تكريم  الفنان محمد جمعه خان

من عمالقة الطرب اليمني

محمد جُمعة خان في مهرجانه الأول يكرّم اسمه بتذكار «صنعاء عاصمة للثقافة العربية 2004م»

"الثلاثاء, 28-ديسمبر-2004"

صحيفة الثورة - خالد عبدالعزيز القعيطي - رغم مرور (41) عاماً على رحيل الفنان محمد جمعة خان، أحد عمالقة الطرب اليمني، إلاَّ أن أغنياته الصادقة الحضرمية جداً لا تزال لها جماهيرية، وكلماتها وألحانها محفوظة للكثيرين، ولم ينجح مرض العصر «النسيان» في التقليل من شأن مطرب يُعد - بلا شك - أحد أعظم أصوات الغناء في بلادنا في الزمن الجميل خلال النصف الأول من القرن العشرين، وقصته مع الطرب مليئة بالتفاصيل، تحدّث عنها كتاب تصدره وزارة الثقافة والسياحة ضمن إصدارات صنعاء عاصمة للثقافة العربية 2004م بعنوان «محمد جمعة خان، الأغنية الحضرمية الخالدة»، تأليف الصحفي القدير عزيز الثعالبي، وسيكون هذا الكتاب إضافة جديدة للمكتبة اليمنية، قدّم له الدكتور عبدالله حسين محمد البار، مُحاضر في كلية الآداب بجامعة صنعاء.
وجاء تكريم اسم الفنان محمد جمعة خان في ختام فعاليات صنعاء عاصمة للثقافة العربية 2004م، لمن يستحق في مهرجان يحتضنه المركز الثقافي بالعاصمة صنعاء اليوم وتشارك في إحياء فعالياته جمعية فناني حضرموت للموسيقى والتراث الغنائي، وتقدم مختارات من روائعه.
شيء من مسيرته الفنية
{ الفنان محمد جمعة خان من مواليد عام 1903م في قرية (قرن ماجد) بوادي دوعن، من أُمٍّ حضرمية وأب قدم من الهند ضمن من جاءوا من المحاربين الذين استقدمهم السلطان القعيطي لتثبيت سلطته في حضرموت، عشق الطرب منذ طفولته، ومع أيامه الأولى في المدرسة الابتدائية أحس بشيء من الحرية الشخصية بين أقرانه وزملائه، وبدأت شخصيته تتبلور شيئاً فشيئاً، وبدأت صلته بدنيا النغم بتعلم العزف على آلة السمسبة، وبما أن الغناء على هذه الآلة لابد له من صوت قوي، فإن صوت محمد جمعة كان خير من أدى أغاني زمان على هذه الآلة، وباحتكاكه بالرعيل القديم من المطربين استطاع أن يتعلم من المطرب «سعيد العبد» العزف على آلة العود، ومن يومها عشق العود وظل مع الوقت يتطور ليحتل المكان اللائق به في ميدان الغناء، وأضحى بعد ذلك متفوقاً في عزف آلة العود.
وخلال العقد الثاني من عمره عمل بالفرقة الموسيقية السلطانية كعازف على (الكلارنيت)، فكانت آلات هذه الفرقة وقتئذ تتكون من الطبول والمزامير وبعض الآلات النحاسية القديمة التي أصبحت اليوم زينة المتاحف، وتولى قيادة هذه الفرقة بعد وفاة مسؤولها الأول، ثم أحيل إلى التقاعد ليتفرغ لفنه، وهكذا أراد لنفسه أن يغني ويلحن ويسرح مع وجدانه بالموسيقى على الرغم من أن كل شيء في عصره كان غير متوفر لتوصيل الفن في طول البلاد وعرضها.
عصر الميكرفون والاسطوانات
{ لا شك في أن دخول المطرب عصر الميكرفون كان حدثاً كبيرآً ونقطة تحول في حياته الفنية، وقضى محمد خان زمانه في رحلات فنية متصلة من مدينة إلى أخرى، ومن قطر إلى آخر، وقام بتعبئة أغانيه على اسطوانات الشمع، ولاقت في ذلك الوقت الإقبال الشديد، حين كانت الاسطوانات الوسيلة الوحيدة ليسمع عشاق المغنى ما يروق لهم من الألحان، وكانت وسائل التسجيل ما زالت في مهدها لم تنضج.
التطور في حدود الإمكانيات
{ أخذ محمد جمعة خان يثقف نفسه في أمور الحياة العامة بأبعاد موضوعية، كانت هي الحافز الوحيد له لبذل جهود مضنية في تطوير الأغنية في حدود إمكانيات تلك الحقبة، وبعث التراث القديم الذي كان مقبوراً في صدور الحفاظ، فدأب يحفظ عدداً هائلاً من الأغاني الشعبية التي يستقي أنغامها من تراث المجتمع ويستمد خامته منها، فكانت ألحانها المليئة بالنغم والرقص تظهر تلقائياً في أغنياته دون عناء أو تكلُّف أو تصنُّع، لكن ثمرة كفاحه على النطاق المحلي لم تسد احتياجاته الضرورية كلها، فسافر في فترات متفاوتة إلى بعض الأقطار في شرق أفريقيا والجزيرة والخليج، وأحيا في كل منها حفلات غنائية جاد فيها بالجديد وحاول تحسين ما هو موجود من الألحان والشعر الذي يختاره لألحانه، فهو ينتقي قصائد كبار الأدباء، حيث غنى قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر وادي حضرموت صالح علي الحامد، والشاعر الفنان عبدالله محمد باحسن «جميل الليل»، وتابع ألحان الفنان سلطان بن الشيخ علي بن هرهرة المتوفي عام 1903م، وكان الشاعر المحامي والصحفي الراحل حسين محمد البار يعتبر بالنسبة له بمثابة حسين السيد بالنسبة للموسيقار محمد عبدالوهاب، فيأتي نتاجه ممتلئاً بالحيوية ومتحركاً ينبض بالتجربة التي تظل تغذيها، وذات يوم انقطع الشاعر الفنان حداد حسن الكاف - أحد عمالقة الدان الحضرمي - عن سماع الفنان محمد جمعة خان، وقال في قصيدة لتحيته :
آه الهوى من عندك علمتنا ... وروحي المفتاقة
كم من مغني صوته ما شاقنا ... مهما طنب في أشواقه
عسى ليالي أنسك ترجع لنا ... والغصن تحيا أوراقه
لقد سمعنا كثيرين يغنون القصائد أو الأغاني التي ترنم بها الفنان محمد جمعة خان، رغم ما يتمتع به أولئك المرددون من مواهب وإمكانيات، إلاَّ كانت بعيدة عن الأداء الأصلي، بُعد نسخة الكاربون عن الأصل للمكتوب الصافي (على حد تعبير المؤرخ والأديب محمد عبدالقادر بامطرف).

* توفي الفنان محمد جمعة خان يوم 25 ديسمبر 1963م

 

 

 

الحقوق محفوظه لـ شبكة حضرموت العربية 2004 م

الرئسية