريضة ثم أعطتها إياه و قالت لها : " يا عمة قولي بسم الله عشان يطيب !! " ... فذهلت المرأة المريضة من صنيعها .. فضمتها إليها .. وبكت صغيرتي من الخوف ... فما أحلاك يا حبيبتي مها .. لقد كنت داعية إلى الله بتصرفاتك الإيمانية في كل ميدان .. و حق لي أن أسميك الداعية الصغيرة ... في أحد الأيام فجعتنا دلال بسقوطها متعبة و هي تؤدي عملها المنزلي .. أخذناها إلى المستشفى سريعا و لم يكن في الإسعاف إلاّ الطبيب المناوب فرفضت زوجتي أن يكشف عليها رجل مهما كلفها الأمر .. كنت أوافقها في إصرارها هذا .. لكن التعب و المرض جعل من وجهها المضيء وجها شاحبا شديد الاصفرار .. و مع كل دقيقة تمضي .. تزداد حالتها سوءا و يزداد وجهها اصفرارا .. فألححت عليها بأن يكشف عليها الطبيب و أنا معها .. فحالتها حالة ضرورة و لا تحتمل التأخر .. فرفضت رفضا قاطعا ثم رفعت يديها إلى السماء و قالت : " اللهم يسر أمري و أكتب الخيرة في عاجل أمري و آجله " .. رضخت لإصرارها وبقينا في انتظار الطبيبة التي سرعان ما طرقت الباب ودخلت .. انسحبت أنا وابنتي إلى الخارج ريثما يتم الكشف .. كنت أتأمل في رحمة أرحم الراحمين سبحانه و كيف سخر للحبيبة بغيتها بهذه السرعة العجيبة و أقول في نفسي " صدقتْ مع الله فأعانها الله " .. حانت مني التفاتة إلى صغيرتي مها فأصابني الهول لمّا رأيت دموعها تتحدر من عينيها .. سألتها بسرعة : " مها وش فيك حبيبتي " ... فرفعت يديها إلى السماء و الدموع تجري على خديها و قالت بصوت باكٍ : " يا رب اشف ماما " ... لقد حفر منظر صغيرتي و هي ترفع يديها و تنظر بعينيها إلى الأعلى و الدمع يسيل على خدها أثرا في قلبي ما أحسبه يُنسى .. لقد علمتني تلك الصغيرة دروسا في حياة القلب مع الله .. و حياة القلب مع من نحب .. لقد علمتني كيف أنصح المخطئ و أساعد المحتاج و أعطف على المريض ... أخذت صغيرتي فقبلتها و قلت : " يا رب لا تحرمني من مها " .. خرجت الطبيبة من عند دلال فركضت مها إلى أمها لتضمها و تطمئن عليها .. و أخبرتني الطبيبة أن دلال ستمكث في المستشفى لعدة أيام .. و بعد التحاليل ربما تكون هناك إجابة أكثر دقة .. في صباح اليوم التالي أتيت لزيارة دلال فاستقبلني أحد الأطباء .. كان يكلمني بطريقة رسمية جدا و لا أثر للابتسامة على وجهه فداخلني كثير من الخوف .. حاولت أن آخذ منه أكثر فلم يجبني إلا بـ " كل شيء بيد الله " .. مرّ يومان والمرض يأخذ من صحة دلال ويوهنها شيئا فشيئا حتى أدخلت غرفة العناية المركزة .. ثم دخلت في غيبوبة قرابة الثلاثة أشهر , تفيق منها تارة فتوصيني بنفسي وبقرّة عيننا مها خيرا , و تطمئنني على نفسها قبل أن تغيب من جديد وسرعان ما غادرتنا حبيبتي و تركتنا في دنيا الآلام .. كم كانت أياما عصيبة مؤلمة لم يسبق لي أن مررت بمثلها .. فدلال تلك الأم المربية الحنون ماتت !!!! يا الله .. ما أعظم الخطب .. و ما أجلّ المصاب ... لا حول و لا قوة إلا بالله .. كيف سأعيش بدون دلال التي أفتقدها لو غابت عني لحظة ؟ كيف سأعيش في بيت غابت عنه من كانت تملأه بالذكر لربها و الود لزوجها وابنتها ؟ أين سأرى تلك اللمسة الحانية و الابتسامة المفرحة و نظرة العتاب بكل حب و ود و صفاء ؟ لا أدري يوم أن دفنتها .. أدفنتها هي أم دفنت قلبي و روحي !! ... أحداث متقطعة .. أعي بعضها و أنكر بعضا .. لم أصدق الخبر حتى أفهمنيه الواقع المرّ الذي عشته بعد فقدها .... عدت من المقبرة كسير البال أبكي الدم قبل الدمع وأردد إنا لله و إنا إليه راجعون .. قدر الله و ما شاء فعل .. اللهم اؤجرني في مصيبتي و اخلف لي خيرا منها .. إن القلب ليحزن و إن العين لتدمع و إنا على فراقك يا دلال لمحزونون ... بعد أن فرغنا من العزاء ذهبت لأرى صغيرتي مها في بيت جدتها .. دخلت إلى فناء البيت فوجدتها تلعب مع بنات خالاتها لعبة " فتاحي يا وردة " فلما رأتني أسرعت إلي و ضمتني فحملتها و قبلتها و هي تركز النظر في عينيّ و كأن شيئا قد لفت انتباهها .. فقالت لي : " بابا متى نروح عند ماما ؟ " حاولت أن أتماسك فلم أستطع فبقيت محتضنا لصغيرتي و عيناي من خلف رأسها تذرفان الدمع تلو الدمع .. نسيت نفسي و أنا أبكي بين يدي صغيرتي .. أحسست بأني طفل صغير يحتضن أمه .. لقد وجدت في صدر صغيرتي الدفء .. فكيف لا أجده و هذه الصغيرة قطعة مني ... تنبهت على يدها و هي تمسح الدموع عن خدي ... همست في داخلي : " لقد فضحتني عيناي .. ماذا أفعل يا رب " .. فقبلتها و دعوت الله من قلبي أن يسلي صغيرتي مها .. و يجبر مصابنا في أمها ... مرّت الأيام فدخلتْ حبيبتي مها الرابعة من عمرها .. كانت مها قد افتقدت أمها كثيرا بعد وفاتها ... و عاشت حياتها متنقلة بين منازلها الثلاثة .. فكانت تمضي أيام الأسبوع في بيت ( خاله أديم ) كما هي تقول .. لتصحبها إلى دار التحفيظ و تتعلم منها أخلاق المؤمنة و أدبها و همتها .. فأديم هي تلميذة دلال رحمها الله و دلال هي التي أوصت بذلك .. و في أيام آخر الأسبوع تأتي لزيارة والدي و والدتي و أهلي ثم تذهب لزيارة جدتها و أخوالها ... أما أنا فكنت آخذها كل يوم وقت الظهيرة و نذهب سويا فنتناول الايس كريم غالبا ... ذات يوم .. عرضت عليّ والدتي الزواج من إحدى قريباتنا فرفضت ذلك رفضا قاطعا .. ألحّت عليّ كثيرا فأجبتها : " لن أجد أبدا مثلا دلال " تدخلت أختي الكبرى و قالت : "طيب ماذا عن أديم .. نسخة من دلال ؟ " قلت : " أديم نعم الفتاة .. لكنها صغيرة و الأفضل لها أن تتزوج شابا قريبا من عمرها .. فاني أخشى أن اظلمها .. فهي فتاة في عمر الزهور و الخطّاب من الشباب عليها كثير .." لم تقنعهم أجوبتي كثيرا فكرروا إصرارهم على الزواج و كررت أنا الرفض .. بعد أسبوع جاءتني بعثة من العمل لحضور إحدى الدورات في لندن و كانت مدتها قرابة العشرة أيام تقريبا ... كان زميلي في رحلتي هذه أحد الشباب المتميزين في مجال وظيفته و في مجال دعوته و اسمه طارق .. كانت مها لا تفارق فكري و خيالي في هذه الرحلة .. ففي كل مكان أرى مها فيه و هي تبتسم و تقول : " بابا لا تنس الهدية " .. فأتمتم في نفسي : " أنسى كل شيء إلا هديتك يا صغيرتي " .. في اليوم الخامس من الدورة طُلب مني أنا و زميلي طارق أن نقدم عرضاً لبعض المشاريع التي قامت بها شركتنا .. فبذلنا قصارى جهدنا في إخراج العرض بطريقة مغرية و رائعة .. و كان زميلي طارق يتقن الانجليزية جيدا و الحمد لله .. و يتكلمها كما ينطق بها أهلها .. كان هذا العرض سيقام في إحدى قاعات الجامعات و سيحضره عدد كبير من منسوبي الشركات و الكادر الأكاديمي .. تم العرض بطريقة مغرية للغاية و بفكرة جديدة في الطرح فاستمتع الحضور كثيرا .. كما كنا نتعمّد الربط بين أفكار المشروع و أخلاق المسلمين .. فامتلأت القاعة بالحضور و ازداد انتباه الحاضرين لأنهم لم يسمعوا عن كلام مثل هذا من قبل ... بعد انتهاء العرض بدأ الحضور يلتفون حولنا و يصوروننا و يسألوننا و يطلبون عناويننا البريدية و نحن في حالة من الذهول !! كل هذا بسبب نبذة بسيطة عن أخلاق المسلمين .. كان أكثر المتجمهرين من النساء و خاصة ما فوق الأربعين .. اللواتي رمتهن حضارة الغرب الزائفة .. فلا مكان للمرأة عند الغرب إلا في سن شبابها و جمالها .. أما ما إن تتجاوز الثلاثين .. حتى ترمى كما ترمى علبة العصير بعد أن يفرغ المشروب الذي تحتويه ... و في الغد .. بينما طارق يعّد لنا الغداء طُُرق الباب .. قمت لأنظر من فتحة الباب فرأيت زيّ امرأة فاعتذرنا عن استقبالها .. كررت طرق الباب و قالت إنها تريدنا في أمر مهم .. قال لي طارق : " افتح لها فلربما تحتاجنا في أمر هام " رفضت أنا تماما و أخبرته أني عشت في لندن أشهرا قبل سبع سنوات و أعرف ما فيها .. رجعت إلى المرأة مرة أخرى و أخبرتها أننا لن نفتح لها الباب .. فتكلمت امرأة كبيرة في السن كانت بجانبها و رجتّـنا أن نفتح لها الباب فهي تعرفنا !! بعدما سمعت صوت المرأة الكبيرة اطمأننت قليلا ففتحت لهما الباب .. أول ما رأتني تلك المرأة الكبيرة نطقت باسمي بلكنتها الأعجمية : " أهمد !! " ظننتها إحدى الحاضرات بالأمس فعرفت اسمي من هناك .. لكن المفاجأة عندما سألتني عن دلال .. عقد الموقف لساني فلم أستطع التعبير .. فأخبرتني بأنها هي تلك الدكتورة التي أجرّت علينا منزلها قبل سبع سنوات يوم أن أتيت إلى هنا مع دلال رحمها الله فأمضينا في لندن بضعة أشهر ... رحبت بها و سألتها عن حالها وعن ابنتها الوحيدة و زوجها .. فأخبرتني بأن زوجها بخير و أن ابنتها ماتت في حادث سيارة مع عشيقها .. أطرقت حزينا .. فبادرتني بالسؤال عن زوجتي دلال و هل هي أتت معنا هذه المرة ؟ نظرت إليها ثم أطرقت ثانية و الحزن يعتصر قلبي .. فما أن أخبرتها بأنها ماتت رحمها الله حتى بكت بكاء مرّا .. و كأن المتوفاة ابنتها .. بل لم تبك على ابنتها كما بكت على دلال .. لفت هذا الأمر انتباه طارق .. فلما هدأت قليلا سألها عن سبب بكائها على دلال مع أنها لم يظهر عليها التأثر عندما أخبرتنا عن وفاة ابنتها .. فأجابته بأن دلال كانت تهتم بها ... كما كانت طيبة القلب .. كريمة الأخلاق ... أما ابنتها فلا تكاد تهتم إلا بعشيقها .... ثم أخذت بيد رفيقتها و قفلتا عائدتين وعليهما أمارات حزن وأسى ... واستغل طارق الموقف قائلا وهو يبتسم : " دلال رحمها الله كانت تتخلق بأخلاق المسلمين .. فالإسلام هو الذي أمرها بذلك " ... أشارت برأسها وهي تعده ببحث هذا الأمر ... وقفت متأثرا بعد ما حصل .. سبع سنين و أثر الأخلاق الطيبة و التعامل الحسن باقٍ أثره في قلب هذه الكافرة .. يا سبحان الله .. انظر كيف تعمل الكلمة الطيبة في القلوب ... من الغد .. اتصلت على أحد الأخوة المشاركين في احد المراكز الإسلامية هناك و طلبت منه أن يكون لنا محاضرة في المركز تم التنسيق سريعا خلال يومين .. ابتدأ طارق المحاضرة و كان أسلوبه جميلا جدا .. كما أن شكله يضفي عليه هيبة و وقارا و حبا مع أنه ما زال في السادسة و العشرين من عمره .. بعدها جاء دوري .. كان يبدو عليّ التأثر .. كنت أتكلم عن جمال أخلاق الإسلام و أثرها في قلب المدعوين ... كنت أشرح لهم صفات الداعية المسلم .. الداعية الذي يدعو إلى الله بأخلاقه قبل أن يدعو بأقواله ... الداعية الذي يحمل هم هذا الدين .. الداعية الذي ينجح في كسب قلوب الآخرين بابتسامته و عطفه و حنانه و مساعدته للآخرين ... " أين أنتم من تعامل رسول الله صلى الله عليه و سلم مع جاره اليهودي ؟ انظروا إلى آثار ما تفعلونه و تعملونه من الخير في قلوب الآخرين " ... ثم قصصت عليهم قصة العجوز مع زوجتي رحمها الله فبكى الحضور و بدت عليهم علامات التأثر .. بعد انتهاء الدورة رجعنا إلى السعودية محملين بكثير من الهدايا .. كان الهاجس الوحيد هو أن أرى مها .. فكل حقيبتي هدايا لها و لوالدتي و والدي حفظهم الله .. ما إن وصلت إلى البيت و سلمت على أهلي حتى اتصلت بمها في بيت جدتها وكلي شوق لرؤيتها كنت أسمع صراخها فرحة بوصولي عندما أخبرتها جدتها بذلك .. أخذتْ السماعة من جدتها و بدأتْ تبكي و هي تقول : " بابا تعال عندي " .. قلت لها و أنا أبكي فرحا بسماع صوتها : " الحين أبجي عندك حبيبتي .. و جبت لك هدية حلوووووة " أختلط ضحكها ببكائها و هي تقول : " بابا .. تعال .. تعال بسرعة .. " أغلقت سماعة الهاتف و هرعت إلى بيت جدتها .. ما إن وصلت عند الباب حتى خرجتْ صغيرتي مسرعة فضمتني و هي تضحك و الدمع ما زال في عينيها .. حملتها داخل السيارة و بدأت أقبلها و أنظر إليها فأقول : " ما شاء الله كبرت يا مها " فتضحك فرحة مسرورة و هي تلعب بلحيتي .. سألتها : " وش تتوقعين هديتك يا مها ؟ " فضمت يديها و بدأت تقلبها ثم وضعتها تحت ذقنها بتغنج الفتاة المتقنة لذلك و ابتسمت ابتسامة عريضة ملأت وجهها إشراقاً و حلاوة .. ثم قالت : " اممممممم ما ادري !! " فأريتها إياها فطارت بها فرحا و ركضت بها إلى جدتها لتريها هديتها ... وقفت أنظر إليها .. ثم تمتمت في نفسي : " يا رب احفظها لي و اجعلها من الداعيات إلى دينك .. يا رب أصلحها و أصلح بها " ... كبرت صغيرتي مها حتى وصلت السادسة من عمرها .. عند ذلك أدخلناها المدرسة الابتدائية القريبة من بيت ( خاله أديم ) .. كانت شعلة في النشاط و الحيوية .. كما كانت ذكية متفتحة العقل و الفكر ما شاء الله عليها .. في أول شهر جاءنا خطاب شكر من المدرسة على حسن تربيتها و تفوقها .. ثم توالت خطابات الشكر و الإعجاب بخلقها و حسن تربيتها .. ثم بعد ذلك توالت الرسائل من معلماتها في كيفية تربية مها هذه التربية الإسلامية ... لقد كانت صغيرتي لا تفتأ تنصح الجميع بأسلوب جميل و كأنه أسلوب والدتها دلال رحمها الله .. ذات يوم كانت مها تمشي مع معلمتها هند التي تحبها كثيرا .. فرأتها إحدى المعلمات فأرادت أن تقبلها .. فلما اقتربت من وجهها أبعدت مها وجهها فجأة و بسرعة و كانت تنظر إلى وجه المعلمة باستياء ونفور .. فزعت المعلمة لهذا الفعل فسألتها : " وش فيك حبيبتي ؟ " فقالت صغيرتي : " هذا ما يحبه ربي " و أشارت إلى حواجب تلك المعلمة .. تقول تلك المعلمة : كنت أقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لعن الله النامصة و المتنمصة " ما وعيته حقاً حتى أشعرتني مها بفداحة ما أفعل ... كانت الاتصالات من زميلات مها لا تتوقف عن بيت أديم .. فقد كانوا يحبونها كثيرا .. و دائما ما كانت صغيرتي تقص لي قصصها مع زميلاتها و هي تنصحهن .. و كم مرة قرأت رسائل صديقاتها الصغيرات في حقيبتها .. " أحبك يا مها " .. " ياليتنا أخوات " .. " مها أحسن صديقة عندي " .. " مها و لجين أحلى وردتين " .. و حتى أن الكثيرات منهن شاركن معها في دار التحفيظ ليحظين بالقرب منها .. أخذتها ذات يوم إلى السوق لنشتري لها بعض الأغراض التي تحتاجها .. كنا نسير في أحد الممرات و كانت صغيرتي ممسكة بيدي .. فجأة تركت يدي و ركضت تجاه مجموعة من النسوة يدخلن أحد المحلات .. ركضت وراءها و أنا أناديها : " مها .. مها .. " فدخلت معهن المحل ثم أمسكت بعباءة إحداهن .. نظرت إليها تلك المرأة مستغربة .. فأنزلت إليها رأسها .. فهمست إليها صغيرتي و أنا أرى الموقف من خارج المحل .. فقامت هذه المرأة فقبلت صغيرتي و هي تضحك .. فلما رجعت مها سألتها : " وش قلتي للحرمة ؟ " قالت : " قلت لها ربي ما يحب هذي العبات " ... فقمت و قبلتها بين عينيها و شكرتها.. و قلت في نفسي ما شاء الله عليك تعرفين تفرقين بين عباءة الكتف و عباءة الرأس .. وترقرقت الدموع في عيني وأنا أذكر أمها التي دأبت على غرس الخلق الإسلامي القويم بين أضلع تلك الصغيرة..!! انتهينا من شراء أغراضنا .. فلما أردنا الخروج فإذا بذلك الصبي الذي يجلس على قطعة كرتون بجانب الباب .. و أمامه مسجل و بعض الأشرطة .. و قد رفع صوت المسجل بأحد أشرطة الأناشيد و التي فيها دف .. انطلقت إليه مها و هي تحمل كيستها الصغيرة و قد بان على وجهها الغضب ظنا منها أن هذا الصوت صوت غناء .. فوقفت أمام هذا الصبي و قالت بصوت عالي : " حرااااااااااام .. حراااااااااااام .. قال صلى الله عليه و سلم ( المسلم أخو المسلم ... ) " ... فلم تحفظ صغيرتي سوى هذا الحديث و لذلك استشهدت به .. المهم أن الصبي لما رأى حماس مها في الإنكار و وقوفها أمامه بهذه الهيئة قام فأطفأ مسجله على الفور .. وعادت صغيرتي إلى أدراجها بسلام .... في الفصل الثاني من سنتها الأولى في المدرسة .. طلبت مني صغيرتي أن تلبس العباءة فقد كبرت على حد قولها .. كنت أضحك عندما كانت تتصل على هاتفي الجوال فتذكرني بأن لا أنسى أن أشتري لها العباءة .. بل و تقول " أبغى عبات رأس " ... ضحكت من أسلوبها و هي تحرصني أن أشتري لها هذه العباءة .. بعد أول يوم دراسي في هذا الفصل .. ذهبت لأخذها كعادتي في وقت الظهيرة .. فوجدتها حزينة كسيرة البال .. سألتها عن السبب فرفضت أن تجيبني .. بل أنها أبتّ أيضاً أن تأكل الايس كريم ذلك اليوم .. ألححت عليها .. فأخبرتني أخيرا " ليه ما جبت لي عبات رأس ؟ اليوم رحت المدرسة و الرجال شافوني " ضحكت كثيرا و قهقهت .. فغضبت أكثر .. فلما رأيت ذلك منها قلت لها : " الحين نشتري لك عبات رأس " فعلاً بعد العصر مررنا أحد المحلات فلم نجد عنده بمقاسها .. فطلبت منه أن يخيط لنا عباءة رأس بمقاس صغيرتي .. فلما سمعت ذلك انفرجت أساريرها .. بعد ثلاثة أيام لبست صغيرتي مها عباءة الرأس في ذهابها إلى المدرسة .. ما أجملها و أنت ترى تلك الفتاة الصغيرة بعباءة المرأة المحتشمة .. شامخة بحجابها .. رافعة رأسها و كأنها إحدى المعلمات .. مضى اليوم الأول بعد أن لبست العباءة و هي لا تكاد تحملها الأرض من الفرحة و السرور .. كل المعلمات أتين ليرينها بعباءتها .. حتى أنها أبتّ أن تخلعها في الفصل حتى أتت معلمتها هند فأقنعتها بذلك .. ثم قامت معلمتها هند فأقامت لها حفلا صغيرا في المدرسة حتى تتعلم منها الأخريات .. فتحفزت همم صديقاتها و بدأن ينكرن على أخواتهم ممن يلبسن عباءة الكتف .. و كل واحدة تقول للأخرى : " إذا كبرت أبلبس عبات رأس " لما سمعت إحدى معلمات المرحلة الثانوية في إحدى المدارس عن الخبر من طريق زميلتها المعلمة في مدرسة ابنتي مها .. أرسلت إلينا بخطاب تطلب منا أن نُحضر مها إلى المدرسة الثانوية في يوم الثلاثاء القادم لأنهم سينظمون برنامجا عن أهمية الستر و العفاف الظاهري و الداخلي و ستكون صغيرتي ملكة الحفل عندما تدخل عليهم شامخة بعباءتها الصغيرة .. لبينا طلب المعلمة و طارت صغيرة فرحا بهذا الخبر .. فهي ستلبس عباءتها و تدخل إلى مدرسة البنات الكبيرات .. كانت مها تنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر .. و كنت أشجعها فأعد العدة معها و أشتري لها ما تحتاجه في ذلك اليوم .. فشراب أسود جميل و ساتر .. و قفازان صغيران .. و باقة من الأشرطة المختارة لتوزعها على من تقابلهن من الفتيات ... في يوم الثلاثاء و بعد صلاة الفجر .. رجعت لأوقظ صغيرتي لتصلي ثم تستعد للذهاب إلى المدرسة .. فقد نامت مها عندي ليلة البارحة لأن ( خاله أديم ) متعبة .. كما أن المدرسة الثانوية التي سيقام فيها الحفل قريبة من بيتنا .. أنا أعلم أن مها لم تكد أن تنام تلك الليلة من شدة فرحتها .. أيقظتها فقامت بسرعة ثم ذهبت لتتوضأ و تصلي .. بقيت في غرفتي أنتظرها .. كنت أتفكر في هذه الفتاة الصغيرة و كم من السرور أدخلته على قلبي بفضل الله .. فقمت أحمد الله كثيرا على فضائله و نعمه التي لا تعد و لا تحصى .. كنت أتفكر في نفسي .. هل كنت أنا هكذا عند والديّ رعاهما الله .. هل هما يحباني كما أحب أنا مها .. بالتأكيد نعم ... سقطت دمعاتي و أنا أسمع والدتي تناديني أنا و مها لوجبة الإفطار .. كنت أتصورها تحبني كما أحب أنا مها .. بقيت أتذكر مواقفي و أنا صغير مع والدي و والدتي .. بقيت أتفكر في قلب الأم .. فتذكرت قلب الأم و حنانها .. و تذكرت قلب الأم و أثرها على أبنائها .. و تذكرت قلب الأم و كيف أنها تستطيع أن تصنع جيلا لا يطأطئ الرأس و يتمنى الخير لكل الناس ... أمسكت بقلمي فكتبت في إحدى مذكراتي : " أمي .. كم أنا أحبك ... " قطع حبل أفكاري صوت مها : " بابا كذا حلوة ؟ " التفت إليها فرأيتها شامخة بعباءتها .. ابتسمت .. ضحكت .. فرحت بجمالها و كمال أنوثتها .. فرحت بجمال روحها و أدبها و رزانتها .. رجعت إلى ورقتي فكتبت فيها : " أبي أحبك من أعماق قلبي .. " قاطعتني مها و هي تنظر إلى ما كتبت : - بابا وش تكتب ؟ - أكتب رسالة .. - لمين ؟ - لماما فاطمة .. - بابا .. أكتب رسالة لماما دلال و قلها إني كبرت .. نزلت قليلا عن السطر الذي كتبته .. ثم كتبت تحته : " زوجتي الغالية دلال .. مها كبرت " انتهاء 0000 لاشيئ ينتهي وبابه مفتوح كان يوماً صيفياً حاراً.. وريح السموم على أشدها في الرياض.. فتحت جود نافذة الغرفة.. - أفف " اختنقنا" من المكيف! قفزت بسرعة لأغلق النافذة.. - هييييييييه! ماذا تريدين أن تفعلي .. هل جننت؟ تفتحين النافذة في هذا الحر؟ سكتت ومطت شفتيها ثم رمت بنفسها على سريري بتثاقل.. - أفففف.. ملل.. ما كنها عطلة.. الناس مسافرة ومستانسة.. وحنا.. هنا.. طفش.. كنت على وشك أن أتكلم.. لكني آثرت الصمت وأنا أقلب الكتاب الشيق الذي بين يدي.. أخذت تتقلب في ملل.. ثم قفزت فجأة.. - فطوم! ما رأيك أن نذهب لبيت عمتي لنملأ المسبح ونسبح مع البنات؟ ما رأيك؟ مددت شفتي للأمام.. فلم تكن الفكرة تعجبني.. - كلا .. لا أحب.. تعرفين.. بيتهم مليان شباب.. ولا أضمن أن لا يتلصصون علينا.. - أفففف.. أنت معقدة ..! نظرت إليها بهدوء وقلت وأنا أبتسم.. - حبيبتي.. كم مرة قلت " أففف" منذ دخلت الغرفة؟! - أففففف.. حتى الـ" أفففف" صارت محسوبة علينا! وخرجت غاضبة من الغرفة.. كانت جود أصغر فرد في عائلتنا.. ورغم أن فارق السنوات بيننا لا يتجاوز الست سنوات.. إلا أن الفارق في الشخصية كبير جداً.. والفجوة بيننا واسعة.. منذ فتحنا أعيننا على الدنيا ونحن نرى أسرتنا مثالا للأسرة الصالحة المحافظة ولله الحمد.. أمي إنسانة تخاف الله وربتنا منذ طفولتنا على الأخلاق الفاضلة.. وكذلك أبي .. فرغم انشغاله إلا أن تربيته الصارمة والمحبة في نفس الوقت كان لها أثر كبير على استقامتنا ولله الحمد.. لكن الحال مع جود كان مختلفاً.. فلكونها آخر العنقود كان والداي يدللانها ويعاملانها معاملة خاصة جداً.. فهي الوحيدة التي كان لها الحق في السهر لساعات متأخرة حتى في أوقات المدارس.. كما أنها استطاعت ببكائها وشكواها المستمرة أن تقنعهما بإدخالها مدرسة خاصة.. وحتى لباسها للأسف.. كانت أمي تنصاع لها وتسمح لها بارتداء ما لم يكن يسمح به لنا.. غضبنا أنا وأخواتي واعترضنا كثيراً، لكن دون جدوى للأسف.. فقد بدا واضحاً حجم الاختلاف الكبير بيننا.. ففي الوقت الذي نستمتع فيه بسماع أشرطة المحاضرات كانت جود لا تستطيع المذاكرة إلا مع سماع الأغاني .. وما يحرق فؤادي هو رضا أمي عنها وعدم معارضتها لها.. حتى والدي كان دائماً يعتبرها طفلة ومسكينة وبريئة.. والحقيقة هي أن جود كانت بالفعل قادرة على الاستحواذ على قلبيهما.. فهي دائمة الالتصاق بهما.. وتخدمهما بشكل متواصل.. وتدللهما في الكلام.. وتشتري لهما الهدايا.. كانت ماكرة.. أو حنونة.. جداً .. حاولت كثيراً أن أنصحها.. أن أوجهها.. لكني يأست منها.. فقد كانت دائماً تصد عني .. وتعتبرني " عقدة" .. ولا تريديني أن أنصحها بأي كلمة.. وذات يوم طلبت جود من أمي أن تذهب لمدينة الألعاب بصحبة صديقاتها.. وأخذت تلح عدة أيام حتى وافقت لها أمي .. وحين علمت بذلك عارضت كثيراً.. - أمي كيف تسمحين لها.. ستذهب مع فتيات لا تعرفين أخلاقهن.. أرجوك.. كيف تسمحين لها؟ لكن أمي كانت تهدئني .. وتقول أن الأمر عادي.. والمكان نسائي .. - لكن يا أمي .. هي لا تزال في المرحلة المتوسطة.. كيف تذهب لوحدها؟ - اذكري الله يا ابنتي .. لا تكوني هكذا.. الأمر بسيط كل البنات يذهبن لوحدهن.. - أمي أنا رأيت صديقاتها حين ذهبت لمدرستها ذات يوم.. والله يا أمي لو رأيتهن لما ارتحت لمنظرهن.. حتى العباءة لا يعترفن بها.. بل يخرجن شبه كاشفات مع سائقيهن.. كيف تتركينها تخرج معهن.. - وما دخلها بهن..؟ فاطمة .. خلاص أنهي الموضوع.. " كلها" ساعتين وسوف ترجع بإذن الله.. لم القلق؟ حاولت وحاولت.. لكن عبثاً.. فاستسلمت.. وسكتُ على مضض وقلبي يشتعل من الألم.. لأني بدأت أشعر أن أختي ستضيع من بين يدي إن استمر هذا التهاون.. إن لم يكن الآن ففي المستقبل القريب.. وذهبت.. وهي تضرب الأرض بكعبها وتحدجني بنظرة كلها تحدي وانتصار.. ذهبت وهي ترتدي تلك التنورة الجنز القصيرة ذات الحزام المعدني المتدلي.. والمكياج يملأ وجهها الطفولي .. حشرت نفسها في عباءتها الضيقة وخرجت تتمايل.. ** كنا جالسين نتناول عشاءنا الخفيف المفضل الخبز واللبن.. حين نظرت والدتي للساعة.. - غريبة! الساعة تسعة ونصف.. وجود لم ترجع.. التفت والدي نحوها وقال.. - لماذا؟.. متى قالت أنها ستعود؟ - قالت قبل العشاء.. يعني في الثامنة تقريباً.. - اتركيها فربما استمتعت وتريد اللعب أكثر.. كنت أنظر لهم وأنا صامتة تماماً.. فقد قررت أن لا أسأل عنها ولا أتدخل بها أبداً.. صمت والدي قليلاً ثم سأل.. - مع من قالت أنها سترجع..؟ - تقول أنها ستعود مع صديقتها.. لديها سائق.. شعر بأن والدي بدأ يشعر بأن هناك خللاً في الموضوع.. - الله يهديك يا أم عبد الله.. لماذا لم تقولي لي من قبل.. كيف ترضين أن تعود مع سائق لوحدها.. وهي لا تزال فتاة صغيرة.. - لا أدري كيف أقنعتني أصلحها الله.. مضت عقارب الساعة بسرعة مخيفة نحو العاشرة.. ثم الحادية عشرة وجود لم تعد.. بدأ القلق يتسرب لبيتنا بشكل مخيف.. وبدأ أبي يصرخ.. - كيف تتركينها تذهب دون أن تأخذي منها رقم جوال صديقتها.. رقم أهل صديقتها.. أو على الأقل اسم صديقتها..؟؟ وكادت أمي تبكي وهي تقول.. - لماذا لم تسألها أنت..؟ ما دخلي..؟ لا تصرخ علي.. يكفيني ما بي الآن.. أتى أخوتي كلهم.. حتى أخي عبد الله المتزوج تم استدعاؤه من بيته.. ذهبوا لمدينة الألعاب فوجدوها قد أغلقت أبوابها.. جن جنون أبي وارتفع عليه السكر وانهار.. ونقل للمستشفى .. الكل كان يبحث عنها دون جدوى.. وعند الساعة الواحدة ليلاً.. قام أخي بإبلاغ الشرطة.. لكننا لم نكن نملك خيطاً واحداً يدلنا عليها.. لا اسم صديقتها.. لا جوال.. لا رقم سيارة.. ولا أي شيء.. فكيف نعرف أين تكون؟ وماذا يفعل الشرطة لنا؟ بقينا كلنا في البيت نبكي ونصلي وندعو الله.. ولا نعرف ماذا نفعل.. جود مختفية.. وأبي في المستشفى .. وعند الساعة الرابعة فجراً.. فوجئنا برقم غريب يتصل على جوال أخي عبد الله.. وحين رد.. كانت الطامة التي لم نتوقعها.. كان أحد الأخوة من الهيئة يتصل بأخي ليبلغه بأن أختي قد وجدت مع شاب في سيارة لوحدهما ليلة أمس.. وأنها قد انهارت وأغمي عليها من شدة الصدمة ولم تفق إلا قبل قليل لتعطيهم الرقم.. حين أغلق أخي الخط.. جلس على الأرض ولف وجهه بشماغه وأخذ يبكي.. صرخت أمي .. - ماذا؟ .. تكلم؟ وجدوها ميتة في المستشفى؟ حادث.. تكلم .. تكلم! ومن بين الشهقات أجاب وصوته الرجولي يهتز بقوة مؤلمة.. ولحيته مخضلة بالدموع.. - يا ليت يمه.. يا ليت.. كنت أعرف ماذا قالوا له.. كنت أشعر به.. قبل أن يخبرني .. لكني سكت.. أسرعت أمسك أمي وأذكرها بالله.. وهي تنتفض بقوة بين يدي.. أسرعت أغسل وجهها فيختلط الماء بالدموع.. وبعد قليل.. ذهب عبد الله ليستلمها.. بعد أن أقسمت عليه أمي أغلظ الأيمان أن لا يقتلها.. بعد سويعات.. دخلت.. وجهها شاحب كالموت.. وقد تركت الدموع خيوطها على وجنتيها.. كانت ترتجف.. حين رأتنا أسرعت ترمي نفسها عند قدمي أمي .. - يمه سامحيني .. والله ما سويت شيء.. والله العظيم.. والله.. رفستها أمي برجلها بقوة.. وصرخت فيها بقوة.. - اذهبي لغرفتك.. اذهبي لا أريد أن أرى وجهك يا " ..." .. أبوك يحتضر في المستشفى بسببك.. ليتك مت ولم نر فيك هذا اليوم يا خائنة الأمانة.. كنا جميعاً نشعر بتقزز غريب منها.. لا نريد أن نكلمها أو حتى نرى وجهها أو نشم رائحتها.. وفي الغد أخذتها أمي كشيء مكروه لتقوم بعمل تحليل حمل لها.. وهي تبكي وتصيح.. وتقسم بأنها لم تفعل شيئاً.. لكن أمي كانت تريد إذلالها فقط وأن تشعرها بدناءة فعلها الشنيع ونظرتنا لها.. بقي أبي في المستشفى أياماً وحالته غير مستقرة.. لذا لم نخبره بأمرها بل قلنا له أن حادثاً قد حصل لها.. لكنه عرف.. عرف ذلك من وجوهنا الملطخة بالعار.. ومن بكائنا الذي يحمل رائحة القلوب المجروحة.. وحين استعاد صحته وخرج.. تأكد تماماً من ذلك حين شاهد كيف أصبحنا نعاملها.. وكيف أصبحت شبه محبوسة في غرفتها.. فلم يعد هو الآخر يحادثها بحرف واحد.. كنت أشاهد أشياء كبيرة في أبي وقد تحطمت.. كبرياؤه.. رجولته.. فخره بأبنائه.. لم يعد يخرج.. ولا يجتمع مع الآخرين.. أصبح يفضل الجلوس مع أمي صامتاً على الخروج لأي مكان.. حزن كبير كان يسود بيتنا.. حتى أخواتي المتزوجات لم يعدن يزرننا كثيراً.. وكأنهن يخشين من مواجهة الحزن والكآبة.. وذات يوم.. أحسست أن علي أن أفعل شيئاً.. أن أرفع هذا الحزن المقيت الذي يجثم فوق قلوبنا.. وأن أصلح شيئاً.. دخلت غرفتها بهدوء.. وجدتها صامتة على سريرها.. جلست قربها.. نظرت إليها.. - لأول مرة.. هل تسمحين لي أن أسألك.. لماذا؟ سكتت طويلاً.. وحين رأت إصراري بالنظر إليها ابتسمت بحزن هازئة.. - كنت أعتقد أنه يحبني .. - ثم؟ - حين بدأ رجال الهيئة بملاحقة السيارة فوجئت به يقف بسرعة ويصرخ بي كي أنزل بل أخذ يدفعني بقوة.. ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أقف في منتصف الشارع لوحدي وقد هرب وتركني.. النذل.. - هل سبق وخرجت معه من قبل؟ - مرة واحدة فقط.. أخذني من المدرسة وتغدينا ثم أعادني .. نظرت إليها طويلاً ثم قلت.. - .. وما شعورك الآن؟ - شعوري؟ .. أكرهه.. وأكره نفسي.. وفجأة.. أخذت تبكي بحرقة وتشهق.. حتى أثارت حزني.. اقتربت منها.. وضممتها لأول مرة منذ شهرين.. ومسحت على شعرها الخفيف الذي تساقط أكثره منذ فترة.. شعرت بعطف شديد عليها.. ضممتها وأخذت أبكي معها.. - لا تكرهي نفسك يا حبيبتي .. لا تكرهيها.. باب التوبة مفتوح.. والله سبحانه وتعالى ينتظرك.. ينتظر توبتك ويفرح بها.. اهتزت بين يدي كحمامة صغيرة وهي تبكي.. - لكنكم تكرهوني .. خلاص.. لا تريدوني.. لا أحد يريدني حتى لو تبت.. أمسكت رأسها ورفعته فشاهدت في عينيها جود الطفلة الصغيرة.. - كلنا سنحبك.. وسننتظرك.. فقط انسي الماضي.. وابدئي من جديد.. ثم تابعت بهدوء.. - أنا لا أريدك أن تنسي الماضي من أجلنا.. كلا.. أريدك أن تنسيه من أجلك أنت.. أن تفتحي صفحة بيضاء جديدة مع ربك.. مع خالقك.. إنها علاقتك به.. أصلحي ما بينك وبينه.. وسيصلح كل شيء بينك وبين الآخرين.. ارتجف صوتها.. - لكن.. سمعتي .. انتهت.. ابتسمت لها.. - من قال ذلك؟ لا شيء ينتهي طالما باب الكريم الرحمن مفتوح.. فقط ندي يديك إليه.. وسترين كرمه ورحمته.. نظرت إلي لأول مرة في حياتها بتأثر.. ثم ابتسمت وعيناها لا تزالان غارقتان بالدموع.. انتهاء 0000000 قصة فتاة سعودية في باريس للكاتب : عقد منتدى المعالي (الجزء الأول ) (( كنت ادرس في باريس اثناء حصولي على شهادة البكالوريس .. و كنت وقتها اعزبا .. فلم تكن ام سعد آنذاك ترفرف في جنبات منزلي .. خرجت الى السوق ذات يوم لأشتري ملابس الشتاء .. و عندما اوقفت سيارتي عند المركز التجاري .. نزلت و ابتسامة عريضة تعلو محياي .. كيف لا و قد كلمتني والدتي و بشرتني بأن اختي افنان قد رزقت بمولود و اسموه على خاله الموقر (الذي هو انا طبعا) أحمد .. يااااه كم انا مشتاق لك يا أحمد و كم انا مشتاق لأم أحمد الصغير ... " اووووه سوري " قطعت حبل تفكيري امرأة اصطدمت بي .. عرفت انها امرأة من صوتها لاني لم اكن اشعر بالعالم حولي و انا اتذكر اهلي الذين غبت عنهم قرابة السنتين .. التفت اليها و قلت لها بسرعة " اوكي نو بروبلم " ... رفعت نظرها الي و احدقت النظر و كانها رأت شيئا غريبا .. قالت :" انت سعودي ؟؟!! " ... قلت " ايه " و دلتني ملامحها و جمالها على انها فتاة سعودية .. وضعت يديها على وجهها و بدأت تجهش بالبكاء و تقول بصوت متقطع " تكفى ساعدني .. انا اختك و الله انا اختك " و استمرت في البكاء .. حقيقة كان الموقف محرجا حقا فكل الاعين التفت الينا و ألتم الناس حولنا.. و ظن المتجمهرون حولنا انها زوجتي او اختي و قد ابكيتها .. فبدأ يغمزونني بنظراتهم و عباراتهم ... فقلت لها " يا اختي تأمرين امر بس خل نطلع من السوق و لك ان شاء الله اللي تبغين .. انا اخوك و ما راح اقصر معك " .. مشينا قليلا الى خارج السوق و كان عطرها فواحا الى درجة ان من مر بالطريق الذي مرت به عرف انها مرت من هنا .. بدأت اهدئ من روعها .. اشتريت لها ماء باردا من احد العربات و ناولتها اياه لتشرب منه و تغسل وجهها ... هدأ روع الفتاة و اجلستها على احد الكراسي الخارجية للسوق و جلست بعيدا عنها بعض الشيء .. بدأت بالكلام معها عن اصلها و قصتها و الحدث الذي حصل لها .. اخبرتني انها بنت لأحد كبار الشخصيات في السعودية .. و لقد اشتغل والدها عنها و عن اخوتها و تربيتهم بالاشتغال في منصبه .. و جعل همه هو الترقية و المنصب "و لا يدري ماذا نفعل و اين نذهب و مع من نذهب " .. فقط اغدق المال علينا ظنا منه ان هذه هي السعادة التي يريدونها ابناؤه و بناته .. و ما علم المسكين انه ضيعهم و جعلهم لقمة سائغة للمفسدين و دعاة الشهوة و الضلال .. فرح بمنصبه و افتخر بينما كل من يراه ينظر اليه نظرة الرحمة و الشفقة .. كم عبثت الذئاب بأعراضه بناته و كم وجد المفسدون من ورقة رابحة و مربحة في ابنائه .. و عندما نطقت بهذه العبارة التي تفطر لها فؤادي " ليتك يا ابي ضيعت اموالك كلها و منصبك و لم تضيعنا " .. دمعت عيناي شفقة بها و تمنيت ان ارى هذا الاب المفرط لألقنه درسا لن ينساه ... سكت قليلا رحمة بنفسي و بها فلا اريد ان ازيد همها الى هموم .. و انطلقت الى بائع الدونات فقلت له " من فضلك دونات بالشيكولاته لو سمحت " .. ناولني الدونات و كان ساخنا شهيا .. قدمته الى الفتاة بأدب و قلت " سمي بالله .. و بعد ان تنتهين من اكله سأساعدك بما تريدين " .. رفعت عيناها الي و قالت " شكرا " و ابتسمت ابتسامة ادخلت السرور الى قلبي كثيرا .. فكم غطى هذه المسكينة من الهموم و هي ترى والدها يبيعها بمنصبه .. و ما علم هذا المسكين انه اجهل الناس و ادناهم مصنبا .. فمن يفرط بعرضه ماذا يرتجي و ينتظر ؟؟! عجبا لمن باع شرفه بماله و عرضه ... قاطعت تلك الافكار قولها لي " الحمدلله .. الله يعافيك يا اخوي " فرددت عليها " بالهناء و العافية " ... سكت برهة من الزمن افكر فيم ابدأ و كيف ابدأ الحديث معها !!! فقلت لها " انا اخوك في الاسلام و احبك لك ما احب لنفسي و اكثر .. كم تمنيت ان افعل كل ما يجعلك مسرورة فرحة سعيدة .. و لو اعلم شيئا سيزيدك سرورا لفعلته لك .. و باذن الله اني سأساعدك حتى تبقين دائما مبتهجة منشرحة الصدر .. فأنا اخوك و يهمني كثيرا سعادتك ... تعلمين يا اختي ان الاسلام دين و حياة .. فهو دين ندين الله به و حياة نعيش فيها السعادة و الراحة و الطمأنينة .. فالله سبحانه خلق النفوس و هو اعلم بما يصلحها و يناسبها .. فأنزل لنا كتابه و ارسل رسوله و ابلغنا عن كل ما يصلح النفس و يسعدها .. فأمرنا بفعل الخيرات و ترك المنكرات .. فمن اطاعه سعد و فاز و من عصاه باء و خسر " ... قالت " صح " ... قلت لها " ألا يستطيع الله ان يدخل الناس كلهم الجنة ؟ " .. قالت " الا " ... قلت "طيب ليه خلق النار ؟ " .. قالت " يشوف من يطيعه " ... قالت " احسنت .. حتى يبتلي عباده فمن اطاعه ادخله الجنة و من عصاه ادخله النار ... طيب حنا اللحين دامنا عرفنا الكلام هذا فمن نطيع ؟؟؟ نطيع الله او الشيطان ؟؟ مهب الله سبحانه و تعالى يقول : ( الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء و الله يعدكم مغفرة منه و فضلا ) فليه نطيع الشيطان بأفعالنا و تصرفاتنا و نتبع هوانا دايم ؟؟ ليه ننظر الى الناس اذا بغينا نسوي شئ فاذا كان يعجبهم الشئ هذا سويناه و ما فكرنا ابدا هل هو يرضى الله سبحانه و الا ما يرضيه ؟؟!!! ليه نجعل الناس هم اللي يراقبونا و نجعل الله سبحانه اهون الناظرين الينا ؟؟ " ... فقاطعني صوت بكائها و نشيجها و ادركت ليونة قلبها .. فأكملت كلامي و قلت " من احب الناس لك ؟ " ... استغربت من سؤالي فكررته انتظر جوابا منها .. فقالت " امي " ... قلت " ليه اخترتِ امك ؟ " .. قالت " لانها تحبني كثير .. و تعبت علي و لا ترد لي أي شئ ابغاه " .. قلت " و بعد ؟ " ... قالت " امي .. يكفي بس انها امي .. ولدتني و تعبت في تربيتي .. و لو امرض ما تفارقني و يعني وش اقولك كل شئ تسويه لي الله لا يحرمني منها " ... قلت " طيب هذي امك اللي تحبينها بالشكل هذا لانها سوت لك اشياء كثيرة .. و الله سبحانه و تعالى خلقك و جملك و زينك و رباك و اغناك و خلق امك و سخرها لك و جعل بينكم محبة و رحمة و اعطاكم من المال و الصحة و العافية و من عليك بكل شئ .. تخيلي لو كنت مشلولة وشلون بيكون حالك ؟ تخيلي لو كنت يتيمة و ما عندك مال وشلون بيكون حالك ؟ تخيلي لو كنت مشوهة الوجه وشلون بيكون حالك ؟ تخيلي لو كنت عمياء و الا صلعاء و الا عرجاء وشلون بيكون حالك ؟ كل هذي نعم من الله سبحانه عليك .. ليه ما تحبينه و تشكرينه و تطيعينه " .. قالت " انا احبه " .. قلت " لو تحبينه كان اطعتيه و لا عصيتي اوامره .. ما فيه احد يحب احد و هو يعصي اوامره و يبتعد عنه كل ما اقترب محبوبه اليه .. حجابك وينه يغطي مفاتنك و جمالك اللي امرك الله انك تغطينه .. عطرك ليه متعطرة و انت تعرفين ان الرسول صلى الله عليه و سلم يقول " ايما امرأة خرجت متعطرة يشم رائحتها الرجال فهي زانية " او كما قال عليه الصلاة و السلام .. قال فهي زانية و لم يقل فهي كالزانية ... لو اخذ الله منك هذا الجمال وش بتسويين ؟؟! لو اخذك منك سبحانه نعمه التي انعمها عليك لانك ما اطعتيه وش بيصير حالك ؟؟ " حقيقة اني رحمتها و توقفت شفقة بها .. فقد قطع البكاء انياط قلبها .. و ارتعدت فرائصها .. فآثرت السكوت و قلبي لم يزل يحمل الكثير من الرسائل اليها و لكن لعل الله ينفع بما اوصلته لها من رسائل .. ثم بقيت فترة من الزمن حتى هدأت فناولتها قارورة الماء و استأذنتها بالانصراف .. امرتني بالانتظار قليلا لانها تريدني .. حاولت ان تتكلم فلم تستطع و كانت تختم كل كلمة منها بالبكاء .. جلست و قلت لها " ارتاحي قليلا حتى تهدأين ثم تكلمي " ... و بعد ان سكنت قليلا قالت " ما راح تجلس معي شوي ؟ " ... قلت " لا ما يصلح اني اجلس معك .. و لكن انا ابساعدك في كل وقت تحتاجيني باذن الله قدر ما استطيع .. و انا ساكن في حي سانسيلا في بلف سويتس و رقم غرفتي 427 ... ثم ودعتها و اتجهت الى سيارتي .. فلما شغلت المحرك و بحثت عن ورقة من بين الاوراق التي بجانبي اذا بزجاج نافذة سيارتي يطرق بأدب .. رفعت عيناي و اذا بها و بيدها دونت بالشيكولاته و قالت " هذا اقل ما اعطيك على معروفك و الله يجزاك خير " ... فشكرتها ثم انصرفت ............. ( الجزء الثاني ) سحابة الحزن في احد ايامي الدراسية .. رجعت الى البيت بعد يوم انهك قواي .. فللتو قد خرجت من احد الاختبارات و كنت البارحة قد سهرت ليلي للمذاكرة الجادة بحثا عن التفوق في هذه المادة الثقيلة معنى و كما .. فتحت باب غرفتي فاذا بظرف تحت اقدامي .. حملته بيدي لأبحث عن اسم مرسله فلم اجد شيئا مكتوبا على غلافه .. بدلت ملابسي و استرخيت على سريري و انا امسك بذلك الظرف .. فتحته فاذا به رسالة من عدة صفحات .. فتحتها و اول ما اوقعت نظري اليه هو اسم المرسل فاذا بي اجد عبارة "اختك التي ساعدتها في السوق " ... اوووووه انها تلك الفتاة التي وجدتها بالسوق قبل اربعة ايام ... يااااااه كيف نسيت امرها بهذه السرعة و لكن ربما هي دوشة الاختبارات ... بدأت بقراءتها و لا اخفي عليكم كم كنت متشوقا لقراءة هذه الرسالة ... سرحت في اسلوبها الساحر و عباراتها الجميلة حتى اني لم اشعر بطولها فكان مما قالته: " اشكرك اخي على لطفك و لو فعلت ما فعلت لما استطعت ان اوفي لك حقك " و مثل هذه من العبارات الجميلة .. و بعد ذلك قالت : " اعلم يا اخي الفاضل ان هذا الكلام سيضايقك كثيرا .. و لكن لابد و ان اكون صادقة و صريحة معك .. بعد مجيئي الى فرنسا قبل اسبوعين تقريبا اقترفت فيها انواعا و الوانا من المعاصي .. كنت شديدة البعد عن الله .. و للاسف هذا من اثر الترف و بعد الرقيب .. قد تعجب لو قلت لك اني احبك .. و لكني قد نطقت بها لغيرك كثيرا .. ففي باريس فقط تعرفت على شابين بحثا عن شئ اسمه سعادة وحب .. لا تندهش فلم يعلمني احد يوما من الايام ان ما افعله خطره مثل ما ذكرته لي انت .. بالأمس ناولتني اختي بطاقة دعوة .. فتحتها فاذا هي دعوة من صديقها الفرنسي الى حفلة يوم ميلاده .. ألحت علي اختي بالحضور معها و كانت دائما ما تكثر الوصف و المديح في احد زملاء صديقها و تريدني ان احضر لرؤيته " ... الحقيقة ان رسالتها كانت طويلة جدا و ختمتها برجاء ان ادركها قبل ان تقع في شباك الرذيلة مرة اخرى .. ثم اختتمت رسالتها بعنوانها و ايميلها ... علتني الدهشة و تعجبت اشد العجب على ما تربى عليه امثال هؤلاء .. اين هم من الاسلام و ادابه و تعاليمه .. ما دور والديهم و اين اثر تربيتهم لأبناءهم .. عجبا لهذين الوالدين المفرطيين .. لو ظفرت بهذا الأب لجعلته درسا و عبرة لغيره .. ألم يكونوا هؤلاء ابناؤه و فلذات كبده .. سبحان الله يخلفون الابناء و يجعلون تربيتهم على الخدم .. يظنون ان اهم شئ عند الابناء هو اغداق المال عليهم و انهم يأكلون و يشربون .. للأسف لم ارى قط مثل هذه التربية الا في حظيرة الماشية عندنا .. نعلفها و نسقيها الماء و نضع لها من يقوم بخدمتها .. الحمدلله الذي عافانا مما ابتلاهم به و فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا ... رميت بالرسالة على سريري و انا احس بأن اعصابي بدأت تتآكل في اناملي قهرا و غيظا على والديها ثم على اختها الجاهلة التي تهدم ما بنيناه ... مرت برهة من الزمن و انا مستلق على السرير و الافكار تتجاذبني .. نظرت الى جدار غرفتي التي زينتها بقواعد ذهبية اسير عليها في حياتي .. وقع نظري على " فكر ايجابيا و كن ايجابيا " ... اووووووه نسيت حتى ان اشرب الماء كم كنت عطشانا و انا في طريق العودة من الجامعة .. فتحت الثلاجة و شربت كأسا من عصير البرتقال ثم حمدت الله و استرجعت على ما حدث .. بدأت التفكير ايجابيا باحثا عن حل عاجل .. فتحت ايميلي و بدأت بكتابة رسالة قلت فيها " اريدك يا اخيتي ان تذهبي الى المطبخ ثم توقدين الفرن و تضعي يدك على ناره فاذا صبرت و استطعت التحمل فاذهبي مع اختك و اذا لم تستطيعي فلا تذهبي فان نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار الاخرة .. يا اختي الكريمة انقذي نفسك من النار و من عذاب الله فان الموت ات اليك لا محالة .. و هو اليوم اقرب اليك من الامس" ... و بدأت اذكر لها بعض الاحاديث و الايات لما اعده الله لمن اطاعه و لمن عصاه ثم ارسلتها ... في العاشرة مساء فتحت ايميلي فوجدت رسالة منها .. فتحتها و قرأت ما فيها و كان مما قالته : " لا استطيع شكرك على هذه الكلمات التي ايقظتني من غفلتي هذه و باذن الله اني عازمة على عدم الذهاب معهم غدا و لكن كم يضيق صدري لأني اخاف على اختي من النار .. فانا احبها و لكن لا اعلم كيف استطيع الوصول الى قلبها " ... و ذكرت لي كلاما طويلا كان يدور حول اختها .. فارسلت لها و قلت :" عفوا اخيتي , و لكن اريدك هذه الليلة و غدا ان لا تكثري النقاش مع اختك .. و باذن الله سنتعاون سويا في اقناعها و نساعدها في الاقلاع عن ذلك .. و لكن نحتاج الى صبر و تروي .. فالان ابدأي بنفسك اولا و ادع الله بان يهدي اختك و يلين قلبها لسماع الحق " ثم اعطيتها روابط لمواقع اسلامية مفيدة لاني استنتجت من رسائلها بأن لديها فراغا كبيرا قاتلا و ان لم نملأه بالمفيد و النافع فانها ستملأه بالاسواق و غيرها من سبل الشيطان و طرقه .. كان مما اعطيتها رابط مواقع الشيخ محمد صالح المنجد www.islam.ws و عدة مواقع تحتوي على كتب نافعة ممتعة ... فكرت بأن اشتري لها كتبا من المكتبة و اوصلها اليها و لكن كيف؟ لاني اخشى على نفسي من الفتنة لو ذهبت اليها .. كما اخشى ان افتح للشيطان طريقا اذا وصلت الى مقر اقامتها بدعوى النصح و ارادة الخير لها ... و بعد تفكير عميق وجدت ان انسب الطرق هي ان اضعها عن احد مكاتب التوصيل مثل GTX و ارسله لها ... في الغد و بعد عودتي من الجامعة ذهبت الى احد المكتبات الاسلامية في باريس و اخترت كتاب الرحيق المختوم و كتيبين عن العفاف و الحجاب و كتاب صور من حياة الصحابيات و وضعتها داخل صندوق صغير و معه علبة متواضعة من الشيكولاته البلجيكية .. غلفتها بغلاف جميل و ذهبت لمكاتب التوصيل GTX و معي هذا الصندوق .. التفت الي المأمور و قال : " الى اين تريدها ؟ " .. قلت : " باريس " .. نظر الي باستغراب و قال " نحن في باريس " .. قلت :" نعم اعرف و لكن اريد منكم توصيلها الى احد الفنادق و اعطيته العنوان كاملا " .. نظر الي نظرة محدقة و قال : " اعطني عنوانك من فضلك " .. اعطيته عنواني كاملا ثم دفعت رسوم التوصيل و انصرفت ... ذهبت الى مقر اقامتي لأرتاح قليلا .. و بعد نصف ساعة تقريبا طرق باب غرفتي .. رددت " من ؟" .. سمعت صوت رجل لم افقه ما يقول فقمت و فتحت الباب .. قلت :" نعم ؟" .. قال لي :" نحن من رجال المباحث .. و انت مطلوب و ستذهب معنا الان " .. قلت: " و لماذا ؟" .. قال لي :" كذا هي الاوامر" .. استرجعت و بدلت ملابسي و ذهبت معهم ... وصلنا الى احد مراكز الشرطة في باريس و نزلنا ثم ادخلت على احد الضباط .. اذن لي بالجلوس ثم بدأ التحقيق معي و سألني عن سر الصندوق الذي ارسلته قبل سويعات .. فقلت له " هذه هدية ارسلتها الى احد من اعرفهم و يسكن في ذلك الفندق " .. قال : " و لماذا ارسلتها عبر مكاتب البريد و لم تقم انت بايصالها بنفسك مع انهم يسكنون في نفس المدينة , اكيد انها تحتوي على اشياء ممنوعة او ان وراء ذلك سر " .. قلت :" لا شئ من ذلك .. و بامكانكم تفتيشها" .. اخذت الى السجن ليتم التحقق من الامر .. فاستدعوني عدة مرات ثم يسألونني نفس الاسئلة و اجاوبهم نفس الاجوبة .. و ذات مرة سألوني "لماذا لم تقم بأيصالها بنفسك " .. قلت :" ليس هنالك سر و لكني ارسلتها الى فتاة و ديني يمنعني من مقابلة الفتيات اللاتي لسن بمحارم لي " .. ازدادت التحقيقات شدة و عرضوني للضرب عدة مرات و كلما ارادوا ان يجلدونني لأعترف بأني انتمي الى احد خلايا الارهاب قلت لهم : "فتشوا كل شئ فان وجدتم دليلا فاضربوني " .. فيمتنعون من ذلك و الحمدلله لانهم ليس لديهم ادنى دليل .. ثم ان مدة سجي طالت علي فراسلت احد المحامين المشهورين لينظر في قضيتي .. و في مساء تلك الليلة دعوت الله بالفرج ... فلما كان الغد علمت الشرطة و المباحث في اني استأجرت محاميا في قضيتي فخافوا لأنهم لم يجدوا علي ادنى دليل فاخرجوني من الغد .. فقضيت في السجن اثنان و عشرون يوما عرضت فيها على الجلد و الصعق الكهربائي و لكن بفضل الله لم اجلد الا سوطا واحد و انقذني الله برحمته منهم و تم الافراج .. طيلة هذه المدة كنت افكر بالهدية هل وصلت اليها ام لا ؟ و ماذا حصل لتلك الفتاة و كيف حالها ؟ و اسئلة كثيرة تدور في خلدي اريد الاجابة لها .. الحقيقة ان ايام السجن العشر الاولى كانت من اشق الايام علي .. لان بالي كله مشغول بتلك الفتاة و ماذا صنعت .. هل ثبتت امام الامتحان ؟ هل وجدت ما يشغل وقتها ؟ ... فكل يوم ينقضي تكون ضريبته احد اصابعي .. فمع التفكير و احتراق اعصابي و انا انتظر الافراج عني في كل ساعة استقبلها كنت اعض على احد اناملي ... فلما انقضت عشرة الايام الاولى ارتحت قليلا و هدأت لانه على حسب تقديري انهم رجعوا الان الى السعودية فازددت بالدعاء لهم بالهداية و التثبيت .. حصل ما حصل فانا لله و انا اليه راجعون ... وصلت الى الفندق .. وجدت كل شئ رأسا على عقب بعد التفتيش .. لم ابالي بذلك كله .. مباشرة اتجهت الى كمبيوتري و فتحت ايميلي فوجدت احد عشر رسالة منها .. قرأت الرسائل فزاد همي هما و حزني حزنا .. فرفعت يداي الى السماء و دعوت الله لها بالثبات .. ثم ارسلت لها رسالة طويلة اعتذر اليها و اشرح ما حدث لي ... مرت ثلاثة ايام و انا لم اتلقى اي رد ... ارسلت لها رسالة ثانية و ثالثة رجاء ان تجيب .. و في الغد فتحت ايميلي فوجدت رسالة منها.. فتحتها فوجدت كلاما باللغة الفرنسية يقول لي " من انت ؟" .. ارسلت لها فقلت " انا من واجهتك في فرنسا عند مدخل السوق قبل شهر تقريبا" كتبت ذلك باللغة العربية .. ثم كتبت باللغة الفرنسية " انا احمد .. من انت ؟ ألست الفتاة العربية التي واجهتها في فرنسا؟ " ... من الغد وجدت رسالة باللغة الفرنسية تقول بلهجة ساخرة " الايميل مخترق منذ عشرة ايام ايها الاحمق .. هكر فرنسا " ................. ( الجزء الثالث و الأخير ) أمطار السعادة مع أم سعد تخرجت من الجامعة و الحمدلله بمرتبة الشرف الثانية.. بعدها بشهر تقريبا انهيت اوراقي و عدت الى السعودية .. لقد كانت آمالي كآمال كل شاب .. أفكر بعش الزوجية السعيد و أبحث عن فارسة أحلامي .. كم كانت فرحة أمي كبيرة عند قدومي .. ثم بشرتها بتفوقي فلم تستطع منع دموعها فبكت ثم خرت ساجدة لله .. بكيت و كان موقفا مؤثرا ... مر شهر على هذه الحادثة و في صباح احد الايام دخلت علي اختي و انا اقلب بعض الاوراق في غرفتي .. رأيت في وجهها ابتسامة كبيرة و كأن كنوز الدنيا في جوفها .. نظرت اليها و ضحكت لما رأيت البشر يعلو وجهها و انا لا اعلم ما تخفيه لي من مفاجأة .. سألتها عن سبب كل هذا الفرح فأخبرتني بأنهم يرغبون بالخطبة لي من احدى زميلاتها المقربات و التي تحبها كثيرا .. دار الحديث بيني و بينها حول زميلتها هذه .. ثم فكرت بالامر كثيرا و استخرت الله فيها .. فيسر الله لي و تم الزفاف بعد عشرة اشهر ... في الحقيقة كانت زوجتي ام سعد امرأة لطيفة جدا و خفيفة ظل .. و كانت و لله الحمد تتحلى بالاستقامة على الدين و تحفظ كتاب الله .. كانت ودودة لطيفة جميلة ظريفة .. لم تصل خيالاتي يوما من الايام لمثلها .. فالحمدلله الذي اقر عيني بمثلها ... عشت معها اياما جميلة رائعة و كنا نطبق فيما بيننا قاعدة " اذا غضبت رضيني و اذا غضبت رضيتك " ... بعد شهرين من زواجنا راجعنا احد المستشفيات انا و ام سعد .. دخلت ام سعد الى الطبيبة للكشف و بقيت انا خارج الغرفة بانتظارها .. فتح باب الغرفة فخرجت الممرضة و نادتني ثم اخبرتني بأن زوجتي حامل ففرحت فرحا شديدا و لم يقر لي قرار فطفقت اسعى في الممر ذهابا و ايابا انتظر زوجتي الغالية تخرج لأهنئها و أكحل عيني بها ... بعد عدة اشهر اقترحت علي ام سعد ان نذهب الى السوق لنشتري اغراض مولودنا الجديد فهي الان بالشهر الثامن و ما بقي الا شهر تقريبا على الولادة .. ذهبنا الى سوق المجد .. دخلناه و كانت يدي بيدها ثم اتجهناالى احد محلات ملابس الاطفال .. فلما خرجنا منه تعرقلت زوجتي بعربية احد الاطفال فسقطت على جانبها الايسر .. هرعت اليها فسميت عليها ثم ساعدتها بالنهوض ..سألتها "هل تحسين بألم ؟" .. فهمست بأذني "بطني يؤلمني بشدة ياأحمد" ثم زفرت تعبيرا عن شدة الألم .. فأخذتها بسرعة الى مستشفى الحمادي ثم جلست على في خارج الغرفة انتظرها .. رن هاتفي الجوال فنظرت فاذا هي زوجتي .. رددت و كان صوتها ضعيف جدا و ينبئ عن آوجاع شديدة تنتابها .. اعتصر قلبي الالم واطرقت برأسي للاسفل رحمة بها فانحدرت من عيني دمعة لطالما حاولة منعها مرارا و لكنها ابت الا الخروج من عيني و تدحرجت على خدي .. ذهبت الى استراحة الرجال و بقيت هناك و طفقت ادعوا الله لها بالشفاء و العافية .. رن هاتفي مرة اخرى فنظرت اليه فاذا هي امي الحنونة حفظها الله .. رددت عليها فقالت لي " فيك شئ يا ولدي ؟" .. قلت " ليه يا يمه الله يسلمك ؟!!!! .. مابي الا العافية " .. قالت :" لا و انا امك .. قلبي عورني و حسيت ان فيك شئ " .. اندهشت و تعجبت اشد العجب و قلت :" اجل دامه كذا .. فأنا اللحين بالمستشفى لان ام سعد طاحت بالسوق و ان شاء الله انها طيبه و ما نبغى الا دعاك " .. طال وقت انتظار تقرير الطبيبة عن حالة زوجتي فمكثت على اعصابي لا يهدأ لي بال و بقيت اتساءل هل هي على ما يرام ؟ .. بعد نصف ساعة خرجت الطبيبة من غرفة زوجتي و قالت لي :" يمكنك الان الدخول للاطمئنان على زوجتك " .. دخلت مسرعا فسلمت على زوجتي و كانت و لله الحمد و المنة في صحة جيدة و لم تتأثر كثيرا .. مضت لحظات قليلة و اذا بباب الغرفة يطرق .. فتحته فاذا هي والدتي اتت للاطمئنان على زوجتي فانفرجت اساريري و قمت اقبل امي و اشكرها على مجيئها و قلت في نفسي " سبحان الله .. دائما ابقى صغيرا في نظرها و اتت للاطمئنان علي " ... بعد ذلك قرر الاطباء ان تبقى زوجتي لديهم الى الغد حتى لا يتأثر الجنين .. و في الغد أتيت لزيارتها .. فلما دخلت المستشفى أحببت ان افاجأ زوجتي بهدية .. فدخلت محل الهدايا في المستشفى و بينما انا اتجول فيه و ابحث عن الهدية المناسبة اذا برجل كثيف اللحية و وجه مشرق ينظر الى بابتسامة جميلة و كأنه يعرفني و معه طفل و بجانبه زوجته .. بادلته الابتسامة نفسها و احببت ان اصافحه لكن استحييت ان احرجه لان زوجته بجانبه .. التفت الى الجهة الاخرى لأختار هدية زوجتي .. اذ بصوت من خلفي يقول : " السلام عليكم " .. التفت فاذا هو ذلك الرجل فقلت " و عليكم السلام" ثم تصافحنا و سلم علي سلاما حارا و كأنه يعرفني من قبل ثم قال لي و هو يقدم لي ابنه :" هذا أحمد " .. فنظرت الى ابنه ذو الاشهر الستة جميل وديع لطيف فقبلته و قلت :" ما شاء الله .. الله يصلحه و يهديه " .. فناولني ابنه و قال لابنه و هو ينظر اليه :" رح مع سميك " .. حقيقة لا اعرف هذا الرجل من قبل و لا اذكر اني رأيته فتعجبت من تصرفه اللبق معي ثم بلغت مني الدهشة اقصاها عندما قال لابنه "رح مع سميك " فكيف عرف هذا اسمي ؟ كنت اقول ربما كان مشتبها بي بشخص يعرفه , لكن اراه يعرف اسمي .. امسكت ابنه و بدأت اقبله كل هذه الافكار تتعارك في رأسي و انا اضحك و الدهشة تعلوني .. فنظر الى الرجل و ضحك ثم قال : " شكلك مستغرب وشلون عرفت اسمك " .. ضحكت و ارتحت قليلا لانه عرف ما يدور في خلدي و قلت :"ايه صحيح لأني ما اذكر اني شفتك " .. قهقه بلباقه جمة ثم قال لي :" تصدق انت اكثر واحد اغار منه !! " .. اتسعت دائرة عيناي و انا انظر اليه باندهاش و اقول في نفسي :" الله يستر .. وش دخلني انا " .. ثم اكمل فقال :" ذبحتنا هذي المرأة فيك حتى الولد سميناه على اسمك " .. حقيقة انا انقلب رأسي و اصبحت اتنقل بين الألغاز و الاستفهامات و علامات الدهشة لا تفارقني .. فضحك كثيرا على منظري و حالتي ثم قال لي :" شف هذه المرأة " .. فنظرت فاذا امرأة متحشمة متسترة لا يكاد يخرج منها شئ .. فالقفازات تغطي كفيها و عباءتها واسعة تغطي تقاسيم بدنها .. حقيقة كانت قمة في الستر حتى انك لا تكاد تعرف وجهها من ظهرها .. ثم اكمل حديثه فقال :" دخلت انا و اياها المستشفى فلما رأتك قالت هذا هو احمد .. و سبحان الله كانت دائما ما تقول ( يا رب وفقني و اجعلني ارد الجميل لأحمد ) .. فهي التي قابلتها عند مدخل السوق في باريس و نصحتها ثم انك انقطعت عنها فجأة و هي من ذلك اليوم و هي قلقة عليك و تدعو الله لك بالسلامة وان تراك بصحة و عافية " .. عقدت الدهشة لساني و بقيت واجما لا اهمس ببنت شفة .. فضحك ثم قال :" الظاهر انك لم تصدق قولي !!!" .. فقلت :" الا .. لكن ؟؟؟!!!!!" .. عانقني بحرارة ثم قال " اعطني رقم جوالك و سأتصل عليك اليوم لنجلس سويا و نأخذ أخبارك .. اظن ان زوجتي احترقت اعصابها و هي تنتظرني لتسمع الاخبار " .. اعطيته رقم جوالي ثم ودعته بابتسامه واسعة تعلوها علامات التعجب و الاندهاش .. انصرف عني و كدت انسى هدية زوجتي لولا ان بائع المحل قال لي " ايوه بابا " .. تذكرت عندها اني جئت لاشتري هدية لزوجتي فاخترت هدية كبيرة ثم صعدت الى غرفتها .. سلمت عليها ثم ناولتها الهدية ففرحت بها كثيرا ثم جلست بجانبها و كنت كمن أجر عقله و فكره و ذهب بجسده فقط ... دخلت الممرضة علينا ثم ناولتني تقريرا يسمح لزوجتي بالخروج معي .. فأخذتها ثم اتجهنا الى بيت اهلها لترتاح عندهم و اعود اليها في المساء ... بعد صلاة العصر رن هاتفي الجوال فاذا به ابو احمد ذلك الرجل الذي قابلته هذا اليوم .. رددت عليه فسلم ثم قال ان زوجتي تدعوك اليوم الى العشاء و لا تسمح لك بالرفض الا اذا كان هناك عذر شرعي .. تلعثمت محاولا الرفض لكن ام احمد اقفلت كل سبل الاعتذار فقبلت دعوتها .. بعد صلاة العشاء ذهبت الى البيت حسب الوصف فلما وصلت اليه خرج لي ابو احمد و استقبلني بكل حفاوة و ابتسامته تملأ وجهه الوضيء .. ادخلني الى المجلس و كان بيته جميلا و انيقا .. تناولنا القهوة ثم بدأنا بالحديث .. قال لي :" ام احمد الى الان مستغربه ليه انقطعت عنها يوم انتم بباريس .. وش صار لك ؟" .. ضحكت و قلت له :" اللحين انا جاي ابي اسمع قصتها منك و بعدين اقولك وش صار لي .. لاني ما عندي صبر انتظر الى ان اقولك ةش صار لي .. فابدأ انت و ريحني و اقولك اللي تبي " .. ضحك ثم قال :" تامر أمر .. انا امام المسجد المقابل لهذا البيت .. ذات يوم كنت في درس اسبوعي لأحد العلماء و بعد الدرس دعاني الشيخ لوحدي و قال لي هل انت متزوج ؟ .. قلت : لا .. قال : هل ترغب بالزواج من زوجة مستقيمة و نحن نساعدك في تكاليف الزواج .. فقلت : جزاك الله خيرا يا شيخ لكن ابنة من تكون ؟ فذكر لي ام احمد و قال لي انها تدرس في احدى دور تحفيظ القران بالرياض .. و انها اختراتني لأبحث لها عن زوج صالح فوقع اختياري عليك ... فرحت بهذا الخبر ثم أرسلت اختي لتراها و بعد شهر تم الزواج بيننا .. و بعد زواجنا بشهرين جلست معها و اخذنا نتجاذب اطراف الحديث فقالت لي ام احمد قصتها معك ثم انك انقطعت عنها فجأة فعادت الى الرياض و اتصلت على احدى زميلاتها المستقيمات و طلبت منها مصاحبتها و رغبتها في الاستقامة ثم ألتحقت بدور تحفيظ القرأن و صارت لا تترك أي محاضرة او دورة علمية او ندرة الا بعذر شرعي و اصبحت و لله الحمد من طالبات العلم و مدرسات القرأن و مربيات الفتيات نحسبها صالحة تقية نقية و لا نزكي على الله احدا .. و كانت دائما ما تذكرك و تدعو لك و تأمرني بالدعاء لك فما غرت من احد ابدا مثل غيرتي منك .. فلما رزقنا الله بالمولود الاول و كان ذكرا رجتني رجاءا ان اسميه على اسمك فقد علمت ان اسمك ( احمد ) من اسم ايميلك .. فزادت غيرتي عليك .. و لكن ما زلت الى يومي هذا ادعو لك لانك دللت زوجتي على طريق الهداية و اشهد الله اني لم ار قط مثل زوجتي خلقا و دينا و ادبا و احبها حبا عظيما فأحمد الله ان جعلها زوجتي " .. عند ذلك قاطعنا صوت رنين جواله .. فقال لي " معذرة هذا اخي .. و لو كان احدا غيره لما رددت عليه لاني لا اريد ان افرط بدقيقة واحدة في وقت جلوسي معك " .. اخذتني الافكار و هو يهاتف اخيه .. فالتفت الي فجأة و هو يقول :" يسلم عليك اخي و يقول وش نسمي البنت ؟ جاهم مولودة و نبغاك تختار لها اسم ؟" .. ارتبكت و قلت :" و الله ما ادري .. على كيفكم !!!" .. فقال :" اختر لنا أي اسم تحبه ؟ اخوي و زوجته يقولون ما يسميها الا انت .. قلت :" و الله ما ادري لكن اذا ملزمين خيروني بين الاسماء اللي مرشحينها و اختار لكم اسم " .. فقال لي ابو احمد " فيه : اروى و شذى .. وش رأيك ؟" .. قلت :" كلهن حلوات .. لكن انا اختار شذى " .. فقال ابو احمد لأخيه فقالوا " خلاص نسميها شذى و على بركة الله " ... ثم اغلق ابو احمد هاتفه و التفت الي فقال :" هذا اخي الذي يصغرني تزوج من اخت زوجتي " .. قلت له بسرعة " ماذا قلت ؟!!! من اخت زوجتك؟ " .. فقال و هو يضحك " نعم .. ابشرك استقامت على دين الله مع اختها بعد عودتها من باريس بشهر و اصبحت معها تدرس القران في دار التحفيظ .. و هي كذلك مثيلة اختها في اخلاقها و ادبها و الحمدلله .. و لقد استشارني اخي في الزواج منها فقلت له استعن بالله و انكحها فوالله ما رأيت من اختها الا كل خير بل ما رأيت قط مثل اختها ... و تم الحمدلله الزواج بينهما و بالأمس رزقهم الله بمولودتهم الاولى .. و عندما قابلناك انا و زوجتي كنا ذاهبين لزيارتهم و اخبرناهم بأننا رأيناك ففرحوا بذلك واتفقوا على ان يجعلوا اسم ابنتهم على ابنتك او من اختيارك " .. انفرجت اساريري و قمت احمد الله على ان من علي برؤية هاتين الفتاتين معلمات للقران صالحات مصلحات ثم سجدت سجود الشكر و حمدت الله على ان وهبني محبة الناس لي و القبول من عباده .. ثم التفت اليه و قلت له :" اكيد انك متشوق لسماع ما حدث لي في باريس يوم انقطعت عن زوجتك " .. فقمت اقص عليه قصتي و ما حدث لي حتى اتممتها ... تناولنا العشاء ثم خرجت من عنده و قد اخذت منه المواعيد و المواثيق على زيارتي هو و ام احمد و اخوه و زوجته في الايام المقبلة ... ركبت السيارة و ودعته ثم اتجهت الى بيت اهل زوجتي و اخذتها معي و ذهبنا سويا الى البيت .. كانت اسارير وجهي منفرجة و كنت احمد الله ما بين كل فترة و اخرى و اغرق زوجتي بالتدليل و التغنج حتى لا تثير تائرتها من الغيرة .. و بعد ان وصلنا الى البيت ذهبت الى غرفتي لأبدل ملابسي ثم جاءت زوجتي فجلست انا و اياها على زاوية السرير و بدأت احدثها بما حصل لي هذا اليوم .. كنت مندهشا و مسرورا و متعجبا لما حدث .. و احدثها بكل حماسة و فرح و ابتهاج .. فلما بدأت اصف لها ستر ام احمد و حشمتها قامت من عندي و ذهبت لتجلس على كرسي تسريحتها .. اكملت حديثي و كأن شيئا لم يكن لأني اعرف ام سعد و غيرتها .. استمريت في الحديث فلما اخبرتها انهم طلبوا مني ان اسمي ابنتهم الجديدة إلتفت علي بكرسيها الدوار و حدقت في النظر و الغضب يملأ عينيها ثم قالت :" الحمدلله ما عندهم بنت ثالثة " ... عندها لم اتمالك نفسي من الضحك فاستلقيت على السرير و انا اقهقه و اقول ( ان كيدكن عظيم ) ............................. انتهاء 000000000 وهذي هديه مني لك التعامل مع الناس فن من أهم الفنون نظراً لاختلاف طباعهم .. فليس من السهل أبداً أن نحوز على احترام وتقدير الآخرين .. وفي المقابل من السهل جداً أن نخسر كل ذلك .. وكما يقال الهدم دائماً أسهل من البناء .. فإن استطعت توفير بناء جيد من حسن التعامل فإن هذا سيسعدك أنت في المقام الأول لأنك ستشعر بحب الناس لك وحرصهم على مخالطتك ، ويسعد من تخالط ويشعرهم بمتعة التعامل معك . ومن خلال قراءاتي وهذه السنوات القليلة التي أمضيتها من عمري استطعت الخروج ببعض القواعد التي تؤدي إلى كسب حب الناس ويسرني أن أوجزها في النقاط التالية : * كما ترغب أن تكون متحدثاً جيداً.. فعليك بالمقابل أن تجيد فن الإصغاء لمن يحدثك.. فمقاطعتك له تضيع أفكاره وتفقده السيطرة على حديثه.. وبالتالي تجعله يفقد احترامه لك.. لأن إصغائك له يحسسه بأهميته عندك. * حاول أن تنتقي كلماتك.. فكل مصطلح تجد له الكثير من المرادفات فاختر أجملها.. كما عليك أن تختار موضوعاً محبباً للحديث.. وأن تبتعد عما ينفر الناس من المواضيع.. فحديثك دليل شخصيتك. * حاول أن تبدو مبتسماً هاشاً باشاً دائماً.. فهذا يجعلك مقبولاً لدى الناس حتى ممن لم يعرفوك جيداً.. فالابتسامة تعرف طريقها إلى القلب. * حاول أن تركز على الأشياء الجميلة فيمن تتعامل معه.. وتبرزها فلكل منا عيوب ومزايا.. وإن أردت التحدث عن عيوب شخص فلا تجابهه بها ولكن حاول أن تعرضها له بطريقة لبقة وغير مباشرة كأن تتحدث عنها في إنسان آخر من خيالك.. وسيقيسها هو على نفسه وسيتجنبها معك. * حاول أن تكون متعاوناً مع الآخرين في حدود مقدرتك.. ولكن عندما يطلب منك ذلك حتى تبتعد عن الفضول، وعليك أن تبتعد عن إعطاء الأوامر للآخرين فهو سلوك منفر. * حاول أن تقلل من المزاح.. فهو ليس مقبولاً عند كل الناس.. وقد يكون مزاحك ثقيلاً فتفقد من خلاله من تحب.. وعليك اختيار الوقت المناسب لذلك. * حاول أن تكون واضحاً في تعاملك .. وابتعد عن التلون والظهور بأكثر من وجه .. فهما بلغ نجاحك فسيأتي عليك يوم وتتكشف أقنعتك .. وتصبح حينئذٍ كمن يبني بيتاً يعلم أنه سيهدم. * ابتعد عن التكلف بالكلام والتصرفات.. ودعك على طبيعتك مع الحرص على عدم فقدان الاتزان.. وفكر بما تقوله قبل أن تنطق به. * لا تحاول الادعاء بما ليس لديك.. فقد توضع في موقف لا تحسد عليه.. ولا تخجل من وضعك حتى لو لم يكن بمستوى وضع غيرك فهذا ليس عيباً.. ولكن العيب عندما تلبس ثوباً ليس ثوبك ولا يناسبك. * اختر الأوقات المناسبة للزيارة.. ولا تكثرها.. وحاول أن تكون بدعوة.. وإن قمت بزيارة أحد فحاول أن تكون خفيفاً لطيفاً.. فقد يكون لدى مضيفك أعمال وواجبات يخجل أن يصرح لك بها، ووجودك يمنعه من إنجازها .فيجعلك تبدو في نظره ثقيلاً. * لا تكن لحوحاً في طلب حاجتك..لا تحاول إحراج من تطلب إليه قضاؤها.. وحاول أن تبدي له أنك تعذره في حالة عدم تنفيذها وأنها لن تؤثر على العلاقة بينكما. كما يجب عليك أن تحرص على تواصلك مع من قضوا حاجتك حتى لا تجعلهم يعتقدون أن مصاحبتك لهم لأجل مصلحة. * حافظ على مواعيدك مع الناس واحترمها.. فاحترامك لها معهم.. سيكون من احترامك لهم.. وبالتالي سيبادلونك الاحترام ذاته. * ابتعد عن الثرثرة.. فهو سلوك بغيض ينفر الناس منك ويحط من قدرك لديهم. * ابتعد أيضاً عن الغيبة فهو سيجعل من تغتاب أمامه يأخذ انطباعاً سيئاً عنك وأنك من هواة هذا المسلك المشين حتى وإن بدا مستحسناً لحديثك .. وابتعد عن النميمة. عليك بأجمل الأخلاق (التواضع) فمهما بلغت منزلتك ، فإنه يرفع من قدرك ويجعلك تبدو أكثر ثقة بنفسك .. وبالتالي سيجعل الناس يحرصون على ملازمتك وحبك. اخوكـ وادي أبا المياهـ